أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامي عبد العال - الفلسفة أداءٌ حُر















المزيد.....

الفلسفة أداءٌ حُر


سامي عبد العال

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 22:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا يتشكل"أسلوب الفلسفة "مما قاله الفلاسفة تحديداً. لأنَّ كلام الفلاسفةِ شيءٌ والفلسفة شيءٌ آخر . على غرار العلاقة بين المبادئ و التأويلات المختلفة، بل نشأت الفلسفة كنوع من" الأداء الحُر " للأفكار والمعاني في المجتمعات الإنسانية. ستظل هناك فجوةٌ تكبُر مع الوقت بين الاثنين(المبدأ وتأويله). من جانبٍ معرفي، لا تكون الفلسفةُ متفردةَ الهوية بما هي كذلك، كُل فلسفة لا تبلغ درجة اليقين و لا درجة التطابق مع ذاتها. ومن جانبٍ تاريخي، لن يكف"صانعُو الفلسفة " عن البناء لعبور هذه الفجوة.

رأس المفارقات أنَّ الفجوة السابقة تبقى سارية التأثير، ويتعذر عبورُها بسهولة. فقد طعبت آثارها عبر اللغة والتداول وتراث الأفكار. وليس هناك منفذٌ لتجنب أدوات التعبير والتمثيل. فقد يفقد الفيلسوف أداةً معينةً، ولكنه لن يفقد بوصلته التاريخية العامة. وحدُها الفلسفة لا تفلتُ من تراثها شاءت أم أبت. هناك فلسفات بأكملها تدور في تراث الفلسفة العتيد، جاعلةً من نصوص الفلاسفة ورش عمل مفتوحة بحجم التاريخ والوجود.

الفلسفة تجاوزت كلَّ ذلك – قبل أنْ يحدث – عندما كانت" أداءً عمومياً " لا تأملاً خاصاً. لأنها لم تضع ثنائيات، ولم تكرر مرجعيات، بل كانت تجارب حُرة في التكوين العقلي والحياتي للبشر. والفيلسوف صاحب أداء حي. كان الفلاسفة لا يتخلون عن سمةٍ كهذه عبر كافة المجالات. لأنّ المبادئ لا تترسخ بالتنظير ، بل عن طريق حركة الأداء وفاعليته القصوى. مثلماً كان يفعل الحكماء والشعراء والمثقفون الكبار والمصلحون بصدد كافة الموضوعات. أدوارهم في الحياة كانت إضافات حيوية إلى عالم الإنسان. تجلت الاداءات قيماً ومبادئ تمشي عبر الأسواق والشوارع والحدائق. وربما لم تكن الحياة الماضية معقدةً مثلما هي الآن، وصحيح فقدت البشرية بعض المظاهر القديمة، ولكن ظل الأداءُ موجوداً كما هو. لأنه أداء معنى، أداء كشف، أداء إستنارة، أي شق دروب جديدة في الحياة.

رَحَى المعاني

منذ أن دارت رحى المعاني ضمن أقوال ومرجعيات أصحابها، خرج الفكر الفلسفي عن مساره وسيظل. ولا يعني ذلك إنشاء أصل خرافي أو أسطوري للفلسفة، ولا الأمر دال على وجود مرجعية أحادية خارج التاريخ، بل هو طبيعة التفلسف باعتباره طريقاً للفكر مختلفاً على الدوام. فليس هذا الفعل صناعةً ولا ترميماً ولا تلفيقاً، ولكنه نحت رؤى أصيلة إزاء الحياة والوجود والعالم. مع كامل الاعتراف بوجود تنوع هائل بين الرؤى، بل الأصل في المسألة هو التنوع غير القابل للاختزال.

ليس الأسلوب مادةً لغويةً أو اصطلاحيةً معبأة في نصوصٍ ومؤلفاتٍ. وإنْ كانت الأخيرةُ مهمة تاريخياً لأغراض التعليم والثقافة وطرح المفاهيم وصياغة القضايا. المعايير تنتعش وسط التراكم الفكري بحكم القوالب الثقافية الجاهزة. لأن الفلاسفة بدورهم ليسوا منفلتين تاريخياً من عقال المرجعيات. فكلٌّ منهم له مرجعيته الغارقة في تحليلاته وحواشي أفكاره. وبخاصة الذين ينظرون إلى الاسلوب بوصفه وسيلة تعبير لا رؤى للعالم. والوسائل تتعقد وتتبدل ويضاف إليها مع تطور الأفكار ودخول متغيرات أخرى. فالتقنيات تركت بصماتها على أساليب الفلاسفة من جهة التعبير والتوليف والقدرة على طرح البدائل.

