أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - عندما تخاف السلطة من العقول .. العراق بين إقصاء الكفاءة وصناعة التملق















المزيد.....

عندما تخاف السلطة من العقول .. العراق بين إقصاء الكفاءة وصناعة التملق


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 09:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


**مقدمة: الدولة التي تخشى الأسئلة لا تصنع المستقبل
في الدول التي تحترم الإنسان، لا يكون المفكر عبئاً على السلطة، ولا يكون الباحث مصدر إزعاج للمسؤول، ولا يُنظر إلى صاحب الرأي المختلف باعتباره خصماً يجب إبعاده.. فالدولة الحديثة تقوم على قاعدة بسيطة: أن المعرفة هي البوصلة، وأن القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن يُبنى على الرغبات الشخصية أو الولاءات الضيقة، بل على الخبرة والعلم والقدرة على تشخيص المشكلات.
أما الدول التي تعاني أزمة في مفهوم الحكم، فإنها تفعل العكس تماماً؛ تقرّب من يصفق، وتبعد من يسأل، تكافئ من يوافق، وتعاقب من ينتقد، حتى تصبح دائرة القرار مغلقة أمام أصحاب المعرفة، ومفتوحة أمام أصحاب الولاء والمصلحة.
وهنا تبدأ أخطر مراحل انهيار الدولة: عندما تفقد قدرتها على التعلم من أخطائها.
فالدولة التي لا تستمع إلى علمائها ومفكريها لا تفشل لأنها تفتقر إلى العقول، بل لأنها اختارت أن تهدرها.
**العراق بعد 2003: فرصة تاريخية ضاعت بين المحاصصة وضعف المؤسسات
كان سقوط النظام السابق عام 2003 لحظة تاريخية كان يمكن أن تكون بداية لبناء دولة حديثة تقوم على المؤسسات والكفاءة والمواطنة... ؛ فقد امتلك العراق بعد عقود طويلة من الحروب والحصار والديكتاتورية فرصة لإعادة تأسيس نظام سياسي يفتح المجال أمام العلماء والخبراء وأصحاب الاختصاص للمشاركة في بناء الدولة.
لكن الواقع الذي تشكل لاحقاً كشف عن مشكلة عميقة: انتقال الدولة من منطق المؤسسة إلى منطق التوازنات الحزبية والمصالح الفئوية.
فبدلاً من أن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والخبرة والنزاهة، أصبح الانتماء السياسي أو الحزبي أو القرب من مراكز النفوذ في كثير من الأحيان عاملاً حاسماً في الوصول إلى المواقع العامة.
وهكذا نشأت بيئة سياسية لا تشجع دائماً على بروز أصحاب المشاريع الفكرية والعلمية، بل تميل إلى إنتاج شخصيات تجيد إدارة الولاء أكثر مما تجيد إدارة الدولة.
**لماذا تخاف بعض القوى السياسية من المثقف والباحث؟
إن الخوف من أصحاب الفكر ليس ظاهرة عراقية فقط، بل هو سلوك معروف في الأنظمة التي تعاني ضعف الشرعية أو هشاشة المؤسسات.
فالمفكر الحقيقي لا يقدم التصفيق، بل يقدم الأسئلة.
والباحث الجاد لا يبحث عن رضا المسؤول، بل يبحث عن الحقيقة.
والخبير لا يزين الواقع، بل يكشف الخلل.
ولهذا فإن بعض السياسيين الذين يفتقرون إلى الرؤية العلمية ينظرون إلى أصحاب المعرفة باعتبارهم مصدر إحراج، لأن الباحث يكشف التناقضات، والمثقف يفضح الأخطاء، والخبير يرفض الحلول السطحية.
فالسياسي الواثق من نفسه يبحث عمن يصحح أخطاءه، أما السياسي الضعيف فيبحث عمن يبررها.
**ثقافة التملق: حين يصبح التصفيق طريقاً إلى السلطة
من أخطر الظواهر التي تعيق تطور المجتمعات انتشار ثقافة التملق، حيث يتحول بعض الأشخاص من أدوات للنقد والبناء إلى أدوات لتجميل صورة المسؤول أو الحزب أو الجماعة.
في هذه البيئة لا تصبح قيمة الإنسان بما يعرف، بل بمن يعرف.
ولا يصبح السؤال: ماذا يستطيع أن يقدم للدولة؟ بل: لمن يدين بالولاء؟
وهنا تظهر طبقة من المستفيدين الذين يعيشون على قربهم من أصحاب القرار: إعلاميون يبحثون عن الشهرة، وأصحاب محتوى سطحي يلاحقون الانتشار، وشخصيات تفتقر إلى المشروع لكنها تمتلك القدرة على صناعة الضجيج.
إن المشكلة ليست في وجود الترفيه أو الإعلام الشعبي بحد ذاته، فالمجتمعات تحتاج إلى تنوع في التعبير، وإنما المشكلة عندما تصبح السطحية بديلاً عن المعرفة، وعندما يتحول الضجيج إلى معيار للنجاح، بينما يُهمش الباحث والعالم والمختص.
**النفسية الاجتماعية العراقية: بين احترام العلم وتمجيد القوة
توجد في الثقافة العراقية تناقضات عميقة؛ فمن جهة هناك تاريخ حضاري عريق واحترام للعلم والمعرفة، ومن جهة أخرى تراكمت عبر عقود طويلة ثقافة سياسية جعلت القرب من السلطة أحياناً أهم من الكفاءة.
لقد عانى العراقيون طويلاً من أنظمة جعلت الخوف أداة للحكم، فترسخت لدى بعض الناس آليات اجتماعية تقوم على الحذر والانحناء أمام القوة، وعلى محاولة الاقتراب من صاحب النفوذ بدلاً من مواجهته بالنقد.
وهذا لا يعني أن المجتمع العراقي يفتقر إلى المثقفين أو أصحاب الفكر، بل على العكس؛ فقد أنجب العراق عبر تاريخه مفكرين وعلماء وأدباء كباراً... ؛ لكن المشكلة تكمن في البيئة السياسية التي كثيراً ما لم تمنح هؤلاء المكانة التي يستحقونها.
فالمجتمع الذي لا يحمي صاحب الفكر، يدفعه إلى الصمت أو الهجرة.
**هجرة العقول: الخسارة التي لا تظهر في ميزانية الدولة

