تيار الثورة الاشتراكية
منظمة سياسية
(Socialist Revolution Current)
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 04:03
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
بقلم: محمد السايس
لم تكن احتجاجات 20 سبتمبر 2019 في مصر حدثًا عابرًا أو «هفوة» في مسار الاستقرار الذي روّج له النظام، بل كانت لحظة كشف عارية عن عمق التناقضات التي كانت تتراكم منذ سنوات بين سياسات اقتصادية قاسية، وانغلاق سياسي متعمّد، وتآكل متسارع لمستويات المعيشة لدى الغالبية الساحقة من المصريين. هذه الورقة لا تهدف إلى سرد تفصيلي للأحداث بقدر ما تسعى إلى تفكيك البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت تلك اللحظة، ثم تحليل رد فعل الدولة عليها، وأخيرًا استخلاص الدروس التنظيمية والسياسية التي تفرضها تلك التجربة.
الرجوع الى اللحظة السياسية والظروف الاقتصادية التي مهدت الطريق للاحتجاجات
لا يمكن فهم احتجاجات سبتمبر 2019 من دون الغوص في التحولات الاقتصادية الجذرية التي شهدتها مصر منذ نوفمبر 2016، حين قرّرت الحكومة تعويم الجنيه المصري كجزء من برنامج إصلاح اقتصادي اشترطه صندوق النقد الدولي مقابل قرض بقيمة 12 مليار دولار. لم يكن التعويم مجرد إجراء فني متعلق بسعر الصرف، بل كان المدخل لسلسلة من السياسات التي غيّرت بنية الاقتصاد المصري وطريقة توزيع أعبائه على الطبقات الاجتماعية.
انخفضت قيمة الجنيه بنحو 50% مقابل الدولار بين 2016 و2019، وهو ما ولّد موجة تضخّمية حادة تجاوزت 30% في 2016 وحده، واستمرت في الارتفاع في السنوات التالية. لكن التضخّم لم يكن مجرد رقم في تقارير البنك المركزي، بل كان واقعًا يوميًا يترجم إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل والإيجارات، أي كل ما يتصل بالحياة الأساسية للناس. وفي الوقت نفسه، تراجعت الأجور الحقيقية للعمال والموظفين في القطاعين العام والخاص.
ترافق التعويم مع حزمة إجراءات تقشّفية شملت رفع أسعار الوقود والكهرباء تدريجيًا، وإدخال ضريبة القيمة المضافة بنسبة 14%، وتخفيض الدعم على السلع الأساسية. هذه السياسات، التي قُدّمت بوصفها «إصلاحًا هيكليًا» ضروريًا، كانت في جوهرها نقلًا منهجيًا للأعباء من الدولة والرأسمال الكبير إلى الطبقات الشعبية والعاملة. فبينما ارتفعت فواتير الكهرباء للمنازل ذات الدخل المنخفض والمتوسط بنسبة تجاوزت 200% بين 2011 و2018، استمرت الامتيازات الضريبية والجمركية لشركات القطاع الخاص الكبير، بما فيها الشركات المملوكة أو المرتبطة بالمؤسسة العسكرية.
الأهم من ذلك أن هذه السياسات لم تكن محايدة طبقيًا. فقد صُمّمت بحيث تحمي مصالح الدائنين الدوليين، والمستثمرين الكبار، والقطاعات الرأسمالية المرتبطة بالدولة، على حساب العمال، والموظفين، وصغار أصحاب الأعمال، والفئات الهامشية. وبهذا المعنى، لم تكن الأزمة الاقتصادية مجرد «ارتفاع أسعار»، بل كانت إعادة هيكلة طبقية للاقتصاد المصري، أعادت توزيع الدخل والثروة لصالح النخبة الحاكمة وشبكات المصالح المرتبطة بها، على حساب الأغلبية الساحقة من السكان.
إذا كان الضغط الاقتصادي يوفّر الشرارة، فإن الانغلاق السياسي يوفّر الوقود الذي يحول الشرارة إلى انفجار. فمنذ 2013، عمل النظام على إعادة بناء الدولة السياسية والأمنية بشكل يضمن عدم تكرار أي موجة احتجاجية واسعة النطاق. تراجعت مساحة المجال العام بشكل حاد: مُنعت المظاهرات تقريبًا بالكامل، وتعرّضت الأحزاب والحركات السياسية والنقابات المستقلة لضغوط متواصلة، وأُغلقت منظمات المجتمع المدني أو وُضعت تحت رقابة أمنية مشددة.
