|
|
حروب السرديات (2)
سامي عبد العال
الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 02:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تكشف " حرب السرديات " المآرب بين أطراف الصراع. ولكن ترتهن أية سردية بضربٍ من" التأويلات "طوال الوقت. بمجرد أنْ تُطلق السردية، تظل قيد التأويل الذي تطرحة القوى إزاء الآخرين. والتأويل هو صرف "صورة الواقع" إلى المعنى السردي الخاص بالمصالح. على أمل أنْ يتم تكييف الواقع مع التأويل الأكثر قوةً ونفاذاً وحتى تكون ثمة فرصةٌ للتحرك في إطار المخطط المرسوم. و هكذا لا تعدو الأفعال في الواقع إلاَّ أنْ تشكل تأويلاً عملياً لما يُسرد. أفق الاحتمال يمتلئ بممكنات خاضعة لآليات الشد والجذب في آتون المعارك. ومن ثمَّ لن تكون المواقف السياسية – كما حدثت فعلياً – أكثر من محاولات للمراوغة هي الأخرى. لأنَّ الاطراف تحرص على احراز كم من الأهداف الممكنة.
قصف المواقف
المواقف السياسية استراتيجيات ناعمة تُطلقها القوى النافذة للاستحواذ على التأييد والتصديق. وبالتالي يكون رهان أية سردية هو عدم السقوط ارتباطاً بقدرتها على الاتساق مع ما يُحكى. وستمثل مسارات الحرب اختباراً سردياً من واقع الاحداث. وسيكون الجانب البلاغي برّاقاً ورمزياً إلى درجة بعيدة. وسيطرح أسئلةً أخرى من جنس النسيج السردي الذي دفعت به. لماذا هذه المساحة التي تأخذها السرديات؟ ما الآثار التي تتركها في خلفية الأحداث؟ وهل يحدث هناك تناقض بين السردية واصداء الحرب؟
اسئلة تتعلق بأسباب كون التصريحات والتعليقات صادمةً في أوقات كثيرة. لأنّ السردية تحاول اكتساب أرضٍ جديدةٍ على الدوام دون أنْ تعبأ بغيرها من سرديات. بل وصلت السردية الامريكية الاسرائيلية إلى التهام أية سرديات أخرى، يكفي أن صووتها الاعلامي ضخم بحجم العالم والقوى المؤثرة فيه. وصل بها الأمر إلى حجب الآخرين إلاَّ التواجد من خلالها. فالآخرون أعداء وأطراف شريرة، لكونهم مجرد تيمات داخل السردية الغالبة. وسنرى كل محاولات " القصف التأويلي" ناشطة على صعيد الفهم العام. فكلمة مثل كون ايران " دولة مارقة " يعني أن هناك معايير تخص جانباً على حساب جانب آخر. وابرز النماذج على ذلك تصريحات دونالد ترامب، لأن خلفيته تجارية اقتصادية، والخلفية تعطيه مساحة لمضاربات الكلام كما يمارس في كل لقاء اعلامي. كثرت لقاءات ترامب مصوباً عباراته السردية في كل الاتجاهات من السياسة إلى الاقتصاد إلى العلاقات الدولية إلى علاقته بالملوك والرؤساء. الهدف من ذلك مقصود لا عابر.
يحرك ترامب لدى المشاهد تأويلاً صاخباً يصب في خانة الحشد الأمريكي. كما أنه لا يترك مرحلة دون أن يورط الآخرين في دهاليزها، يلقي بالتبعية على " الأطراف الصامتة" كي يزج بها في حركة الأحداث. أي يستنطق المتابعين في اتجاه ما يقول، وبكل سرد بارد يدخل في قصص جانبية لكي يخطف وعي الجماهير ، لاصقاً إياه في جدار من "الحياد المزيف " لو كان ضد الحرب. حتى أنَّ الدولة الفرنسية أصدرت بيانات كثرة تجاه الاحداث وبدت كأنها تكلم نفسها رغم رحابة العالم. ثم بكلمة واحدة لترامب يحرك معارك سردية على الضفاف الأخرى لأوروبا أو الصين أو العالم العربي. الحرب يصنعها ترامب كنوع من الصفقات، ولكنه يعمم السردية الأمريكية الاسرائيلية لتشكل بركة من الوحل. وحل يطال أية مواقف مستبصرة عربياً أو دولياً.
