أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سامي عبد العال - مَنْ سَرَقَ الفيلسوف من الشارع؟(4)















المزيد.....


مَنْ سَرَقَ الفيلسوف من الشارع؟(4)


سامي عبد العال

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 04:47
المحور: قضايا ثقافية
    


قد لا يدرك البشر : أن أخطر لصوص الوعي هو لصٌ كامن في عقل الإنسان. إذْ ترتبط سرقةُ الفلسفة من الفضاء العمومي بنمط الأفكار السائدة، لتُختطّف العقلانية ومُساءلة الواقع وبناء الحياة الحرة. فهناك سرقة بالاكراه مثلما تُمارس الأيديولوجيات والعقائد والاتجاهات المتطرفة، لأنَّ مساحة العمومية لا تقبل" رأسين مقدّسين" في عنقٍ واحدٍ. وهناك سرقةٌ مُغلّفة بعبارات أنيقة كمقولات الحداثة حين تحجب تنوع البشر. وهناك سرقةٌ تجربها "ألعاب الثقافة"على غرار ما بعد الحداثة. وهناك سرقة بـ"عنف القُوى السياسية" عندما تثقُب عقلنا العمومي ضماناً للولاء والتبعية. وهناك سرقة باسم"هندسة المجتمع" حفاظاً على العادات والتقاليد. وهناك سرقة نتيجة "قابلية الجماهير للانخداع الذاتي" في ظل أجواء من التجهيل والتعمية. وهناك سرقة بـ"ثقافة التاك أواي" دون إدراك لأولويات الحياة والحضارة...كل ذلك يؤدي إلى اقصاء الفلسفة من الفضاءات المفتوحة.

ولكن يُوجد نوعٌ آخر من السرقة أكثر أريحيةً و إلتصاقاً بوجودنا الحي، لأنّه مرتبط بقدراتنا الذاتية على الفعل. السرقة الممتعة enjoyable theft، وهي سرقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لفضاء الفهم والتحرر. يحل مكان الأصل ويحقق اشباعاً للانسان. السرقة الافتراضية تجري بأشكال جذابة. ويدرك المتابعون انصراف عقولهم إلى اتجاهات هامشية، ولكنهم لا ينتفضون، لا يحركون ساكناً. بل يسلمون ملكاتهم لاجراء مهام تقنية، حتى وإن اُستخدم الذكاء الاصطناعي كوسيلةٍ للعمل والانجاز!!

لسان الحال يقول: ما أجمل الانهماك في أنشطة الذكاء الرقمي دون الشعور بمرور الاحداث، وكذلك لا نريد توقفاً مع كامل الاستغراق الذي لا حدود له. وقد لا يشعر غالبُ البشر بكون ذلك سرقةً من الأساس، ولا يعدونها نوعاً من الاختطاف لكيان الإنسان. ليس كل ما يسرق الزمن والقدرات موضّع وعيٍّ، و لاسيما حينما نصنع كثافته من أخيلتنا. فنحن نأخذ ما يشبعنا نفسياً مقابل أنْ نمنحه كل ما ينتمي إلينا. هذا أسر التكنولوجيا المُريح الذي يمرر وجوده من غير استفهام.

تُعطيك الرقميات بهجةً وسعادةً ممزوجتين ضمن الممارسة الافتراضية، بل قد تثير شغفاً ممتداَ لا ينتهي. القدرات الرقمية عالم من الإدهاش. كذلك تشحذ خيال الأعمال وقت التنفيذ إلى أبعد مدى. لا من جهة الاجراءات التقنية وحسب، بل من جهة تصميم الأفكار وتحويلها إلى كائنات افتراضية عبر مستويات من الوجود، سواء أكانت نصوصاً أم عمليات أم برامج أم بيئات افتراضية. الرقميات كسرت الحاجز الموضوعي بين أنا أفكر ( أنا أدرك / أنا أعرف) وأنا أمارس وأنا أجرب( الانا التقني).

