أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - “وسيم السيسي-… سلامتك!














المزيد.....

“وسيم السيسي-… سلامتك!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 12:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
في يونيو 2015، كتبتُ مقالًا عنوانه "وسيم السيسي… سُرَّ مَن رآك"، احتفاءً بكتابه الجميل "مصرُ التي لا تعرفونها". في ذلك المقال اختلطت عليَّ الرؤى والضمائرُ والصور؛ فكنتُ أتحدث عن مصرَ وأنا أقصد "وسيم السيسي"، وأتكلم عنه وأنا أقصد مصر. فبعض الشخصيات، من فرائد البشر، يغدون مع الوقت صورة من صور الوطن.
يقولُ الحلاجُ في واحدة من أعظم قصائده: “فإذا أبصرتني أبصرته/ وإذا أبصرته أبصرتنا"، وأقولُها عن هذا الرجل بتصرّف: “إذا أبصرتَه أبصرتها، وإذا أبصرتها أبصرته"، وضميرُ الغائب المؤنث، بالقطع، يعودُ على مصر.
لهذا، حين علمتُ من شقيقته الجميلة أن الدكتور في المستشفى، خفق قلبي، وشعرتُ أن شيئًا في صورة مصر قد ارتجف. فهو واحد من أولئك الذين أصبحوا جزءًا من المعنى الذي نفهم به العالم، ونفهم به أنفسنا، ونفهم به مصر.
ركضتُ إلى المستشفى، ورغم خروجه للتوّ من عملية جراحية دقيقة إثر حادث سير، بسبب تعجّله في الوفاء بمهامه الجسام بين عمله الطبي وعملياته الجراحية ومحاضراته وأسفاره، ورغم الأنابيب التي تكبّل معصميه، لكنه حين فتح عينيه وابتسم، أشرق وجهُ مصر من جديد، وتأكد عنوان المقال: “سُرَّ من رآك" أيها الأستاذ العظيم.
سلامتك أيها الطبيب الذي لم يكتفِ بمداواة أجسادنا، بل ظلّ سنواتٍ وعقودًا يحاولُ مداواة جهلنا بأنفسنا وبعراقة تاريخنا. لم يحمل مشرطه وحسب؛ بل حمل معه قلمًا، وذاكرة، وشغفًا نادرًا بمصر. ثم راح ينقّب في طبقات الزمن كما ينقّب الجراحُ في جسد مريض، باحثًا عن موضع العلة، وعن موضع النبض والحياة.
عرفتُ مصرَ معه بطريقة أخرى. قبله، كنت أحبُّ مصرَ كما يحب المرء بيتَه وكما يحبُّ الطفلُ أمَّه: حبًا فطريًا غريزيًّا، لا يحتاج إلى برهان أو سبب. لكن "وسيم السيسي" علّمني أن الحب دون دليل ليس يكفي. مَن يحب وطنه عليه أن يعرفه. أن ينزل إلى طبقاته السحيقة، إلى لغته الأولى، إلى أساطيره، إلى علومه وأسراره، إلى فنونه، إلى أطبائه ومهندسيه وفلاسفته وحكمائه، إلى تلك الحضارة التي لم تكن أبدًا حجارةً صمّاءَ صامتةً كما أراد بعض الجهلاء أن يقنعونا، بل كانت حضارتنا عقلًا هائلًا ظلّ يتحدث إلينا عبر آلاف السنين، ومازال.
يعرف الدكتور "وسيم" كيف يأخذنا إلى مصرَ القديمة، فلا نعود منها كما ذهبنا. تلك موهبته. بوسعه أن يجعل درسًا في الـEgyptology يبدو كحكاية حب. بارعٌ في أن يستخرج من نقشٍ قديم سؤالًا معاصرًا، ومن مومياءَ درسًا في الطب، ومن هندسة معبدٍ فكرةً عن الإنسان، ومن كلمة مصرية قديمة نافذةً نرى منها العالم. هذا الرجل الفريد لا يلقّننا التاريخ، بل يعيد إلينا ذاكرتنا الممحوة، يجلو عنها غبار الغفلة، فيشرقُ وجهها من تحت الركام.
