أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - شعرية النثر والهوية الأنثوية دراسة موازنة بين غالية عيسى وروضة الحاج















المزيد.....

شعرية النثر والهوية الأنثوية دراسة موازنة بين غالية عيسى وروضة الحاج


ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث

(Ibrahim Mahmat)


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 00:43
المحور: الادب والفن
    


أولًا: مفهوم الشعرية وقصيدة النثر
لا تنطلق هذه الدراسة من مفهوم الشعرية بوصفها مسألة شكلية أو لعبة تمنح جواز سفرٍ للدخول إلى عالم الشعر؛ لأن الشعرية - في منظورنا النقدي - أعمق من ذلك. فهي "قدرة عميقة قادرة على استبطان الإنسان والعالم"1 وعليه، فإن قراءة نصوص غالية عيسى تستند إلى هذه الرؤية الشمولية التي تجعل من النص الشعري نهجًا في المعاينة، وطريقةً في الرؤيا، واختراقًا لقشرة الأشياء إلى لباب التناقضات التي تنسج في لحمته وسداه.
أما قصيدة النثر، فهي ذلك الشكل الشعري الذي تخلص من نظام الشطرين والقافية، وفتح المجال أمام الذات لتكتب همومها اليومية وتفاصيلها الصغرى ورؤاها الكبرى. وقد انتبه النقاد إلى أن هذا الشكل لا يخضع لقانون تشكيل النصوص، بل لما تقدمه النصوص نفسها من رؤى وخبرات. لذلك تتسم قصيدة النثر عند غالية عيسى بما يلي:
إذا كانت غالية عيسى تلتقط أحلامها من "تلّ الرماد" اليمني، فإنّ روضة الحاج تنحت من ذاكرة السودان وقصيدة النثر العربية فضاءً موازيًا للكتابة الأنثوية. بين التجربتين تقاطعات كثيرة: فكلتاهما تنتميان إلى جيل قصيدة النثر، وكلتاهما تحملان جرح الوطن في جسد الأنثى، وكلتاهما تؤسسان لعلاقة خاصة بين الهوية والكتابة. غير أن لكل واحدة منهما بصمتها التي تميّزها، من حيث الفضاء المكاني والمرجعيات الثقافية والتقنيات الفنية.