في التقنيات، الأنا مُتوحد إلى درجة التماهي مع الاجراءات، الانا هو الاجراءات ذاتها، دائرة لا تفصل بين "مانحن عليه" و "ما نمارسه". تشترط التقنية ذاكرة قصيرة الأمد، الحضور طاغٍ إلى حد نسيان التفاصيل. ليس الفيس بوك وسيطاً برانياً ندخله ونخرج منه ثم تنتهي اللعبة، ولكنه وجهنا الذي نمارس من خلاله "حياةً مضاعفةً"، بل يمثل حيواتنا الفائضة بالامكانيات التي يجهلها الآخرون. لعبة الوجوه والمرايا التي هي كل ما نملك من حقائق و وقائع. إنه الواقع الافتراضي المفرط. الشخصية الرقمية شخصية تتمتع بحقيقةٍ ما، لا مجرد ملامح من اجراءات محتملة.

فتحت التكنولوجيا الرقمية آفاقاً واسعة للفكر الانساني. لا على صعيد التقنية فحسب، بل من جهة الامكانيات والقدرات والاهداف أيضاً. لأول وهلةٍ لم يخضع الذكاء الاصطناعي لمعنى الوسائل. فليس منطقياً تعليق لافتة الأدوات فوق الوسائط الرقمية. صحيح تاريخ التكنولوجيا تاريخ الأدوات ليس أكثر . وقد تعامل الانسان معها كتقنيات حيادية طوع استعمالاته المختلفة. ولكن بصدد تكنولوجيا الرقميات ليس الأمر كذلك. بل تجاوزت فكرة المحاكاة إلى الانتاج و تجنب التقليد وصولاً إلى وظائف الانسان العليا. المحاكاة قدرة مصممة سلفاً على هدف بعينه، والتقليد احتذاء لن يقدم ولن يؤخر كثيراً.

أجورا التقنية
أسست التقنيات الرقمية مجالاً عمومياً خطيراً. ليس سوقاً و لا ساحة نلامس أطرافها في الواقع. كذلك لا يخضع لمعايير المجال الحياتي الذي ننخرط فيه من وقت لآخر. مجال يفترض أن ينشأ من حينه بين كل المتفاعلين دون إقصاء.

أجورا التقنية مجال عمومي حقيقي، نشأ على نحو بيني بين كل البشر. وليست ثمة سلطة قد أكدته ورسمت خطوطه. السلطة غائبة دون حضور مباشر، لأنه مرهون بالاجراءات والعمليات الافتراضية. وفي غياب السلطة، تظهر الأحجام الحقيقية للأشياء، وتتوارى الأشباح التي تخيف المتفاعلين. الوسائط الرقمية وسائط دون مركزيةٍ تتسلط عليها كما تشاء. حتى لو اتاحت الاجراءات والخوارزميات بعض التشكيلات من قبل مصمميها. فلن تكون عمليات التلقي ولا أنشطة التفاعل بالأسلوب ذاته.

شرّعت التقنيات الرقمية أجورا افتراضية virtual agora بشكل مختلف. وربما كانت أكثر التحولات خطورة لكلمة agora في تاريخ الفضاءات العمومية. لم يكن وارداً أن تحدث طفرة دلالية كهذه في أي عصر غير عصرها اليوناني. ولم تتوقع الكلمة هذا المصير اللغوي ولا الفني ولا الاستعمالي. وحملت أجورا محمولات أخرى من التفاعل واللاحدود بمعناها الدقيق. كان طموح الكلمة أن تقف فوق معنى السوق أو الساحة العمومية أو الميادين المشتركة بين الناس. وفي أفضل الحالات التجريبية أنْ تعبر الكلمة عن مساحة مفتوحة يرتادها البشر. فإذا بها تجد مضموناً تقنياً أكثر قوة من سواها، وغدت مركزاً للأفعال السياسية بدلاً من كونها هامشاً.

