ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث
(Ibrahim Mahmat)
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 01:22
المحور:
الادب والفن
تتناول هذه الدراسة مقارنة منهجية بين اتجاهين أدبيين مهمين في المشهد الثقافي الإفريقي والعربي: الأدب التشادي المكتوب بالعربية ، كما تمثله تجارب كل من محمد عمر الفال وأحمد جابر وقاسم العسيلي، و الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية ، كما تمثله أعمال مالك حداد وآسيا جبار ومولود فرعون. وتقوم المقارنة على محورين أساسيين: الهوية واللغة ، و البنيات الفنية والموضوعاتية ، مع التركيز على قضايا المرأة والاستعمار والنقد السياسي. وتكشف الدراسة عن تقاطعات جوهرية بين التجربتين؛ فكلاهما أدب "خلاسي" بمعنى أنه نتاج تزاوج لغوي وثقافي، وكلاهما استطاع تحويل لغة الآخر (أو لغة الضاد) إلى أداة للتعبير عن الذات والمقاومة، وإن اختلفت المرجعيات والتقنيات الفنية، كما تبرز الدراسة الفروق الجوهرية في العلاقة مع اللغة: فالتشادي يمتلك لغة عربية راسخة بمرجعية إسلامية واضحة، بينما يعاني الجزائري الفرنسوفوني من ازدواجية لغوية حادة تلقي بظلالها على هويته وكتابته.
أولًا: الأدب التشادي المكتوب بالعربية
• النشأة : دخلت العربية تشاد عبر التجارة والدعوة الإسلامية، وتطورت بفضل الحلقات والمعاهد المتأثرة بالجامعة الإسلامية، وقد عرف الشعر التشادي مراحل مبكرة من الزهد والمدح، ثم تطور ليشمل الأغراض التقليدية (فخر، رثاء، هجاء) قبل أن يصل إلى التجديد الرمزي.
• الخصائص : التزام بالعروض الخليلي، واعتماد على الفصحى، وحضور قوي للمرجعية الإسلامية والعربية، إضافة إلى نبرة إصلاحية اجتماعية وسياسية.
ثانيًا: الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية
• النشأة : وُلد هذا الأدب في أحضان الاستعمار الفرنسي، ظهر جيل من الكتاب اضطروا إلى استعمال الفرنسية للتعبير عن قضايا مجتمعهم.
• الخصائص : ازدواجية لغوية حادة، ومأساة وجودية تتعلق باللغة، وتجربة نضالية كبرى، وحضور الذات الجزائرية في القضايا الكونية.
ثالثًا: مفهوم "الخلاسية الأدبية"
يستخدم الباحث مصطلح "الخلاسية" بمعناه الوارد في معجم المعاني الجامع (الذي يصف المولود بين أبيض وأسود)، ليرمز إلى الأدب الذي يتكون من تزاوج لغوي وثقافي. فكما أن الأدب الإفريقي المكتوب بالفرنسية يوصف بأنه "جسم فرنسي وروح إفريقية"، فإن الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية هو أيضًا أدب خلاسي؛ إذ يحمل روحًا جزائرية عربية في ثوب لغة أجنبية. أما الأدب التشادي المكتوب بالعربية، فيمكن اعتباره خلاسيًا بمعنى آخر؛ لأنه يجمع بين الفصحى (لسان الوحي) والتراث المحلي الإفريقي.
دراسة مقارنة لإشكالية الهوية واللغة
أولًا: اللغة بوصفها وعاء للهوية
المحور الأدب التشادي (محمد عمر الفال نموذجًا) الأدب الجزائري (مالك حداد نموذجًا)
الموقف من اللغة لغة عربية أصيلة، مرتبطة بالقرآن والتراث، لا صراع معها لغة فرنسية مفروضة، يشعر معها الكاتب بالاغتراب
المرجعية إسلامية عربية راسخة تُغذي القصيدةَ بالمعجم الديني والفخر
الأثر في النص قصيدة عربية عمودية تستلهم التراث رواية أو شعر بلغة أجنبية تعاني من مأساة عدم التطابق
يقول مالك حداد : "إن اللغة الفرنسية تفصلني عن وطني أكثر من البحر المتوسط" (محمود قاسم، 2011: 45)، بينما نجد محمد عمر الفال في ديوانه "أصداء النفس" يعتز بلغته العربية التي يستخدمها بوصفها أداة طبيعية للتعبير عن الهوية والفخر:
"دعوا المجد إن المجد صعب على امرئ
تسلقه ما دام يلهو ويفسق"
(الفال، ديوان أصداء النفس: 8)
ثانيًا: اللغة والسلطة الاستعمارية
يرى الباحث أن الفارق الجوهري بين التجربتين يكمن في العلاقة مع الاستعمار :
• في الجزائر : عملت السياسة الاستعمارية على إضعاف العربية وفرض الفرنسية، مما جعل اللغة الفرنسية أداة هيمنة من جهة، وأداة مقاومة من جهة أخرى حين وظفها كتاب جزائريون لفضح الاستعمار. وقد عبر عبد الله الركيبي عن ذلك بقوله إن هذا الأدب "ذو مضمون جزائري وواقع وطني" (مبروك قادة، 1999).
