|
|
مَنْ سَرَقَ الفيلسوف من الشارع؟(3)
سامي عبد العال
الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 21:58
المحور:
قضايا ثقافية
مثلما تغيرت مكانةُ الفلسفة مع تحولات الثقافة، تغيرت طبيعة لصوص الفضاء العمومي. أخذت ما بعد الحداثة خطوةً إلى الوراءِ دون أنْ تُبرر كثيراً. فرغم تأسيس الحداثة للكيانات الكبرى: الدولة، الأمة، الحياة المميكنة، نمط الاستهلاك، غير أنَّ ما بعد الحداثة لم تمارس أدواراً بالوسائل ذاتها. لجأت إلى أفكار الفلاسفة كشخصياتٍ حُرةٍ استعادت زخمَها الحياتي. وفعّلت حركة الفيلسوف (خارج/ داخل) الأُطر السائدة. فكان عليه أنْ يُحطّم الأُطر بشكل استراتيجي، وأنْ يعرفنا: كيف تكوّنت؟: ولماذا عليه أنْ ينسفها من الأساس؟.
لم تقبل ما بعد الحداثة استعمال البارادايم (النموذج) الحداثي. لا لأنّه ذو طابع تاريخي، بل لكونه يخالف فاعلية الفكر. البارادايم مساحةٌ فلسفية ضيقة إزاء حرية الإنسان. وأنَّها اقصاء لقدرات الانسان عن التأثير، حتى وإنْ حضرت الجماهير بشعارات الجماعة البشرية. أقصر الطرق لتدمير القدرات الابداعية: أنْ يُحشر الفرد داخل منظومةٍ تعتصره، ثم تلقيه على حافة الحياة بلا قيمة. انماط الحداثة منظومات شمولية أهدرت قيمةَ الانسان، مع أن شعاراتها المتداولة شعارات الانسانية والنهضة والتنوير وتحديث المجتمعات. ولكن بعضاً من اللافتات العامة لا تخلُو من خداعٍ فلسفيٍ. على الأقل من جهة توظيف الفلسفات لهذه الاغراض.
لاحت ما بعد الحداثة كمرحلةٍ خطيرة للفلسفة. لأنها استعادت دور الفيلسوف بشكل مختلف. إذْ لجأت إليه لتحريرها من سطوة المؤسسات العمومية والسرديات الكبرى. اعتراف صريح بأن أصالة الفلسفة كامنة في قدرتها الفذة على الالتصاق بالحياة رؤيةً ونشاطاً، وأن الفيلسوف هو الكائن الذي يجس نبض الحياة والبشر إزاء القضايا المصيرية. وأنه ينفض الغبار عن المجهول ويستبق إلى تحديد معالم المستقبل.
رفعت ما بعد الحداثة شعار النهايات على حواف الانسانية: نهاية الحقيقة، نهاية التاريخ، نهاية الميتافيزيقا، نهاية الواقع، نهاية الايديولوجيا. ولكنها لم تكن نهاية موت، أي لم تكن قضاءً وقدراً على غرار الأخرويات ( أحداث أخر الزمان). بل قالت ما بعد الحداثة للفيلسوف: أنت ستفكِّك كلَّ الأطر، ستطرح جميع الأسئلة المحظورة، ستُمارس فكراً نقدياً بصورة جذرية، أنت عبارة عن نشاط طاغ ضد نزعات الهيمنة والسيطرة والاستقطاب. وارجعته من فوره إلى فعاليته في الحياة كحريةٍ فرديةٍ بالغة التأثير.
لأنَّ الفلسفة لا يمكن حجبُ آثارها دون العودة بأقوى مما كانت. لعلَّ جنس سرقتها من المجال العمومي يرتبط بعدم السيطرة على حجم الغياب الحاصل لها. وهو الأساس والباقي من مساحة الفكر الحر. وتلك الخطوة مؤداها: أن اقصاء الفلسفة من الفضاء العمومي سيخزن طاقات فكرية قابلة للانفجار في أي وقت. مجرد اشعال عود ثقاب سيؤدي إلى تفجير الموقف برمته. واللعب مع الفيلسوف كحراس للفكر الحر هو لعب مع الحياة. وستكون النتائج غير ايجابية العواقب، لأن الهزيمة ستكون للإنسانية لا الأفراد.