أصل الأجورا: من اليونانية القديمة ἀγορά ، بمعنى "مكان التجمع" أو "السوق". وتجاوزاً لبعض الحالات، استعملت بصدد أماكن عمومة مفتوحة تحت شروط أو مكان لتلاقي المواطنين في المدن اليونانية القديمة لا في أثينا فقط. وبشكل أوسع: اطلقت على المنتدىات العامة للمناقشة أوالتجارة وتبادل المصالح والمنفعة على طريقة يورجين هابرماس. رأَى الأخير أن المصلحة وسيط اجتماعي واقتصادي يعكس علاقات الناس العمومية. وأجورا تنحت دلالتها من جسم الواقع الاجتماعي وبإمكانها أن تراكم أرصدة من الثقة إزاء حركة الناس. وقد تراكم أرصدة من الصراع والتناحر حول الأهداف والمآرب.

سياسياً أُعيد اكتشاف الأجورا كمكان للحراك السياسي. حيث يجري تبادل الآراء والجدال الحي حول قضايا المجتمع وأمور الحكم. فهي الفضاء الذي يكتشف فيه المجتمع قدرات الأفراد خارج ذواتهم. وتمثل موضعاً لولادة المدن والحضر اتساقاً مع مفاهيم المؤسسات والنقابات والشركات والبرلمانات والانشطة السياسية الاقتصادية. والمدن هي موضع ميلاد الفلاسفة، نظراً لوجود قواعد عمومية لا تحتمل الهيمنة بسهولة. والمدينة تُسمى مدينةً، لكونها تُفسح مجالا لأغورات agoras تجسد التطور العمراني والتقني الذي يليق بنُضج التصورات الكلية. لم يكُّن ممكناً ولادة فكرة المؤسسة دون تمهيد الاجورا لهذا النمط من التواجد العمومي. ومفاهيم الادارة والممارسات الديمقراطية والأعمال الاقتصادية والوظائف والمهن مفاهيم تعود إلى أجورا بالدرجة الأولى.

تدريجياً ترسّخت صور عمومية مثل: صور الجماهير وأصحاب الاعمال والمهن وموظفي الدول ومنسقي المؤسسات. وترسخت معاني الجرائم والأخلاقيات والقيم التي تمس الأجورا. وتحددت آليات وحقوق الإنسان من واقع المواطنة التي تكونت في المساحة ذاتها. وغدت قوةً نظراً لأنها محكومة بنمط جديد في حياة البشر، نمط غير قابل للسيطرة عليه. من أجورا نشأت الدول والمجتمعات الحديثة والمعاصرة. وتاريخ أجورا هو تاريخ ألّا يكون الإنسان فرداً، وأن يتدرب على عدم تجاهل الآخرين.

في الرقميات ظهر الفضاء العمومي كأوسع ما يكون. فضاء يتجلي بمجرد عناية المتابعين واهتمامهم بقضايا الانسان والسياسية والتاريخ والمجتمع. المتابعون هم ركائز الفضاء السبيراني على الأصالة. والملاحظ أنه استوعب( ابتلع) كافة الفضاءات الأخرى. ولم يتخيل أصحاب أغورا أن تذوب في هكذا فضاء وتجد صداها الرقمي بهذا الزخم.

1- العمومية دون حدود.

لأول وهلةٍ نحن إزاء فضاء مختلفٍ عبر التقنيات الرقمية. لم يكن متصوراً وجود فضاء بهذا الحجم الاجرائي. ينشأ حين يتداخل المتفاعلون مشاركةً في القضايا المطروحة. من قلب الفضاء الرقمي، تظهر القضايا مباشرةً، فأنت إذن عضو فاعل لا مهمش. لا على أساس جندري ولا استناداً إلى تواجد مادي، ولا بناء على ولاء أو انتماء سياسي. كل ذلك غير وارد إلاّ من قدرتك على بناء علاقة افتراضية في صميم الحوار و التفاعل الحيوي.

