أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض سعد - المثقف العضوي... هادم الأصنام وباني الوعي














المزيد.....

المثقف العضوي... هادم الأصنام وباني الوعي


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 10:27
المحور: قضايا ثقافية
    


اعتاد كثيرون أن يقيسوا قيمة المثقف بمدى اصطدامه بالسلطة السياسية، حتى أصبح النقد السياسي في نظر البعض هو المعيار الوحيد للمثقف الحقيقي... , وهذه نظرة قاصرة؛ لأن الاستبداد لا يُنتج نفسه بنفسه، ولا يعيش بمعزل عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي تحتضنه وتعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل.
صحيح أن المثقف الذي يزعج السلطات يؤدي وظيفة مهمة، لكن إزعاج السلطة لا يعني أن يصبّ كل حبر قلمه في نقد الحكومات أو مهاجمة السياسيين، خصوصًا في البلدان التي تُعدّ فيها السياسة حقلًا للألغام، وقد يدفع الكاتب فيها ثمنًا باهظًا لموقف أو كلمة... , ومع ذلك، فإن مساحة النقد السياسي -على أهميتها- تبقى جزءًا صغيرًا من الرسالة الكبرى التي ينبغي أن ينهض بها المثقف العضوي والحيوي.
فالمثقف الحقيقي لا يحارب الأشخاص بقدر ما يحارب الأفكار التي تصنع الأشخاص، ولا يواجه الحكومات وحدها، بل يواجه البنية الثقافية التي تنتج الاستبداد والفساد والتخلف.. , إنه يدرك أن الطاغية لا يولد في القصر، بل يولد أولًا في المدرسة، وفي البيت، وفي المسجد، وفي العشيرة، وفي وسائل الإعلام، وفي العادات والتقاليد، ثم يجد طريقه لاحقًا إلى كرسي الحكم.
إن المجتمع العربي والعراقي على وجه الخصوص، لا يعاني من أزمة سياسية فحسب، بل من شبكة معقدة من الأمراض الفكرية والنفسية والاجتماعية والسلوكية التي تتشابك فيما بينها، فتشل حركة المجتمع وتمنع تطوره... ؛ فالطائفية، والعنصرية، والتعصب، وتقديس الأشخاص، والخضوع للأعراف البالية، واحتقار العمل اليدوي، والخوف من الاختلاف، وثقافة المؤامرة، والاستسلام للخرافة، وتغييب العقل النقدي، ليست مجرد ظواهر عابرة، بل هي التربة الخصبة التي ينمو فيها الاستبداد ويترعرع الفساد.
ومن هنا، فإن وظيفة المثقف العضوي ليست أن يصف نتائج المرض، بل أن يكشف أسبابه العميقة... , فليس دوره أن يكتفي بمهاجمة الفاسدين، وإنما أن يسأل: كيف يصنع المجتمع الفاسد؟
وكيف تتحول الخرافة إلى يقين؟
وكيف يصبح الجهل فضيلة؟
وكيف يتحول المستبد إلى بطل في أعين ضحاياه؟
ولماذا يدافع الناس عن القيود التي تكبلهم؟
إن المجتمعات لا تتغير بإسقاط الأصنام الحجرية، بل بتحطيم الأصنام الفكرية التي تسكن العقول.. , وأخطر الأصنام ليست تلك المنحوتة من الحجر، وإنما تلك المصنوعة من الأفكار الموروثة، والعادات المقدسة، والمسلمات التي لا يجرؤ أحد على مناقشتها... ؛ فكم من خرافة تحكم العقول أكثر مما يحكمها القانون، وكم من عادة اجتماعية عطلت التنمية، وكم من فكرة موروثة أصبحت حارسًا للاستبداد دون أن يشعر أصحابها.
ولهذا كان المثقف العضوي في كل الحضارات هادمًا للأصنام قبل أن يكون ناقدًا للسلطات... ؛ فهو يصطدم بكل فكرة تعيق نمو الإنسان، مهما كان مصدرها، ويعيد مساءلة المسلمات، ويوقظ العقل من سباته، ويحرر الوعي من الخوف، ويزرع الشك المنهجي في مواجهة اليقين الزائف... ؛ إنه لا يكتب لإرضاء الجمهور، بل لرفع مستوى وعيه، ولا يغازل الثقافة السائدة، بل يختبرها وينقدها ويكشف تناقضاتها.
لكن المشكلة أن كثيرًا من أمراض المجتمع تمتلك دائمًا "حراسًا للمعبد"، يدافعون عنها بوصفها تراثًا أو هوية أو مقدسات لا يجوز الاقتراب منها... ؛ فكل فكرة متخلفة تجد من يحرسها، وكل عادة ضارة تجد من يبررها، وكل انحراف اجتماعي يجد من يمنحه غطاءً دينيًا أو عشائريًا أو أيديولوجيًا... ؛ ولذلك فإن معركة المثقف ليست مع الجهل وحده، بل مع الذين يستثمرون في بقائه.