• في تشاد : لم تخضع العربية لسياسة استعمارية موجّهة ضدها كما في الجزائر؛ فقد واجهت اللغة العربية الاستعمار الفرنسي بوصفها لغة دينية وثقافية أصيلة، وحافظ عليها الشعراء التشاديون بوصفها رمزًا للانتماء الإسلامي.
ثالثًا: أزمة الازدواجية اللغوية وتأثيرها في الإبداع
يُجمع الدارسون على أن الكتاب الجزائريين الفرنسوفونيين عانوا من "دراما لسانية" (ألبير ميمي)، وقد بلغت هذه الدراما ذروتها عند مالك حداد الذي سكت بعد الاستقلال؛ لأنه لم يعد قادرًا على الكتابة بلغة المستعمر، كما يظهر في أعماله "التلميذ والدرس" و"رصيف الأزهار لا يجيب" (مبروك قادة، 1999).
بالمقابل، لم يعرف الشعر التشادي هذه الأزمة؛ لأن العربية كانت حاضرة في التعليم والحلقات، وتمكن شعراؤها من توظيفها بوصفها لغة حية ومتجددة، دون أن يضطروا إلى مواجهة أزمة هوية بسبب اللغة.
رابعًا: اللغة والمقاومة
• التشادي : يوظف المباشرة والحماس والخطاب الوعظي في قصائد النقد السياسي؛ ففي قصيدة الهياكل النيابية يقول الفال :
"يا من يصوت أو يدلي بذمته
هلا من اخترت كان النائب الكفئا"
(الفال، قصيدة "يا من يصوت"، 1999)
فاللغة هنا سلاح مباشر للإصلاح.
• الجزائري : يستخدم الفرنسية لنقد الفرنسيين أنفسهم من الداخل، كما في روايات مولود فرعون "ابن الفقير" التي تصوّر المجتمع القبائلي تحت الاستعمار، و"الأرض والدم" التي تعالج الهجرة. فاللغة الفرنسية تتحول إلى أداة كشف وفضح (عبد العزيز كحيل، 2009).
دراسة مقارنة للقضايا الكبرى
أولًا: قضية المرأة
عند التشاديين:
• يقدم أحمد جابر المرأة بوصفها رمزًا أسطوريًا وفلسفيًا؛ ففي قصيدة "عشتار":
"احتلت الفراغ أنثى
عيناها مدينة الأندلس وقرطبة
وصدرها ساحة قتال"
(جابر، حرق الأقنعة: 12)
• ويظهر في قصيدة "المنبوذ" صراع الهوية بين الانبهار بالمرأة السوداء وبين الثوابت الإسلامية:
"إفريقية سوداء
تدارى غنجها بجلد ثعبان
مكحلة بدم أضحية الحصاد"
(جابر، حرق الأقنعة: 33)
• أما محمد عمر الفال فنادرًا ما يتناول المرأة في قصائده المباشرة، لكنه في "الخطاب العليل" (مخطوط) يعالج علاقة الحب والمعاناة من منظور وجداني عميق:
"جاء الخطاب عليلاً مسه سقم
وكل حرف عليه الحزن يقظان"
عند الجزائريين الفرنسوفونيين:
• تتصدر آسيا جبار المشهد النسائي؛ فقد استعملت الفرنسية لاستعادة أصوات نساء جزائريات مهمشات، وأعادت بناء الذاكرة الوطنية من المنظور الأنثوي (مبروك قادة، 1999).
• يقدم مولود فرعون في "ابن الفقير" صورة المرأة القبائلية التي تعاني الفقر والتقاليد في كنف المجتمع الأبوي.
