أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سنية الحسيني - تركيا والابتعاد عن الاستراتيجيات الأميركية الأمنية















المزيد.....

تركيا والابتعاد عن الاستراتيجيات الأميركية الأمنية


سنية الحسيني

الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 09:51
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


بدأت إدارة ترامب إعداد استراتيجية أميركية لما بعد انتهاء الحرب مع إيران، يُفترض أن توجه سياستها في الشرق الأوسط خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب. وتحدثت المصادر الأميركية عن عدة اتجاهات رئيسة مطروحة، أولها وأهمها إنشاء اصطفاف إقليمي بين حلفاء الولايات المتحدة لاحتواء إيران، تكون الولايات المتحدة ضامنه له؛ وثانيها والذي يرتبط بالأول بنيوياً هو توسيع اتفاقات أبراهام والتطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة، وعلى رأسها السعودية. على جانب معاكس، يبدو أن دول المنطقة تبحث في استراتيجيات أخرى متناقضة تماما، غير متجاهلة التحولات التي خلقتها حرب إسرائيل على غزة قبل ثلاث سنوات، وحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران دون مبرر قبل أشهر. لا يخرج اتفاق مكة للأمن الجماعي، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان عن هذه الرؤية المتناقضة التي ترسمها واشنطن. كما اعتبر أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، يوم الاثنين الماضي، أن «الاستقلالية الاستراتيجية ليست مجرد شعار، بل خيار سياسي عقلاني» تفرضه اعتبارات الأمن والمصلحة الوطنية. وبرر تلك الاستقلالية الاستراتيجية ماجد الأنصاري، مستشار رئيس الوزراء والمتحدث الرسمي للخارجية القطرية قبل ذلك بشهرين معتبراً أن التطورات العالمية تتطلب «مقاربة أكثر شمولاً». تقاطعت تلك التصريحات أيضاً مع أخرى مصرية، فقد أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في آذار الماضي أن بلاده تعمل على إحياء وتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي، وأعاد طرح فكرة القوة العربية المشتركة، معتبرا أن أي ترتيبات للأمن الإقليمي تفرضها أطراف خارجية غير مقبولة.

في قمة منظمة شنغهاي الأخيرة، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ، إن المنظمة ينبغي أن تبني بيئة من «الأمن المشترك»، وإنه يجب منع «القوى الخارجية» من التدخل في الشؤون الداخلية وتقويض الاستقرار الإقليمي. وأمس، كشف سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي عن تصور بلاده لنظام أمني إقليمي في الخليج، واسترجع طرحا روسيا قبل عقدين يقوم على الجمع بين دول الخليج وإيران ضمن مفهوم أمني للمنطقة كحل لمعالجة المخاوف المتبادلة وإجراءات بناء الثقة.

لم يستبعد الرئيس التركي رجب أردوغان في أعقاب قمة شنغهاي الأخيرة الانضمام للمنظمة، إلى جانب الصين وروسيا وإيران وباكستان ودولاً أخرى، والتي ترتبط بها أيضاً السعودية ومصر بصفة شريك حوار. وقبل أيام، بدأ في إسطنبول تحويل اتفاق مكة من نص دفاعي إلى مؤسسات وآليات تنفيذ، فتم تشكيل أمانة عامة وتفعيل عمل اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية كهيئة قيادية عليا لتوجيه الأنشطة الاستراتيجية المشتركة، وتفعيل مسارات التعاون العملياتي. ويبحث هذا المقال في مدى انسجام استراتيجية تركيا في المنطقة حاليا مع مخططات واشنطن لها، ويفترض أنها تتبنى استراتيجية متناقضة مع تلك التي تضعها واشنطن، وتتقاطع مع رؤية أوسع تتبناها دول المنطقة، بما فيها حلفاء واشنطن.

تبدو سياسة تركيا في المنطقة، أحد أعضاء التحالف الثلاثي للأمن الجماعي بالإضافة للسعودية وباكستان، أنها تتبلور وتنضج بعيداً عن طموحات واستراتيجيات واشنطن فيها. والحقيقة أن ذلك التوجه التركي لا يرتبط فقط بتطورات حرب غزة وإيران الأخيرة، بل هو تطور أكثر عمقاً صقل بعد تجربة تحالف طويلة مع الولايات المتحدة والغرب.