ولكن ... تعبير الاسلوب عن ماذا؟ وكيف يتحدد اسلوب الفلسفة؟ وبأية وسائل تتم المطابقة بين الأصل والصورة؟!

ما يقال فلسفياً يعبر عما طرحه الفيلسوف من تراكم تاريخي حول اشكاليةٍ ما. و بلا ريب يتداخل مع أقوال وأفكار ومعتقدات سواه، ويعتبر نفسه حلقة وصل بينه والأخرين معتمداً على رواج الأفكار وأصالة المبادئ التي ليست له. ويستند إلى المعالجات الفكرية لقضايا مرّ عليها كثيرون. هنا يعد قول الفيلسوف تجربة في خلفيات الأفكار والمصطلحات. ويدخل فعل التفلسف في بلاغة التكرار و استحضار المعاني ليس أكثر . إن الفيلسوف بمعناه التقليدي هو أحد آثار الفلسفة في التاريخ، الأثر الذي كوّن عالماً موروثاً ثم غدا مستقلاً. فيدلف إليه اللاحقون دائرين فيه متفرداً ومغلقاً. وفي النهاية تحجب الأقوال والأساليب نسغَ الحياة، تشوه احساسنا الحي بالعالم.

في حين أنَّ الفلسفة كفلسفة حيةٍ كانت متميزة بأصالة المعاني وجدة الاختلاف و ثراء التفكير و نوعية النصوص وخطورة الممارسات. وبضربة واحدة، تكون الفلسفة طريقةً حرة تزيح من أمامها تراكم الأقوال والعبارات والوسائل. لأن اختلافاً للرؤى هو الأهم من أي تراكم تاريخي. المعضلة أنَّ الفلسفة بحكم التاريخ تُراكم ذاتها تلقائياً ولا يوجد ضابط لهذه العملية. حتى باتت معبداً تاريخيا لأشباح الفلاسفة. واللغة لا تسمح بخروج الأفكار من قوانينها المحكمة تاريخياً من زاوية ترسبات المعاني و المفاهيم والمقولات. فطالما كانت المفاهيم معبراً عنها، فهي عرضة لموضَّعة التاريخ، أي تصبح جزءاً من التراث بحسب عمليتي الإضافة والنقصان أو بواسطة الحذف والتلوين والتوليف. لا تنجو الأفكار من حركة التراكم الزمني الذي يغير طبيعتها ولا يسمح باستقرارها.

الأسلوب / الأداء

أسلوب الفلسفة مغاير لما يطرحه الفلاسفة من أفكار. لأن أسلوبها الأساسي بمعناه الحي هو الأداء Performativity. الكائن الذي يسمى بالفيلسوف مؤد في الحياة العمومية. ليس شخصاً عادياً بلا عامات بين الناس، إن سيمياء الفكر الفلسفي تقول أنه مصدر تنوير وقوة لفهم الحياة و كيفية العيش. الفيلسوف يؤدي أفكاره، يمتلك فنون تجسيد الكلام، يمثل معانيه أمام الجماهير والتاريخ والسلطة، كأنه على مسرح مفتوح. حتى نصوصه كانت تخضع للمنطق ذاته. فأفلاطون – وليس هو المثال الوحيد– أرسي الأداء الحواري بين الجماهير. حتى جعل الأفكار و الرؤى معروضةً في الهواء الطلق، في الأسواق ، في الطرقات، في الساحات العامة. حوار هو أداء حيادي بين مجموعة من المفكرين. ولكنه يخضع للرؤية التي تلتحم بنسيج الحياة الإنسانية.