العمومية هي عمومية الفعل وردود الفعل بحجم الواقع الافتراضي. المتابع يبدي فعلاً من التعليق أو الطرح ويتداخل آخرون بالوقت نفسه. ولا توجد شروط محددة سوى الالتزام والمسئولية المفترضة. ولو كانت ثمة آفاق مطروحة للنقاش. فلا تحدها حدود إلاَّ ضمن الاختلافات الحاصلة. وبإمكان أي انسان أن يتداخل مع الاجراءات والموضوعات عندما يريد. الواقع الافتراضي هو الأساس بصرف النظر عن قيود الزمان والمكان.

تاريخياً لم يكن موجوداً في خلفية مفهوم المجال العمومي هذا البعد، لأن السياسات من شأنها تحديده ضبطاً للممارسة وشروط التفاعل. وربما كجزء من وجود الدول صياغة قوانين الفضاءات العمومية. وهذا الجانب يدخل في إطار سياسة القوانين التي ترسخ جوهر الدولة. فلا دولة دون فضاء عمومي يحقق جانياً موضوعاً من وجودها الجيوسياسي. فالمجال العمومي يحدد لا طبيعة الدولة، بل مستقبلها كذلك. لانه وسيط كاشف لاستمرارية الفعل السياسي. وهذا الفعل لا يتم بين يوم وليله، لكنه يُنبني على مدى تطور إلتقاء المواطنين خارج ذواتهم. وهذا عمل يتطلب مواصلة التدرب على المفاهيم السياسية وعلى عمليات الاختلاف والتنوع والتعددية.

في حين تجاوزت أجورا التقنية ذلك. وصلت ناضجةً إلى حد بعيدٍ. فلو كانت مساحة الفضاء العمومي تحمل اكراهات الانظمة السياسية، فالفضاء الافتراضي يحرر المتفاعلين حيث لا قيود.

2- التفاعل الفوري

أجورا التقنية ترتبط بالتفاعل الفوري. ولا مفر من الاجراء بهذا المعنى. أبرز سمات الفضاء الافتراضي كونه قابلاً لهذه العلاقة الملموسة. أنه مكَّون من التداخل بين المتفاعلين ليس أقل. وإذا كانت لا توجد حدود ولا قيود إلاّ ّمن مسئوليةٍ، فالاجراءات تضع المتابع في قلب الأحداث. وليس يشك أي متابع: أنه يقوم بعمل جدير بالأهمية. لكونه يعبر عن تواجده لا مجرد رقم داخل الحدث.

هذا الوضع يخالف الفضاء العمومي بمعناه السياسي. لأن الأخير موضوع تحت التوقيف والمراقبة. حتى وإن كانت هناك آليات واضحة تتبناها الدولة، فلن يكون فضاؤها المشترك كما ينبغي. ولن يحقق مستويات التعددية وتنوع المواطنين. بينما الأدق أن هذا الباب الديجيتال مفتوح طوال الوقت. وبإمكان الفرد التداخل لترك أثر خلال أي زمن شاء. إمكانية ليست متوافرة في الصور المتاحة للفضاء العمومي. ولا يعد ذلك معبراً عن الفوضى، ولكنه الأثر الايجابي لقدرة الافراد على التفاعل.

لا يبدو في تراث السياسة أن مجالاً يمتلكه الفاعلون بأنفسهم مثلما هو الفضاء الافتراضي. امتلاك تفاعل لا امتلاك مادي. امتلاك حركة لا امتلاك صورة، امتلاك تحقُق لا امتلاك شكل. والامر بمثابة العودة إلى أسس الأشياء. تسمية الأشياء من جديدٍ. فالسياسة قد تمارس تزييفاً عندما تسند الحكم شكلياً إلى الشعوب. وقد تتلاعب بآمال الأمم حينما تربط الحكم السائد بالمستقبل. ولكن الفضاء الافتراضي ينبع من قدرة المتابعين على انشاء المجال نفسه. وهو أجورا التفاعل من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار.