الفلسفة لا تغيب تماماً (عن المشهد )، أي مشهد، ولكنها تغيب ( داخلنا). الفارق واضح بين الخروج من الصورة إلى أبدٍ، وبين الاختفاء داخلنا ككائنات انسانية. الأول معروف حين تُحظر ممارسة الفلسفة كنوع من اللاهوت المحرم، أما الثاني: فهو أن تكمن الفلسفة في الشقوق غير المرئية من وجودنا. و ما أكثر الشقوق التي تسكنها الفلسفة في حياتنا العمومية. هي تتكلم بلسان الأزمات لا في وضح النهار. وقد تخرج عبر ممارسات جانبية وبشكل عفوي في غالب الأحيان.
الفيلسوف حُرّاً
حررت ما بعدالحداثة الفلاسفة بضربةٍ واحدةٍ. استهدفت مركزية المفاهيم الحداثية في الصميم. وهي مفاهيم مبنية على قوة الدلالة والتصديق، وكذلك رفضت "ديناصورية الأفكار" التي فاتها الانقراض. النقطة القصوى التي بلغتها فلسفات الحداثة، كونت جزراً ميتافيزيقية منعزلة عن المعنى. شكلت الحقيقة في أفق أصحابها خارج الزمن. الفلسفة ليست جغرافيا الحفريات القديمة وليست محراباً لتقديس آلهة المفاهيم والدلالة.
عادت المعاني لفيلسوف ما بعد الحداثة، لا يتعامل مع المعنى كأنه قلعة محصنة، ولا باعتباره نفَسْاً ميتافيزيقياً سارياً منذ أفلاطون حتى هيدجر، ولا ينظر إلى( الوجود والمعرفة) كأنهما منضادان معلقان في علة مطلقة أو محلقان نحو غاية خفية. ولم يعد المعني جداراً مرتفعاً من الأرض إلى السماء، يكتب عليه كل لاهوتي ما يريده من معتقدات متعالية.
المعاني لا تأتي تحت إهاب سلطة و لا بقوة قانون نافذٍ. ولا تمثل انعكاساً لأصل ثابت، حين شيّد فلاسفة الحداثة حصونهم الفلسفية فوق جبال شاهقة. يظل تاريخ المعاني مرهوناً باستراتيجيات الفيلسوف لا بعملية طبيعية. ولا يرتبط بالحركة المتخيلة للحياة كأنها في متحف عام من: المرايا والزجاج والسحاب. ثلاثة عناصر موجودة في متحف الفلسفة.
الحداثة أكبر "متحف سريالي" Surreal Museum في التاريخ الانساني، تكّون من أساليب التفكير ونمط العيش السائد. العقل السريالي هو عقل حداثي مؤدلج. العقل الممتزج بميتافيزيقا تخلط بين الأرض والسماء، الجغرافيا والتاريخ، الانثربولوجيا والفلك، اللغة والأشياء. وعلى المدى الطويل، شكل العقل السريالي رؤى الحياة والتاريخ. وجَمعَ أشياء لا تجمع إلاَّ بتداخل الأزمنة والأمكنة تحت مبررات خيالية. وكان ذلك عنواناً لمجتمعات الحداثة التي تكررت عبر التاريخ. إن ما جرى مع الحداثة جذَّر أساليب التفكير في الواقع وكانت تفاعلاتها أكثر من مجرد ظواهر عابرة، بل تراكمات رأسية من المعاني، دعمتها فلسفات عبرت عنها ورسختها على نحو شامل. وانتقلت الحداثة من مجرد (العصر الحديث) إلى صيغة أيديولوجية تعمم ذاتها مع توافر شروط إنتاجها في المجتمعات.
دلالة المرايا: وهي المعارف التي ظن الحداثيون أنهم صنعوها لتعكس ثوابت الأشياء وتنقل الحقائق كاملة. ويريدونها مرايا معرفية مصقولةً على الدوام، عاكسة لعالم الأشياء دون شائبة، و مضيئة حتى تظهر كاشفة باستمرار. إن اكبر نمط من المعرفة الحداثية تلك التي كانت عاكسة لموضوعات المعرفة، من أجل تحكم الذات في الطبيعة. طبيعة خضعت للحتمية المادية وللقوانين الصارمة كما هي موجودة في فيزياء اسحق نيوتن وتركت آثارها في فلسفة ايمانويل كانط ولبينتز. ذلك من جهة تفسير الطبيعة وفقاً لقوانين الحركة والمادة كما في خريطة المعرفة الفيزيائية.