وجه المقارنة: يركز التشادي على المرأة بوصفها رمزًا غزليًا فلسفيًا، بينما يركز الجزائري على المرأة بوصفها كائنًا اجتماعيًا نضاليًا، مما يعكس اختلاف السياقات والأغراض.
ثانيًا: الاستعمار والمقاومة
التشادي (محمد عمر الفال):
• قصيدته الوطنية:
"أغاني المجد يرسها فؤادي
إلى شتى المدائن من بلادي
مدائن شيدت في عهد عز
وقاها الله من شر الأعادي"
(الفال، ديوان أصداء النفس: 69)
• ويحث على الاستقلال والبناء:
"وأن نحرث الأرض والأنعام نحفظها
وننشر العلم تهذيبًا وتحسينا"
(الفال، ديوان أصداء النفس: 18)
الجزائري (مالك حداد ومولود فرعون):
• يعالج حداد أزمة الكاتب الجزائري الذي يكتب بالفرنسية في زمن الثورة، ويعاني من "مأساة اللغة" التي تجعله في عزلة عن شعبه.
• يقدم فرعون في "الأرض والدم" و"الدروب الصاعدة" صورًا للوعي الوطني والهجرة والفقر.
وجه المقارنة: التشادي مقاوم بخطاب مباشر وحماسي، بينما الجزائري مقاوم عبر المعاناة الوجودية والسرد الواقعي؛ فالأول يمتلك لغة تحرره، والثاني يكافح داخل لغة الآخر.
ثالثًا: النقد السياسي والاجتماعي
التشادي (محمد عمر الفال في "الهياكل النيابية"):
• يسخر من النائب الغافل:
"وإن تمدد في كرسي النقاش غفا
بل نام نومة مجنون رأى برءا"
• وينتقد تعدد الأحزاب:
"ماذا جلبنا من الأحزاب تعدادها
تسع وتسعون حزبًا فاقدًا جزءا"
(الفال، 24/10/1999م)
الجزائري (في الرواية الفرنكفونية):
• تنتقد آسيا جبار في رواياتها الاستبداد الاجتماعي والديني في زمن الاستعمار وما بعده.
• يقدّم محمد ديب في ثلاثيته "الدارة الكبيرة" و"الحريق" و"النول" صورة الفقر المدقع والظلم الاجتماعي في الجزائر خلال الحرب العالمية الثانية (محمد ديب، ترجمة عربية، 2001).
وجه المقارنة: كلاهما يصدر عن وعي نقدي، لكن التشادي يلجأ إلى القصيدة الشعرية ذات الحضور الخطابي، بينما يلجأ الجزائري إلى الرواية بوصفها سجلًا واقعيًا وتوثيقيًا.
رابعًا: الاغتراب والمنفى
• التشادي (جابر) : يعبّر عن اغتراب وجودي في "لا تتقلصي إلى حد الشعر":
"كما أحيانًا تشدني رغبة العدم"
• الجزائري (حداد) : يُعد نموذجًا للاغتراب اللغوي؛ فهو منفي داخل لغته الأم التي لا يكتب بها، ومنفي داخل الفرنسية التي لا تعبّر عن عمقه.
وجه المقارنة: الاغتراب عند التشادي فلسفي وروحي، بينما هو عند الجزائري لغوي وثقافي، مما يجعل مأساة حداد فريدة من نوعها.
دراسة مقارنة للبنيات الفنية
أولًا: اللغة والقالب
الشاعر/الكاتب اللغة القالب الأثر
محمد عمر الفال فصحى تراثية قصيدة عمودية (بحر خليل) حضور قوي للعروض التقليدية
أحمد جابر فصحى حديثة قصيدة تفعيلة/نثر مختلطة اقتراب من الحداثة الرمزية
مالك حداد فرنسية رواية/قصيدة نثر هجنة لغوية تعكس أزمة الهوية
آسيا جبار فرنسية رواية سير ذاتية استدعاء للذاكرة العربية
ثانيًا: الصورة البلاغية والرمز
• جابر : يوظف الاستعارات المركبة والأساطير (عشتار، الأندلس، المعبد الوثني) لبناء عوالم رمزية.
• الفال : يستخدم الصور الوظيفية الساخرة (النائب النائم، العروس المتبخترة في ثوب زائف) في خدمة الأغراض السياسية.