التغطية والتعرية
منذ أزمنةٍ بعيدةٍ و رقعة العالم العربي مغطاة بكم ليس بالقليل من السرديات. "سردية دينية " ترجع إلى نسيج الثقافة الاسلامية والموروثات التاريخية، في محاولة لاحياء ما يرتهن بها من أمجاد وبطولات. "سردية سياسية " تضّفر مقولاتها من خيوط القومية والعروبة، وأن هذه الأوطان ليست أقل من لحمة عربية واحدة. "سردية اقتصادية" تنهض على طرق التجارة والاقتصاديات وبرامج الاصلاح التي تبني الدول وتنهض بالمجتمعات. "سردية اخلاقية" وفقاً لتقاليد وعادات المجتمعات العربية التي تستعيد القيم و أواصر الترابط. "سردية حياتية " تتغذى على نمط العيش المتشابه وأخبار المجتمعات العربية، و أنّه لا فرق بين مجتمع عربي وآخر. غاية السرديات هو انشاء قوى رمزية تسهل اطلاق الخطابات وعبارات الاقناع والحجاج الذي يستله ساكنو المنطقة دفاعاً عن وجودهم .
إلاَّ أن المنطقة العربية ( فضاء الصراع الراهن ) باتت رقعةً عاريةً من أي غطاء إزاء حرب السرديات الراهنة. جاءت الاخيرةُ لتضع عناوين خاصة كلما اتفق في واشنطن وطهران وتل أبيب. ولم تكن ثمة سردية فاعلة في أفق الحياة السياسية المناسبة. ظل غير العرب يتكلمون بلسان العرب كأنَّهم اختطفوا الخريطة الجيو سياسية. وليس أبعد أثراً من كون الكيان الصهيوني يُسمى المنطقة كيفما شاء وفقاً لاحداثيات الصراع. والتسمية قدرة على الفعل و الرمي إلى المستقبل. وفي الوقت نفسه منع الآخر من أنْ يتحكم في دلالة الأشياء.
والدلالة هي ما تقود الحقائق إلى حيث يريد صاحيها. إنَّ من يسمي في عرف السرديات بإمكانه أن يقول للآخرين لا تتكلموا، عليكم الامتثال لما أقول ليس أكثر. وأنَّ التسمية مهما تكن غير مقبولة ليست سوى خط امداد لآثار القوى تجاه الافهام والعقول. وهي نزع القدرة على الفعل وترك المجال للقوة الغالبة (أمريكا واسرائيل في هذه الحالة).
أطلق الطرفان الامريكي– الاسرائيلي على حرب ايران: "زئير الأسد" كما تردد سردية اسرائيل (بالعبرية: שאגת הארי). بينما سكّت أمريكا عنواناً تاريخياً " الغضب الملحمي" ( بالإنجليزيةEpic Fury ). وأحياناً يتم دمج العناونين ليكون ( ملحمة زئير الأسد ) في الخطابات الاعلامية والسياسية. والمَلْحَمَةُ هي الحرب الشديدة أو الموقعة العظيمة، وتطلق أيضاً على القصة الشعرية / النثرية الطويلة التي تروي أمجاداً وبطولات خارقة للعادة. وقد تكون قصيدة أو سيرة طويلة ( مثل الإلياذة، الشاهنامة، أو سيرة عنترة ) تسرد بطولات خيالية وتاريخية. وتتسم الملحمة حربياً بالمعارك الكبرى، والبطولات، والأساطير، وتُستخدم الكلمة كذلك لوصف الأعمال العظيمة والانتصارات التاريخية.
ولكن عن أية ملحمة يتحدث ترامب ونتنياهو وهي أساساً حرب كولونيالية؟!! ليست المشكلة في التسمية فقط، بل فيما وراء التسمية من استهلاك الكلمات و تفجير المعاني كأـنها صواريخ متشظية أعلى فضاء المعركة. الأسماء أسلحة فتاكة تنال من مورثات وحضارة البلاد التي أطلقت فوقها. فضاء حربي بدا بلا قوة مسيطرةٍ من الداخل العربي ولا الاقليمي، انكشف الوضع كأنه بلا دول وطنية أمام عربدة الكيان الصهيو أمريكي.
