أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - تيار الثورة الاشتراكية - الطريق الآمن..















المزيد.....

الطريق الآمن..


تيار الثورة الاشتراكية
منظمة سياسية

(Socialist Revolution Current)


الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 21:59
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


بقلم: مصطفى سامح

كنت في حفلة عيد ميلاد.

صديق وكاتب سياسي له اسم يعرفه من يتابع، جمع الناس في شقته ليلة عيد ميلاده. الشقة صغيرة والمدعوون كثر في مدينة يفصلها عن القاهرة محيط. وقف نصفهم في الممر وفي المطبخ. على المنضدة زجاجات نبيذ وأطباق ورقية وحلوى وبعض من التسالي.

كان في الغرفة صحفيون من أصول عربية يكتبون في صحف معارضة ذات توجهات شيوعية وناشطون معروفون في تيار حركات الشباب الفلسطيني واليسار هناك. الحديث في المكان كان يجري بلغتين، وأحيانًا باللغتين في الجملة الواحدة. الموسيقى عالية، فكان الناس يميلون بأجسادهم ناحية بعضهم ليسمعوا.

خرجت أدخن ونزل معي أربعة أو خمسة، ووقفنا على الرصيف أمام باب العمارة. مرت قداحة على أيدينا واحدة تلو الأخرى.

الحديث في الشارع غير الحديث في الداخل. صار رتمه اهدأ وصار زملاء السيجارة يقولون أشياء لا يقولونها فوق.

وقف بجانبي رجل في الأربعين، صحفي مصري مقيم هنا منذ سنوات. سألني كيف أعرف صاحب الحفلة، وسألته المثل. تكلمنا في لا شيء، الإيجارات، والطقس، وكم من الوقت يستغرق الطيران إلى القاهرة. ثم ذكر وهو ينفض رماد سيجارته، أنه كان في مصر الشهر الماضي.

ظننت أنني لم أفهم… الرجل يكتب عن فساد النظام وهيمنة المؤسسة العسكرية في البلاد، ويظهر في لقاءات ويسمي الأشياء بأسمائها. فبالفعل قد قرأت له.

قلت: يعني إيه؟ إنت بتنزل مصر أصلًا؟

قال: أيوة. كنت هناك أسبوعين.

قلت: وبيعدوك عادي؟

نظر إلي نظرة من يشرح شيئًا بديهيًا لمن لا يعرف وقال:

طالما بتكتب بالإنجليزي، ده مش بيفرق معاهم ومش مهم بالنسبة للحكومة والسيسي. الكتابة بالعربي هي اللي بتوديك في سكة خطر.

أطفأ الصحفي سيجارته بقدمه، وسألني إن كنت عائدًا معه إلى الحفل. قلت له: هطلع كمان شوية.

وبقيت في الشارع من أجل سيجارة اخرى.

كنت أحسب أن المسألة مسألة شجاعة. أن هناك من يجرؤ ومن لا يجرؤ، وأن الفارق بيننا هو ما نحن مستعدون لدفعه. وقفت في الشارع أفكر في أن الرجل لم يكن يتكلم عن الشجاعة أصلاً. كان يتكلم عن السوق، عن بضاعة يشتريها أحدهم وبضاعة لا يشتريها أحد.

فقطعًا النظام قرأ ما يكتبه هذا الرجل، وقرأ ما يكتبه غيره، ثم قرر أن مضايقته لا تستدعى المجهود. ختم الجواز وفتح البوابة وتركه يمر. حساباً دقيقًا أجراه موظف في مكتب: هذا الكلام يخرج بلغة لا يقرأ بها أحد ممن نخافهم، فليمر.

وحين تفكر في الأمر على هذا النحو، ينقلب المعنى كله. سكوتهم عنك ليس نجاة، بل تقييم. إنهم يقولون لك، بالختم على جوازك، إن كلامك لا يصل إلى أحد يهمهم أمره.

في الأيام التالية ذهبت أقرأ ما يكتبه أمثاله بعين أخرى.