جاء عمل الفيلسوف ليعكس صوراً غير متطابقة الحجم والأبعاد والظلال والأطياف. إن فيلسوف مابعد الحداثة كثور هائج داخل بيت من المرايا. ولكنه هياج تفكير وقوة الرؤية بخلاف المتوارث حداثياً. يشبع المرايا تحطيماً بصورة استراتيجية مقننة. إن حرية الفيلسوف حرية معنى وإعادة قراءة. فليست المرايا عاكسة لدية بل هي مرايا مقعرة و محدبة بحسب قراءات الفلاسفة.
لم يكن الفرنسي جان بودريار فيلسوفاً محطماً لما يرى، ولكنه أعاد قراءة أشياء ما بعد حداثية لم تكن معروفة. رأى أن الصور والعلامات واللغات تنقل واقعاً مفرطاً hyperreality ، مضموناً مضافاً لا معنى طبق الأصل. أبداً لا يكون المعنى طبق الأصل. إما أن تزيفه الصور لأنها لن تبلغ كافة وجوده، وإما أن تضيف إليه، حيث تجعله مضاعفاً، مكرراً، واقعاً في ظلال نفسه. إن فيلسوف المعنى هو الفيلسوف التاريخي المعروف، ولكنه بلغ ذروته مع تلك المرحلة.
.الصور تغيّب الأصل، تجعله في مرحلة سابقة ولن يعود من جديدٍ. ليست الصور فرصة انطولوجية متأخرة لوجود الأصول، ولكن المرايا تطمس الحدود، هي لحظات غياب التمييز الفاصل بين الأوهام والحقائق، بين الأصول واللا أصول، بين الأنا والآخر. فيمكن للمرايا أن تستخرج الأنا الذي يكونا. فعندما ننظر في المرآة، فنحن لا ننظر إليها، لا أحد ينظر إلى المرآة، بل ينظر بالداخل منها. ولكن لماذا؟ لأننا نفتش عن الآخر الذي يسكننا، عن علامات القبول والطمأنينة التي نجري وراءها، إننا لا نبحث عن أصلٍ ما. هكذاحال المرايا الفلسفية لما بعد الحداثة وقد أنتجت شظايا الأصل. إن مهمة الفيلسوف تتبع هذه المعاني من خلال عمليات فلسفية. لقد تم تحرير الفلاسفة من قيود التطابق المنطقي بحسب قانون الهوية.
دلالة الزجاج: وهي الأنساق الفلسفية التي صاغها فلاسفة الحداثة، معتبرين الأشياء لا ترى إلاَّ عبر الانساق ليس أكثر. كل فيلسوف يشيّد بناء زجاجياً لرؤية الحقائق وأفعال الناس. مبدأ ديكارت ( الكوجيتو Cogito)الشهير عبارة عن نسق بأكمله. "أنا أفكر إذن أنا موجود I am thinking, therefore I exist ". ليست كلمات بسيطة، ولكنها نظام مغلق. يحتوى كل العالم لا مجرد مقولة لأنا ملقى في الحياة. فالأنا يتكلم بحظور تام خلال هذه اللحظة. أي التفكير فعل حضور ، حضور كامل، لأنه يمكن أن يرهن الواقع بوجوده. ويمثل شرطاً أساسياً له.
الأنا الديكارتي لم يَرَ واقعاً حُراً بشكلّ واضحٍ، بل كان هو نفسه الصندوق المغلق الذي اختصر الواقع في حضوره. مع أنه ليس ثمة علاقة بداهة بين الإنسان المفكر والوجود في العالم. ولكن نظراً لأنَّ الحضور مفترض سلفاً، فصاحبه موجود سلفاً بالمثل. أي أنَّ احساساً بالوجود جاء كخطوة تالية على الفكر في الحالين. إن الانا ترى كل العالم من خلال صندوقها الزجاجي الشفاف كأن هناك لحظةَ انطباقٍ كامل بين الأنا والوجود. وهذه درجة من "سريالية الأنا" التي تغطي وجودها حضوراً في العالم. بل وجودها يحمل عالما خاصاً يتطابق مع الوجود. والأمر لا يخلو من جعل العقل سيداً للوجود، أي سيادة العقلانية إزاء عالم الكائنات والأشياء باطلاق. الفكرة التوحيدية التي طبقتها كل الحداثة وعصر النهضة في كافة التفاصيل. إن عصر النهضة هو عصر التوحيد الابراهيمي بامتياز لاهوتي منقطع النظير.