هل اعترضت دول المنطقة على ما تقوم به أمريكا واسرائيل؟! هل كان العرب على استعداد لمقاومة الصراع الايراني المسلح مثلما كانوا متحسبين إلى المد الشيعي؟ وقد اتسع الفضاء من أقصى حدود ايران شرقاً و عُمان و اليمن وجنوب غرب اسرائيل مروراً بلبنان والعراق. غطت الملحمة المزعومة كل جيوسياسة العرب. أي أنَّ زئير الاسد عليه أن يصُم الآذان في منطقة مستقلة وتتمتع بكافة حقوقها الدولية!!
اغتيال الاسماء منذ أنْ تم زرع اسرائيل كمخلب للقوة الكولونيالية وهي تمارس الأفعال السردية نفسها. التسمية بالنسبة لاسرائيل جزء لا يتجأ من الحروب السردية للاحتلال، حتى يعلم العرب أن الاسماء ليست مجانية عندما يتروكونها لغيرهم. التسمية تجر كامل القصص التوراتية حتى أخر نفس. الأسماء لا تقل وزناً عن ثقل الأراضي والممتلكات والقوى المادية للمجتمعات. تشن إسرائيل حرباً ممنهجة لطمس الهوية الفلسطينية عبر تغيير مسميات أكثر من 7000 موقع جغرافي وتاريخي، وإحلال (أسماء عبرية/ توراتية) مكانها منذ ما قبل عام 1948.
كل حرب لاسرائيل على الفلسطينيين، تكون مصحوبةً بتغيير أسماء المناطق وإدراجها ضمن سردية يهودية كاملة. وكانت أكثر التسميات إثارة للسجال في حينه إطلاق اسم "يروشلايم" على القدس، و"إيرتس يسرائيل" التي تعني "أرض إسرائيل" على فلسطين، حيث تم اعتمادها، عام 1920، على طوابع حكومة الانتداب البريطاني الرسمية. تهدف هذه السياسة إلى محو الذاكرة الفلسطينية وربط الأرض بالحكايات الإسرائيلية، الأمر كأنّه إبادة للذاكرة الفلسطينية، ذاكرة الأرض واللغة والرموز والعلامات.
ولم تنسَ اسرائيل سردياتها المكانية والزمنية، في عام 2004، أصدرت لجنة الأسماء الإسرائيلية " أطلس إسرائيل" الذي رسخ الأسماء التوراتية للمستوطنات والأماكن الجغرافية والتاريخية والحدائق العامة والميادين والمواقع المقدسة والمؤسسات الصناعية وغيرها التابعة للمدن الكبرى في الأراضي المحتلة، واتخذت خطة " عبرنة الأسماء Hebrewization of names" شكلاً أكثر صرامة ورسمية. ففي عام 2009، أكدت وزارة المواصلات الإسرائيلية على ضرورة شطب أسماء البلدات والمدن العربية عن الإشارات واللافتات الدالة على الشوارع والطرقات المحورية، وأن يتم الابقاء على الأسماء العبرية البديلة. وبناء على سياسات الدولة الصهيونية، تغير اسم القدس إلى اسم "يروشلايم"، وحملت مدينة الناصرة الفلسطينية منشأ السيد المسيح اسم "نتسيرت"، ويافا "يافو"، وانتقل اسم مدينة عكا في اللافتات إلى اسم "عكو"، وصفد إلى "تسفاد"، وأم الرشراش إلى "إيلات"، وبئر السبع إلى "بير شيبع"، وعسقلان أمست " أشكلون"، وبيسان أصبحت "بيت شان"، وتحولت رأس النقب كلياً لتغدو "معاليه عقربيم"، وأم دومانة تحولت إلى "ديمونة".