جاءت التعديلات الدستورية التي أُقرّت في أبريل 2019 لتكرّس الانسداد السياسي أكثر. فالتعديلات لم تمدّد فترة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات فحسب، وفتحت الطريق أمام بقاء الرئيس الحالي في السلطة حتى 2030، بل وسّعت أيضًا صلاحياته في تعيين كبار القضاة والنواب، وأنشأت مجلس شيوخ يُعيّن الرئيس ثلث أعضائه، وكرّست دور الجيش كـ«حامي للدستور والديمقراطية». هذه التعديلات، التي أُقرّت بنسبة 88% في استفتاء شعبي، لم تكن مجرد تغييرات قانونية، بل كانت إشارة سياسية واضحة بأن النظام لا ينوي فتح أي أفق للتغيير الديمقراطي في المدى المنظور.
النتيجة كانت شعورًا متزايدًا باليأس والإحباط لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصًا بين الشباب والطبقات الشعبية التي كانت قد علّقت آمالًا على إمكانية إصلاح تدريجي بعد 2013. فالجمع بين الضغط الاقتصادي المتصاعد، والانسداد السياسي المتعمّد، خلق حالة من الشعور بأن قنوات التغيير التقليدية – الانتخابات، الأحزاب، النقابات، الإعلام المستقل – إما غير موجودة، أو غير قادرة على إحداث أي تحوّل حقيقي. وهذا الشعور بالانسداد هو ما هيّأ الأرضية لاستجابة واسعة لنداء احتجاجي صادر عن شخصية غير تقليدية، في لحظة بدا فيها أن لا شيء آخر متاح.
في غياب تنظيمات سياسية ونقابية قادرة على صياغة برنامج بديل، وطرح إجابات مقنعة على سؤال «كيف الخلاص من هذا الوضع؟»، نشأ فراغ سياسي استغلّته خطابات شعبوية ورقمية. في هذا الفراغ، برزت منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا فيسبوك ويوتيوب، كفضاء بديل للتعبير عن الغضب وتنسيق الاحتجاج. لكن هذا الفضاء البديل كان يحمل تناقضاته: فمن ناحية، سمح بتجاوز الرقابة الرسمية على الإعلام التقليدي، ومنح صوتًا لروايات لم تكن لتجد مساحة في القنوات الحكومية. ومن ناحية أخرى، كان فضاءً مشتتًا، يفتقر إلى الاستمرارية التنظيمية، وقابلًا للتلاعب والتضليل، وسهل الاختراق من قبل الأجهزة الأمنية.
سؤال «الخلاص» هنا لم يكن مجرد سؤال نظري، بل كان سؤالًا وجوديًا يطرحه ملايين المصريين في حياتهم اليومية: كيف نتخلّص من ارتفاع الأسعار؟ من البطالة؟ من القمع؟ من الشعور بأن المستقبل مسدود؟ وفي غياب إجابات منظمة من قوى سياسية ونقابية، كانت الإجابات الشعبوية هي الأكثر جاهزية للانتشار، لأنها تقدّم حلولًا بسيطة ومباشرة، حتى لو كانت وهمية أو غير قابلة للتحقيق.
محمد علي: من داخل شبكة المصالح إلى خارجها
في هذا السياق، ظهر محمد علي، المقاول المصري المقيم في إسبانيا، بسلسلة فيديوهات اتهم فيها نظام عبد الفتاح السيسي وكبار القادة العسكريين بإهدار الأموال العامة في بناء قصور وفيلات فاخرة. لكن ظهوره لم يكن ظهور معارض سياسي تقليدي، بل كان ظهور شخصية من داخل شبكة المصالح المرتبطة بالنظام، تحوّلت إلى منتقدة له.
علي عمل مقاولًا لمدة 15 عامًا تحت عقود مع الجيش، وادّعى أنه شارك في بناء خمس فيلات لكبار الضباط، وقصر رئاسي في معسكر عسكري. هذه الخلفية مهمة، لأنها تكشف التناقض الجوهري في خطابه، فهو ليس خارجًا تمامًا عن عالم المصالح الذي ينتقده، بل هو جزء منه، تحول إلى كشف أسرار هذا العالم من الداخل. وهذا التناقض هو ما منح خطابه مصداقية لدى قطاعات من الجمهور، لأنه قدّم معلومات تفصيلية عن مشاريع ومبالغ وأسماء، بدت وكأنها تأتي من شخص «يعرف ما يحدث خلف الكواليس».