وبصرف النظر عن الاختلاف إزاء فلسفة افلاطون، إلاَّ أن الأداء رسم أفكاره كدائرة بين الناس كاتباً بريشة المؤدي لتاريخ هو يترصده. أفلاطون أخطر الفلاسفة المؤدين في تراث الفلسفة الغربية. يعدُّ مسرح الفلسفة في ضوء كافة العناصر : الطبيعة البشرية والمادية والاجتماعية ويجهز أدوات الثقافة ويحضر سياسات الصورة في الانتقال من مشهد إلى آخر. ويجسد الشخوص والمرجعيات معتبراً الفلسفة رؤية مرتبطة بجوانب الحياة. كما أنه يدير المشاهد ويجسد الآراء المختلفة مكرّساً الحضور الجماهيري بعين الاعتبار. فهو يخاطب الفلاسفة وأصحاب الرأي عبر مشهدية الفكر على مسرح الفلسفة. مازال الأداء سارياً مؤثراً. تتحدد ماهية التفلسف اليوناني بكونه أداءً في المقام الأول. وجميع الفلسفات الأصيلة لم تخلو من هذه السمة العملية العامة.

سقراط كان مؤدياً من الطراز الفلسفي الرفيع. استلهم نفسه من بين ثنايا الواقع الحي. ومع ذلك لم يستمد أفكاره من مجرد كلام الآخرين، بل تركها للتجربة المعيشة، مارس الكلام الفلسفي عبر الحياة المشتركة. صقل أساليبه من خلال حيوات البشر وقدمها مرةً أخرى عبر أسئلة حية. وكانت الاسئلة نتاج رؤية في الحياة بحكم أن الفيلسوف يحيا كل التفاصيل. ضمن حدود الاخلاق والعدالة والحرية وكيفية العيش، وضعَ سقراط أفكاره بطريقة الأداء. و هو أداء حُر قائم على الايمان بما يعتقد. وأسلوب الفلسفة يتجلى مثل دروب الأفكار العملية للحكماء. التزم سقراط بالأداء إلى أنْ مات أمام تلاميذه بالأداء ذاته. أي جسّد موقف الموت عبر تجرُع السم. وترك الأداء الفلسفي مسئولاً عن الأفكار حتى الرمق الأخير.

كذلك أرسطو طرح أفكاره بطريقة الأداء، الأداء الفلسفي أثناء الحركة والمشي. "المشائية” هي طريقة أرسطو في التدريس وتناول الأفكار، كان يُلقي محاضراته أثناء المشي مع تلاميذه في أروقة مدرسة اللوقيون في أثينا. و لم يكم التجول مجرد أداة وفعل، ولكنه كان هدفاً مقصوداً لأداء الممفاهيم والأفكار التصاقاً بعالم الأشياء. تميزت الفلسفة المشائية بمنهجها العقلي التجريبي، حيث اعتمدت على الاستدلال المنطقي والبحث في الطبيعة والمنطق العملي والسياسة والأخلاق الأساس الذي يربط ذلك هو الأداء، لأن الأداء فلسفياً ينتشر في كل مظاهر الأشياء. لا يوجد كائن لا يؤدي حياته في حدود الأدوار التي مارسها بنفسه. والأداء أساس الفكر والفن والمسرح والسينما والحوار و النقاش والاختلاف والكلام والشعر وممارسة أمور الحياة.

ولدت الفلسفة في المجال العمومي من خلال الأداء الثقافي cultural performance واشتقت وجودها الحُر من لحمته وتركت بصماتها المؤثرة بالطريقة ذاتها. وحرية الفلسفة شرط يدور مع حرية المجال العمومي. وفي حالة انتعاش الفلسفة تاريخياً كما حدث في تراث الإنسانية، كانت تستعيد سمة الأداء إزاء كافة الفضاءات. حتى وإنْ لم تُوجد الفلسفة بمعناها الاصطلاحي التقليدي. فالأديب قد يكون فيلسوفاً مؤدياً ضمن انتاجه الابداعي، الناقذ الفذ بإمكانه أن يكون مؤدياً حراً إلى درجة بعيدةٍ، عالم النفس مؤد معرفي بصورة لافتة، السياسي لا ينجح إلاَّ إذا كان مؤدياً فكرياً حتى يُقنع الآخرين، المثقف لن يؤثر في محيطة سوى بالأداء.