ولم تترك اسرائيل أية مواقع عربية دون أن ترمي عليها السرديات اليهودية، شطبت الأسماء العربية في بعض مدن الضفة الغربية كذلك، فأطلقت على الخليل عنوان "حيفرون"، وأضحت نابلس "شخيم". وهذا بمثابة حملة إبادة واغتيال للذاكرة العربية توسعت طوال أكثر من 120 سنة لتغطي تهويد الأماكن المقدسة. و حتى قبور المسلمين لم تسلم من عمليات الاحلال والتبديل Replacement and substitution، فتم تجريفها واتخاذها متنزهات وأماكن عبرية عامة. وركز دولاب الدعاية والإدارة في الكيان الاسرائيلي طوال عقول على استعمال الاسماء العبرية التوراتية الجديدة في الأوراق الرسمية وفي الوثائق والمستندات الإدارية، حتى يتم ترسيخ الأوضاع المتغيرة. وحتى يتم محو الأسماء العربية للمواقع والأماكن والمدن.
بالطريقة ذاتها حملت الحرب على ايران لافتة " ملحمة زئير الأسد"، أيُ أسد وهو كيان غاصب لوجوده من لحم ودم العرب والفلسطينيين؟! ولكن الطرف الامريكي الاسرائيلي يعلم تمام العلم أن التسمية ستجر كامل الجوانب السردية في ظل غياب الوعي بما يجري. لأنَّ كل تسمية هي نزع ملكية استخدام اللغة في التعرف إلى عالمها الخاص. ويفترض أن تكون الاسماء من نسيج الثقافة. ولعل الاسماء العبرية تكمل الصورة و تعيد المسمى إلى صور أخرى.
إن احتلال الاسماء هي بداية للاحتلال الحربي للبلاد. وكانت المآرب وراء الحرب الراهنة لامريكا واسرائيل لوناً من الابادة كما تمارس الدولتان في كل حروبهما من فيتنام مروراً بغزة حتى ايران. وتجريف الأسماء erasing names هو تجريف للهويات رغم أنف أصحابها مثال مصطلح ( الشرق الأوسط) الذي تعلقت به اسرائيل تعلق الغريق بقشة. ومثل محاولات تغيير هوية ايران – ودون إذن شعبها – إلى دولة قابلة للتعايش مع كيان الاحتلال.
ليس يهم اسرائيل ولا أمريكا ولا الغرب: ما إذا كان نظام ايران شيعياً أم سنياً أم علمانياً أم وثنياً، المهم أن يقبل بهيمنة القوى الكولونيالية على الشرق الأوسط. ما كانت أمريكا لتتحرك حربياً إلاَّ لأن السيطرة على الشرق الأوسط غير كاملة. هناك من يستطيع أنْ يقاوم وأن يجرؤ على الرفض.
السردية المفقودة
ماذا عن السردية العربية؟ انبثقت السردية العربية كأنها تتخفى من الأعداء في كل مكان غرباً وشرقاً. سردية خجلى تقدم مبررات أكثر من كونها في آتون الحرب الدائرة. بررت: لماذا يجب الدفاع عن أنفس العرب إزاء إيران فقط؟ تريد أن تقول إن ايران عدو مبين، ولكن المحور الآخر (امريكا واسرائيل) غير مرئي. الفرق بين السردية العربية والسردية الامريكية الاسرائيلية هو الفرق بين أساليب تفكير الجانبين.
مثل العداوان من طرف أمريكا على الأقل من جهة استعمال الأراضي والأجواء العربية مسكوتاً عنه طوال الوقت. لم يخرج مسئول عربي واحد لاستنكار مواقف الطرف الذي بدأ بالحرب. معنى ذلك أن الموقف الإيراني هو المعتدي الأصيل. وهذا يثبت ببرهان الخلف ما كانت تقوله بعض الدول العربية من كون إيران لديها مخططات عدوانية وكراهية تجاه العرب. وهذه نقطة الالتباس في الموضوه وأحدث تبايناً لافتاً بين احساس الأنظمة السياسية بالخطط الايرانية والاحساس الشعبي تجاه إيران. ليس حباً في ايران وتخدع الأخيرة نفسها، إذا شعرت بكون الشعوب العربية تقبلها ( بقضها وقضيضها) كما يقال، بل لكون هناك كراهية شعبية لممارسات اسرائيل وأمرية في الوجدان العام.