تقوم هذه الدراسة المقارنة على قراءة نصوص غالية عيسى كما تقدمها مدونتها «أحلام على تلّ الرماد»، وتقابلها بالنزعة الشعرية التي تمثلها روضة الحاج، وفق منظور يسعى إلى رصد "الشعرية" بوصفها قدرةً على استبطان الإنسان والعالم، لا مجرد شكلٍ أو لعبة لفظية.
الشعرية بوصفها مصيرًا إنسانيًا لا شكلًا:
تتفق تجربتا غالية عيسى وروضة الحاج في أن الشعرية عندهما ليست مسألة شكلية، فالقصيدة عندهما نهجٌ في المعاينة، وطريقةٌ في الرؤيا، واختراقٌ لقشرة الأشياء إلى لباب التناقضات التي تمنح الوجود الإنساني طبيعته الضدّية العميقة.
من هنا، لم تكن قصيدة النثر عند أيٍّ منهما هروبًا من الوزن أو القافية، بل حاجة وجودية لكتابة الذات الأنثوية في لحظة راهنة تتسم بالتمزق والمنفى. فغالية عيسى تستخدم النثر الشعري لكتابة "حلم السلام" فوق رماد الوطن المحروق، وروضة الحاج تستخدمه لكتابة الذات الأنثوية في تقاطعها مع الذاكرة السودانية والعربية.
ثانيًا: تقاطع العتبات النصية
1. العتبات عند غالية عيسى
قدّمنا في قراءة «أحلام على تلّ الرماد» أنّ العتبات في مدونة غالية عيسى تؤدي وظيفة تأويلية عميقة:
العنوان : «أحلام على تلّ الرماد، أدبيات من وحي الرماد» يجمع بين الحلم والرماد، ويلخّص حالة الذات بين الرجاء والفقدان.
التقديم الشعري : "غالية عيسى حلم السلام / ابنة الفلاح الذي مات بلا أرض"؛ حيث يتحول الاسم إلى هوية وجودية.
الإهداء : "إهداء التلّ"؛ إهداء صادر من المكان لا من الذات الفردية، ليتحول النص إلى صوت جماعي.
2. العتبات عند روضة الحاج
في المقابل، تبدو العتبات في تجربة روضة الحاج أقرب إلى "طقس تأويلي" يستدعي الذاكرة والتكوين. فالعناوين عندها تتشظى على نحو يوحي بالبحث عن أصلٍ أول، أو أرضٍ مفقودة، أو امرأة مكتوبة داخل التاريخ واللغة. هذا ما يجعل قراءة عنوان أيّ مجموعة شعرية لها بوابةً ضرورية إلى نصوصها، تمامًا كما هو الشأن في مدونة غالية عيسى.
3. نقطة الالتقاء
تتفق الشاعرةان في أنهما لا تتعاملان مع العنوان بوصفه «بوابة إشهارية» فقط، بل بوصفه عقدًا تأويليًا يحدّد شروط القراءة، ويجعل النصوص "محمولة بمضامينها المتناثرة" إلى لوحة قرائية متكاملة.
ثالثًا: الهوية الأنثوية بين الذات الجمعية والذات المفردة
1. الهوية الجمعية: مقاومة التهميش
تنطلق غالية عيسى من قناعة مفادها أن "الهوية الأنثوية في قصائد المرأة الشاعرة هوية تقاوم أشكال التهميش القهري للإنسان الباحث عن وطن سعيد". وقد تجلّى ذلك في انتمائها إلى مرجعيات كونية ودينية وأسطورية:
دينيًا : أم موسى، مريم، يوسف، إبراهيم، محمد.
أسطوريًا : بلقيس، سليمان، الهدهد، شهرزاد.
اجتماعيًا : ابنة الفلاح، ابنة الخباز، ابنة الشرطي، ابنة المطر.
وفي هذا السياق، يمكن القول إنّ روضة الحاج تنتمي هي الأخرى إلى "جماعة نسوية عربية" تشتبك مع التاريخ والمكان؛ فهي تكتب من داخل جسدٍ أنثوي يستدعي ذاكرة سودانية عربية، ويمتح من الموروث والتراث الشعبي، لتأسيس هوية لا تذوب في النماذج الذكورية ولا تنفصل عن مشروع التحرر الوطني.
2. الهوية المفردة: الحب وطنٌ بديل
في قصيدة «محادثة على تلّ القمر»، تقترب غالية عيسى من هوية فردية تمتح من علاقة العشق:
اصمتي الآن ودعيني أقبلك وحدك
لأجلك الآن
بدأت حكايا الأطفال
نامي عميقًا كأرقي
أرجوحة النعاس لا تتسع إلا لاثنين
هنا يتحول الحبيب إلى وطنٍ صغير يقي الذات من برودة المنفى، وفي تجربة روضة الحاج، نجد نزعة مشابهة إلى "أنسنة المكان" وتجسيد الوطن في ملامح قريبة من الجسد والروح؛ فالحبيبة/المرأة تُبنى في النص بوصفها كائنًا يتجاوز حدود الجغرافيا.
3. الفرق
غير أن الاختلاف يظهر في طريقة معالجة الذات:
الوجه غالية عيسى روضة الحاج
اللغة تقريرية حكائية، تشبه "الحكايا" والبوح المباشر إيحائية تأملية، تميل إلى التكثيف والرمز
المَكان اليمن/عدن/المنفى السودان/الذاكرة/المنفى الروحي والجغرافي
المرجعيات بلقيس، التراث النهر والحكاية الشعبية
النبرة حزينة متأججة، تنشد السلام روحانية تتأمل أسئلة التكوين والوجود
رابعًا: الوطن والمنفى
ثمة قاسم مشترك كبير بين الشاعرة اليمنية والشاعرة السودانية في أن الوطنية عندهما تمرّ عبر الجسد الأنثوي، فغالية عيسى تعبّر عن "هجرة الأرض" بأنها "كخلع الجلد المحروق بالصبر". وروضة الحاج، من جهتها، تكتب من منفى عربي متعدد الأوجه؛ منفى الحرب، منفى المدينة، ومنفى الجسد الأنثوي في مجتمع يضيق بتجربة المرأة.
ويصبح الوطن في التجربتين معًا "حلمًا لا يريد أن يغادر فكر الشاعرة وروحها"، كما جاء في قراءة «أحلام على تلّ الرماد». فإذا كانت غالية عيسى تحلم باستعادة "بيتها وأرضها ولقمة عيشها" من وسط الرماد، فإنّ روضة الحاج تحلم بلا شكّ بوطنٍ يسعها ويسمع صوتها، وطني لا يُعترف به إلا بمقدار ما تعترف هي بجراحه.
خامسًا: التقنيات الفنية المشتركة
تجمع نصوص غالية عيسى وروضة الحاج على جملة من آليات قصيدة النثر، يمكن تلخيصها فيما يلي:
شخصنة الخطاب الشعري : حضور الذات بوصفها مركز التجربة.
هيمنة النزعة اليومية والتفصيلية : لمس الأشياء الصغيرة (القهوة، القمح، الحناء، عسل يمني).
أسطرة المعيشي والمكاني : تحويل المكان اليومي إلى فضاء أسطوري.
التركيز على النزعة البصرية المشهدية : بناء النص من لقطات حسّية متتابعة.
الكشف عن شعرية المهمش والمنسي : المرأة، الفلاح، المنفي، المعتقل.
النزوع إلى السرد الحكائي المضغوط : حضور "الحكايا" بوصفها بنية داخلية للنص 2 .
ويبقى الفارق الأساسي أنّ غالية عيسى تذهب في الحكائي والتقريري مذهبًا أوسع، في حين تميل روضة الحاج إلى الغموض المشروع الذي "يطلق شحنات كبيرة من الانفعال، يوحي ولا يحدد، يشير ولا يعبّر" 3 .
تكشف المقارنة بين غالية عيسى وروضة الحاج عن وحدةٍ عميقة في التجربة الأنثوية العربية المعاصرة: فكلتاهما تكتبان قصيدة النثر بوصفها خيارًا وجوديًا، وكلتاهما تتخذان من الجسد والوطن والذاكرة مادةً أساسية للكتابة، وكلتاهما تقاومان أشكال التهميش داخل النسق الأدبي وفي المجتمع.
لكن التمايز يظل قائمًا أيضًا: فغالية عيسى تقدم نموذجًا "حكائيًا ملحميًا" يحفر في اليومي والرمادي والحالم، مستندة إلى مرجعيات يمنية وعربية وإسلامية؛ وروضة الحاج تمثل نموذجًا "تأمليًا " ينحت من اللغة عالَمًا موازيًا للواقع، وتقارب الذات الأنثوية من حيث هي سؤال وجودي لا ينتهي.
ويمكن القول في النهاية إنّ قصيدة النثر عند الشاعرتين صارت "رؤية من رؤى ما بعد الحداثة"؛ نصًا قائمًا على احتمال الانتماء لا على موثوقيته، يجمع شتات الفكر الذي لا يجتمع إلا داخل الفكر، ويقدّم رؤيةً لما هو كائن خارج إطار الكليات القيمية التي تحدد مسار النص قبل أن يبدأ.
وللموضوع بقية.
المصادر والمراجع
1. أبو ديب، كمال. في الشعرية. مؤسسة الأبحاث العربي، بيروت، لبنان، ط1، 1987.
، ص143.
2. رزق، شريف. قصيدة النثر المصرية: شعريات المشهد الشعري الجديد. مركز الحضارة العربية، القاهرة، مصر، ط1، 2016.، ص24.
3.محبك، أحمد زياد. قصيدة النثر: دراسة. منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، 2007، ص31.
4. انظر: دبوان أحلام على تل الرماد لغالية عيسى
5. انظر : مدن المنافي للشاعرة روضة الحاج



