راوية رياض الصمادي
الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 04:49
المحور:
الادب والفن
مقدمة: سؤال النسيان كآلية
حين صدرت رواية "أدركها النسيان" للدكتورة سناء الشعلان عام 2018، حازت جائزة صلاح الدين الأيوبي، ولفتت إليها أنظار النقاد. ومنذ ذلك الحين، توالت الدراسات التي تناولتها من زوايا متعددة: النماذج العليا عند يونغ، الصراع الاجتماعي وفق نظرية لويس كوزر، النص الفوقي، الذاكرة الجريحة والذات الأنثوية، تيار الوعي، والأسلوب السردي. كل هذه المقاربات أثرت الفهم، لكنها جميعاً — باستثناء إشارات عابرة — لم تتوقف طويلاً عند السؤال الأكثر إلحاحاً في الرواية: ما هو النسيان؟.
لا أقصد النسيان بوصفه مرضاً أو عَرَضاً، بل بوصفه آلية نفسية-سردية تنتجها الرواية، وتُشكّل بوساطتها بنيتها ومعناها. النسيان في "أدركها النسيان" ليس مجرد فقدان للذاكرة، بل هو فعل مقاومة، واستراتيجية بقاء، وطقس تطهير. إنه، كما تكتب بهاء نفسها، "تطهّر من النجس الذي علق بي في رحلتي المضنية". ومن هنا، تقترح هذه الدراسة مقاربة جديدة: قراءة الرواية بوصفها نصاً عن النسيان كنظام دفاعي وتطهيري، وليس فقط كقصة عن امرأة تفقد ذاكرتها.
---
أولاً: الدراسات السابقة: ما قيل وما لم يُقل
1. المقاربات النفسية: النماذج العليا والذاكرة
درست سامه موسى بور وزملاؤها الرواية في ضوء نظرية النماذج العليا ليونغ، وخلصت إلى أن الرواية "تزخر بالنماذج العليا" وتُوظّف الأنبياء والشيخ العاقل والذات. هذه مقاربة عميقة، لكنها تتناول النسيان كعَرَض يُتيح تحليل الرموز، لا كآلية مركزية تنتج السرد نفسه.
2. المقاربات السوسيونصية: الصراع الاجتماعي
حلّل يوسف متقيان نيا وعبد الوحيد نويدي الرواية وفق نظرية لويس كوزر، وأظهرا أن الرواية "تعكس صراعات متعددة بين الشخصيات والمجتمع، تشمل صراع الأجيال والصراع بين الفرد والمجتمع". وهذا التحليل قيّم، لكنه يركز على الخارج (المجتمع) لا على الداخل (النفس).
3. مقاربات الذاكرة والذات الأنثوية
كتب عبد المنعم همت دراسة بعنوان "الذاكرة الجريحة وتمثيل الذات الأنثوية"، وصف فيها الرواية بأنها "حكاية مكتوبة بماء الألم". غير أن هذه الدراسة، على أهميتها، تنظر إلى النسيان كتهديد للذاكرة، لا كآلية إنقاذ.
4. الفجوة: النسيان كفاعل بنيوي
لم تتناول أي من الدراسات السابقة — حسب علمي — السؤال التالي: كيف يعمل النسيان كآلية نفسية-سردية داخل الرواية؟ كيف يتحول من مرض إلى فاعل بنيوي يُعيد تشكيل الزمن والسرد والشخصيات؟ هذه هي الإشكالية التي تقترحها الدراسة الحالية.
---
ثانياً: النسيان كآلية دفاعية
1. الإنكار: حين يصبح الماضي "غير موجود"
تقول بهاء في لحظة مفصلية: "ليس المرض الذي فتك بي هو من يدفعني الآن إلى الكتابة له، بل هي رغبتي في أن أتطهر من النجس الذي علق بي". هنا نرى النسيان يعمل كـإنكار دفاعي: بهاء لا تريد أن تتذكر، لأن التذكر يعني مواجهة جراح اليتيم والفقر والاغتصاب. النسيان هنا ليس عجزاً، بل اختيار لاواعٍ لعدم رؤية ما لا يُحتمل.