3- الحرية الافتراصية.

في أجورا التقنية، يتمتع المتابع بحرية الاجراء والتداخل والطرح. هل ستجدي معه قيود مفروضة لسلطةٍ ما؟ بالقطع لا قيود تجدي إزاء أية حالة تفاعل افتراضي. الحرية ليست مقولة سياسية، بل أصالة وجودية، الاجراء التقني لا يعبر عن موقف سياسي في هكذا لحظة، بل يجسد موقفاً انطولوجياً أصيلاً.

هي خطوة خطيرة أحدثتها التقنيات: اشعار المتابعين بحريتهم الأنطولوجية. فعندما يحمل الانسان تقنية رقمية، فهو يحمّل وجوده كافة الأنشطة المرتبطة بها. فقد يندهش البعض من هوس التعلق بالأجهزة الالكترونية. ولكن ذلك من سمات التكنولوجيا، فهي" فن الوجود"، تجلٍّ لكيان الانسان على نحو اجرائي. لأنَّ كلمة تقنية technology آتية من الجذر اليوناني القديم (τέχνη - tékhnē) techne (الفن، الحرفة، الصنعة، المهارة ). وهذه المعاني معاني حرية، هي تجليات للتحرر من القيود والجهل. كل تقنية لا تخلو من حريةٍ ما وإن لم تظهر بوضوح. لكونها تعبر عن شيء جوهري داخل الانسان المبتكر.

الحرية في الواقع الافتراضي لا تُلقى من أعلى، بل تُصنع في صورة من صور الابداع. لأن المعايير تغدو أكثر دقة كلما زاد المتابعون، وكذلك الفضاء الرقمي لا حدود له. وبالامكان التفاعل والتعديل والاختلاف إلى أبعد مدى. لن يستطيع فرد أن يتحكم في تلك الخطوات. رأينا في حراك الثورات قدرة متمردة على التعبير الافتراضي. لجأ الافراد إلى المنصات والمواقع للمشاركة والتنفيس إزاء الأحداث.

4- الاختلاف الجذري

يتحقق الاختلاف الجذري ضمن ممارسات الواقع الافتراضي. يبدو ذلك مفهوماً في إطار أجورا التقنيات مع تنوع الأفكار والرؤى. فيمكن للمتابعين أنْ يدلوا بدلوهم من زوايات مختلفةٍ، بل متناقضة. وليس هناك ما يحول دون تقبل أي رأي. والأهم أن الاختلاف سيعلن عن نفسه بصورة مباشرة ولا يحتاح إلى من يبرره أو يرفع من شأنه. فالقضايا المطروحة تستدعي مسؤولية الممارسة. وهذه تفهم ضمنياً عبر مستويات الحوار والنقاش. وتكون مساحة الفلسفة بارزة، بل ستكون ملحة بين المتفاعلين.

صحيح أن هناك من يخرج عن القواعد بحكم الفضاء المفتوح، ولكن هناك" عقلانية تفاعلية" تحكم الخروقات الطارئة. أي أن المسؤولية العملية هي الأساس. وقد لا توجد خروقات كبيرة إلا وتعود سريعاً إلى المستوى العام.

اللص الافتراضي

السؤال الآن: من أين يتسلل لصوص الفلسفة إلى الوسائط التقنية؟

رغم الإمكانيات الكبيرة لأجورا الرقميات، إلاَّ أن هناك لصوصاً لمساحة الفلسفة نتيجة تأثيرات التكنولوجيا من حيث المبدأ. لصوص افتراضيون من لُحمة الواقع المعزز نفسه. لأنَّ كل تقنية لها آثار جانبية بمنطق الاجراءات التي تنتظمها. فبعض الاستعمال التكنولوجي أكبر ما يناقض الامكانيات التى توفرها. وهو ما يضيِّق فضاء التفلسف ويعتبره لوناً من الرفاهية الفارغة. غدت الفلسفة غريبة وعارية كطائر نُتف ريشه على قارعة الطريق. وحتى دراستها في مجتمعاتنا الراهنة باتت تسولاً واختلاساً ليس أكثر. وبدلاً من كونها حاضنة للعقول في تاريخ المجتمعات غدت ملفوظة. ووضعت في محميات ثقافية تحت الاقامة الجبرية. ومثل الحيوانات الأليفة تُركت صور الفلاسفة للفرجة على جدران القاعات وحسب.

