تيار الثورة الاشتراكية
منظمة سياسية
(Socialist Revolution Current)
الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 23:00
المحور:
حقوق الاطفال والشبيبة
بقلم: مصطفى سامح
صباح الثلاثاء الحادي عشر من أغسطس، عند وصلة الدواويس على طريق الصالحية بمحافظة الإسماعيلية على بعد نحو مائة وعشرين كيلومترًا من القاهرة، كانت سيارتا ربع نقل تسيران في اتجاهين متقابلين. في صندوق كل منهما عمال يومية من قريتي وادي الملاك وبحر البقر بمركز الحسينية في الشرقية، تجمعوا قبل الفجر وركبوا في رحلة تستغرق ساعتين في كل اتجاه، للعمل في جمع محصول الصيف مقابل مائة جنيه في اليوم. انفجر الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين، فانحرفت إلى الاتجاه المقابل واصطدمت بالأخرى.نقل المصابون إلى المستشفى، ونقلت الجثامين إلى المشرحة. مات ثمانية عشر وأصيب ثلاثون.
أصدرت النيابة العامة بيانها في اليوم التالي للحادث، فأثبتت أن سبب التصادم هو انفجار الإطار، وأن أعمار المتوفين لم يتجاوز أكبرهم الثامنة عشرة، وأصغرهم في العاشرة. البيان دقيق، والدقة هنا هي موضع الخديعة. أجابت النيابة عن سؤال «كيف» بسرعة تكفي لإغلاق سؤال «لماذا». وحين ينتهي الأمر عند إطار سيارة منفجر، يصير الحادث واقعة ميكانيكية بلا فاعل، ويصبح المسؤول قطعة كاوتش.
السؤال الغائب عن البيان، والذي سيغيب عن كل بيان، هو: ماذا كان طفل في العاشرة يفعل في صندوق سيارة ربع نقل في السادسة صباحًا على طريق زراعي في الإسماعيلية؟ الإجابة سياسية بامتياز، وتقود مباشرة إلى المجرم عبد الفتاح السيسي ومجلس وزرائه، وإلى البنك المركزي، وإلى الجهات التي تقرر أين يذهب المال العام وأين لا يذهب.
عمالة الأطفال في مصر آلية تعويض اقتصادية تلجأ إليها الأسرة حين يهبط الدخل الحقيقي للبالغين تحت عتبة البقاء. الحساب داخل البيت يجري على هذا النحو: أجر الأب لم يعد يغطي شهرًا، فيدخل دخل الطفل الميزانية بوصفه بندًا ضروريًا، وهو دخل لا يتجاوز مائة جنيه في اليوم مقابل حرث وقطف لساعات طويلة في الحقل. من هنا يصير حجم عمالة الأطفال في أي بلد مؤشرًا مباشرًا على ما فعلته الحكومة بالأجور. وقد فعلت حكومات السيسي المتعاقبة بالأجور شيئًا يمكن تأريخه بدقة: تعويم نوفمبر 2016، ثم تعويم مارس 2022، ثم أكتوبر 2022، ثم مارس 2024، وبينها رفع أسعار الوقود والكهرباء والمياه والنقل والدواء والرغيف، وكلها تدابير أُعلنت باعتبارها إصلاحًا هيكليًا، وأُبرمت في إطار برامج متتالية مع صندوق النقد الدولي. كل قرار من هذه القرارات اتُّخذ في اجتماع، وحُسبت آثاره سلفًا في وثائق موجودة.
غير أن الفقر وحده يفسر نصف الحكاية. يفسر لماذا تعرض الأسرة طفلها للعمل، ويسكت عن السؤال الآخر: من يشتري الطفل في الحقل؟ لأن هناك من يطلبه. ونقطة الطلب اسمها مقاول الأنفار. هو الذي يقف عند نقطة التجمع في القرية قبل الفجر، والعمال مفترشون الأرض ينتظرون، فيختار منهم من يريد. وهو يختار الأطفال لأسباب محسوبة: يأخذون أقل، ولا يفاوضون على أجر، ولا يعترضون على ساعات، ولا يظهرون في أي سجل، ويمكن استبدالهم في اليوم التالي بمن ينتظر خلفهم.