2. الكبت: حين يغيب الماضي عن الوعي
تتكون الرواية من "ثلاثين نسياناً" — ثلاثين فصلاً يحمل كل فصل اسم "النسيان" متسلسلاً. هذا التقسيم ليس شكلياً، بل هو بنية نفسية مجسّدة: كل فصل هو طبقة من طبقات الكبت، تُدفن فيها ذكرى، ثم تُستدعى رويداً رويداً. والرواية ككل هي عملية تفكيك بطيء للكبت، حيث تعود الذكريات المكبوتة عبر التداعي الحر وتيار الوعي.
3. الإسقاط: حين يصبح الآخر مرآة
شخصية "الضحاك" ليست مجرد حبيب، بل هي موضوع إسقاط لكل ما فقدته بهاء: الأمل، الحب، الحياة. عندما تراه بعد ستين عاماً، تهتف: "أنت الضحاك سليم. أنا أعرفك. أنا أعشقك". في هذه اللحظة، لا تتعرف بهاء على الضحاك الحقيقي، بل على صورة داخلية كانت محفوظة في مكان ما من الوعي، رغم النسيان. إنها ذاكرة عاطفية عصيّة على المحو.
---
ثالثاً: النسيان كتطهير: من الجرح إلى الخلاص
1. الاغتسال بالمحو
يصف عبد المنعم همت بطلته بأنها "امرأة وُلدت مرتين: مرةً في حضن عائلة تخلت عنها، ومرةً في خضمّ الألم الذي جعل منها شاهدة على الخذلان". هذه الولادة الثانية هي النسيان. إنه ليس فناءً، بل تطهير: "كم أنا سعيدة الآن لأنني امرأة أدركها النسيان، فأنقذها منها، ومن عذابات التذكر، ومن أوجاع الماضي ومن خيبات الحاضر والمستقبل".
2. العودة إلى الطفولة: نسيان كولادة جديدة
في نهاية الرواية، تعود بهاء "إلى الحياة بعقل وذاكرة فتاة صغيرة لا تملك ذكريات أو ماض". هذه ليست نهاية مأساوية، بل نهاية تطهرية: الطفولة هنا ليست جهلاً، بل براءة مستعادة. إنها "البداية" التي تحمل عنوان الفصل الأخير.
3. النسيان كفداء
تقول بهاء: "أيها النسيان لقد أدركتني في الوقت المناسب؛ ما عاد لي أي حاجة في التذكر". هنا يتحول النسيان من عدو إلى منقذ. إنه الفداء الذي يحرر الضحية من سجن ذاكرتها. وهذا ما يجعل الرواية، رغم قسوتها، نصاً عن الأمل، لا عن اليأس.
---
رابعاً: البنية السردية للنسيان: كيف يُحكى المحو؟
1. تعدد الرواة: ذاكرة مشظّاة
تُروى الرواية "على لسان أكثر من راوٍ": الراوي العليم، والراوية الجزئية "باربرا"، والراوي البطل "الضحاك"، والراوية البطلة "بهاء". هذا التعدد ليس تقنية شكلية، بل هو تجسيد سردي للنسيان: كل راوٍ يملك جزءاً من الحقيقة، ولا أحد يملكها كاملة. الذاكرة، كما النسيان، مشظّاة.
2. الأوربيغامي: طيّات النسيان
في "أوربيغامي النسيان" — وهو تداخل نصي بين السرد والشعر — تقدم الشعلان مقاطع يمكن تحويلها إلى شعر مع تغيير طفيف. هذا الشكل "الأوربيغامي" هو استعارة بصرية للنسيان: طيّات النص مثل طيّات الذاكرة، تُفتح تدريجياً لتكشف ما طُوي.