ولو أن جزءًا من المثقفين، وليس جميعهم، تفرغوا لدراسة هذه الأمراض الاجتماعية والفكرية والنفسية، وكتبوا عنها بجرأة ومنهجية واستمرار، لأثمر ذلك تحولًا عميقًا في الوعي العام... ؛ فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل المؤسسة، ومن العقل قبل القانون، ومن الثقافة قبل السياسة.
إن الاستبداد لا يستطيع أن يعيش في مجتمع يمتلك وعيًا نقديًا، كما أن الفساد لا يجد بيئة خصبة بين مواطنين يعرفون حقوقهم وواجباتهم، ويمتلكون القدرة على مساءلة الأفكار قبل مساءلة الحكام... ؛ وكل يوم ينجح فيه المثقف في تحرير عقل واحد من الخرافة، أو تفكيك وهم اجتماعي، أو إسقاط صنم فكري، فإنه يكون قد ضيق المساحة التي يتحرك فيها الاستبداد، وأغلق نافذة يتسلل منها الفساد.
لهذا فإن مسؤولية المثقف لا تقتصر على كتابة المقالات أو إصدار الكتب، بل تتمثل في صناعة الوعي، وإعادة تشكيل العقل الجمعي، وتأسيس ثقافة نقدية تجعل المجتمع أكثر قدرة على مقاومة التضليل، وأكثر استعدادًا لبناء دولة القانون والمؤسسات.
لقد أثبت التاريخ أن الثورات السياسية قد تغيّر الحكومات في أيام، أما الثورات الثقافية فتغيّر الشعوب في عقود، لكنها وحدها القادرة على صناعة مستقبل مختلف... ؛ فالحاكم المستبد قد يسقط، أما إذا بقيت الثقافة التي أنجبته على حالها، فإن المجتمع لن يلبث أن يصنع مستبدًا جديدًا.
ولذلك يبقى المثقف العضوي هو الضمير الحي للأمة، والطبيب الذي يشخص أمراضها، والمهندس الذي يعيد بناء وعيها، وهادم الأصنام الفكرية التي تعيق نهضتها... ؛ فالمعركة الحقيقية ليست مع الأشخاص، بل مع الأفكار التي تصنعهم، وليس مع النتائج، بل مع الأسباب التي تعيد إنتاجها... , وحين ينتصر الوعي، يتراجع الجهل، وتضيق مساحة الاستبداد، ويصبح المجتمع نفسه الحارس الأول للحرية والعدالة والتنمية.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهيبة في البيئات الجاهلة... حين يصبح العنف لغةً لانتزاع الا ...
- من خدمة المواطن إلى مطاردته : حين تتحول الدولة إلى خصم
- بريطانيا وصناعة الدولة العراقية
- حين تأتي الدولة بالشفلّ الاصفر ... متأخرةً مئة عام
- المعادلة المنكوسة : كيف أصبح العراقي غريباً في وطنه ؟!
- الدولة العراقية : سوسيولوجيا الهجنة وصراع الأصيل مع الدخيل
- القراءة التي لا تترك الإنسان كما كان
- سبايا الإمبراطورية العثمانية .. الأسر والرق والاتجار بالنساء ...
- العراقي المتوتر... حين تتحول الحياة اليومية إلى معركة استنزا ...
- كان حجرُ جبلِ سنجارَ أحنَّ
- الشتيمة التي تهدم وطناً
- الفلسفة الكلبية: من تمرد ديوجين إلى حكمة الرواقية وتحول الكل ...
- الأمن الوطني وبناء الدولة: كيف يمكن التوفيق بين الاستقرار وا ...
- لا وطن ينهض بالتبعية: في الدفاع عن الهوية الوطنية العراقية
- الجولاني... التهديد الذي يفرض على العراق أقصى درجات اليقظة
- المسؤولية الدولية وعناصر الإلزام بالتعويض عن تمويل الإرهاب و ...
- العقل المحدود... سيّد المعرفة الوحيد
- العراق أولًا… أم الأيديولوجيا أولًا؟
- حصر السلاح بيد الدولة في العراق ولبنان .. بين متطلبات بناء ا ...
- العراق بين استهلاك الأفكار وصناعة التاريخ: من التلقي الأيديو ...


المزيد.....




- قاتلا مع روسيا.. زيلينسكي يكشف مصير جنديين كوريين شماليين أُ ...
- زيلينسكي يحذّر روسيا: سنجعل الشتاء مؤلماً لكم أيضاً
- رئيس وزراء إسبانيا يدعو لإصلاح مجلس الأمن وإلغاء حق -الفيتو- ...
- قاضٍ أمريكي يأمر إدارة ترامب بإعادة دخول شبكتي CNN وMS NOW و ...
- ضربات ليلية استهدفت مواقع في عدة مناطق أوكرانية منها كييف وأ ...
- بحجم فيل.. العثور على هيكل عظمي لوحيد القرن السيبيري
- روسيا تختبر مركباتها الفضائية الجديدة خريف العام الجاري
- روسيا بصدد تطوير لقاح جديد ضد التهاب الدماغ المنقول بالقراد ...
- باحثون يطورون جسيمات نانوية قابلة للحقن تعيد الضوء إلى الشبك ...
- دعوى في فرنسا ضد الجيش الإسرائيلي


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض سعد - المثقف العضوي... هادم الأصنام وباني الوعي