لا توجد دولة تخسر ثروتها الطبيعية فقط، بل قد تخسر ثروتها البشرية أيضاً.
فالعالم والطبيب والمهندس والباحث والأستاذ الجامعي ليسوا مجرد أفراد، بل هم رأس مال استراتيجي.
وعندما يجد الإنسان الكفوء أن فرصته في وطنه مرتبطة بالواسطة أكثر من الإنجاز، وأن الولاء يتقدم على الاختصاص، فإنه يبحث عن بيئة أخرى تحترم قدرته.
ولهذا فإن هجرة العقول العراقية ليست مجرد قضية شخصية، بل هي مؤشر على خلل عميق في طريقة إدارة الدولة.
فالدولة التي تدفع أبناءها المتميزين إلى الرحيل ثم تستورد الخبرات من الخارج، تشبه من يهدم أساس بيته ثم يبحث عن مهندس لإصلاحه.
**الدولة التي تهزم عقولها تهزم مستقبلها
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد ليس نقص الموارد، بل سوء إدارة الموارد.
فالعراق يمتلك النفط والموقع الجغرافي والثروة البشرية، لكنه يعاني أزمة في تحويل هذه الإمكانات إلى تنمية حقيقية.
والسبب ليس غياب الكفاءات، بل غياب البيئة التي تمنح الكفاءة دورها الطبيعي.
فعندما يصبح الولاء بديلاً عن الخبرة، والضجيج بديلاً عن الفكر، والمجاملة بديلاً عن النقد، تتحول مؤسسات الدولة إلى هياكل بلا روح.
الأمم لا تنهار فقط عندما تفقد المال، بل عندما تفقد احترامها للعقل.
والدولة التي تخشى المفكرين ستبقى أسيرة لمن يصفقون لها، أما الدولة التي تستمع إلى أصحاب المعرفة فهي وحدها القادرة على بناء مستقبل مختلف.
فالمشكلة الحقيقية ليست أن العراق يفتقر إلى العقول، بل أن العقول العراقية كثيراً ما وجدت نفسها في مواجهة نظام سياسي لا يعرف كيف يستفيد منها.
وهنا يكمن السؤال الأكبر:
هل تريد الدولة من أبنائها أن يكونوا مواطنين يفكرون، أم تابعين يصفقون؟
فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد شكل العراق القادم.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثقف العضوي... هادم الأصنام وباني الوعي
- الهيبة في البيئات الجاهلة... حين يصبح العنف لغةً لانتزاع الا ...
- من خدمة المواطن إلى مطاردته : حين تتحول الدولة إلى خصم
- بريطانيا وصناعة الدولة العراقية
- حين تأتي الدولة بالشفلّ الاصفر ... متأخرةً مئة عام
- المعادلة المنكوسة : كيف أصبح العراقي غريباً في وطنه ؟!
- الدولة العراقية : سوسيولوجيا الهجنة وصراع الأصيل مع الدخيل
- القراءة التي لا تترك الإنسان كما كان
- سبايا الإمبراطورية العثمانية .. الأسر والرق والاتجار بالنساء ...
- العراقي المتوتر... حين تتحول الحياة اليومية إلى معركة استنزا ...
- كان حجرُ جبلِ سنجارَ أحنَّ
- الشتيمة التي تهدم وطناً
- الفلسفة الكلبية: من تمرد ديوجين إلى حكمة الرواقية وتحول الكل ...
- الأمن الوطني وبناء الدولة: كيف يمكن التوفيق بين الاستقرار وا ...
- لا وطن ينهض بالتبعية: في الدفاع عن الهوية الوطنية العراقية
- الجولاني... التهديد الذي يفرض على العراق أقصى درجات اليقظة
- المسؤولية الدولية وعناصر الإلزام بالتعويض عن تمويل الإرهاب و ...
- العقل المحدود... سيّد المعرفة الوحيد
- العراق أولًا… أم الأيديولوجيا أولًا؟
- حصر السلاح بيد الدولة في العراق ولبنان .. بين متطلبات بناء ا ...


المزيد.....




- العاهل السعودي يوجه بإطلاق اسم الملك المؤسس على جامع سيتم بن ...
- أطفال غزة لا يخشون سيارة الإسعاف هذه.. إنها -حافلة الأحلام- ...
- اكتشاف آلية تلف الأوعية الدموية في ألزهايمر
- موسكو: نظام كييف عاجز يعيله الدعم الغربي
- حكم الأغلبية في أمريكا – استبداد ونقص في الخبرة السياسية
- ضربات جوية على منشآت سرية في كييف تشلّ قيادة الجيش الأوكراني ...
- البرازيل تحظر المراهنات ذات الاحتمالات الثابتة
- -أوبن إيه آي- تكشف تسريب 53 صورة قدمها مستخدمون عبر وكلاء ال ...
- البيت الأبيض يستبعد CNN من مرافقة ترامب على الطائرة الرئاسية ...
- طريقة آمنة وفعالة لخفض ضغط الدم


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - عندما تخاف السلطة من العقول .. العراق بين إقصاء الكفاءة وصناعة التملق