لكن في الوقت نفسه، لم يكن علي ممثلًا عضويًا للطبقات الشعبية، ولا قياديًا ثوريًا بالمعنى التقليدي. فهو رجل أعمال ارتبط بمصالح مع الدولة والجيش لسنوات، ثم تحوّل إلى منتقد بعد خلاف شخصي أو مالي، وهذا لا يقلل من تأثير فيديوهاته، بل يضعها في سياقها الصحيح، كخطاب شعبوي رقمي، استغلّ فراغًا سياسيًا، وقدّم إجابة بسيطة على سؤال معقّد.
المفارقة السياسية هنا أن الشخص الذي كشف عن فساد النظام كان جزءًا من شبكة المصالح نفسها، ما يعكس عمق التشابك بين الاقتصاد والسياسة والأمن في مصر. فالنظام لا يُحكم فقط عبر القمع، بل أيضًا عبر شبكات مصالح واسعة تشمل مقاولين، ورجال أعمال، وضباطًا متقاعدين، وبيروقراطيين، يستفيدون من الموارد العامة، ثم قد يتحولون إلى منتقدين إذا تعارضت مصالحهم مع مراكز قوة أخرى داخل النظام.
إجابة شعبوية على سؤال سياسي حقيقي
لم تكن فيديوهات محمد علي مجرد «مقاطع على الإنترنت»، بل كانت صياغة شعبوية لسؤال سياسي حقيقي: كيف يمكن الخلاص من نظام يستنزف الموارد العامة لبناء قصور، بينما تعيش الأغلبية في فقر؟ ما ميّز خطاب علي هو أنه نقل الغضب من مستوى الشكوى الفردية إلى تصور لفعل جماعي: النزول إلى الشارع.
في فيديوهاته، لم يكتفِ علي بكشف تفاصيل الفساد المزعوم، بل دعا صراحة إلى مظاهرات في 20 سبتمبر، مؤكدًا أن «الشعب هو مصدر القوة»، وأن «النزول إلى الشارع» هو الطريق الوحيد لإسقاط النظام. هذه الدعوة البسيطة والمباشرة وجدت صدى واسعًا، لأنها قدّمت إجابة سهلة على سؤال معقّد: الخلاص يأتي عبر التظاهر، وليس عبر الأحزاب أو النقابات أو الانتخابات.
لكن خطاب علي حمل أيضًا وهمًا سياسيًا خطيرًا: وهو أن هناك انقسامات داخل الجيش، وأن بعض القيادات العسكرية على استعداد للانشقاق أو التدخل لإسقاط السيسي. هذه الادعاءات، التي لم تُثبت صحتها، كانت جزءًا من رهان سياسي يهدف إلى كسر حاجز الخوف، وإقناع الناس بأن النظام ليس متماسكًا كما يبدو. لكن الاعتماد على شائعات الانشقاق العسكري، بدلًا من بناء قوة ذاتية للحركة الشعبية، كان استراتيجية محفوفة بالمخاطر، لأنها تضع الأمل في تغيير النظام في يد نخبة عسكرية، وليس في تنظيم جماهيري مستقل.
مظاهرات واشتباكات وهتافات في شوارع مصر من جديد
في 20 سبتمبر 2019، خرجت مظاهرات في عدة مدن مصرية، منها القاهرة والإسكندرية ودمياط والسويس، مطالبة برحيل السيسي. التقديرات الراجحة حول أعداد المشاركين تصور عشرات الآلاف لكن الأرقام الدقيقة تبقى محل جدل. ما هو مؤكد أن المظاهرات كانت أكبر من المتوقع في ظل القمع الشديد، وأنها شملت مدنًا ومناطق لم تكن معروفة تقليديًا بالحراك الاحتجاجي.
لكن هنا تبرز المفارقة المركزية في تجربة مظاهرات محمد علي أوسبتمبر الفارق بين القدرة على استدعاء الجماهير إلى الشارع، والقدرة على بناء حركة سياسية قادرة على الاستمرار. فنداء رقمي صادر عن شخص واحد يمكن أن يفتح لحظة احتجاجية، لكنه لا يستطيع بمفرده توفير التنظيم، والقيادة، والبرنامج، والشبكات الاجتماعية والسياسية اللازمة لتحويل اللحظة إلى مسار طويل الأمد. وهذا ما حدث: المظاهرات كانت لحظة انفجار غضب، لكنها لم تتحول إلى حركة منظمة قادرة على الاستمرار في الأسابيع والأشهر التالية.
