صباح قدوري
الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 22:13
المحور:
الادارة و الاقتصاد
ملخص
يمثل الانتقال من موازنة البنود إلى موازنة البرامج والأداء تحولاً في فلسفة إدارة المال العام، من التركيز على حجم المدخلات إلى ربط التخصيصات بالأهداف والنتائج القابلة للقياس. وتكتسب الخطوة أهمية خاصة في العراق بسبب الاعتماد المرتفع على النفط؛ إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن النفط مثّل في 2025 نحو 88% من الإيرادات الحكومية و91% من صادرات السلع. وتبحث هذه الورقة متطلبات الإصلاح في مراحل إعداد الموازنة وتنفيذها والرقابة عليها، ودور الشفافية والرقمنة والتقييم في الحد من الهدر والفساد، ثم تربط الإنفاق العام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.
أولاً: السياق العراقي ودور آدم سميث الدولية
في 24 حزيران/يونيو 2026 عقدت وزارة المالية العراقية اجتماعاً مع ممثلي مؤسسة آدم سميث الدولية لمناقشة دعم الانتقال التدريجي من موازنة البنود إلى موازنة البرامج والأداء، مع التركيز على تدريب الملاكات المالية وبناء القدرات الفنية. وأكدت الوزارة أن الإصلاح يستهدف ربط التخصيصات بالأولويات الحكومية والنتائج القابلة للقياس، وتعزيز الشفافية والمساءلة وكفاءة استخدام الموارد. كما تشير التطورات اللاحقة في وزارة المالية إلى أن إعداد موازنة البرامج والأداء أصبح مساراً مؤسسياً يجري العمل عليه تدريجياً. [1][2]
آدم سميث الدولية (Adam Smith International – ASI) شركة استشارية دولية تأسست في لندن عام 1992، وتعمل مع الحكومات والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص والمجتمع المدني في مجالات الحوكمة، والإصلاح الاقتصادي، وإدارة المالية العامة، والبنية التحتية والخدمات العامة. وتعرض الشركة خبرتها في إدارة المالية العامة من خلال إصلاح سياسة الموازنة ونظمها وإدارتها، والشفافية المالية، والتدقيق الخارجي، وتقييمات *PEFA، كما لديها خبرة سابقة في العراق. ومن المهم، في الحالة العراقية، أن تكون الاستعانة بالخبرة الدولية أداة لنقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية، لا بديلاً عن الملكية المؤسسية العراقية للقرار المالي. [3][4]
ثانياً: لماذا الانتقال من موازنة البنود؟
موازنة البنود تجيب أساساً عن سؤال: كم ستنفق الجهة الحكومية على الرواتب، والسلع، والخدمات، والاستثمار؟ أما موازنة البرامج والأداء فتضيف أسئلة أكثر أهمية: ما الهدف من الإنفاق؟ وما النتائج التي تحققت؟ وما تكلفة كل نتيجة؟ وما مستوى جودة الخدمة؟ لذلك فإن الإصلاح لا ينبغي أن يُفهم كتغيير في جداول الموازنة، بل كنظام متكامل يربط التخطيط بالموازنة، والتنفيذ، والمتابعة، والتقييم. وقد شدد صندوق النقد الدولي في مراجعته للعراق لعام 2025 على ضرورة تقوية إطار المالية متوسط الأجل وتحسين إدارة المالية العامة، ولاحظ وجود ضعف في تنفيذ مخصصات كبيرة وعدم تطابق بين العجز المتوقع ومصادر التمويل، بما يبرز الحاجة إلى موازنة أكثر واقعية وارتباطاً بقدرة التنفيذ. [5]
ثالثاً: المتطلبات المؤسسية والفنية للإصلاح
1. على مستوى الإعداد: يبدأ الإصلاح بتحديد أهداف حكومية واضحة قابلة للقياس، ثم تحويلها إلى برامج ومشروعات ومؤشرات أداء. ويجب أن تعتمد تقديرات الإيرادات والنفقات على بيانات الحسابات الختامية والاقتصاد الكلي الواقعي، مع اعتماد إطار مالي متوسط الأجل يحدد سقوف الإنفاق قبل التفاوض التفصيلي على مخصصات الوزارات. كما ينبغي ربط موازنة الاستثمار بخطط التنمية ودراسات الجدوى والأولوية الاقتصادية والاجتماعية، لا بالضغوط السياسية أو التوسع في المشاريع غير الجاهزة.