رأى ميشل فوكو أن ديكارت أغلق نوافذ العقل باقصاء المختلف. وأن العقل عندما يفكر، فلن يكون سوى عقل خالص دون جنون ولا آخر. وكأن الانا المفكر هو أنا بلا شيء مختلف، الأنا متطابق لدرجة التماثل مع هويته. ولذلك يكون نسق الأنا في رأي فوكو نسقاً غير شفاف، لأن معنى الزجاج فيه لن يكون واضحاً، بل مشوباً بالغموض. كما أن الجنون والآخر والاختلاف أمور لا تجعل الرؤية ( أنا أفكر) متماسكة كما يتصور ديكارت. الجنون سيحطم الغلاف الزجاجي الذي يحيط بمشهد الأنا. وسيدعو فوكو رينيه ديكارت إلى تحرير الأنا. فالكوجيتو دعوة للتقيد بالأنا مهما كان، أما حين يكون الشيء المغاير حاضراً في عمق الأنا، فالأمر انفتاح بلا حدود.
هكذا لم يؤكد الفيلسوف المابعد حداثي على التسليم بمنطق الهوية، فلم يعبأ لهوية الذات إجمالاً، ولم يأبه لتحديد ديكارت لها، لأنها غير محددة أصلاً ، فالانسان قادر على تجاوز وضعه ليكون حراً. إن التحرر جزء لا يتجزأ من وجود الأنا لا مجرد الفكر للفكر الذي يتبادل الحركة كيفياً مع الوجود. وقد يصل الإنسان إلى التمرد لتكون حياته ترحالاً بلا حدود، أنها سيرورة التاريخ الذي لا يتوقف. الانسان صنع التاريخ لكونه لا يفكر بطريقة التواجد والاستغراق في الزمن الديكارتي، بل بطريقة الخروج عن القواعد والضرب في كل الاتجاهات حتى ولو كان ذلك تعبيراً عن الجنون. في نقده للكوجيتو، طرح فوكو مثالاً شهيراً في تاريخ أوروبا وبخاصة خيال العصر الحديث( عصر النهضة)، عندما كانوا يضعون الحمقى و المجانين والمرضى النفسيين في "سفينة الحمقى" (Ship of Fools / Nef des Fous) ويتركونها قيد الماء والريح لتقلع بهم حيث لا مكان ولا زمان، وليذهبوا حيث يذهبوا دون رجعةٍ. وبذلك كانوا يتخلص الاوروبيون من أصحاب الامراض والعاهات النفسية. والأمر نوع من الإقصاء الاجتماعي الذي إمتد لقرنين أو أكثر من الزمان . تماماً مثلما يفعل ديكارت بسفينة الكوجيتو Ship of Cogito التي لا تقل إلا العقلاء والمفكرين الذين يُفترض أنهم كذلك دون نهاية، بينما ترك الكوجيتو المجانين والمختلفين عقلياً على شواطئ مجهولة. وكما أن الإبحار و الماء لعبا هذا الدور في الماضي، فكان المجنون المحتجز داخل مركب لا يملك خروجاً منها وقد سلَّم زمام أمره لتقلبات المياه ورياح الابحار التي لا تتوقف فكذلك العقلاء بمنطق ديكارت يسلمون أنفسهم إلى عالم من اللا يقين بعيداً عن كل شيء. لعل قاعدة الانسان المعرفية والمفكرة تسير كأنها محجوزة في سفينة تتلاعب بها الأمواج والرياح. إنَّ الماء والإبحار وحدهما اللذان يلقيانه إلى مصير مجهول، حيث لا هوية ولا مرجعية ولا انتماء!!