في شهادة نشرتها منصة «زاوية ثالثة»، تحكي مقاولة أنفار في دمياط أنها كانت تتقاضى جنيهًا واحدًا عن العامل في اليوم، بينما يأخذ العامل خمسين، ومعنى ذلك أن ربحها يأتي من العدد لا من الأجر، وأن مصلحتها المباشرة أن تنقل أكبر كتلة بشرية بأرخص وسيلة في أقل عدد من الرحلات.
هنا يصير الخط إلى الحادث مستقيمًا. عدد من كانوا في صندوق تلك المركبة كان قرار تسعير. وأعمار من كانوا فيه كانت قرار تسعير. الطفل في العاشرة لم يصعد إلى الصندوق بمحض حاجة أهله؛ صعد لأن هناك من وجد في رخصه ربحًا، ولأن الدولة تركت هذا السوق كله يعمل بلا تسجيل، ولا حد أدنى، ولا طرف يمكن مساءلته. صاحب الأرض تعاقد مع المقاول، والمقاول لا يمسك دفترًا ولا عقدًا، والعامل غير مسجل في أي مكان. حين يموت ثمانية عشر في صندوق مركبتين، لا يوجد صاحب عمل واحد يمكن مقاضاته.
والدولة التي نفذت قرارات الأجور هي نفسها الدولة التي توقفت عن قياس نتائجها. آخر مسح قومي لعمالة الأطفال أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2010، وأظهر مليونًا وستمائة ألف طفل عامل، منهم 82% يعملون في ظروف غير آمنة. ستة عشر عامًا وأربع موجات خفض حاد لقيمة الجنيه مرت، والمسح لم يتكرر. وكشفت منصة «مدى مصر»، نقلًا عن ثلاثة مصادر اطلعت عليها، أن النسبة فيه بلغت 34%، وأن الجهاز أُوقف عن النشر تحت ضغط حكومي. هذا صمت إحصائي مقصود في دولة تحصي كباريها بدقة الوحدة الواحدة، وتنشرها في كتيبات ملونة وقنواتها العاهرة. الدولة التي تعرف عدد أطفالها العاملين تصير مطالبة بتفسير الزيادة، والدولة التي تنشر خط الفقر تصير مطالبة بمقارنته بالإنفاق على المشروعات القومية. حجب البيانات هنا فعل فساد قائم بذاته؛ لأنه يعطل قدرة المجتمع على محاسبة من يحكمه قبل أن تبدأ المحاسبة من الأساس.
وينسحب الأمر نفسه على العمال البالغين. تقديرات وزارة العمل تضع العمالة غير المنتظمة في مصر عند نحو اثني عشر مليون عامل، منهم قرابة سبعة ملايين ونصف يعملون خارج المنشآت أصلًا. عدد المسجلين رسميًا حتى نهاية 2024 لم يتجاوز مليونًا وستين ألفًا، والوزارة تعلن أن هدفها المرحلي رفع العدد إلى مليونين ونصف. أي أن الدولة تخطط علنًا لأن يبقى أكثر من ثلاثة أرباع هؤلاء خارج أي تأمين، وأي غطاء، وأي رقم. وهي دولة أدخلت عشرات الملايين في منظومة تكافل وكرامة، وفي بطاقات التموين، وفي قواعد بيانات البنك المركزي حين أرادت؛ فالقدرة على الإحصاء متوفرة، والإرادة غائبة. تظل العمالة غير المنتظمة غير منتظمة لأن انتظامها مكلف. العامل المسجل له تأمين، وله حد أدنى للأجر، وله من يفاوض باسمه. أما هذه الملايين فمعروضة في نشرات الترويج للاستثمار تحت عنوان «عمالة رخيصة ووفيرة». الطفل الذي مات في الدواويس كان، من زاوية الدولة، بندًا في عرض تسويقي.
ولأن المنظومة مصممة على هذا النحو، فإن ما تملكه الدولة تجاه هؤلاء تسعيرة. بعد الحادث بساعات، أعلنت وزارة العمل رفع الإعانة المقررة لأسرة العامل المتوفى من العمالة غير المنتظمة من مائتي ألف جنيه إلى ثلاثمائة ألف. اقرأ الجملة مرة أخرى. للدولة سعر محدد سلفًا للعامل الميت، وهذا السعر يتحرك صعودًا بحسب حجم الغضب وحده. لو مات هؤلاء الثمانية عشر فرادى على مدى شهر، لظلت التسعيرة مائتي ألف. صندوق العمالة غير المنتظمة، بهذا المعنى، جهاز لإدارة الأزمات يعمل بأثر رجعي، وظيفته شراء السكوت بعد وقوع ما لم يُنفَق مليم واحد على منعه. والدولة تدفع لأن أحدًا غيرها لا يمكن إلزامه بشيء، فيتحول التعويض من إقرار بالمسؤولية إلى بديل عنها.