مع انهيار الإمبراطورية العثمانية مطلع القرن العشرين، اقترنت الجمهورية التركية التي تأسست العام 1923 بالغرب، بقرار تبناه كمال أتاتورك. انضمت تركيا خلال الحرب الباردة لـ»الناتو» وساهمت في إنشاء حلف بغداد، وانضمت لمنظومة الاحتواء الأميركية ضد الاتحاد السوفيتي. في ستينيات القرن الماضي، تعرضت تركيا لأول ضربة من الغرب، عندما حذرتها الولايات المتحدة من استخدام أسلحة أميركية في أزمتها مع قبرص، كما لم يكن متوقعاً تدخل «الناتو» لحمايتها في حال تدخل الاتحاد السوفيتي ضدها، في إطار ذات الأزمة. شكلت تلك الأزمة أحد المحفزات الرئيسة لتبني تركيا تطوير الصناعات العسكرية ذاتياً، خصوصاً بعد فرض الولايات المتحدة حظراً على ارسال الأسلحة لتركيا في العقد التالي، في ظل تطورات نفس الأزمة. ورغم بقائها غربية التوجه، إلا أن تركيا سجلت خلال تلك الفترة انضمامها لمنظمة المؤتمر الإسلامي العام 1969، وتبني موقف أقرب للمزاج العربي تجاه القضية الفلسطينية. في ثمانينيات القرن الماضي، تبنت تركيا استراتيجية تقوم على الانفتاح الاقتصادي والتجاري، ما قاد توجهها نحو الشرق الأوسط وآسيا، مع احتفاظها باستراتيجية خارجية ترتبط بالغرب والولايات المتحدة وإسرائيل بقوة. وسجلت تلك الحقبة وقوف تركيا إلى جانب الولايات المتحدة في التحالف ضد العراق في حرب الخليج عامي 1990 و1991.

مع صعود حزب العدالة والتنمية لصدارة الحكم ووصول رجب طيب أردوغان لقيادة المشهد السياسي مطلع الألفية الجديدة بدأت تتشكل رؤية استراتيجية تركية أكثر وضوحاً وثباتاً، تجسدت فيما وصفه رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو بـ«العمق الاستراتيجي». جسدت تركيا من خلالها رؤيتها لنفسها كدولة مركزية جغرافياً، ذات عمق تاريخي، ومكانة حضارية، وثقافية، ودينية، تعزيز ارتباطها بمنطقة الشرق الأوسط. كما لم تغفل تركيا في هذه الاستراتيجية تجربتها السياسية والأمنية التي نضجت في إطار شراكة مع الغرب لعقود. على الرغم من مركزية وجودها العسكري في حلف «الناتو»، رفضت دول أوروبية أعضاء في الاتحاد الأوروبي على مدار عقود انضمامها للاتحاد، ولاتزال ترفض ذلك حتى اليوم. سجلت تركيا في مطلع هذه الحقبة استقلالية في القرار عن الولايات المتحدة والرؤية الغربية برز في رفضها في العام 2003 تلبية الطلب الأميركي بجعل أراضيها جبهة شمالية لغزو العراق.

تبنت تركيا العديد من السياسات في الشرق الأوسط في ضوء استراتيجية «العمق الإستراتيجي»، متفاعلة مع التبدلات المتسارعة في هذه المنطقة. تبنت في البداية سياسة «صفر مشاكل» مع دول المنطقة، وركزت على التمدد الاقتصادي وتعميق الارتباطات السياسية الودية. ووازنت بين التناقضات في تلك المنطقة، فلعبت دور الوسيط بين سورية وإسرائيل، وفي الملف النووي الإيراني، واحتفظت بعلاقات مع حركة حماس وإسرائيل في ذات الوقت. لكن الثورات العربية أجبرت تركيا على التخلي عن سياسة «صفر مشاكل» فانخرطت في مشكلات المنطقة، بعد أن باتت طرفاً في عدد منها، انطلاقاً من مركزية المنطقة بالنسبة لها، وحفاظاً على مصالحها فيها، وحماية لأمنها الحدودي. وكشف مزيد من الانخراط لتركيا في المنطقة حقائق جديدة وأكد على سابقة، خصوصا في علاقتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا. اصطدمت المصالح في سورية، فدعمت الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، التي تعتبرها تركيا امتداداً لحزب العمال الكردستاني المعادي لتركيا. وتصادمت المصالح والسياسات التركية والإسرائيلية فيها. وتعطلت صفقات بيع أسلحة متقدمة ونقل التكنولوجيا العسكرية الأميركية والغربية لتركيا، خلال فترة الأزمة السورية، بل سحبت الولايات المتحدة وحلفاء آخرين في «الناتو» منظومة صواريخ باتريوت الدفاعية منها. لجأت تركيا إلى روسيا للحصول على نظامها الدفاعي «اس 400 »، مما أثار حفيظة واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وصقل أكثر شخصية تركيا المتحررة من القرار الغربي.