المقالات جيدة، هذه هي المشكلة. التوثيق فيها متين والأرقام صحيحة والأسماء مذكورة بأسمائها، وبعضها كلف صاحبه شهورًا من العمل. رجل يجلس في شقته في لندن أو نيويورك ويقضي أسبوعين يتتبع شركة مقاولات يملكها ضابط، ثم ينشر. ولا يحدث شيء. لا لأن المقال رديء، بل لأن الجمهور الذي كتب له لا يملك أن يفعل به شيئًا.

من يقرأ هذا الكلام؟ محرر في نيويورك، وباحث يجهز ورقة، وموظف في منظمة حقوقية سيضعه في تقرير سنوي، طالب علوم سياسية او انثروبولوجيا في إحدى جامعات رابطة اللبلاب وقارئ مهذب سيغضب ثم يقلب الصفحة. هؤلاء كلهم لا يملكون شيئاً في مصر ولا في بلادنا العربية. لا يعرفون أحدًا في شبرا مثلًا ولا يستطيعون أن يوقفوا مصنعًا ولا أن يملأوا شارعًا.

والذي يملك ذلك عامل المصنع، والموظف، والطالب، والسائق لم يكتب له، ولا يستطيع أن يقرأه أصلًا.

هنا يصير السؤال أوضح: من أين جاءت هذه العادة؟ متى صار الطبيعي أن نتكلم عن أنفسنا بلسان غيرنا؟

سيقال لي إن هذا ليس جديداً، وإن مصطفى كامل خطب في أوروبا بالفرنسية، وكتب في صحفها عن حادثة دنشواي حتى قامت قيامة الرأي العام هناك.وإن جبهة التحرير الجزائرية عملت على الأمم المتحدة وعلى الشارع الفرنسي نفسه. وهذا كله صحيح.

لكن مصطفى كامل، الرجل الذي خطب في باريس كان يصدر جريدة اللواء بالعربية في القاهرة، ويؤسس حزبًا، ويخطب في الطلبة والعمال. الخطاب الموجه إلى أوروبا كان ذراعًا من جسد قائم لا الجسد كله.

وأستدرك هنا قبل أن يفهم أحد ما لم أقصده.

فهناك من نشأ هناك، لا لأنه اختار، بل لأن أباه أو جده ركب البحر أو الطائرة قبل أن يولد هو بعشرين سنة. جيل ثان او ثالث لسانه انجليزي أو فرنسي أو ألماني، وعربيته مكسورة أو مفقودة، ورث هذا الوضع ولم يصنعه. هؤلاء لست أحاسبهم على شيء، ولهم حديث آخر في آخر هذا المقال وهو في الحقيقة سبب كتابته كلها.

أما الذين اتحدث عنهم الآن فطبقة أخرى تمامًا. رجال ونساء يتكلمون العربية في بيوتهم، ويقرأون بها، ويشتمون بها حين يغضبون، ثم يجلسون إلى مكاتبهم فيكتبون عنا بلغة أخرى. هؤلاء لا يحاسبون على لسان لا يملكونه، بل على لسان يملكونه ويختارون أن يصمتوه.

ولن أزعم أن هذا الاختيار بلا سبب. له أسبابه طبعًا وهي أسباب معقولة تمامًا وهذا أسوأ ما فيها…

فالمقال بالإنجليزية ينشر ويدفع أجره. والمقال بالعربية ينشر في موقع لا يدفع، أو يدفع ما لا يكفي إيجار غرفة. والمنح تمنح لمن يكتب بالإنجليزية، والجوائز تعطى له، والمؤتمرات تدعوه وتشتري له التذكرة وتحجز له الفندق، والدكتوراه تقرأ له، وحين يبحث عنه أحد يجد اسمه. أما من يكتب بالعربية فلا يعرفه إلا قراؤه، وهؤلاء لا يكتبون توصيات ولا يجلسون في لجان التحكيم.