#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)       Ibrahim_Mahmat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عثمان سيمبين ودوره في السينما الإفريقية: من الأدب إلى المقاو ...
- الفرق بين ما بعد الحداثة ومدرسة النقد التفاعلي للدكتور ابراه ...
- الأديب الإفريقي بين الخصوصية الثقافية والتحليل الأسلوبي في م ...
- تطبيق المنهج الحلزوني على الأدب التشادي المكتوب باللغتين الع ...
- المنهج الحلزوني التكاملي في مدرسة النقد التفاعلي للدكتور ابر ...
- مدرسة النقد التفاعلي خصائصها ومزاياها ومصطلحاتها الدكتور ابر ...
- مدرسة النقد التفاعلي رؤية نظرية ومنهجية للدكتور ابراهيم محمد ...
- التحديات الاجتماعية في دول حوض بحيرة تشاد للدكتور ابراهيم مح ...
- اللغة العربية في الكاميرون: آفاق وتحديات
- فن الرثاء في الشعر الجاهلي
- التحديات الاجتماعية في الكاميرون: حالة أقصى الشمال أنموذجا
- آفاق المرأة في إقليم أقصى شمال كاميرون: التعليم والتدريب كنم ...
- النقد الأدبي العربي من العصر الجاهلي إلى العصر المعاصر دراسة ...
- دراسة الاسلوبية في قصيدة الفلانية -جَبًرْد نٌلاَط- إعداد وتق ...
- صور الرثاء في الشعر الجاهلي دراسة أدبية تحليلية
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء
- أسلوب مقامات الحريري ودوره في جذب رواد القصص العربية في الكا ...
- المرأة الإفريقية والآسيوية وتحديات العصر الرقمي
- دور القياس في بناء اللغة العربية -النحو العربي أنموذجا- إعدا ...
- تعريف الرومانسية


المزيد.....




- أدباء العراق يستذكر صلاح القصب.. حارس التجريب المسرحي
- صُوّر بالكامل في القطاع.. -غزة 13- يحصد جائزة -نيتباك- في مه ...
- طهران تقرر إغلاق مركز اللغة الفرنسية التابع للسفارة بتهمة ال ...
- الرصاصة العكسية.. كيف روجت إسرائيل لفيلم -نازا- عبر تهديد صن ...
- إيران تغلق مركزا فرنسيا في طهران لمناهضته الثقافة الإسلامية ...
- -داخل سوريا-.. بودكاست جديد يقدم السردية السورية للعالم بالل ...
- صاغوا أبحاث طلاب غربيين لسنوات.. الذكاء الاصطناعي يعصف بـ-كت ...
- -دير جيست- يضيء ليل القاهرة بتكريمات جديدة لنجوم الفن والإعل ...
- -الناس يتألمون هناك-.. مصارع فنون القتال شون شرف يعلن تضامنه ...
- موسيقى هادئة وتدليك عميق.. يوم للاسترخاء مع الأبقار في هذه ا ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - شعرية النثر والهوية الأنثوية دراسة موازنة بين غالية عيسى وروضة الحاج