لم يتعامل "وسيم السيسي" مع مصر بوصفها موضوعًا للبحث، بل بوصفها حسناءَ يعشقُها. وثمة مسافة هائلة بين الباحث والعاشق. الباحثُ يضع الحقيقة على طاولة التشريح. أما العاشق، فيضع يده على قلبها. ولذلك كان حديثه عن مصر مُعديًا. نخرج من مجلسه ونحن أكثر اعتزازًا بأننا مصريون، لا لأننا سمعنا مديحًا في الوطن، بل لأننا اكتشفنا أسبابًا حقيقية للفخر. وهذه نقطة أراها شديدة الأهمية لتثقيف مَن يخلطون بين الوطنية والتصفيق. ذاك أن الوطنية الحقّة معرفةٌ ومسؤولية، وعيٌ ودراسة وتفتيش عن مكامن الجمال، واستنطاقها من مخابئها. هذا الرجل أعطانا مصرَ التي تحت الجلد، لا مصر التي على البطاقات. وأعطانا فوق ذلك درسًا آخر، أكثر إنسانية: أن المعرفة لا تُكتسب لكي نتعالى بها على الآخرين، بل لكي نضيء الطريق.
أراه دائمًا رجلًا يعرف كيف يتحدث عن أعقد الأشياء بلغةٍ تصل إلى القلب، يضفرُ الشعرَ بالتاريخ بالعلم في جديلة ساحرة تتماوج على ظهر مصر. ففي شخصه يجتمعُ الطبيبُ والمفكرُ وعالم المصريات والفيلسوفُ والأديب، كأنما هو أحد رجالات الإغريق الموسوعيين، فتتسلّلُ إليك المعارفُ برفق دون أن تشعر بثقلها. لأن العلم عنده هيئةٌ من هيئات المحبة.
ولذلك، حين أكتب اليوم: "سلامتك"، فأنا أقولها نيابة عن كل من جعلتهم يحبّون مصر أكثر، فذهبوا يبحثون عن صفحة تاريخٍ ظنّوا مواتَها، فإذا بها تنبض تحت أصابعهم. أقولها عن كتب أضفتها إلى مكتبتنا، وأسئلة غرستها في عقولنا، ودهشة أعادتنا إلى مصرنا.
دكتور "وسيم"، نحن لا نملك ردَّ عطاياك. لكننا بوسعنا أن نقول إن أثرك لم يدخل المستشفى معك. أثرُك طليقٌ. في كتابٍ نقرأه، وفي حكايةٍ نرويها عن أجداد كانوا أصحاب عقلٍ وعلمٍ وجمال.
مقام السؤال:
من العسير أن أكتب سؤالاً في حضرة رجلٍ غرس في عقولنا بذرةَ السؤال. لهذا سأكتفي بأن أقول لك: استرحْ قليلًا أيها العاشق، وعُد سريعًا، لتُكمل لنا الحكاية.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الُمعلِّمُ… وانكسارُ المرايا!
- الهروبُ من الاستنزاف1
- في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي
- -لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي
- أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!
- -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري
- هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال
- أبي… وأبي… ويدي اليسرى
- -الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-
- -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها
- عن الزلزال… سألوني!
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!
- المونودراما
- انتصرت مصرُ… وغادرتْ
- لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها
- شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج


المزيد.....




- السويد تطرد موظفا في سفارة إيران وتتهمها بتهديد مصالح يهودية ...
- توجيه اتهامات بجرائم كراهية لشاب في لندن استهدف منشآت إسلامي ...
- -العلياه-.. لماذا يهاجر يهود فرنسا إلى إسرائيل؟
- البابا ليو الرابع عشر: صراعات الشرق الأوسط تضع الحوار المسيح ...
- إدانات عربية وإسلامية لمحاولة استهداف مكة المكرمة
- البابا: صراعات الشرق الأوسط تضع اليهود والمسيحيين تحت ضغط
- إسرائيل تغلق الحرم الإبراهيمي يومين أمام المسلمين بحجة تأمين ...
- إدانات إسلامية لـ-محاولة استهداف مكة- والحوثيون ينفون
- «معاداة السامية» .. سلاحٌ يتهاوى أمام النقد اليهودي لإسرائي ...
- -بلسان عربي مبين-.. إصدار قطري جديد لترسيخ دور العربية في ال ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - “وسيم السيسي-… سلامتك!