وفي مستشفى القصاصين، جلست جدة تنتظر خبر حفيدها في العناية المركزة بعد أن ماتت حفيدتها، وقالت جملة واحدة: «هنعيش ازاي؟». الأسرة بلا دخل ولا عائل، وهؤلاء الأطفال كانوا من يعولونها. هنا ينكشف الافتراض الذي بُني عليه الصندوق كله. الإعانة تُصرف لأسرة عامل متوفى على أساس أنه كان يعول من بعده، ويفترض القانون أن العامل بالغ، وأن من خلفه أطفال. أما هنا، فالمعالون هم البالغون، والعامل كان في العاشرة.
ولهذا، فإن الحديث عن الحادث باعتباره «مأساة لقمة العيش» أو «قدر أطفال الغلابة»، وهو الخطاب الذي فاضت به الصحف القومية وأبواق النظام الإعلامية، يؤدي وظيفة سياسية محددة: تحويل جريمة لها فاعلون إلى نكبة بلا فاعل. الفقر يقتل، والغلاء يقتل، والإطار انفجر. أما من قرر خفض قيمة الجنيه أربع مرات دون شبكة حماية تكافئ الأثر، ومن رفع الدعم عن الوقود وأبقى الامتيازات الضريبية لشركات الجيش، ومن ترك اثني عشر مليون عامل خارج السجلات لأن تسجيلهم مكلف، ومن ترك سوق الأنفار يعمل بلا تشريع لأن انتظامه يرفع أجر اليومية، ومن منع نشر أرقام الفقر، ومن سعّر العامل الميت بمائتي ألف ثم رفعها إلى ثلاثمائة حين ارتفع الصوت، فهؤلاء غائبون عن الرواية كلها، ليس لأنهم معفيون من الجريمة، بل شركاء فيها.
هذه رابع كارثة من نوعها في ستة أشهر. ثمانية عشر صيادًا في محور 30 يونيو في فبراير، وتسعة عمال على طريق السادات كفر الدوار في أبريل، وتسعة آخرون في أسيوط في يوليو، والآن ثمانية عشر في الدواويس. كلهم كانوا في طريقهم إلى العمل أو منه، وكلهم من فئة يجهل الجهاز الإداري عددها. تكرار النمط بهذه الدقة يسقط تفسير الصدفة نهائيًا. ما نراه معدل وفيات ثابت لطبقة اجتماعية بعينها، تنتجه سياسة اقتصادية تحتاج إلى عمل رخيص غير مسجَّل، ويحميه انسداد سياسي يمنع أي جهة من أن تسأل أحدًا شيئًا.
سيدفن الأطفال، وستُصرف الثلاثمائة ألف، وستُغلق البرامج الملف بعد أسبوع، وسيقع الحادث التالي في الخريف. الغضب وحده يُستوعب، وقد تمرن النظام على استيعابه طويلًا. ما يغير المعادلة أن يمتلك اثنا عشر مليون عامل غير منتظم أداة تفاوض حقيقية، أي تنظيمًا نقابيًا مستقلًا عن الاتحاد العام يفرض حدًا أدنى لليومية وتسجيلًا إجباريًا لمن يشغل، وأن يوجد كيان سياسي منظم يحمل هذه المطالب كبرنامج. وإلى أن يوجد، يظل السؤال الواجب تكراره في كل مرة، بلا تهذيب وبلا مواربة: من الذي كان يشتري عمل هؤلاء الأطفال، ومن الذي أبقى شراءهم رخيصًا، وكم بلغ ثمن الطفل الذي كان في السادسة صباحًا في صندوق سيارة ربع نقل؟
https://soc-rev-egy.org/2026/08/15/%d8%b1%d8%ae%d9%8a%d8%b5-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af-%d9%85%d9%86-%d9%82%d8%aa%d9%84-%d8%a3%d8%b7%d9%81%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%b3/
#تيار_الثورة_الاشتراكية (هاشتاغ)
Socialist_Revolution_Current#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