3. الزمن الدائري: النسيان لا ينتهي
لاحظت الدراسات أن "زمن الرواية هو زمن دائري لا ينتهي"، وينتهي النص بكلمة "البداية". هذا الزمن الدائري هو زمن النسيان: لا خطي، لا تصاعدي، بل دوريّ، يتكرر فيه المحو والاستعادة في حلقة لا تنتهي.
---
خامساً: اللغة الشعرية: حين يصبح النسيان أسلوباً
1. السرد المتوتر كالنزيف
يصف عبد المنعم همت لغة الشعلان بأنها "سرد متوتر، موجع، متدفق، كأنه نزيفٌ لا يتوقف". هذا النزيف هو لغة النسيان: كلمات تتساقط كما تتساقط الذكريات، جمل مقطوعة كما الذاكرة المقطوعة.
2. الاستعارة: الحب إنسان
في مقطع شعري، تقول الشعلان: "الحب الحقيقي لم يأتِ بعد" و"الحب هو ما يواسينا عندما يخذلنا العالم". هنا يستخدم النسيان استعارات إنسانية: الحب شخص، والنسيان شخص. الذاكرة ليست مخزناً، بل شخصيات تتحرك في مشهد سردي.
---
خاتمة: النسيان الذي يُنقِذ
في نهاية هذه القراءة، يمكن القول إن "أدركها النسيان" ليست رواية عن فقدان الذاكرة، بل رواية عن استعادة الحياة عبر فقدان الذاكرة. النسيان هنا ليس عدوّاً، بل منقذ. إنه الآلية التي تسمح للضحية بأن تنجو، وللجرح بأن يندمل، وللذات بأن تولد من جديد.
وتقدم الشعلان، عبر هذه الرواية، مساهمة نوعية في السرد العربي: نصاً لا يحكي عن النسيان، بل يُنتجه. ثلاثون فصلاً، وأربعة رواة، وزمن دائري، ولغة تتدفق كنزيف — كلها عناصر تبني جمالية النسيان، حيث المحو ليس غياباً، بل حضور من نوع آخر.
والسؤال الذي يبقى: إذا كان النسيان يُنقذ، فما الذي يبقى من الذاكرة؟
الجواب: الحب. الحب الذي لا يُنسى، لأن بهاء لم تنسَ الضحاك. النسيان محا كل شيء، إلا عشقها.
---
المصادر والمراجع
1. الشعلان، سناء. أدركها النسيان. دار أمواج للنشر والتوزيع، عمّان، 2018.
2. موسى بور، سامه؛ هادي بور نهزمي، يوسف؛ آرمن، سيد إبراهيم. "رواية أدركها النسيان لسناء الشعلان: دراسة في ضوء نظرية نقد النماذج العليا". إضاءات نقدية في الأدبين العربي والفارسي، السنة الثالثة عشرة، العدد الخمسون، صيف 2023، صص 143-162.
3. متقيان نيا، يوسف؛ نويدي، عبد الوحيد. "تمظهرات الصراع الاجتماعي في رواية أدركها النسيان لسناء شعلان بناءً على نظرية لويس كوزر". مجلة اللغة العربية وآدابها، المجلد 16، العدد 14، 2024.
4. حسين، إخلاص حسن؛ محمد، أحمد. "النص الفوقي في رواية أدركها النسيان لسناء الشعلان". مجلة جامعة السليمانية، 2025.
5. همت، عبد المنعم. "الذاكرة الجريحة وتمثيل الذات الأنثوية في رواية أدركها النسيان". وكالة رم، 14 يوليو 2025.
6. العبودي، ضياء علي. "الانبوهات في رواية أدركها النسيان لسناء الشعلان". هلال الهند، عدد خاص، يوليو 2021.
7. محيلان، منى. "الإنسان في رواية د. سناء شعلان (أدركها النسيان): ما بين العتبة ودهشة الختام". عاشقة الصحراء، 22 أغسطس 2019.
8. "عناصر تيار الوعي في نجوم الأوريغامي في رواية أدركها النسيان للكاتبة سناء شعلان بناءً على نظرية ويليام جيمز". دراسات في السردانية العربية، 2025.
#راوية_رياض_الصمادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