دلالة السحاب: وهي الجزء الثالث من سريالية العقل الحداثي. وظهرت في ميتافيزيقا هيجل بصورة واضحة في مجرى التاريخ. لأنه يرى أن التاريخ هو تاريخ العقل ومساره الذي تكون عبر وجود العالم. فالعقل يحكم التاريخ والأخير تراكم خطي لوجوده وآثاره الباقية في الزمن. التاريخ عند هيجل لا يرتبط بالعقل فقط، بل يحدد روح العالم، ويحدد الأشياء المادية والعضوية كذلك. إنه التاريخ الكلي الذي يمثل مسرحاً للروح. واقتضى ذلك بروز المجتمعات والشعوب والدول كأنها تنبثق من المجهول إلى المعلوم، تتفتق عن الزمن والحركة وصخب الحياة. ولا يعنى ذلك أن الدول والشعوب اجزاء مترامية، ولكنها كليات تحتفظ بالمعالم الأساسية للروح المطلق.
وتستهدف الروح تحقيق حريتها، أي تجعلها موضوعية الجانب. وليس من هدف آخر إلا أن تكون تنسيقاً عقلياً للعالم وللوجود الفعلي المباشر. هنا يقع هيجل في دائرية تبدأ من العقل لينتهي إلى أن الواقع عقل ويحيل كل طرف إلى الآخر ليلتقي أحدهما مع سواه بصورة مكررة. وربما ذلك هو مغزى مقولته الشهيرة: " كل ما هو عقلي واقعي وكل ما هو واقعي عقلي". من ثم تتعين الروح المطلق في أشكال جزيئة. ذلك أن الروح المطلق عندما تتحدد في الروح القومية للأمم والشعوب عبر التاريخ. فإنها تبحث في كل روح قومية عن إشباع جزئي خاص. وتتشكل عملية تعديل لما تقوم به بحيث تعمل بواسطتها على توسيع نطاق المعرفة بذاتها. ويطرح هذا الإشباع نفسه مادة جديدة لنشاطها التكويني سعياً إلى امتلاك حريتها، وتحقيق ذاتها، ومعرفة تلك الذات على نطاق أوسع.
هكذا أفكار هيجل مزيج بين اللاهوت والميتافيزيقا لتشكيل نسق معلق فوق الواقع. وهو من منظور ما بعد الحداثة يدعو إلى الاختلاف لا إلى التطابق مع أفكار حداثية. خلخلة أفكار هيجل نتيجة" تحرير المعنى"، لأن كلامه يعبر عن لاهوت معنى بالمقام الأول. وفيلسوف ما بعد الحداثة لا يسير وراء اللاهوت، ولكنه يتعقب آثار التنوع والتعددية.
لصوص ما بعد الحداثة
توجد داخل ما بعد الحداثة مجموعة لصوص لا لص واحد. الفارق ليس في الدرجة، بل في نوعية الأفعال. لصوص ما بعد الحداثة متقلبو المزاج ومختلفو الأشكال. كان لص الحداثة يعمل باسم الكيانات الكبرى ( الدولة، المجال العمومي، الديمقراطية ....)، ولكن ظهر لص ما بعد الحداثة نتيجة غياب المعنى وتشظي الابداع. ولا ينطق ذلك على كل فلاسفة ما بعد الحداثة بطبيعة الحال، ولكن يجري على البعض وإن زاد عددهم قليلاً. أولاً: تحول الفيلسوف إلى أداة:
أخطر ما يسرق الرؤى الأصيلة أنْ تصبح الأخيرة وسائل. لم تكن الفلسفة وسيلة يوماً ما في تاريخ الانسانية. لو تحولت إلى أداة، فستفقد استشرافها وقدرتها الأصيلة على التفكير الجذري. وستكون تابعاً ذليلاً لأية سلطة مهيمنة. وإذا كان موضوع الوسيلة جاء مصادفة، فقد غداً استراتيجية ضمن ما بعد الحداثة. لأنَّ أدوار الفيلسوف رُسمت لتفكيك الأنساق الكبرى للحداثة ليس أكثر. وبدت الأخيرة تاريخاً مغلقاً كما تقدم ذكرها. لا تنتهي مرحلة إلاَّ وتبدأ من جديد بطريقة عود على بدء!!