خلال تلك الحقبة، تبنت تركيا عقيدة «الوطن الأزرق، وهي تصور جيوسياسي بحري يركز على حقوق تركيا وسيادتها خصوصاً في شرق المتوسط وبحر إيجه والبحر الأسود، ويأتي تطوير قدراتها الدفاعية البحرية كأحد وسائل تطبيقها. وواجهت تركيا التحالف اليوناني القبرصي الإسرائيلي ضدها، وتتمسك، اليوم، برؤيتها «قرن تركيا» حيث تعتبر نفسها في إطارها قطباً مستقلاً في نظام دولي متعدد الأقطاب. يفسر ذلك سياسات تركيا التي تبقي على علاقتها مع الولايات المتحدة وموقعها في «الناتو»، وتطوير علاقاتها السياسية والعسكرية الاستراتيجية مع روسيا والصين وباكستان وإيران ودول الخليج رغم التناقضات. إن ذلك يفسر أن توجه تركيا لنسج تحالف دافعي أمني مع السعودية وباكستان ليس فعلاً عابراً يرتبط بمجريات أو تطورات حرب حالية، بقدر كونه رؤية استراتيجية عميقة تطورت عبر التجارب والزمن، وتعكس تجربة مهمة لدول المنطقة، تتعلق بخطر الاعتماد على الولايات المتحدة والتحالفات التي تبنيها وفق مصالحها، وهو ما بدأ يتكشف لها في ظل الحروب التي تدعمها أو تشنها ضد شعوب المنطقة ودولها.



#سنية_الحسيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانتخابات الفلسطينية أمام واقع مستعصٍ
- هل ينجح الحصار الاقتصادي على إيران هذه المرة؟
- هل تغيّرت الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط بعد الحرب ...
- الاتفاق الأمني السعودي التركي الباكستاني .. قراءة تمهيدية
- هل يستطيع ترامب تغيير المعادلة في غزة؟
- الضفة على صفيح ساخن
- قراءة في إستراتيجيات الأمن القومي الأميركي
- هل تتكبّد المنطقة أثماناً باهظة في سبيل مصالح ترامب الخاصة؟
- تصاعد تنافس الأقطاب في عهد ترامب: أزمة غرينلاند نموذجاً
- على هامش انتخابات المجلس الوطني
- هل تنتقل إيران بعد الحرب من العتبة النووية إلى الردع النووي؟
- إسرائيل: من تحييد دول الطوق إلى تحييد المحاور
- ما بعد القطبية الأحادية ونهاية اليقين الاستراتيجي: دروس تفرض ...
- الفلسطينيون في إسرائيل وانتخابات الكنيست القادمة
- هل تعتبر واشنطن الخاسر الأكبر من استمرار الحرب؟
- بين خطر استراتيجي وفراغ قانوني: مواجهة مضبوطة في هرمز
- هل يشكل هرمز كلمة السر في تفكيك الأزمة
- هل تنجح دبلوماسية استخدام القوة العسكرية في جميع الأحوال؟
- ملاحظات حول إقرار الكنيست عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين
- حرب امريكا واسرائيل على إيران: حسابات الربح والخسارة


المزيد.....




- موسم السفر السري ينكشف.. هل انتهى عصر السفر الرخيص في الخريف ...
- حصري: هذه الجزيرة الصغيرة قبالة اليمن أصبحت الآن جائزة استرا ...
- ترامب يتوقّع موعد نهاية حرب إيران.. ويَعِد بـ5 آلاف دولار لك ...
- انهيار أرضي ضخم أمام منزل نيكولاس كيج في ماليبو
- حادث خطير في قاعدة للجيش الإسرائيلي.. جندي يسرق 3 بنادق تعود ...
- هل تبحث عن طائرة خاصة؟.. طائرة ميركل الرئاسية معروضة للبيع
- اليمن.. أنباء عن سيطرة الحوثيين على المخا والاقتراب من المند ...
- التوتر في العمل يهدد الرجال بضعف الانتصاب
- لأول مرة.. علماء يفكون شيفرة جينوم سكان فاناغوريا الخزرية ال ...
- تحت أنقاض الكولوسيوم.. الكشف عن أكبر فسيفساء جدارية رومانية ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سنية الحسيني - تركيا والابتعاد عن الاستراتيجيات الأميركية الأمنية