فصار الرجل يكتب بالإنجليزية لأنه يريد أن يأكل، ثم صار يكتب بها لأنه اعتاد، ثم صار يقول إن هذه هي الطريقة الوحيدة المؤثرة. وهذه المرحلة الأخيرة هي الخطرة… أن يتحول ما بدأ ضرورة إلى منهج.

ثم يجري بعد ذلك ما هو أدق من هذا ولا ينتبه إليه أحد وهو يجري.

فالمقال لا ينشر كما يكتب. بينك وبين النشر محرر لا يعرف بلدك، ولا يعنيه منها إلا ما يفهمه قراؤه. فيقول لك إن هذا الجزء يحتاج شرحاً، وإن القارئ لن يعرف من هذا الرجل الذي تذكره، وإن الفقرة الثالثة فيها كلام كثير عن تاريخ لا يعرفه أحد فلنختصره في سطرين. وهو محق في كل ملاحظاته، لأنه يعرف قراؤه أكثر منك. فتحذف وتشرح وتختصر، ويخرج المقال أفضل مما كان… أفضل لهم.

ثم تكتب المقال الثاني وأنت تعرف مسبقاً ما سيقوله. فتحذف قبل أن يطلب. وفي المقال العاشر لم يعد بينك وبينه خلاف، لأنك صرت أنت هو. صار في رأسك محرر أجنبي مقيم، يقرأ كل جملة قبل أن تكتبها ويسألك: هل يفهم هذا أحد هنا؟

وهنا ينقلب الأمر رأسًا على عقب. فأنت تحسب أنك تنقل واقعك إليهم، والحقيقة أنك صرت تنظر إلى واقعك بعيونهم. تمر بك الحادثة في بلدك فلا تسأل نفسك: ماذا تعني هذه لنا؟ بل تسأل: كيف أشرحها لهم؟ وما الذي فيها يصلح مقالًا؟ صار وطنك مادة خام تصدر، وصرت أنت المصنع الذي يجهزها للتصدير.

ولهذه المهنة قواعدها التي لا تكتب في عقد ولا يقولها لك أحد صراحة، ولكنك تتعلمها كما يتعلم الطفل المشي… بالوقوع. تعرف ما الذي يمر وما الذي لا يمر. تعرف أن كلمة بعينها ستجعل المحرر يتصل بك، وأن موقفاً بعينه إن أعلنته اختفت الدعوات وجفت المنابر، من غير أن يقول لك أحد إنك منعت. تعرف حدود الغرفة كما يعرف الأعمى حدود بيته. ثم تسمي هذا كله “مهنية”.

فإن قيل لك أنت تكتب في حدود… أنكرت. وأنت صادق في إنكارك، لأنك لم تعد ترى الحدود. من يمشي داخل الجدران عشر سنوات ينسى أنها جدران، ويحسبها الكون كاملًا.

ثم انظر إلى الحصيلة بعد كل هذا. سنين من العمل الجيد، مقالات محكمة وتحقيقات متعبة وأرقام دقيقة، وأرشيف كامل لا يستطيع أن يقرأه أحد ممن كتب عنهم. أهلك أنفسهم، الذين قضيت عمرك تدافع عن قضيتهم، لا يعرفون اسمك. لو ذكرته لأحدهم في امبابة، الوراق أو في المحلة لما عرف من أنت. تكتب عنهم وتقرأ في مكان آخر ويعطى لك الأجر في مكان ثالث وهم آخر من يعلم.

وهي مهنة لها مكاسبها، ولا كلفة لها. وهذان الأمران المكسب وانعدام الكلفة لا يجتمعان في هذا الباب صدفة. لو كان لكلامك ثمن يدفع، لكان هناك من يجعلك تدفعه.

كل ما سبق يمكن أن يقال فيه إنه ظن. أن نظامًا قرأ فلم يبال، وأن مقالًا لم يصل. لكن ما جرى في السنوات الثلاث الأخيرة لم يكن ظنًا. كان تجربة كاملة أجريت أمامنا ونعرف نتيجتها.