أدمن فيلسوف ما بعد الحداثة استعمال الوسائل، حتى تحول وجوده إلى محض وسيلةٍ. بينما الفلسفة في أصالتها رؤى للحياة والعالم وتشريع عقلاني للبشرية. لا يستطيع الفيلسوف مواصلة نحت الأدوات كأنه في غابة من الأشجار العملاقة، لكي يصطاد فرائس صغيرة تمرق بجواره. سيكف تدريجياً عن الرؤية الكلية معتبراً ذاته صانعاً لا منشئاً، تابعاً لنسق لا مبدعاً لأفكار حرةٍ. أغلب أفكار الفلاسفة اضحت في مرحلة كهذه تقنيات فلسفية تحتاج إلى موضوع للاشتغال عليه. لا تقوى على الانشاء والابتكار. اشتعلت فوضى التأويلات في بعض الاحيان.
غدت الأنساق الفلسفية شروطاً لا موضوعات. بعض التفكيك والهيرمنيوطيقا وما بعد البنيوية والفلسفات النسوية وقع في هذا الفخ الفلسفي. استسلمت لقدرات المساءلة من واقع الإنساق المهيمنة وتناست قدرتها الحرة على الابتكار. الوسائل إمكانيات تقنية لمعالجة مشكلة ما ، بينما جسم المشكلة والمفاهيم المحيطة شيء آخر.
الاختلاف لا يعوزه التوضيح بين الوسيلة والمفهوم. الوسيلة مؤقته في حين أنَّ المفهوم فضاء للتفكير. الوسيلة مسار داخل الموضوع عاملاً بواسطته. أما المفهوم، فيُعطي حرية للعقل خارج الإطار. و من ثمَّ تبدو فلسفات مابعد الحداثة مزدوجة الاتجاه. ثمة اتجاه لقراءة الانساق الحداثية على نحو تفصيلي. وهذا شرط لكي نفهم منطلقات كل فلسفة. واتجاه آخر : تحويل الافكار إلى تقنيات. بين الاثنين تنتج ما بعد الحداثة حضورها في أفق الفكر. ولكن في الوقت ذاته تسرق أصالة الفلسفة، ويغيب الدور المبدئي للفلاسفة في الشارع.
هذا بالطبع ليس قاعدة عامة، لأن بعض الفلاسفة يتجاوزون هذا المنزلق حريصين على انتاج أفكار مبدعة رغم الانشغال بالتقنيات الفلسفية. لأنَّ التقنيات هي مفاهيم أخذت شكلاً من الفاعلية وليست مادة برانية. كما أن انتاجها يقتضي بالضرورة وجود أفكار أخرى تعمل وفقاً لها لا تبعاً للنسق محل التفكير.
ثانياً: متاهة الفلاسفة:
شكلت بعض اتجاهات ما بعد الحداثة متاهات للعقل. انشغل الفلاسفة بالخروج منها دون جدوى، والخروج لا يتم عن طريق طي صفحة التفكير إجمالاً، بل بمحاولة التأويل المختلف. ابتكروا أفكاراً جديدةً، ولكنها لم تبرح مكانها المزدوج: بين النسق والتقنية، بين الاستعاري والواقعي، بين ما بعد الحداثة وما قبلها. مع أن المتاهات الفلسفية خصبة للتفكير بحرية، نظراً لكونها معبرة عن تراكمات تاريخية في الواقع. كما أن نمط الحياة ما بعد الحداثية ليس شفافاً، فهو ينقل بالضرورة التواء الأساليب وقدرة البشر على الابتكار المركب.
ولكن نظراً لأنَّ المتاهة الفلسفية دوائر يصعب تجنبها ما بعد حداثياً، فقد استنفدت أغلب قدرات الفيلسوف، ولم يستطع خروجاً منها. وبالوقت نفسه لم يستطع الوقوف محايداً دون الغرق فيها. لأن التأسيس لا ينطلق من نقطة فراغٍ. لحظة التأسيس في الفلسفة تحتاج قاعدةً أكبر من دلالتها المعتادة. كما أنها تضرب موعداً مع امكانيات أخرى في المستقبل. كل تأسيس يتم بطريقة مختلفة أو لا يكون. وقد نرى فلسفات مختلفة تمام الاختلاف، ولكن الاختلاف ليس خبطَ عشواء. بل متوقفاً على التأسيس وإمكانياته عبر المفاهيم،أي يمتد عبر الرؤية التي يقدمها الفيلسوف لقضاياه.
