أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - الهيبة في البيئات الجاهلة... حين يصبح العنف لغةً لانتزاع الاحترام














المزيد.....

الهيبة في البيئات الجاهلة... حين يصبح العنف لغةً لانتزاع الاحترام


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 10:31
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تتباين معايير الهيبة والاحترام من بيئة إلى أخرى تبعًا لمستوى الوعي والثقافة والنضج الاجتماعي... ؛ ففي المجتمعات الواعية والمتحضرة تُبنى الهيبة على المعرفة والكفاءة والأخلاق والاتزان النفسي، أما في البيئات الجاهلة والبدائية فإن معايير الهيبة تختلف اختلافًا كبيرًا، حتى يكاد العنف والحدة والغلظة يتحولان إلى أدوات رئيسية لفرض الاحترام وانتزاع المكانة.
ومن هنا يمكن فهم القاعدة الاجتماعية التي تقول: كلما انخفض مستوى الوعي بمحيط الإنسان، ازدادت حاجته إلى إظهار الحدة والقسوة حتى يُحترم، وكلما ارتفع مستوى الوعي قلَّت حاجته إلى ذلك، لأن القيمة تُفهم من غير ضجيج.
فالإنسان الذي ينشأ في بيئة جاهلة يتعلم منذ طفولته أن اللين ضعف، وأن التسامح عجز، وأن الهدوء استسلام، وأن الشخص المهذب يمكن تجاوزه أو التعدي عليه... ؛ لذلك يضطر إلى بناء شخصية حادة الملامح، مرتفعة الصوت، سريعة الغضب، شديدة الانفعال، لأنه يدرك أن محيطه لا يفهم لغة العقل والحكمة، بل يتعامل غالبًا بمنطق القوة والخشية.
وفي مثل هذه البيئات قد تجد الإنسان يرفع صوته لا لأنه قوي، بل لأنه يخشى أن يُعدَّ ضعيفًا... ؛ ويُظهر القسوة لا لأنه شرير، بل لأنه تعلم أن الرقة لا تمنحه مكانة اجتماعية... ؛ وقد يبالغ في التهديد والعنف اللفظي أو الجسدي لأنه يعتقد أن الهيبة لا تُكتسب إلا بالخوف... ؛ ومن الأمثلة الواقعية الدالة على هذه الظاهرة شيوع المقولة الشهيرة بين سكان تكريت: «صير مهيوب ولا تصير محبوب». فهذا المثل لا يعبّر عن حكمة اجتماعية عابرة فحسب، بل يكشف عن منظومة قيم ترى أن الهيبة القائمة على الخشية والخوف أكثر أهمية من المحبة القائمة على القبول والاحترام المتبادل... ؛ ومن ثمّ فإنه يعكس نمطاً تربوياً واجتماعياً يُعلي من شأن السلطة والرهبة والقدرة على فرض الإرادة، أكثر مما يُعلي من قيم الألفة والتسامح وكسب القلوب... ؛ لذلك يمكن الاستدلال به بوصفه أحد المؤشرات الثقافية التي ساهمت في ترسيخ هذه التربية وإعادة إنتاجها عبر الأجيال.
إنها مفارقة مؤلمة؛ فالمجتمع الجاهل كثيرًا ما يدفع أفراده إلى ارتداء أقنعة خشنة لا تشبه حقيقتهم. فكم من إنسان رقيق الطبع اضطرته بيئته إلى التظاهر بالقسوة، وكم من شخص مسالم تعلّم أن يقطب حاجبيه ويشتد في حديثه كي يحافظ على مكانته بين الناس.
وعلى النقيض من ذلك، كلما ارتفع مستوى الوعي والثقافة في المجتمع، أصبحت الحاجة إلى استعراض القوة أقل... ؛ فالناس في البيئات الواعية يحترمون الطبيب لعلمه، والأستاذ لمعرفته، والقاضي لعدالته، والمفكر لفكره، ولا يحتاج هؤلاء إلى الصراخ أو التهديد أو إظهار العنف كي يثبتوا قيمتهم.
فالإنسان الواعي يستطيع أن يدرك قيمة الآخرين من خلال أفكارهم وأخلاقهم وإنجازاتهم، بينما يحتاج الإنسان الجاهل إلى المظاهر الصاخبة والرموز الخشنة ليقتنع بالمكانة والقيمة... , لذلك قيل إن الهيبة عند الجاهل تُنتزع، وعند الواعي تُمنح.