الأداء أساس قوي لترسيخ مبادئ العقل والفكر و العمل والمعرفة. وربما أخطر ما حصل في تاريخ الفلسفة هو القول بثنائيات الفكر والواقع، النظر و العمل، التأمل والتجريب، العقل والمادة. مما جعل الفلسفة تتقهقر إلى المربع صفر داخل العقل، قبل أن يعبر عن ذاته، إلى التأمل وكأنه في فراغ وسديم لا نهائي. وهذا يفترض وجود الأزدواج الذي لا يمكن تجاوزه. الأداء يتجاوز كل تلك الثنائيات، فهو يوجد داخلها بالقدر الذي يوجد في الأطراف الأخرى. لا يسمح الأداء بالثنائيات العصية على التداخل، فليس ثمة أداء قائم على التناقض.

حافظ الأداء على أصالة التفلسف، وكان محط اهتمام لا الفلاسفة فقط، بل عدد كبير من المفكرين والمثقفين. إن فهم الأداء بالنسبة لنيتشه جزء لا يتجزأ من فهم أفكاره وتجاربه الحياتية. نيتشه هو الفيلسوف الذي بلغ الأداء لديه درجة الذروة. في تفاصيل فلسفته، يشغل الأداء مساحة التفكير ويرسم آفاق المعنى ويضم حقباً متناثرة. داخل كتابة "هكذا تكلم زرادشت"، لجأ إلى " أداء درامي" خطير لاحياء شخصية الحكيم الفيلسوف الذي يعيد تأسيس الفكر وعلاقته بالحياة والوجود والحكمة والحقيقة. جعل الأداء الفلسفي أداء وجودياً طبيعياً شاعرياً. أفكاره ومقولاته تخلط بين الحكمة والفلسفة وتعاليم المفكرين ونبوءات الشعراء.اخترق الأداء كل هذه المجالات التي تبدو منفصلة ليضمها في رؤية للعالم. وأدخل الوعي الراهن في اللعبة ليصبح الأداء هو سيد الموقف مع الأفكار والأشياء والمضامين الفلسفية. الأداء لدى نيتشه حرر الأفكار من مرجعياتها وجعلها قرينة الحركة التاريخية للحياة. بحيث يفهم القارئ أنه يعيش شخصية زرادشت، وأن زرادشت يعيش العالم المعاصر من واقع الفهم العميق لتراث الفكر الغربي.

حرية الأداء

لا يعترف الأداء بحدود، لأنه يستهدف تغييراً جذرياً. فهو يتناول أي موضوع قريباً كان أم بعيداً. وذلك بحكم كونه حركة و وسيطاً دالاً على عالم أصيل من المعاني. هذه المعاني تمتد إلى كافة الفضاءات الممكنة. إذ تشكل الرؤية بوصلة لاستكشافها. إن الفيلسوف يلتقط الأداء مما يراه مُشتتاً ومُتنوعاً. ويُسمي إيقاعه الكلي ليعرفه الأخرون، أي يطلق عليه اسماء ويتعرف على معانيه. في الفلسفات الأصيلة كان الفلاسفة يحددون قوانين وآليات الموضوعات من خلال الأداء. في السياسة، في التراث الاجتماعي، في تاريخ الأفكار، في المعرفة والتقاليد، يحرر الأداء المعاني من القيود. لأنها – أي المعاني – إنسانية بالدرجة الأولى. فلا توجد فلسفة بهذا الأداء لا تفتش عن موطء قدم لإنسان.

الأداء كان ومازال قرين كل فلسفة مؤثرة في حياة الإنسانية. واللافت أن الأداء يفتح آفاقاً أخرى من طبائع الحياة. مثل أداء افعال الكلام عند جون اوستين، و الأداء في المجال العمومي ليورجين هابرماس ، و حركة العدالة عند جون رولز وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي عند لوتشيانو فلوريدي Luciano Floridi. ترسخ نظرية أفعال الكلام لاوستين بُعداً أدائياً كما في المقولة الشهيرة: "قول شيء ما هو فعل شيء ما “to say something is to do something "). والأداء بمثابة الفعل الذي ينجز شيئاً معيناً سواءأكان لغة أم فعلاً عاماً. لأنه يجسد مضامين خاصة بالإنسان وتتجلى بواسطته الدلالات التي يحملها. وقد كان لنظرية أفعال الكلام آثار وأهمية في ميادين متنوعة كما في السيميولوجيا، والأخلاق، والفلسفة السياسية، وفلسفة القانون، واللغويات، والذكاء الاصطناعي، والفلسفة النسوية والنظريات الاجتماعية.