إن ما تركته اسرائيل من رواسب العداء جعلها طرفاً عدواً في كل الحروب. والشعوب لا تنسى تاريخيا، وأخطر ذاكرة هي ذاكرة العداء والكراهية. وهذا ما لم تدركه امريكا واسرائيل مهما حاولوا من تطبيع. وقد استثمر ترامب الحرب لكي يستميل الدول العربية تجاه حلفه، وكم أشار مراراً إلى أطماع ايران الشريرة في المنطقة العربية. مما أدى إلى التشكك في نوايا أمريكا هي الأخرى.
كان الارتباك واضحاً للتعبير عن طبيعة السردية الغائبة. لأن مصدر قوتها لم يكن بارزاً. لو تم الاستناد إلى أمريكا فبجوارها الكيان الصهيوني. وهذا كفيل بنسف السردية من أساسها. ولو تم القول بالدفاع عن مقدرات الدول، فهل أمريكا أعطتها الضوء الاحمر تعبيراً عن مسارات المعارك؟ وهل تم التنسيق معها لمعالجة آثار الضربات الايرانية؟ كما أنَّ مجرد الاعتراف بأن هناك قواعد أمريكية يثير استفهامات حول تصرف أمريكا منفردةً بقرار الحرب. وجعل الدول العربية " عدواً مجانياً " لايران.
وقد قالت ايران أنها تحترم الدول الصديقة و تقدر حسن الجوار، ولكنها تستهدف القواعد والمصالح الأمريكية فقط. الأمر الذي جعل هناك بعضاً من الوجاهة في خطاب إيران نتيجة الاعتداءات المتواصلة عليها، ولكنه لا يعفيها من انتهاك السيادة العربية. وبخاصة أن بعض دول الخليح له علاقات وقنوات اتصال مع الدولة الايرانية.
الواضح أنَّ السردية العربية لم تكن قاطعةً في إدارة الاحتمالات في وقت لن يصح التواجد في منطقة الصراع دون مواقف بقدرات حقيقية. وهو ما دفع بعض الدول العربية إلى خطاب مظلومية. بحكم آثار الاعتداءات الأمريكية على ايران، فتطلق ايران الصواريخ على دول المنطقة. الارجوحة المرهونة بخريطة لم تأخذ مصالحها على محمل الجد.
ولكن الأخطر : أن السردية العربية حركت الشارع للتساؤل: عن مكانة الدول العربية في الصراع؟ فليست الحرب الدائرة حرب العرب ولا الأطراف يضعون المصالح العربية نصب أعينهم، بل كانوا مدعويين فقط على شرف المعارك الجوية الطاحنة. ولم ينالوا سوى الآثار السلبية. كيف يكون العرب بمنأى عن هذه الصراعات الحربية؟ وكيف يكون وجودهم السياسي داعماً لمقدراتهم ومصالحهم؟ السردية العربية تضع المستقبل العربي بين قوسين. لأن أطراف الحرب في المقاعد انقيضة لدول المنطقة. وكل الاحتمالات غير مواتيةٍ للعرب. لو استمرت الحرب ستكون حرباً بين أطراف على مسافة عدائية من العرب ولكنها في قلب العالم العربي. أي يتحمل العرب التبعات في حال استمرار الحرب. والغريب أنهم سيتحملون التبعاب في حالة لو رست الحرب على شواطئ هرمز، أي لو توقفت عند المصالح المشتركة بين امريكا واسرائيل وايران. وذلك حين يتم التواصل لاتفاق يحقق التوازن للطرفين. ففي هذه الحالة سيكون العرب هم الطرف الرابع الذي يرسم علامة استفهام بحجم العالم. ماذا عن المستقبل في منطقتنا العربية؟
المستقبل دون تقدم حضاري أمر يصعب التحدث عنه. هو مستقبل مبهم كأننا نتكلم عن مخاض بلا معالم. وأن وجود العرب في الحضارة الراهنة يحتاج إلى اعادة نظر في كل تاريخ الصراعات. لأن غلق العيون إزاء الاخطار أمر لا يجدي. علينا أن نفتح عيوننا ملء السماوات لا الانكفاء تحديقاً تحت الأقدام. فقد تظهر الاخطار خلال أي وقت. صحيح أنَّ التطور الحضاري أمر يأتي من بعيدٍ، ولكنه الضمانة لمستقبل عربي واعد. المستقبل لا يسير إلى الماضي، بل يأتي بقوانينه الخاصة. وسينهض لا بمجرد التمسك بتقاليد النزاع والصراعات البينية كما تراشقت عناصر من الجماهير العربية، ولكنه يقوم على التكاتف وإعادة النظر في المواقف وكيف يتم تغيير نمط العيش.