إن الهيبة الحقيقية ليست في حدة الصوت، ولا في قسوة الملامح، ولا في القدرة على التخويف والإيذاء، بل في الحضور الأخلاقي والفكري الذي يفرض احترامه دون إكراه... ؛ فالإنسان كلما ازداد وعيه أدرك أن الاحترام الذي يُبنى على الخوف مؤقت وزائف، أما الاحترام الذي يُبنى على الحكمة والكفاءة والخلق فهو الأعمق والأبقى.
ولهذا فإن انتشار مظاهر العنف والحدة والتشدد في بعض البيئات ليس دليلًا على قوة أفرادها، بل قد يكون في كثير من الأحيان انعكاسًا لضعف البنية الثقافية والاجتماعية فيها... ؛ فحين تعجز المجتمعات عن إدراك القيمة بهدوء، تضطر القيمة إلى أن تتحدث بصوت مرتفع.
إنها إحدى مفارقات الاجتماع الإنساني: كلما قلّ الوعي ارتفع الضجيج، وكلما ارتفع الوعي سادت الطمأنينة... ؛ فالهيبة التي تحتاج إلى الصراخ ليست هيبة، والقوة التي لا تُرى إلا في العنف ليست قوة، وإنما هي محاولة يائسة لانتزاع احترامٍ لم تستطع الثقافة أن تمنحه.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من خدمة المواطن إلى مطاردته : حين تتحول الدولة إلى خصم
- بريطانيا وصناعة الدولة العراقية
- حين تأتي الدولة بالشفلّ الاصفر ... متأخرةً مئة عام
- المعادلة المنكوسة : كيف أصبح العراقي غريباً في وطنه ؟!
- الدولة العراقية : سوسيولوجيا الهجنة وصراع الأصيل مع الدخيل
- القراءة التي لا تترك الإنسان كما كان
- سبايا الإمبراطورية العثمانية .. الأسر والرق والاتجار بالنساء ...
- العراقي المتوتر... حين تتحول الحياة اليومية إلى معركة استنزا ...
- كان حجرُ جبلِ سنجارَ أحنَّ
- الشتيمة التي تهدم وطناً
- الفلسفة الكلبية: من تمرد ديوجين إلى حكمة الرواقية وتحول الكل ...
- الأمن الوطني وبناء الدولة: كيف يمكن التوفيق بين الاستقرار وا ...
- لا وطن ينهض بالتبعية: في الدفاع عن الهوية الوطنية العراقية
- الجولاني... التهديد الذي يفرض على العراق أقصى درجات اليقظة
- المسؤولية الدولية وعناصر الإلزام بالتعويض عن تمويل الإرهاب و ...
- العقل المحدود... سيّد المعرفة الوحيد
- العراق أولًا… أم الأيديولوجيا أولًا؟
- حصر السلاح بيد الدولة في العراق ولبنان .. بين متطلبات بناء ا ...
- العراق بين استهلاك الأفكار وصناعة التاريخ: من التلقي الأيديو ...
- العراق العربي وعراق العجم: الدلالة التاريخية والجغرافية للمص ...


المزيد.....




- عراقجي يكشف خطط الرئيس الإيراني خلال زيارته إلى نيويورك
- حصريا: انطلاق العام الدراسي في إيران مع ارتفاع الرسوم 3 أضعا ...
- المغرب: استثمارات ومشاريع كبرى فهل يجد الشباب نصيبه من ثماره ...
- فوائد لا تتوقعها .. لماذا ينصح الخبراء بالحبوب الكاملة؟
- العلاقات الروسية الجزائرية.. من إزالة 1.5 مليون لغم فرنسي إل ...
- اختطاف أسير محرر في قطاع غزة
- هجوم مكثف على أهداف في أوكرانيا
- مجموعات كبيرة من المستوطنين تهاجم بلدة سلواد شرق رام الله
- دراسة يابانية: مستخلص الكركم يحسّن مؤشرات الذاكرة والانتباه ...
- إيران تبدأ -الهندسة العكسية- لغواصة أمريكية مسيرة انتشلتها ف ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - الهيبة في البيئات الجاهلة... حين يصبح العنف لغةً لانتزاع الاحترام