خرج الناس في لندن وباريس وبرلين ونيويورك بأعداد لم تخرج منذ حرب العراق. امتلأت الميادين مرة بعد مرة، وأسبوعًا بعد أسبوع، طوال شهور، واعتصم الطلبة في الجامعات ونصبت الخيام في حرم الكليات، وكتبت أجيال كاملة، وترجمت، وشرحت، ونشرت الأرقام والأسماء يومًا بيوم.

ولا أحد يستطيع أن يقول إن ذلك لم يغير شيئًا. تغير الرأي العام الغربي تغيرًا لم يحدث في نصف قرن خصوصاً بين الشباب. تحركت المحاكم الدولية، وصدرت أوامر، وارتبك ساسة، وعلقت دول بعض صادرات السلاح أو قيدتها، وانفتحت في الخطاب العام أبوابًا كانت موصدة تمامًا. من ينكر هذا مكابر.

لكن ضع هذا كله في كفة، وضع في الكفة الأخرى سؤالًا واحدًا: هل توقف القتل وهزم العدو؟

طوال تلك السنوات لم يتوقف. استمرت الطائرات والمسيرات تقلع والشحنة تصل والصاروخ يسقط على البيت. المظاهرة تخرج يوم السبت، والقصف يستمر يوم الأحد. المحكمة تصدر قرارها، والشحنة تمر في اليوم التالي. الحقيقة القاسية أن الضغط الغربي تحرك على الهامش، وبسرعة أبطأ كثيرًا من سرعة القتل.

وسيقال وقد قيل لي بالفعل أن الرأي العام يتغير عبر عقود لا سنوات، وإن ما جرى في وعي الجيل الجديد هناك استثمار طويل الأجل سيقبض ثمنه بعد عشرين سنة. وهذا كلام قد يكون صحيحًا. لكنه ليس جوابًا على من يقتل اليوم. من يقول لأهل غزة إن الحساب سيغلق لصالحهم بعد جيلين، فهو لا يقدم خطة، وإنما يقدم اعتذارًا.

وهنا موضع السؤال الذي كان ينبغي أن نسأله من اليوم الأول: من الذي كان يملك أن يوقف هذا فعلًا؟

ليس المتظاهر الأبيض في لندن. الرجل خرج وصرخ وأوقف وضرب وخسر وظيفته، وأقصى ما يملكه أن يزعج حكومته. أما ما يوقف الحرب فعليًا فليس عنده. المعبر ليس في يده. الغاز ليس في يده. الأجواء التي تمر منها الطائرات ليست في يده. الموانئ التي ترسو فيها السفن ليست في يده. التطبيع الذي يجعل الأمر كله محتملًا ليس في يده.

كل هذا في يد أنظمة عربية.

فأنت تقف أمام معادلة عجيبة، هي في تقديري أصل البلاء كله، من يملك الأمان لا يملك الرافعة، ومن يملك الرافعة لا يملك الأمان. الجالس في الخارج يستطيع أن يقول كل شيء، ولا يستطيع أن يفعل شيئًا. والجالس في القاهرة أو عمان قادر بجسده وبمكانه وبالجغرافيا التي تحته أن يفعل ما لا يستطيعه مليون متظاهر في نيويورك، وهو الذي يدفع الثمن كاملاً إن تحرك.

وكان بوسع من يملك الأمان أن ينفقه على من يملك الرافعة. أن يصرف حصانته وحريته ووصوله إلى المنابر في الاتجاه الذي يفيد نحو الشعوب العربية، بلغتها، وفي مسائلها هي. فأنفقه في الاتجاه الآخر تمامًا، على جمهور يملك الأمان أصلًا، ولا يملك رافعة واحدة مما يلزم.

هذا هو الخلل بحد ذاته. لا في النوايا، ولا في الشجاعة، ولا في كم العمل المبذول. في وجهة السهم نفسها.

وهنا أصل إلى من كتبت هذا المقال من أجلهم.