1- الاستغراق دون خروج

نسيان الأصول جزء من طبيعة الرقميات. أي لا تعيد الإنسان إلى الأصول المادية أو الطبيعية وإلاَّ لما كانت تقنيات. فهي أشكال من الفنون والأساليب والأدوات الماهرة المتجسدة بواسطة الاجراءات. وبالتالي تغزل الإنسان ضمن ثياب الصانع بالإنابة، لكونه لا يفعل إلا عبر وسائط. وهذا هو مضمون الرقميات عندما تستغرق كيان المتابع حتى الرمق الأخير.

الرقميات تنطوي على اغواء لا ينقطع، ولا تشعرك بأهمية الزمان والمكان. لأنها واقع افتراضي يحياه الإنسان بكامل وجوده. وربما التصديق المجاني هو الطاقة المراقة طوال الوقت. لأن الاجراءات والتفاعل الفوري يكسر الحاجز الوهمي بين الواقع والخيال. فلا مرحلة بين الاطلاع والتفاعل، بمجرد أن تهتم فإنك تعيش داخل الوسيط. وتدريجياً يكون لدى الإنسان أخيله وانطباعات استجابات سريعة الايقاع. فالرقميات تشكل موضوعات التفكير والأساليب المتاحة لممارستها.

الوعي يصبح وعياً سريعاً بحسب قدرات الوسيط التقني. ويكون وعياً مشوُباً بالتصديق المباشر، أي يستنيم التفكير للرقميات ولا يخترق الإطار الذي يفرضه. وهذا يجافي قدرات المساءلة الفلسفية التي توقظ وعياً حاداً للانسان. الفلسفة لا تشتغل على المهارة التقنية كما تفعل الرقميات، ولا على فنون اللمس الديجيتال، بل تعمل الفلسفة على ضرورة العقل والمعاني المبدئية لكيان الإنسان... مثل الحرية ، الحياة، الموت، الخطر، الفكر، الحقيقية، المصير. فالفلسفة دهشة في صلب الحياة وليست دهشة طارئة على شاشات ملساء. هي حالة انطولوجية، موقف أصيل للانسانية، لا يقبل أن يكون هامشياً ولا ملحقاً عبر مهام التقنيات الرقمية.

2- أنت هو الغير

الوسائط التفاعلية على أهميتها إلاَّ أنها قد تعتبر المتابع غيراً. أي قد تهمش الآخر باعتباره متطفلاً ومطارداً. وبخاصة أن أجورا التقنية لا تدقق فيما يطرح على نطاق واسع. بعض المواقع تعد بحسب الاستعمال مؤدلجة ويتم فرض شعارات وايقونات لجماعة أو لمذهب أو لتنظيم ما. وقد تصبح أجوراً التقنية دائرة لخنق الآخر و يتم استبعاده قبل أن يتفاعل.

الفضاءات المُؤدلجة ليست حرة، هي شبكة افتراضية لصيد المختلفين في الرأي. وقد تمثل وسيطاً قاتلاً أكثر خطورةً من ارهاب الواقع. تحرص الاتجاهات العنيفة على التواجد الرقمي، بل وتمارس الكراهية التي ترجم بها المختلفين في المواقف. وعن طريق الوسائط تستطيع أن تبث عنفاً رمزياً مدمراً.