وإذا كانت اللغة هي الفضاء الأبرز للأداء، فلن تقل مساحة المجال العمومي عن ذلك. نظرية هذا المجال عند هابرماس مبنيةٌ على الأداء المرئي. فهو مجال مشترك بين جميع الفاعلين لأداء الاعمال والخطابات والحريات والحقوق والواجبات والنقاشات والحركات الاجتماعية والثورات وتيارات التمرد. وهذه بمجملها أداءات حرة تستدعي التفليسف بطرائق مختلفة. وكذلك الاقتصاد أداء يخضع لمنطق المجتمع وللسياسات المعبرة عن حركته المادية. ولعل أنشطة البشر في الحياة المشتركة تجسيد لهذا الفعل، إن وجودهم هو الأداء الناقل للأهداف والمنجز لما يريدونه من بعضهم البعض.

الرهان فلسفياً على الأداء لانه كاشف ومنبيء، الفيلسوف السياسي مؤد لما يفكر فيه تبعاً لأداءات الأفكار. والمجتمعات حين تجد هناك متسعاً لحركة الأداء تحدث سيولة في المفاهيم والاجراءات والتصورات. كان الفيلسوف إجمالا مؤدياً لهذا الدور في كل مراحل الفلسفة عندما كانت رؤى للحياة. فلا مسافة بينها وبين أداء الحياة. وعندما خرج الفلاسفة من ذلك الأداء وتركوا أنفسهم للشروح، لاذوا بالتجريدات وأدمنوا الأخيلة والشروح.

في العدالة ثمة أداء معبر عن قيم الحق والمساواة والحرية. وكل ما يمت إليها من أفعال ومظاهر. لم يرَ جون رولز العدالة على المستوى النظري، بل هي فضيلة عملية. وتباعاً لن تكون الفضيلة كذلك دون أداء لجوانبها المتنوعة. والمجتمع الذي ينهمك في العدالة يفسح الطريق لحريات الأفراد وتجنب التفاوت بين عناصره الحرة. وفي هذا يتمتع الأفراد بحريات أساسية متساوية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بل ربما لا يوجد ما يسمى باليمين والسيار في مجتمع العدالة متعادل الأطراف. أي لن يكون هناك توظيف سياسي مُقنع تحت هذه المقولات. والحرية في الأساس أداء وحركة ونشاط، وما لم تكن هناك جوانب عملية للحريات، فلن تتحقق العدالة.

بالمثل يتمتع الأفراد بحرية العمل والكسب في بيئة اقتصادية تحول دون التفاوتات الكبيرة. لأنَّ التفاوق الاقتصادي معناه أنه لايوجد أداء مادي يعود بالنفع على كافة طبقات المجتمع. ويدخل في هذا مبدأ: أن الحقوق بكافة جوانبها أصول لا هوامش في حياة الأفراد. فلا حقوق ثانوية، لا قدرات مهملة، لا جوانب تافهة. الحق هو أداء الامكانيات الأصيلة التي تتاج للمواطنين بالتوازي. والعدالة هبي أداء الفضيلة بحيث يتحقق الانصاف لكل فرد. فلا يجوز أن يقع الانسان تحت القيد أو التسلط أو القهر، إن العدالة انصاف بالدرجة الأولى، إداء ينتشل الانسان من ظروفه القاهرة ويمثل شرطاً لتحقيق الحرية والمساواة. وكلمة انصاف يسكنها معنى منحاز سلفاً مؤداه أن الاجحاف سابق على العدالة. وهذا صحيح إلى حد كبير، لأن الأداء القاطن في كل عدالة ممكنة يكافح وصولاً إلى الانصاف الذي لم يكن.