2. على مستوى التنفيذ: لا تكفي الموافقة على الاعتمادات؛ المطلوب نظام معلومات مالي متكامل يتيح متابعة الالتزامات والمدفوعات والمشروعات ومؤشرات الأداء بصورة دورية. وينبغي أن تصبح إعادة تخصيص الموارد خلال السنة مرتبطة بالأداء والاحتياجات الفعلية، مع منع تراكم المتأخرات وتعزيز إدارة التدفقات النقدية. وتزداد أهمية الرقمنة في المشتريات والرواتب والتحصيل والإنفاق لأنها تقلل التدخل اليدوي وتوفر أثراً إلكترونياً يمكن تدقيقه.
3. على مستوى المساءلة والشفافية: يجب نشر وثائق الموازنة بصورة مفهومة وفي مواعيد منتظمة، بما في ذلك الموازنة المعتمدة، والتنفيذ الفصلي، والحسابات الختامية، والانحرافات بين المخطط والمنفذ، ومؤشرات نتائج البرامج. وتؤكد منهجية PEFA أن شفافية المالية العامة تشمل تصنيف الموازنة، ووثائقها، والعمليات الحكومية خارج التقارير المالية، ومعلومات أداء الخدمات، وإتاحة المعلومات المالية للجمهور. [6]
4. على مستوى مكافحة الفساد: موازنة الأداء لا تمنع الفساد تلقائياً، لكنها توفر أدوات أقوى لكشفه عندما تقترن بالشفافية والتدقيق المستقل والمشتريات الإلكترونية وتضارب المصالح والإفصاح عن المستفيد الحقيقي من العقود. ويظل هذا التحدي جوهرياً في العراق؛ فقد حصل العراق في مؤشر مدركات الفساد 2025 على 28 من 100، وجاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة، رغم تحسن نقطتين عن 2024. [7] ولذلك يجب أن يكون تقييم الأداء مالياً وفنياً ونزاهياً في آن واحد.
رابعاً: قياس أثر الإنفاق العام والتنمية
جوهر موازنة الأداء هو الانتقال من قياس المدخلات إلى قياس المخرجات والنتائج. فزيادة الإنفاق على الصحة، مثلاً، لا تعني تحسناً ما لم تقترن بمؤشرات مثل توافر الأدوية، وأعداد المستفيدين، وزمن الانتظار، وجودة الرعاية. وفي التعليم تقاس النتائج بمعدلات الالتحاق والاستمرار والتحصيل، وفي الكهرباء والمياه باستمرارية التجهيز وجودتهما، وفي الاستثمار بنسبة إنجاز المشاريع وتكلفتها ومدة تنفيذها، والعائد الاجتماعي والاقتصادي المتوقع.
وتكتسب هذه المنهجية أهمية أكبر في العراق لأن التقلبات النفطية تنتقل مباشرة إلى المالية العامة. ويبين البنك الدولي أن النفط شكل في 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي و88% من الإيرادات الحكومية و91% من صادرات السلع، بينما انخفض الناتج المحلي الإجمالي 2.4% على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025. [8] وعليه فإن تحسين كفاءة كل دينار عام لا يمثل قضية محاسبية فحسب، بل شرطاً للاستقرار الاقتصادي وتقليل هشاشة الاقتصاد أمام صدمات أسعار النفط.
كما ينبغي أن يرتبط تقييم الإنفاق بالأبعاد الاجتماعية. فقد أشار تقرير التنمية البشرية الوطني العراقي لعام 2025 إلى انخفاض الفقر من 20.5% في 2018 إلى 17.5% في 2024، مع استمرار تفاوت النتائج بين المحافظات وبين الرجال والنساء. [9] وهذا يعني أن الموازنة الجديدة ينبغي ألا تقيس حجم الإنفاق فقط، بل مدى وصوله إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجاً، وقدرته على تحسين فرص العمل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
ومن ثم فإن موازنة البرامج والأداء يمكن أن تصبح أداة لتنويع الاقتصاد إذا أعطت أولوية للإنفاق المنتج: الزراعة والصناعة والطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية والتعليم التقني والبحث والتطوير ودعم المشروعات الصغيرة. وهذا يتفق مع الاتجاه العام للتعاون الإنمائي للأمم المتحدة في العراق 2025–2029، الذي يركز على الحوكمة، وتنويع الاقتصاد، وخلق فرص العمل، والخدمات الأساسية، والعمل المناخي، والتنمية الشاملة. [10]
خامساً: مقترحات عملية
• اعتماد تطبيق تدريجي لموازنة البرامج والأداء يبدأ بالوزارات والقطاعات الأكثر جاهزية، مع تقييم سنوي قبل التوسع.