ومسبقاً سيجد المتفاعل نفسه عدواً قبل أنْ يكون إنساناً، ولن يكون غير وسيلة لأهدار القيمة والبعد عن التعددية. وهذا ما يقلص مساحة الفكر الحر إلى درجة الموت. إن الفلسفة لا توجد في أجواء هذه الكراهيات. لعل اقرب نافذة لهروب الفلسفة هو العنف الذي لا يسمح بالاختلاف ويجعل الفكر ورشة للتمثيل بجثث الآخرين. ورغم كون الفلسفة تشتغل على الضروريات، إلا أنها قد تفقد بوصلة الأسس عندما تجد عقولاً مؤدلجة حدَّ الاختناق.

3- كل من هب ودب

مع ثقافة التعري، طفحت المجتمعات الراهنة باستعراض عارٍ لجوانب الحياة، من الجسد مروراً بالحياة اليومية وصولاً إلى أشكال الصراعات والاحداث. الرقميات أمست مسرحاً للتعري الثقافي بالأصالة. لحم البشر الحي ولحم المعتقدات و لحم الغرائز والشهوات بات معروضاً في الهواء الطلق. واللحم- بجميع مستوياته- هو المرجعية التي لم تغطَّ حتى اللحظة في عالم افتراضي مفتوح.

فاق دلالة الفضيحة، تجاوز مرحلة الغرابة، اخترق آفاق اللامعقول، لقد أضحى لحماً مطبوخاً ونيئاً أمام العيون المحملقة على مدار الساعة. إذا كان ثمة ظاهرة افتراضية، فهي ظاهرة " كل من هب ودب" داخل عرض مكشوف. في أي وقت يعرض البشر أنفسهم جاذبين سيل المشاهدات والتعليقات. والطرفان يتماديان إلى أقصى درجة من الانكشاف. لا خطوط ملونة ولا محاذير هنالك. من يستطيع أن يتعرى ثقافياً وانسانياً، فليُسرع الخطى إلى أخر المدى.

لا مساحةَ حرة للتفكير ولا قدرة واضحة على التروي والتأمل النقدي. تذهب الفلسفة من فورها هائمةً على وجهها. فقد يقفز في وجه التأمل كائن لحمي عارٍ ثقافياً لعرض نفسه تحت لافتة الروتين اليومي أو صور من الوقائع الساذجة . أمر يعجز العقل عن تفسره ولا يجد له مكاناً في عالم الفكر. ولأنَّ الفلسفة لا تبحث إلاَّ عن الأصيل، فقد تتوارى بين غثاء البشر إذا تركت وجودها مشاعاً لكل من هب ودب.

إنَّ الفضلات الالكترونية أخطر ما يزكم أنفوف الفلاسفة في حياتنا المعاصرة. خلال أغلب وسائط التواصل، لا يتطلع الناس إلى الأصالة، ولكنهم يتركون إزعاجاً لزجاً يصعب تنظيفه الآذان بسهولة. وحدها الفلسفة لا تعيش وسط هذا التراكم الفوضوي. لأن الفيلسوف يفهم أصول المشهد جيداً. صحيح قد يأخذ خطوات إلى الوراء ولكنه يفعل ذلك كي يرى أبعد. كلما كانت المساحة أكبر، جاءت الرؤية واضحة والعبارة صائبة.

بومة التفاهة

تكونت عبر أجورا التقنية رأسمالية التفاهة. وبدلاً من البحث عن الابداع تغيبت الفلسفة، فظهرت بومة التفاهة التي تنعق في وضح النهار لا وقت الغسق كما يقول هيجل. على الشاشات الديجيتال، تظل شعوب بأكملها تحملق في تفاهات البشر المرمين في أدغال المجتمعات الفقيرة حضارياً. وكأنهم يمارسون طقوساً مقدّسة.