يمثل التأسيس أحد مظاهر البناء الفلسفي، ولكنه لا يتجلى بوضوح إلاَّ مع بعض الفلسفات المابد حداثية. الفلسفات الما بعدية تنكر التأسيس من حيث المبدأ. لأنها تحاول تجنب فيروسات الانساق الحداثية. وحده التأسيس مزرعة خصبة لبذور مطمورة تحت الرمال. فالتأسيس مرحلة تسمح بوجود بكتريا التكوين، اطلاق النشأة وحركة الامتداد. أشياء تستعيد نماذج قديمة بطبيعة الحال. بينما لا تقبل ما بعد الحداثة تأسيساً بمعناه التقليدي. كل تأسيس لا يلوي على قديم وحديث، بل أي تأسيس هو قديم بالضرورة. لأنه يضمر إمكانية العودة لشيء ما، حتى وإن كانت هناك غاية انطلاقاً إلى أقصى مدى. وفي اللحظة التي يتم فيه التمسك بالحديث، فقد أصبح قديما بحكم المعنى.
ثالثاً: شوارع الانساق الفلسفية:
هناك لص استهلك فلاسفة الما بعد هو الخلط بين النسق والواقع، بين المعنى والحقيقة كأفعال انجازية. بل لم يعترفوا بتلك الثنائيات بناء على نقد وتساؤل متواصلين. أي انهمك ما بعد الحداثيون في تفريغ حمولات الانساق، وشيدوا عبرها بيوتا فلسفية، وجرى الوعي بكون النسق استعارات لقوى تمتلك زمام الحقائق وتبادر إلى الأفعال بكل هيمنة. ومنهم مثل بيتر سلوتردايك من طوَّع الفكرة إلى نقد جذري تاركاً الواقع يستهلك نفسه.
كانت خطوة نوعية في نقل الشارع، الفضاء العمومي، الحوارات، تفاعلات البشر ، إلى داخل الوسائط البديلة. مثل اللغة، التاريخ، التقنيات، خطابات السلطة. مما اسهم في تضخم الرؤى الفلسفية دون اكتراث لتأثيراتها في حياة الناس. وصحيح أن الوسائط في حياتنا المعاصرة أكثر خطورة من الوقائق، ولكنها كانت فضاءات عامة اختلطت فيها العقلانية بالاستعارات التقنية والفكرية. تعززت فيها ما تم ذكره، إذ تحولت مركزية التفكير في قضايا الحياة إلى ظلال أخرى.
اعتقد فيلسوف ما بعد الحداثة أنه يطارد أشباحاً طوال الوقت. فهو صياد ماهر للظلال لا الحقائق. ولكن النتيجة: أن الظلال لم تمس الأشياء. وأن الحقائق تحتاج حفرا وضرباً في القلب مباشرة. كما أن الظلال تتطلب ثقافة أخرى تتوافق مع مسارات الوعي العام إنْ وجد. وصحيح انتج الفلاسفة تفكيراًمختلفاً، ولكنهم نحوا إلى الطابع الجماهيرى أحياناً. لأن عصر ما بعد الحداثة عصر الجماهير السائلة بلغة زيجموند باومان، وعصر تشظي الكتل الايديولوجية واللاهوتية. ليس للوقائع لاهوت، بل ابداع آخر من جنس التفكير الحر.
شق بيتر سلوتردايك خطاً ساخراً داخل انساق الفكر الغربي، استعاد الفكرة الكلبية قديماً ليجعل للسخرية وظيفة نسقية. السخرية من قوى المفاهيم والأفكار التي انتظمت تاريخاً بأكمله. جمع هذا الفيلسوف بين السياسي والاخلاقي والميتافيزيقي واليومي والتاريخي في نفس واحدٍ . وجعل منه مادة دالة على مستوى الفكر المختلف. رأى سلوتردايك أن الفلسفة مازالت تحتضر ، ومع ذلك ليس بإمكانها الموت، لأنها لم تنجز مهامها حتى الآن. ورآها فضاء مكثفاً للوعود الكبرى والانتظارات العملاقة والمذاهب والايديولوجيات. ولكن لم يعُد يُجدي مواصلة الطريق إلى اللاشيء من هذا الجانب. فحاول البحث عما يجعل كل ذلك ممكناً في تاريخ الغرب. من هنا انتقد سلوتردايك كون" المعرفة سلطة "، حيث شملت اتجاهات الفكر الغربي التي اسست للعلوم والنظريات وأنماط العيش الحداثية.