الدولة كرد فعل القمع كأداة مركزية لإدارة الأزمة
لم تنتظر الدولة كثيرًا للرد على الاحتجاجات. ففي الأيام والأسابيع الأولى، شنت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات واسعة طالت المشاركين الفعليين، والنشطاء السياسيين، ومتابعي محتوى محمد علي، وأشخاصًا اعتُبروا مشتبهًا في صلتهم بالأحداث. تقديرات أعداد المعتقلين تختلف بين المصادر: فمنظمة العفو الدولية تحدثت عن أكثر من 2300 معتقل بحلول أوائل أكتوبر 2019، بينهم 111 قاصرًا. بينما قدّرت منظمات حقوقية محلية الأرقام بين 1400 و1900 معتقل في الأسابيع الأولى. أما تقارير وزارة الخارجية الأمريكية فتحدثت عن أكثر من 4000 معتقل في سبتمبر 2019 وحده.
هذه الاختلافات في الأرقام تعكس صعوبة التوثيق في ظل تعتيم أمني، واحتجاز كثير من المعتقلين في أماكن غير معلومة، ومنع عائلاتهم ومحاميهم من الوصول إليهم. لكن ما هو مؤكد أن الاعتقالات لم تقتصر على المشاركين المباشرين في المظاهرات، بل شملت أيضًا نشطاء سياسيين، وصحفيين، ومحامين، وأشخاصًا اعتُقلوا لمجرد وجودهم في مناطق الاحتجاج، أو لتفاعلهم مع محتوى مرتبط بمحمد علي على وسائل التواصل الاجتماعي.
بعض التقارير الحقوقية – والتي أكدها رفاق خاضوا فترات اعتقال مختلفة بعد 20 سبتمبر – تحدثت أيضًا عن احتجاز أشخاص مهمشين، ومشردين، وأشخاص يعانون من اضطرابات عقلية، في إطار حملة واسعة لـ«تنظيف الشوارع» من أي عناصر قد تُعتبر مشبوهة. ما يمكن قوله هو أن نمط الاعتقالات اتّسم باتساع دائرة الاشتباه، بحيث تجاوزت الأشخاص الذين ثبتت مشاركتهم المباشرة في الاحتجاجات، لتشمل أي شخص يُعتبر «مهددًا للأمن العام» حسب التقدير الأمني.
صعود جهاز الأمن الوطني: من الإجراء الاستثنائي إلى الأداة المركزية
في السنوات التالية لسحق احتجاجات لسبتمبر 2019، توسّع دور جهاز الأمن الوطني في إدارة المجال السياسي والاجتماعي، ليشكّل عمودًا فقريًا في ما يمكن تسميته «الحل الأمني». فبدلًا من معالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية عبر قنوات سياسية واقتصادية، تحوّل الاعتقال إلى أداة مركزية لإدارة الأزمات، بحيث يُعتقل الأشخاص ليس لأنهم ارتكبوا جرائم محددة، بل لأنهم يحتمل ان يكونوا «مهددين للأمن» حسب التقدير الأمني.
هذا التحوّل لم يكن وليد سبتمبر 2019 فقط، بل كان تتويجًا لمسار بدأ بعد 2013، حين أعيد بناء الدولة الأمنية على أسس أكثر شمولية. لكن سبتمبر 2019 كانت لحظة كشف عن مدى اعتماد النظام على القمع كأداة أولى وأخيرة لإدارة أي تحدٍّ، حتى لو كان تحديًا محدود النطاق مثل مظاهرات سبتمبر.
تحوّل الاعتقال من إجراء استثنائي يُستخدم في حالات الطوارئ، إلى أداة روتينية – الدرع والسيف لنظام عبد الفتاح السيسي – تُستخدم لإسكات أي صوت معارض، أو كسر أي محاولة للتنظيم المستقل. وهذا ما يفسّر استمرار موجات الاعتقال في السنوات التالية، حتى في فترات هدأت فيها المظاهرات، مثل فترة جائحة كورونا.