يظل الأداء سمة جوهريةً للحياة والفلسفة جنباً إلى جنب، لأننا في الاثنين يصعب أن نتنازل عن كوننا فاعلين. ويصعب أن نتنازل عن وجودنا في حالة العطاء والأداء، فهو الوضع اللائق بالانسان. وليس الأداء تمثيلاً ولا تقمصاً، بل قمة تجديد العالم من حولنا. وهذا الأمر عند لوتشيانو فلوريدي( فيلسوف الذكاء الاصطناعي ) يتجسد في المعلوماتية باعتبارها انطولوجيا حقيقية لا استعارية. المعلوماتية تؤدي دورها كعالم عميق الجذور للوجود الإنساني في أعظم تجلياته الحرة. المعلومات قدرات وابداعات بشرية في طريقها إلى تحريرنا من القصور.

فلا المعلومات تنقل وجودنا ضمن أرقام وخوارزميات فقط، ولا هي تحشد جيوش المعارف والأدوات على اعتاب الحياة وحسب، ولكنها الفضاء الرحب لحرية الفعل والحركة وأداء الأدوار وابداع الرؤى. أي أن المعلومات هو العالم الإنساني نفسه في حالة أداء. فعن طريق الحاسبات والوسائط الافتراضية، يمكننا انجاز الأشياء بالفعل. كل شيء تحول إلى بيانات وصور وعلامات وايقونات واجراءات ولمسات ضوئية، ومن ثم فهو في قرارة وجوده أداء ينتج شيئاً جديداً. ولم يخرج الإنسان من هذا، بل تدريجياً يغرق ويظل يسير في هذا الاتجاه إلى نهاية المطاف.

إنَّ الأداء يستحضر الفلسفة إلى أكثر الفضاءات تطوراً. فهو وسيط المستقبل الذي يُولد وظائف الفيلسوف لفهم المعاني وطرح الأسئلة وفتح منافذ الفكر. ونظراً لأنَّ الاداء فاعلية عابرة للحيوات، فالفلسفة ممارسة تستهدف تعميم النقد والتحرر من الاكراهات وفك القيود المفروضة على العقول. وبما أن الفلسفة لصيقة الصلة بكل غرائز و ملكات وطاقات البشر جسداً وروحاً، فستأتي أداء من كافة الجوانب الإنسانية. هي توجد حيث يوجد الأداء. لا لأنَّ الأخير مرحلةٌ في حياة الإنسان، بل لأنَّ الأداء والفلسفة ينتجان بعضهما البعض. في الأداء هناك أثر معنى، علامة فكرة. وكل فلسفة هي استفهام عن معنى. وذلك هو جذر وجودنا الإنساني على الأصالة من عصر الحجر إلى عصر المعلوماتية، هذا الانتقال الذي مرَ عبر مسيرة الحرية لا غيرها.



#سامي_عبد_العال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلسفة أسلوب تفكير
- حروب السرديات (5)
- حروب السرديات (4)
- حُروب السرديات (3)
- حروب السرديات (2)
- حروب السرديات (1)
- الايديولوجيا والموت
- الروح و الحرب
- وليمةٌ من بقايا الحُروب
- حقائق لا تُصدق
- كيف يفكر الكاوبوي؟!
- الاستعارات القاتلة (4)
- الاستعارات القاتلة (3)
- الاستعارات القاتلة (2)
- الاستعارات القاتلة (1)
- سلة مهملات كولونيالية
- خبز ٌبدماء الإنسانية
- إضاءة فلسفية .. ما الذي يجعل الجميل جميلاً؟
- صوت فيروز .. الفناء والبقاء
- اللغة... لحمُ الشُعراءِ


المزيد.....




- مع زيارة ملادينوف.. مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من الأراضي التي ...
- هل تدخل ماكرون فعلاً لإسقاط مشروع إنفانتينو؟.. تقرير يكشف تأ ...
- واشنطن تعلن حالة الطوارئ لمواجهة -أسوأ كارثة طبيعية تواجهها ...
- العراق.. كتلة الصادقون النيابية تطلق سلسلة إجراءات بعد استهد ...
- إسرائيل توسع الخط الأصفر وتبتلع مزيدا من أراضي الفلسطينيين ف ...
- أكثر من 2250 اعتداء استيطانيا خلال تموز
- نازحو السودان.. معاناة يمدها نقص التمويل
- برلمان شباب ليبيا ينظم حوارا وطنيا
- الموت يفجع محمد هنيدي
- قشقاوي: إيران في -حرب شاملة- مع أمريكا.. نتبع شيئا يتجاوز ال ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامي عبد العال - الفلسفة أداءٌ حُر