في هذا الجانب، مَثّل تفكير سلوتردايك محاولات لقراءة داخل نسق واسع الانتشار. تجتمع لدية تواريخ من تجليات السلطة، وهذا أبعده عن التجارب الحية على غرار فلاسفة الحداثة، ولكنه قدم قراءات ثرية بالوقت نفسه. وقد يكون عصر الما بعد مناسباً لذلك التراكم التاريخي، إلا أنه عصر سيحتاج إلى وعي مختلف.
يعتمد سلوتردايك في كتابه ( نقد العقل الكلبي Critique of Cynical Reason) على نوعين أساسيين من الكلبية لتصحيح مسارات التفكير ونقد أسس القائمة عليها:
• الكلبية الأصلية أو القديمة (Kynicism ): وهي الأسلوب الفلسفي اليوناني الذي أسسه ديوجين اللائرثي، ويقوم على نمط حياة جريء وشجاع، ومتمرد على الأعراف والتقاليد المزيفة، ويسعى لتوحيد الفكرة الفلسفية مع الواقع اليومي البسيط والمباشر. وهذا ما يتفق مع المهمة الأساسية لفلاسفة الشارع، التجربة الحية لممارسة الأفعال الفكرية كواقع حي من الحكمة والفهم والنقد العاصف للمارسات والأفعال.
• الكلبية المعاصرة أو الحديثة (Cynicism): وهي التي ينتقدها سلوتردايك بشدة؛ وتتمثل في حالة "الوعي الشقي" أو السخرية العامة، حيث يعرف الأفراد أن أفعالهم وأفكارهم زائفة أو غير أخلاقية، لكنهم فوق ذلك يستمرون في ممارستها ( على غرار رجال السياسة حين يعرفون فساد المنظومة ولكنهم يسايرونها بيأس وتهكم).
لا يقدم سلوتردايك نقداً تقليدياً للعقل المحض كما فعل كانط، بل نقداً جذرياً وتجسيداً للوعي الأوروبي المأزوم، حيث يمارس السخرية والشك كأداة للتكيف مع القبح السياسي والاجتماعي دون الرغبة في تغييره. هذه النقطة التي لا تحسم الأفكار وتراوح مكانها خلال تاريخ طويل من الفكر الغربي. وبذلك قد تفقد الفلسفة دلالة الثورة وتغيير الواقع. ومازالت ترزح تحت وطأة الأداتية والتفسيرات الباسمة لحياة كئيبة في بعض الأحيان.
#سامي_عبد_العال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مَنْ سَرَقَ الفيلسوف من الشارع؟(2)
-
من سَرَقَ الفيلسوف من الشارع؟
-
الفلسفة كأداءٍ للمعنى
-
صور ٌخارج السيطرة (2)
-
صور خارج السيطرة
-
الفلسفة أداءٌ حُر
-
الفلسفة أسلوب تفكير
-
حروب السرديات (5)
-
حروب السرديات (4)
-
حُروب السرديات (3)
-
حروب السرديات (2)
-
حروب السرديات (1)
-
الايديولوجيا والموت
-
الروح و الحرب
-
وليمةٌ من بقايا الحُروب
-
حقائق لا تُصدق
-
كيف يفكر الكاوبوي؟!
-
الاستعارات القاتلة (4)
-
الاستعارات القاتلة (3)
-
الاستعارات القاتلة (2)
المزيد.....
-
قاض أمريكي يحدد موعد محاكمة -العقل المدبر- لهجمات 11 سبتمبر
...
-
وزير خارجية قطر يتوجه إلى إيران اليوم الخميس
-
العراق: انسحاب قوات التحالف الدولي يسير بوتيرة متسارعة
-
ترامب: نكثف الجهود لإنهاء نزاع أوكرانيا
-
ترامب: نكثف العمل لإنهاء أزمة أوكرانيا
-
-نيويورك بوست-: قرار قضائي بمحاكمة -العقل المدبر- لهجمات 11
...
-
الجزائر: مصرع 12 شخصا جراء حرائق الغابات في 3 ولايات (فيديو)
...
-
اجتماع أمني رفيع المستوى في البيت الأبيض بعد عودة راتكليف من
...
-
داسو: من المتوقع أن تصبح مقاتلة رافال الجديدة جاهزة قبل عام
...
-
الخارجية الإيرانية: السياسة الأمريكية تجاه بلادنا تحولت إلى
...
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|