في نوفمبر 2022، شهدت مصر دعوة جديدة للاحتجاج، هذه المرة في ظل أزمة اقتصادية أعمق، بعد تعويم جديد للجنيه وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية رد الدولة كان أكثر صرامة وسابق للأحداث قادت الدولة حملة اعتقالات واسعة طالت مئات الأشخاص في أغلب محافظات مصر حتى أنا لم أسلم منها وهاجم الأمن منزلى أكثر من مرة في الثلاثة الأيام السابقة لدعوة التظاهر ،لكن هناك فروقًا مهمة بين 2019 و2022.
ففي 2022، كانت الدعوة للاحتجاج أقل وضوحًا، ولم تصدر عن شخصية واحدة مثل محمد علي، بل كانت دعوات متفرقة على وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن رد الدولة كان أسرع وأكثر شمولية، ونفوذ جهاز الأمن الوطني كان أكبر وصلاحياته في القمع كانت أوسع ما منع تشكل أي زخم احتجاجي مماثل لسبتمبر 2019.
هذا لا يعني أن أدوات القمع لم تتطور بين 2019 و2022. بل على العكس، فإن النظام طوّر آلياته في الرقابة الرقمية، والاعتقال الوقائي، واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب لتبرير اعتقال أي شخص يُعتبر «مهددًا للأمن». وفي الوقت نفسه، توسّعت دائرة القمع لتشمل، في بعض الحالات، أشخاصًا كانوا في السابق مؤيدين للنظام، أو محسوبين على دوائر قريبة منه.
لكن الأهم من ذلك أن الاستمرارية في نمط القمع لا تعني بالضرورة أن النظام أصبح أكثر قوة. بل قد تعكس هشاشة أعمق، تجعله يعتمد أكثر على القمع بدلًا من الشرعية السياسية أو الاقتصادية. فالنظام الذي يضطر إلى اعتقال الآلاف لمنع مظاهرات محدودة، هو نظام يعاني من ضعف في قاعدته الاجتماعية، ويعتمد أكثر على الأجهزة الأمنية للحفاظ على استقراره.
النتائج الاجتماعية: الرقابة الذاتية، وصعوبة التنظيم
الإفراط في استخدام الاعتقال والخوف أنتج مجتمعًا أكثر هشاشة، تزيد فيه الرقابة الذاتية، وتتراجع فيه الثقة بين الأفراد، ويصبح التنظيم الجماعي أكثر صعوبة. فحين يُعتقل الأشخاص لمجرد الاشتباه، أو لمجرد وجودهم في مكان معين، يصبح الخوف هو الرد الطبيعي، وتصبح المشاركة في أي نشاط جماعي محفوفة بمخاطر كبيرة.
لكن القمع لا ينهي بالضرورة أسباب الغضب، بل قد يؤجل انفجارها. فالضغوط الاقتصادية والسياسية التي أنتجت سبتمبر 2019 لم تختفِ، بل تفاقمت في السنوات التالية، مع استمرار ارتفاع الأسعار، وتآكل الأجور، وتراجع الخدمات العامة. وهذا يعني أن الغضب المكبوت قد ينفجر مرة أخرى في لحظة مناسبة، حتى لو كانت الأجهزة الأمنية تبدو قوية في المدى القصير.
التحدي هنا هو أن القمع يخلق حلقة مفرغة فكلما زاد القمع، زادت الهشافة الاجتماعية، وصعُب التنظيم، وزاد احتمال أن ينفجر الغضب في لحظات غير منظمة، ما يبرر مزيدًا من القمع. كسر هذه الحلقة يتطلب بناء تنظيمات مستقلة قادرة على تحويل الغضب إلى نضال منظم، وليس مجرد انتظار الانفجار التالي.
الدروس السياسية والتنظيمية: من اللحظة إلى المسار
تجربة سبتمبر 2019 تقدم دروسًا مهمة للقوى الراغبة في التغيير، خصوصًا من منظور اشتراكي. الدرس الأول هو أن الخلاص السياسي لا يأتي بسهولة، ولا يمكن اختزاله في دعوة على الإنترنت، أو في لحظة حماس جماهيري عابرة. فاستدعاء الناس إلى الشارع يختلف جذريًا عن بناء قوة اجتماعية وسياسية قادرة على تغيير موازين القوى على المدى الطويل.