ففي تلك السنوات الثلاث، حين امتلأت الميادين هناك، لم يكن أكثر الواقفين فيها من الطبقة التي تكلمت عنها. كانوا شبابًا في العشرين وما حولها، مولودين في تلك المدن، من أب عربي أو جدة عربية، لا يعرفون البلاد التي جاء منها أهلهم إلا في الصور وفي كلام الجدة.

هؤلاء هم الذين خرجوا. وهم الذين نصبوا الخيام وضربوا فيها وفصلوا من جامعاتهم وسحبت منحهم وأغلقت في وجوههم أبواب مهن لم يدخلوها بعد. دفعوا من مستقبلهم هم ثمنًا لبلاد لم يروها، في وقت لم يخسر فيه كثير ممن يكتبون عن غزة بالإنجليزية شيئًا على الإطلاق.

ثم لم يتوقف القتل.

ولم يكن ذلك لأنكم قصرتم. كان لأن الباب الذي وقفتم أمامه ثلاث سنوات تدقون عليه ليس هو الباب. الجهة التي تفتح وتغلق وتمرر ليست في تلك المدن، وإنما في البلاد التي لا تعرفونها إلا في الصور. وهذا كان معروفًا منذ الشهر الأول.

فلن أهون عليكم بعد كل هذا. السؤال الذي يليه أقسى: بعد ثلاث سنوات، وبعد كل ما دفعتم، كم واحد منكم قرر أن يتعلم لغة الناس الذين يموتون؟

اسألوا أنفسكم بصدق. أنتم قادرون على أشياء يعجز عنها غيركم، تحفظون أسماء الوزراء وتواريخ القرارات وأرقام صفقات السلاح، وتردون على الدعاية بالوثيقة، وتتعلمون في شهر مصطلحات القانون الدولي التي لم تسمعوا بها من قبل. تفعلون كل هذا وأنتم قادرون. أفتقولون لي بعد ذلك إن اللغة صعبة؟

وفيكم من ليس عاجزًا أصلًا. من يفهم ما يقال في البيت ويرد بالإنجليزية. من يتكلم مع أمه بلسانٍ ويكتب بلسان آخر. من درسها سنتين ثم تركها لأنها لم تكن تنفع في شيء. هذا ليس عجزاً، هذا ترتيب للأولويات، وقد وضعتم العربية في آخر القائمة لأنها لا تشتري شيئاً في المكان الذي تعيشون فيه.

وهذا هو بالضبط ما فعله الذين انتقدتهم في أول هذا المقال. الفارق أنهم فعلوه بعد أن أتقنوها، وأنتم تفعلونه قبل أن تتعلموها. والنتيجة واحدة، طرفان يتكلمان عن قضية هؤلاء الناس، وكلاهما اختار أن يقولها بلسان لا يفهمه هؤلاء الناس.

ثم انظروا إلى ما تسمونه هويتكم. تضعون العلم في الملف الشخصي على حساباتكم الرقمية، وتصورون الأكل، وتغضبون غضبًا صادقًا حين يهان أهلكم، وترفعون أصواتكم في الميدان بشعارات بالعربية لا يعرف نصفكم معناها كلمة كلمة. ثم لا تستطيعون أن تقرأوا صفحة واحدة مما كتبه هؤلاء الناس عن أنفسهم. تدافعون عن ثقافة لا تصلون إليها إلا مترجمة، ومن ترجمها لكم اختار لكم ما تعرفونه منها.

فأي انتماء هذا الذي يحتاج إلى وسيط؟

وأقولها بأوضح مما قلت: ما دمتم لا تقرأون بالعربية، فأنتم تعرفون قضيتكم كما يعرفها أي أجنبي متعاطف. أدواتكم أدواته، ومصادركم مصادره، وحدود ما تعرفونه هي حدود ما ترجم لكم. الفارق الوحيد بينكم وبينه أن الأمر يوجعكم أكثر. والوجع وحده ليس مؤهلًا.