كلُّ سرديةٍ بالعالم العربي نتيجة الاحداث الطارئة مكتوبٌ ضمن خلفيتها السردية الأم: كيف سيتم دفع عجلة التقدم الحضاري؟ بأية صيغة نتواجد في قلب العالم لا الانزواء على هامش التاريخ؟ عوضاً عن أسئلةٍ أخرى: كيف تضربنا إيران؟ لماذا الكيان الصهيوني مرشوق في خاصرتنا التاريخية؟ بأي معنى لا تقف جانبنا بعض الدول الاقليمية؟ هل ننتظر معجزة من السماء لانتشال بقايانا؟
إنَّ إثارة الاسئلة المحدودة تضعنا لا محالة ترساً في ألة الأحداث المجنونة، وعادة ما نكون " نحن الضحايا " لا أكثر ولا أقل. الشعوب تتحرر بالأسئلة الكبرى حول التاريخ والحضارة والعالم والإنسان. شروق الحرية لا يتم بين يوم وليلة، ولكنه عملية متواصلة من كسر القيود. والمعارك التي تدور رحاها بين ظهرانينا إنما تعتاش على كوننا بلا أسئلة. ولم تتجرأ السرديات على نهش لحمنا الحي إلاَّ نتيجة لفضائنا الخالي من رؤى العالم والحياة. وقد ابانت الحروب الدائرة " هشاشة الرؤى والمواقف " حدّ التلاشي. قبل أن تنطلق الصواريخ تسبقها الرؤى النافذة. والويل حضارياً لمن يتسول رؤياه على أبواب الأوغاد ومدمني النفط.
#سامي_عبد_العال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حروب السرديات (1)
-
الايديولوجيا والموت
-
الروح و الحرب
-
وليمةٌ من بقايا الحُروب
-
حقائق لا تُصدق
-
كيف يفكر الكاوبوي؟!
-
الاستعارات القاتلة (4)
-
الاستعارات القاتلة (3)
-
الاستعارات القاتلة (2)
-
الاستعارات القاتلة (1)
-
سلة مهملات كولونيالية
-
خبز ٌبدماء الإنسانية
-
إضاءة فلسفية .. ما الذي يجعل الجميل جميلاً؟
-
صوت فيروز .. الفناء والبقاء
-
اللغة... لحمُ الشُعراءِ
-
العقل والسلطة في الثقافة العربية
-
الكتابة ... الرؤية والزمن
-
تأويل النعال (8)
-
تأويل النعال (7)
-
تأويل النعال (6)
المزيد.....
-
ترامب يعلن عن توقعاته لمدّة حرب إيران: -رغبة قادة طهران في إ
...
-
باعة الطيور في مكسيكو سيتي يتمسكون بتقليد أحد السعف المتلاشي
...
-
غارات إسرائيلية تستهدف قرية جنوب لبنان وتلحق أضرارا بمبان وم
...
-
قوالب أغاتون.. السر الخفي وراء صناعة الشوكولاتة
-
مباشر: ترامب يعلن مغادرة وشيكة لإيران خلال أسبوعين أو ثلاثة
...
-
اختبار الجبهات المتعددة.. هل يهدد انغماس واشنطن بحرب إيران ا
...
-
ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها
-
-أوضح تصريح- من ترامب عن موعد انتهاء حرب إيران
-
رئيس إيران يضع -شرطاً- لوقف القتال: -لم نسعَ قط إلى الحرب-
-
سيدات سلوفينيا يحافظن على فن بيض الفصح -درسانكه- العريق
المزيد.....
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|