الدرس الثاني هو أهمية التنظيم المستمر، وبناء الروابط في أماكن العمل، والأحياء، والجامعات، والنقابات، والمجتمعات المحلية. فبدون تنظيم، تتحول الاحتجاجات إلى لحظات عابرة، سرعان ما تتلاشى أمام القمع. والتنظيم هنا لا يعني بالضرورة أحزابًا تقليدية، بل شبكات نضالية ديمقراطية، قادرة على التعلم من الهزائم، وتراكم الخبرة، وبناء الثقة بين المناضلين.
الدرس الثالث هو ضرورة صياغة برنامج سياسي قادر على مخاطبة الاحتياجات اليومية للجماهير: الأجور، الأسعار، السكن، التعليم، الصحة. فبدون برنامج يربط المطالب السياسية بالدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية، تتحول الاحتجاجات إلى شعارات عامة، لا تقدّم بديلًا ملموسًا للنظام.
الدرس الرابع هو نقد فكرة «الدعوة الحنجرية إلى التظاهر»، التي تفترض أن مجرد إطلاق نداء قوي سيؤدي تلقائيًا إلى تحرك جماهيري واسع ثم إلى سقوط النظام. فالمشكلة ليست في التظاهر ذاته، بل في تحويل التظاهر من فعل لحظي إلى جزء من عملية نضالية طويلة، لها تنظيم وقيادة ديمقراطية وقاعدة اجتماعية وبرنامج سياسي واضح.
الدرس الخامس، والأهم من منظور اشتراكي ثوري، هو أن التغيير يجب أن يكون نتاجًا لنضال مشترك للعمال، والموظفين، والفئات الشعبية، والشباب، وكل المتضررين من النظام، بدلًا من انتظار انشقاق داخل النخبة الحاكمة، أو تدخل شخصية فردية من خارج التنظيمات السياسية. فبناء الأمل السياسي على شائعة وجود «رجال وطنين او شرفاء داخل الجيش»، أو «انقسام داخل النظام»، هو استراتيجية محفوفة بالمخاطر، لأنها تضع التغيير في يد نخبة، وليس في تنظيم جماهيري مستقل.
من الدرس التاريخي إلى المهام المستقبلية
تجربة سبتمبر 2019 لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها هزيمة أمنية لمظاهرات لم تستمر، بل باعتبارها تجربة سياسية كشفت في الوقت نفسه عمق التناقضات التي يعيشها المجتمع المصري، وقدرة الغضب المكبوت على الظهور في لحظة مناسبة، وحدود الاعتماد على الدعوات الرقمية والشخصيات الفردية في غياب التنظيم السياسي والاجتماعي المستقل.
إذا كان النظام يمتلك أجهزة أمنية وتنظيمية قادرة على التحرك بسرعة، فإن القوى الراغبة في التغيير لا يمكن أن تواجه ذلك بالارتجال، أو بالشعارات وحدها. المطلوب هو بناء قوة منظمة، ديمقراطية، جماهيرية، قادرة على التعلم من الهزائم، وعلى تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى نضال متراكم، وعلى ربط المطالب السياسية بالدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية.
هذا لا يعني أن الطريق سهل، أو أن التغيير قريب. بل على العكس، فإن الدرس المركزي لسبتمبر 2019 هو أن التغيير الحقيقي يتطلب صبرًا، وتنظيمًا، وبناءً بطيئًا للقوة الاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن وهم «الخلاص السريع» الذي قد تقدّمه الدعوات الشعبوية أو الشخصيات الفردية. لكن في الوقت نفسه، فإن تجربة سبتمبر تثبت أن الغضب المكبوت قادر على الانفجار في أي لحظة، وأن النظام، رغم قوته الأمنية، ليس محصنًا أمام تحرك جماهيري منظم ومستمر.
المهمة المستقبلية، إذن، ليست في انتظار اللحظة التالية، بل في العمل والبناء اليومي للقوة التنظيمية والسياسية التي تجعل اللحظة التالية مختلفة لحظة لا تنتهي بالاعتقال والقمع، بل تفتح أفقًا حقيقيًا للتغيير.
https://soc-rev-egy.org/2026/09/21/20-%d8%b3%d8%a8%d8%aa%d9%85%d8%a8%d8%b1-2019-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%86%d9%81%d8%ac%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b6%d8%a8-%d9%85%d9%86-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1/
#تيار_الثورة_الاشتراكية (هاشتاغ)
Socialist_Revolution_Current#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