ومع ذلك فأنتم تملكون ما لا يملكه أحد غيركم، ولهذا أكتب لكم أنتم دون سواكم. تعرفون كيف يفكر ذلك العالم لأنكم نشأتم فيه، ولكم في تلك البلاد أهل. لا تزالون تقولون في الميدان كلاماً لا يستطيع كاتب محترف في مكتبه أن يقوله.

وهذا بالضبط ما يشترى منكم. وسوق كامل مستعد لدفع ثمنه منحة، وعمود صحفي، ودعوة إلى مؤتمر. وأكثركم سيبيع، لأن الثمن يبدو معقولاً ولأن أحدًا لن يقول لكم إنكم بعتم.

ولست أطلب منكم أن تكفوا عن مخاطبة من حولكم, فهم جيرانكم وزملاؤكم بطبيعة الحال، وتلك بلدانكم بحكم الأمر الواقع. لكن ليكن ذلك آخر ما تفعلون لا أوله وذراعاً من جسد لا الجسد كله.

أطلب أمرًا واحدًا… تعلموا العربية.

وأعرف كيف يبدو هذا الطلب. رجل يكتب مقالًا طويلًا عريضًا عن الإبادة والأنظمة والسلاح، ثم يختمه بواجب مدرسي.

لكنني لا أطلبها لأنها لغة أجدادكم، ولا حفاظًا على تراث. هذا كلام المؤسسات الثقافية وليس كلامي. أطلبها لسبب عملي بحت، لأنها الشرط الأول لأي عمل سياسي حقيقي، ولأن كل ما دونها يبقى شعورًا.

فاللغة ليست وسيلة نقل. اللغة قرار بمن تخاطب. وحين تختار لسانًا، فأنت تختار جمهورًا، وتختار من الذي يعنيه كلامك ومن الذي لا يعنيه. وما دمتم لا تتكلمون إلا بلسان الغرب، فجمهوركم هو الغرب، مهما كان قلبكم في مكان آخر. القلب لا يقلب الموازين في السياسة. الجمهور يقلب.

وهذا ما كنا نعرفه ونسيناه. الذين هزموا المستعمر لم يهزموه بأن أقنعوه. أقاموا صحفًا تقرأ في القرى والنجوع ونقابات تجمع العمال وأحزابًا تجند الناس، بلغة الناس، في مسائل الناس.

ولهذا لا أطلب منكم لغة وحدها. أطلب ما تصلح اللغة أن تكون أوله.

فليس المطلوب أن تكتبوا بالعربية بدل الإنجليزية وينتهي الأمر. المطلوب أن يوجد في هذا العالم كيان عربي منظم، له برنامج ومؤسسات وصحف وناس ينتمون إليه ويحاسبونه، جمهوره الشعوب العربية نفسها. لأن الغضب من غير تنظيم يتبخر، والمظاهرة تنفض في المساء، والمقال الجيد يقرأ وينسى. والذي بقي من تجاربنا كلها هو ما كان له بناء.

وهذا لا يبنى بالإنجليزية. لا يمكن أن تنظم ناسًا لا تخاطبهم، ولا أن تخاطب ناسًا لا تعرف لسانهم. فالمسألة ليست مسألة لغة في الحقيقة. اللغة أول اختبار، من لا يستطيع أن يختار جمهوره، لن يستطيع أن يبني معه شيئًا.

وأعرف أن هذا طريق طويل وبلا مكافآت. لن يعطيكم أحد جائزة على مقال بالعربية، ولن تُدعوا إلى مؤتمر، ولن يظهر اسمكم في الصحف التي يقرأها زملاؤكم. ستكتبون لناس لا يملكون أن يقدموا لكم شيئًا، إلا أنهم الوحيدون القادرون على تغيير أي شيء.

وستفقدون شيئًا آخر، ذلك الأمان الذي لم تنتبهوا إلى أنكم تملكونه. لأن الكلام حين يصل إلى من يستطيع أن يفعل به شيئًا ويصبح له ثمن، ويصير هناك من يهتم بأن تدفعه.

