سنية الحسيني
الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 10:39
المحور:
القضية الفلسطينية
يستعد الفلسطينيون في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة لخوض انتخابات تشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني المقبل، بعد نحو عقدين على آخر انتخابات تشريعية. وتجري لجنة الانتخابات المركزية التحضير للعملية الانتخابية باعتبار الوطن وحدة انتخابية واحدة بالتوازي في المناطق الثلاث، رغم التحديات السياسية والميدانية التي تواجه إجراءها في القدس وغزة والقيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة والتنقل في الضفة. تطرح تلك الانتخابات تساؤلاً لا يتعلق فقط بمدى إمكانية إجرائها في موعدها أو بنجاح ذلك في المناطق الثلاث، بل أيضاً بالتغيير الذي يمكن أن تسهم فيه نتائجها، في حال نجاحها، على الواقع الفلسطيني الذي يشهد تحولات متسارعة خطيرة على الأرض.
وتعكس تجربة الانتخابات المحلية التي جرت في نيسان الماضي معضلة الواقع الانتخابي في الأرض المحتلة، والثقة الشعبية عموماً بالعملية الانتخابية برمّتها في ظل الواقع الفلسطيني الحالي. ورغم أن نسبة مشاركة الضفة في تلك الانتخابات بلغت نحو 56%، لم تتجاوز نسبة المشاركة في الخليل 33%. وجرت الانتخابات في ضواحي القدس الخمس التي تقع خارج نطاق بلدية القدس، وهي بدّو وبيت حنينا البلد وحزما وقطنة وقلنديا، ولم تتجاوز نسبة المشاركة في بعض المناطق منها مثل بيت حنينا البلد 29.1%. كما تمكن الغزيون من إجراء تلك الانتخابات في منطقة دير البلح فقط، من بين مناطق القطاع الخمس، وسجلت نسبة مشاركة لم تتجاوز 23%.
تزداد أهمية السؤال الذي يركز عليه مقال اليوم، بينما تتزامن الاستعدادات الفلسطينية للانتخابات مع تسارع إجراءات إسرائيلية تعيد تشكيل الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية بما تشهده من تطوير لأدوات السيطرة على الأرض والسكان، وفي القدس التي ترزح تحت مزيد من الضغوط التي تصعّد من معاناة المقدسيين، وقطاع غزة الذي ينزف في ظل مرحلة إحكام السيطرة عليه بعد الحرب. وفي ظل تراكم تلك التحولات، يصبح السؤال أبعد من مجرد قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى صناديق الاقتراع، إلى مدى قدرة ما ستنتجه هذه الصناديق، حتى وإن نجحت الانتخابات، على التعامل مع واقع يجري تغييره بوتيرة متسارعة وبات على المحك.
قد يكون أخطر ما يجري في الضفة اليوم هو انتقال الاستيطان إلى مناطق «أ» و»ب» المكتظة بالفلسطينيين، بعد أن كان تركيزه لعقود على مناطق «ج». وثقت منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية إقامة ما لا يقل عن 26 بؤرة استيطانية جديدة داخل المنطقة «ب»، وبات المستوطنون يسيطرون على مساحات كبيرة داخل المنطقتين «أ» و»ب»، بالتوازي مع إجراءات إسرائيلية لتوسيع صلاحيات إنفاذ القانون الإسرائيلي فيهما. ويستمر الإعلان وبوتيرة كبيرة ومتصاعدة وخطيرة عن ضم مزيد من الأراضي الفلسطينية لإسرائيل باعتبارها «أراضي دولة»، حيث ضم الاحتلال منذ نهاية 2022 نحو 28,641 دونماً، وهي مساحة تفوق ما جرى ضمه تحت ذات الفئة منذ اتفاق أوسلو وحتى تشكيل حكومة نتنياهو الحالية. كما يشكل توسيع حدود ومستوى اعتداءات المستوطنين لترحيل السكان الفلسطينيين، بالانتقال من مهاجمة التجمعات البدوية إلى الإغارة على أطراف القرى والبلدات الفلسطينية، تحولاً إسرائيلياً مدروساً وخطيراً، ويزيد من احتمال الصدام بين المدنيين الفلسطينيين العزل، والمستوطنين المسلحين والمحميين من قبل جيش الاحتلال. يأتي ذلك بالتوازي مع خفض صلاحيات ومكانة السلطة الفلسطينية مع زيادة فرض الحواجز والبوابات وتعطيل الحركة بين المدن والقرى الفلسطينية، وزيادة اقتحامات جيش الاحتلال لها، والتي باتت بشكل يومي وبوتيرة متكررة. ويجيء هذا في إطار طلب يسرائيل كاتس وزير الدفاع الشهر الماضي من الجيش إعداد خطة لنقل مسؤولية إنفاذ القانون في الضفة من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية، أي تحوله لمؤسسة مدنية إسرائيلية تستمد سلطتها من القانون الإسرائيلي، بدلاً من الجيش الذي يحكم في الضفة انطلاقاً من نظام الحكم العسكري، ليعكس مدى خطورة هذه التحولات.