• إنشاء وحدة مركزية للأداء في وزارة المالية بالتنسيق مع وزارة التخطيط، تتولى توحيد المؤشرات ومراجعة النتائج.
• اعتماد إطار مالي متوسط الأجل وربط سقوف الإنفاق بالموارد المتاحة وقدرة الوزارات على التنفيذ.
• إلزام كل برنامج حكومي بتحديد هدف، ومؤشرات نتائج، وخط أساس، وقيمة مستهدفة، وكلفة، وجهة مسؤولة، وجدول
زمني.
• توسيع الرقمنة وربط نظام إدارة المالية العامة بالمشتريات والرواتب والتحصيل وإدارة المشاريع.
• نشر تقارير ربع سنوية مبسطة تقارن الاعتمادات بالتنفيذ والنتائج، مع تفسير الانحرافات والإجراءات التصحيحية.
• تقوية استقلالية التدقيق والرقابة البرلمانية والمجتمعية، وربط نتائج التدقيق بقرارات الموازنة اللاحقة.
• ضمان أن تكون الخبرة الدولية، ومنها خبرة آدم سميث الدولية، مكملة للقدرات العراقية وأن تترك أدلة ونظم معرفة قابلة
للاستمرار بعد انتهاء الدعم الخارجي.
الخلاصة
إن الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء يمثل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المال العام والسياسة الاقتصادية والتنمية في العراق. غير أن نجاحه يتوقف على عدم اختزاله في نماذج فنية أو دورات تدريبية؛ فهو إصلاح مؤسسي يتطلب بيانات موثوقة، وتخطيطاً متوسط الأجل، ونظم معلومات مالية، ومؤشرات أداء، وشفافية، وتدقيقاً مستقلاً، وإرادة سياسية لمساءلة الجهات التي لا تحقق النتائج. وفي اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، تصبح كفاءة الإنفاق العام بديلاً جزئياً عن زيادة الإنفاق: فالهدف ليس إنفاق المزيد، بل تحقيق نتائج أفضل بالموارد المتاحة، وتحويل الموازنة من سجل لتوزيع الأموال إلى أداة لإدارة التنمية وتحقيق قيمة عامة مستدامة.
أشكر الزميل والصديق العزيز مصباح كمال، على قراءته المقال وملاحظاته القيمة بصدده، مع التقدير.
المراجع
[1] وزارة المالية العراقية، أخبار الوزارة، «المالية ومؤسسة آدم سميث الدولية تبحثان آليات دعم التحول إلى موازنة البرامج والأداء»، 24 حزيران 2026.
[2] وزارة المالية العراقية، أخبار الوزارة، بيانات إعداد موازنة البرامج والأداء، آب 2026.
[3] Adam Smith International, “Who we are” , and “Public Financial Management” , 2026.
[4] Adam Smith International, “Technical Assistance Facility for Iraq 2.0 (TAFFI 2.0)” , 2026.
[5] IMF, Iraq: 2025 Article IV Consultation, Staff Report and Informational Annex, July 2025 .
[6] PEFA, Global Trends in Public Financial Management Performance / PFM Tracker, 2025.
[7] Transparency International, Corruption Perceptions Index 2025: Iraq, February 2026.
[8] World Bank, Iraq Country Data and Iraq Economic Update, 2025–2026.
[9] UNDP Iraq, Iraq National Human Development Report 2025.
[10] United Nations in Iraq, Sustainable Development Cooperation Framework 2025–2029, December 2025.
* PEFA، هو اختصار Public Expenditure and Financial Accountability، ويعني باللغة العربية
" الإنفاق العام والمساءلة المالية". هو إطار عمل دولي واداة تشخيصية لتقيم وقياس كفاءة أداء أنظمة إدارية المالية
العامة، للدول و رصد نقاط القوة والضعف فيها.
#صباح_قدوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