وأنا لا أعدكم بغير هذا. لكن ذلك الصحفي الذي وقفت معه في ذلك الشارع كان يعرف، ونحن نعرف، أن الطريق الآمن آمن لأنه لا يؤدي إلى مكان.


https://soc-rev-egy.org/2026/09/09/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%85%D9%86/



#تيار_الثورة_الاشتراكية (هاشتاغ)       Socialist_Revolution_Current#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 74 عامًا والضباط: من «الشعب غير جاهز للديمقراطية» إلى «الشعب ...
- «قاع الهامور».. القاع يتحرك فيهتز السطح
- باقون في جزيرة الوراق.. كل الدعم لنضال أهالي جزيرة الوراق
- رخيص إلى هذا الحد: من قتل أطفال الدواويس؟
- مجزرة رابعة وتأسيس إرهاب دولة السيسي
- قافلة السخرة المصرية تحصد أرواح 18 ضحية جلّهم أطفال - نظام ا ...
- الثورة الاشتراكية على طريق تحرير المرأة – إلى ابنتي التي لم ...
- مسيّرة دمياط وبيع الوهم للمصريين.. تساؤلات في عقل مواطن فرض ...
- المغامرة بالحياة أقل كلفة من الحياة نفسها
- الشق قبل الضغط: في تشريح ما لا يسقط بالهتاف
- زيادة أسعار الكهرباء مجددًا.. المواطن يدفع ثمن فشل النظام
- بشأن استهداف مسيرة لمنشأة أمريكية في ميناء دمياط: بناء مشروع ...
- هنا غزة: إبادة مستمرة تحت غطاء مجلس السلام العالمي
- تضامنًا مع الاحتجاجات الشعبية في تونس
- السيسي يلهيك واللي فيه يجيبوا فيك
- هل كان بمقدورنا إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في 2013؟ (3) درو ...
- هل كان بمقدورنا إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في 2013؟ (2) تهي ...
- هل كان بمقدورنا إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في 2013؟ (1) كيف ...
- في ظل حكم العسكر: بات العمل أقرب إلى السُّخرة
- الحرية لأحمد دومة: الثورة وحدها قادرة على تحرير مجتمعنا من ا ...


المزيد.....




- لقاء ثلاثي قد يجمع بوتين وترامب وشي.. هذا ما كشفه الكرملين
- جندي واحد يقود عشرات المسيّرات والروبوتات.. إسرائيل تكشف منظ ...
- أشلاء وجثامين متفحمة.. قتلى وجرحى في انفجار مخزن ذخائر ومخلف ...
- -مقدمات المواجهة الكبرى تتبلور-.. تحذير إيراني: العالم على أ ...
- واشنطن تخطّط لـ-ضربات حاسمة- ضد نووي إيران.. -جبل الفأس- في ...
- للمرة الأولى منذ 20 عاماً.. -الطاقة الذرية- تحيل إيران إلى م ...
- نتنياهو يتوعد طهران من جنوب سوريا: -إسقاط النظام بات قريباً ...
- إسرائيل.. إجراءات عقابية ضد أوروبا قريبا
- غزة.. معاناة يومية للحصول على وجبة طعام
- حكومة صنعاء تصدر عفوا رئاسيا عن -المقاتلين المغرر بهم في الس ...


المزيد.....

- كراسات التحالف الشعبي الاشتراكي (11) التعليم بين مطرقة التسل ... / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
- ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان / سيد صديق
- تساؤلات حول فلسفة العلم و دوره في ثورة الوعي - السودان أنموذ ... / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- المثقف العضوي و الثورة / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمري
- العوامل المباشرة لهزيمة مصر في 1967 / عادل العمري
- المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء ال ... / منى أباظة
- لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية / مزن النّيل
- عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر / مجموعة النداء بالتغيير
- قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال ... / إلهامي الميرغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - تيار الثورة الاشتراكية - الطريق الآمن..