• آسيا جبار : تبني صورًا متداخلة من التراث العربي والفرنسي في رواياتها، مع حضور قوي للتناص الديني والتاريخي.
• مالك حداد : تعتمد نصوصه على الصور المحمّلة بالألم والانحسار، كما في "رصيف الأزهار لا يجيب".
ثالثًا: الإيقاع والموسيقى
• يتميز الشعر التشادي بموسيقى خليلية داخلية قوية، حتى عند جابر في قصائده الرمزية.
• في الأدب الجزائري الفرنسوفوني، ينتقل الإيقاع إلى البنية السردية: تناوب المشاهد، وتقطيع الفصول، والتكرار الموحي، كما في ثلاثية محمد ديب.
رابعًا: الحضور الحواري والتناص
• عند الفال : الحوارية الظاهرة في "يا من يصوت" (نداء، استفهام إنكاري، أمر).
• عند جابر : المونولوج الغنائي والحوار الأسطوري المكثف.
• عند آسيا جبار : تعدد الأصوات النسائية (التناص مع التاريخ الشفهي).
• عند حداد : الصوت الواحد الممزق بين لغتين.
النتائج
1. التقاء القضايا : يشترك الأدب التشادي والجزائري الفرنسوفوني في معالجة الاستعمار والمرأة والاغتراب والفساد السياسي، وإن اختلفت أدوات المقاربة.
2. الافتراق في العلاقة مع اللغة : يمتلك التشادي لغة عربية أصيلة يسندها في خطابه، بينما يعيش الجزائري مأساة الازدواجية التي تؤثر في بنية نصه وشخصيته الأدبية.
3. تقنية السخرية والمفارقة : وظّف الطرفان السخرية لكن بقالبين مختلفين؛ القصيدة العمودية عند التشادي، والرواية السردية عند الجزائري.
4. الرمز والأسطورة : برز استخدامهما عند جابر بوصفهما أداتين مركزيتين، بينما حضرا عند آسيا جبار بوصفهما أدوات لاستعادة الذاكرة.
5. المعيار الجمالي لا اللغوي : يؤكد الباحث أن الحكم على أدبية هذا الأدب أو ذاك ينبغي أن يستند إلى القيمة الفنية والتاريخية، لا إلى مجرد اللغة (مبروك قادة، 1999).
التوصيات
1. دعوة الباحثين إلى دراسات مقارنة بين الأدب التشادي والأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، تعتمد على التحليل الأسلوبي والبنيوي.
2. ترجمة أعمال محمد عمر الفال وأحمد جابر إلى الفرنسية، وأعمال مالك حداد وآسيا جبار إلى العربية؛ لتوسيع دائرة الحوار بين الثقافتين.
3. إدراج نماذج من الأدبين في مقررات "الأدب الأفريقي المقارن" داخل الجامعات العربية والإفريقية.
4. تنظيم ندوات فكرية تجمع كتاب تشاد والجزائر لبحث إشكاليات اللغة والهوية في الأدب الإفريقي المعاصر.
قائمة المصادر والمراجع
أولًا: نصوص شعرية تشادية
• الفال، محمد عمر. ديوان أصداء النفس (صفحات: 8، 15، 18، 19، 26، 45، 50، 52، 68، 69).
• الفال، محمد عمر. "الخطاب العليل" ، مخطوط، مركز الوثائق والمخطوطات، جامعة الملك فيصل.
• الفال، محمد عمر. "رثاء عباس محمد" ، مخطوط.
• جابر، أحمد. حرق الأقنعة (ثلاث مجموعات شعرية)، مخطوطة.
• العسيلي، قاسم. قصيدة "وصية"، ضمن روائع الشعر العربي التشادي ، جمع آدم عمر، أنجمينا: 2003.
ثانيًا: أعمال أدب جزائري فرنكوفوني
• حداد، مالك. التلميذ والدرس ، رصيف الأزهار لا يجيب ، سأهبك غزالة (ترجمات عربية).
• فرعون، مولود. ابن الفقير ، الأرض والدم ، الدروب الصاعدة (ترجمات عربية).
• ديب، محمد. الدارة الكبيرة ، الحريق ، النول (ترجمات عربية).
• آسيا جبار. أعمال مختارة (مترجمة).
• مبروك قادة (1999). إشكالية الانتماء القومي للأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية . مجلة إنسانيات، العدد 9.
#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)
Ibrahim_Mahmat#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