مع الرقميات، تحولت التفاهة إلى شيء لايمس يغلفه اليقين والتصديق المجاني. دون نهاية تغطي سحب التفاهة أجواء الفضاء الافتراضي ، وليس عليك إلا الدخول حتى تبادرك التفاهات في كل زوايا اليوتيوب والفيس بوك و المنصات وتِك توك وسناب شات. في حين أن التفاهة بالنسبة للفلسفة ليست سذاجة عابرة، لكنها تصفي قوة الرفض وتدجن العقول. أقرب ما تتركه هو تعويد العين والحواس على مستواها الهش. وتسلب قدرات الإنسان وتعطيه رؤية مستنيمة للواقع. وتجعله مجرد متلقٍ سلبي لا يملك إلاّ المشاهدة. قد يبتسم و ربما يتعجب، ولكنه لاواعياً يقبل ما يُطرح ويردده. وتدريجياً تهبط معاييره إلى الالتصاق بالأرض. ولا يكاد يرى أبعد من لمسات أنامله على الأسطع اللامعة وسط بؤس الواقع.

وليتها حالة من التفاهة ثم تتوقف، ولكنها تتوالد بآلية المتابعة، ملايين اللمسات تلهث وراء التفاهة باستمرار. حتى سكنت الأخيرة العقول والأنظار واللاوعي. إن أسوأ ما يعترض الفلسفة عقولٌّ لا تعبأ بالفكر. ترى في التفاهات شيئاً معتاداً ولا سبيل إلى التخلص منها. وبخاصة كونها جزءاً من ممارسات الحياة اليومية. تكتسب التفاهة مساحات افتراضية جديدة على حساب النقد والنظر اليقظ والبحث عن الحقائق ومراجعة المعرفة.

كل ذلك ونحن لا ندري أنَّ أمراً تافهاً يختزل تاريخاً من التحولات وأن مجاراة الافعال الساذجة لا تختطف ابتسامة بقدر ما تعلن عن أفول المستقبل. لم تشيد الحضارة على ركام الإنسانية، إنما بالابداع الذي يتجاوز التقاليد البالية. الحضارة أكبر عنوان لغربلة التفاهة، حيث تمكث العقول الحرة.

إنَّ الفلسفة هي المصل المضاد لأمراض النفايات الثقافية التي تكتظ بها بعض الرقميات.



#سامي_عبد_العال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَنْ سَرَقَ الفيلسوف من الشارع؟(3)
- مَنْ سَرَقَ الفيلسوف من الشارع؟(2)
- من سَرَقَ الفيلسوف من الشارع؟
- الفلسفة كأداءٍ للمعنى
- صور ٌخارج السيطرة (2)
- صور خارج السيطرة
- الفلسفة أداءٌ حُر
- الفلسفة أسلوب تفكير
- حروب السرديات (5)
- حروب السرديات (4)
- حُروب السرديات (3)
- حروب السرديات (2)
- حروب السرديات (1)
- الايديولوجيا والموت
- الروح و الحرب
- وليمةٌ من بقايا الحُروب
- حقائق لا تُصدق
- كيف يفكر الكاوبوي؟!
- الاستعارات القاتلة (4)
- الاستعارات القاتلة (3)


المزيد.....




- تحليل محايد لخبراء الأسلحة يكشف نوع الذخيرة التي قتلت المدني ...
- ترامب يلمح إلى التخلي عن دعم بريطانيا في نزاع جزر فوكلاند إث ...
- ميروشنيك: الغرب يستعمل أوكرانيا كميدان لاختبار الأسلحة
- Open AI تعلن بلوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام بنموذج -أسترا- ...
- كوريا الجنوبية تستعد لنشر أصول عسكرية للمساهمة في حركة مضيق ...
- -إرهاق ترمب- يقلق الجمهوريين
- ترامب يعلن هوية خليفة وزير الجيش المستقيل
- العثور على قارب مهاجرين قرب جزر الكناري الإسبانية بداخله 5 ج ...
- البنتاغون يسحب وثائق سرية من نظام داخلي
- الصفدي: سنضمن أمن وسيادة الأردن


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سامي عبد العال - مَنْ سَرَقَ الفيلسوف من الشارع؟(4)