في القدس، بدأ العام الدراسي الجديد مطلع أيلول الجاري بإضراب مفتوح في عشرات المدارس الفلسطينية الخاصة في القدس الشرقية، التي تخدم آلاف الطلاب، بعد رفض الاحتلال تجديد تصاريح دخول أكثر من سبعين معلماً وموظفاً من سكان الضفة الغربية. لا تبدو هذه الأزمة منفصلة عن مسار أوسع يتعلق بالصعوبات التي يواجهها المعلمون الفلسطينيون في الحصول على تصاريح دخول المدينة المقدسة خلال السنوات الثلاث الأخيرة. كما تقع أحياء مقدسية كاملة خلف جدار الفصل العنصري، ويحتاج وصول سكانها إلى المدارس والمستشفيات والمؤسسات والخدمات الحكومية للمرور عبر الحواجز العسكرية. تتحكم في القدس قيود الحركة والإقامة والتعليم والحصول على الخدمات. وهنا تبرز معضلة الانتخابات في القدس في ظل عدم قدرة المؤسسات الفلسطينية الرسمية على العمل داخل المدينة المقدسة إلا بإذن الاحتلال وفي الحدود التي يمنحها لها. وشكلت القدس إحدى العقد الرئيسة عندما جرت محاولة إجراء الانتخابات التشريعية عام 2021.
في قطاع غزة، تبدو معضلة السكان أشد حدة عن سواهم، ولا يتعلق ذلك فقط بصعوبة تنظيم انتخابات في منطقة دمرتها الحرب، بل أيضاً باستمرار غياب الاستقرار والأمن. تتواصل عمليات القتل والقصف والاغتيالات، حيث استشهد أكثر من 1,300 منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول الماضي. يتزامن ذلك مع استهداف جيش الاحتلال بصورة متكررة عناصر ومقار الشرطة التي تقوم بمهام حفظ النظام وتنظيم الحياة المدنية في القطاع، بالتوازي مع دعم إسرائيل وتسليح جماعات تعمل في مناطق متعددة من القطاع تثير الفتن والفوضى. على المدى الأبعد، يبدو أن إسرائيل تعمل على إحكام سيطرتها على قرار اليوم التالي في غزة، فقررت إبعاد ممثلي هولندا وإسبانيا من مركز الدعم الدولي لغزة، وبحثت إبعاد ممثلي بريطانيا ودول أوروبية أخرى بسبب مواقف حكوماتهم من سياساتها في الأراضي الفلسطينية، وهو مقر متعدد الأطراف تقوده الولايات المتحدة ويعمل فيه ممثلون عن نحو 50 دولة ومنظمة لمراقبة وقف إطلاق النار ودعم ترتيبات ما بعد الحرب. وأكد نتنياهو في نهاية حزيران الماضي أن ما يسميها «الهجرة الطوعية» لسكان القطاع ما زالت مطروحة، وامتنع عن استبعاد إعادة إقامة مستوطنات إسرائيلية في غزة. يطرح ذلك سؤالاً حول مقدار النفوذ الذي ستمارسه إسرائيل في غزة في المرحلة التالية، ليرتبط ذلك بسؤال آخر لا يركز على كيفية توفير وتأمين مراكز الانتخاب وصناديق الاقتراع في القطاع خلال الانتخابات الفلسطينية المزمع عقدها، بل كيف يمكن للفلسطينيين إدارة الحكم في غزة في إطار كل تلك التحولات؟
تأتي هذه التحولات في الضفة والقدس وغزة بينما تدخل إسرائيل مرحلة انتخابية محتدمة قبيل انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول القادم. وتظهر أحدث استطلاعات الرأي سباقاً مفتوحاً دون قدرة واضحة لأي حزب على حسم الأغلبية. ففي آخر استطلاع قبل أيام تصدر حزب «يشار» بزعامة غادي آيزنكوت بـ24 مقعداً، يليه الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو بـ23 مقعداً، وحصل معسكر الأحزاب المعارضة لنتنياهو على 59 مقعداً مقابل 50 للمعسكر المؤيد له، وحصلت الأحزاب العربية على 11 مقعداً، ما يجعل تشكيل الحكومة المقبلة قائماً على التحالفات وأصوات الأحزاب الصغيرة. ترتبط المنافسة بين التيارات المختلفة بتوجهات الرأي العام، يظهر مؤشر المجتمع الإسرائيلي الصادر عن معهد سياسات الشعب اليهودي في آب الماضي أن 38% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون ضم الضفة الغربية كاملة، بينما اختار 22% منهم سيناريو ضمها مع انتقال السكان الفلسطينيين إلى دول أخرى، ويدعم 55% منهم إبقاء جميع المستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية في أي تسوية مستقبلية.
يفسر هذا مواقف قيادات الأحزاب المنافسة لنتنياهو، والتي تحاول الاحتفاظ بتأييد التيار اليميني في الانتخابات. في السابع والعشرين من آب الماضي وصف آيزنكوت الاعتقاد بإمكان حل الدولتين بعد السابع من أكتوبر بأنه «وهم»، رغم اعتراضه على مشروع E1 وانتقاده عنف المستوطنين وسياسات سموتريتش وبن غفير في الضفة. ويدعم نفتالي بينيت، الذي ينافس على أصوات اليمين المعتدل، الاستيطان في المنطقة «ج»، ويرى أن هذه المنطقة ينبغي أن تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما تقتصر سلطة الفلسطينيين على حكم ذاتي، بينما يدعو في الوقت ذاته لإزالة البؤر الاستيطانية داخل المنطقتين «أ» و»ب». ويحاول بينيت تقديم نفسه بديلاً لنتنياهو أمام ناخبي «اليمين الناعم»، بينما يسعى آيزنكوت إلى الاحتفاظ بوسط الخارطة السياسية وإقناع الناخبين اليمينيين في الوقت نفسه بأنه غير مرتهن لليسار. ودخل الجنرال السابق عوفر فينتر المنافسة من موقع قومي أكثر تشدداً، واستطاع فور إطلاق حزبه الجديد جذب أصوات من الليكود والصهيونية الدينية وبن غفير، ما زاد الضغط داخل معسكر اليمين نفسه للمنافسة على الناخب الأكثر تشدداً. وتدور الفوارق بين الأنداد حول فلسطين والفلسطينيين في إطار حدود التوسع الاستيطاني وإدارته وشكل السيطرة الإسرائيلية طويلة المدى. لن يقود فوز منافسي نتنياهو بالضرورة لانقلاب في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين على المدى البعيد، وإن كان سيخفف من الضغط عليهم على المدى القصير، في ظل الحرص على تجنب الصدام مع الولايات المتحدة وأوروبا، بينما سيمثل بقاء نتنياهو، خصوصاً إن واصل تحالفه مع بن غفير وسموتريتش أو قوى أكثر يمينية، استمراراً للمسار الحالي.
تأتي الانتخابات التشريعية الفلسطينية بعد شهر واحد تقريباً على الانتخابات الإسرائيلية، في ظل محاولات لإعادة رسم الاصطفافات الفلسطينية خارج الثنائية التقليدية التي حكمت النظام السياسي طوال العقدَين الماضيَين. يأتي ذلك في ظل انقسامات داخل حركة «فتح»، وتراجع شعبية التيارات التقليدية. كما أن شكل الانتخابات وقواعدها، التي عُدلت مؤخراً بمراسيم رئاسية، وانخفاض نسبة الحسم، قد تؤدي إلى توزيع مقاعد المجلس التشريعي القادم بين أطياف متعددة، ما قد يضعف الثقل السياسي لكل منها، مقابل الثقل السياسي لأعضاء منظمة التحرير، الذين سيجري اختيار معظمهم. ولا تقلل هذه المعطيات من أهمية إجراء الانتخابات الفلسطينية، بعد عقدَين على غياب الانتخابات التشريعية وعدم وجود مجلس تشريعي، واستمرار حالة الانقسام وتراجع الثقة بالمؤسسات القائمة؛ إذ يمكن للانتخابات أن تعيد بناء الشرعية وتجدد التمثيل وتفتح المجال أمام إعادة ترتيب البيت الفلسطيني. إلا أنها تأتي هذه المرة وسط معادلة معقدة تفرضها إسرائيل، حتى وإن تغيرت حكومة نتنياهو. ويبقى السؤال: حتى إن تمت الانتخابات، ماذا يستطيع المجلس التشريعي أن يفعل في اليوم التالي؟
#سنية_الحسيني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