|
|
كيف تحول اليسار العربي إلى جزء من الإسلاميين
ارام كيوان
الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 10:26
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
كل تمييز بين اليسار في المشرق وبين الإسلام السياسي هو ضرب من المجاز، الذي قد يكون ضروريًا لتمييز جزئيّات فقط، ولكن ليس كليّات بأي حال. قد يستغرب البعض من مثل هكذا توصيف، إذ من الحيث المبدأ، اليسار والإسلام السياسي هما خطان متوازيان لا يلتقيان، فكيف صار هناك يساريون يتغنون بثورية إيران أو حزب الله وحماس، بل ومستعدون لإعطاء أقبح النعوت لمن يعارضهم؟
مع كثرة التفاصيل والتركيبات والأسباب، إلا أن العنوان العريض لهذه الحالة هو "ثورية الأمة"، وأعني هنا حالة دول ما بعد الاستقلال في المشرق، حيث صعدت أنظمة ثورية في كل من مصر وسوريا والعراق، وكذلك الحالة الثورية التي قادتها منظمة التحرير الفلسطينية.
الثورية وثوريّة الأمّة
الثورة والثوريّة كلمتان سحريّتان جذابتان، لما يقفز إلى عقل من يسمعها من معانٍ سامية وقيم عليا؛ فالثوري بطبعه جسور وباسل، ويحمل في نفسه مسؤولية قلب العالم، ومن يسمع عن الثورة يخالها الوعد الذي يتلألأ مثل نجمة الصباح، مملوءًا بالحياة والبهاء. هكذا يكون الانطباع الأولي عن الثوري. ولكن كل حلم بالتحرر من شأنه أن يتحول إلى كابوس تراجيدي دموي يلعنه أصحابه قبل أعدائه، وهذا ما حدث مع ثورية الأمة التي نحنن بصددها.
يعرّف توماس كون الثورة على النحو التالي:
"الثورة تغيير جذري قوي لا يمكن الوقوف أمامه، يملك القوة التي تؤكد استحالة منعه من ضروريته... وهذا التغيير يبدو عليه ما يمكن وصفه فى البداية بالتناقض، حيث يعلن استهدافه لاستعادة وضع قديم أفضل من الوضع الحالي، ويبشّر في نفس الوقت بمستقبل جديد، إلا أن عنصر الجديّة هو الأساس فيه، حيث تمثّل الثورة نظامًا جديدًا للأشياء، يختلف بدرجة كبيرة عن النظام التي قامت عليه الثورة، وهذا الاختلاف هو من الضخامة بحيث يبدو أنه لا يمكن تحقيقه بالطرق المألوفة للتراكم والتطور التاريخي، بالطريقة التي يصبح بها تغيير لا يمكن تحقيقه إلا عبر الطفرة، التي هى الثورة"
الثورة بصفة عامة هي نداء من أجل المستقبل يعد بشكل جديد، قد يكون استعادة للقديم، وكل ثورة لها جانبان: سياسي واجتماعي. قد تفضي الثورة إلى تغيير الأشكال السياسية ولكنها لا تغيّر شكل المجتمع وعلائقه، وهو ما يسميه غرامشي "الثورة السلبية"، أي تلك الحالة التي تستطيع فيها جماعة ما من الاستيلاء على السلطة السياسية، ولكنها تحافظ على شكل المجتمع كما هو.
الثوريَّة قد تكون متقدمة وقد تكون رجعيّة، أي أن كل ثوريّة هي بالأساس نداء وتصوّر واستعداد للفعل لتدشين وضع قديم-جديد، ولكن هذا الوضع الثوري دائمًا له مضمون، الذي من الممكن أن يكون رجعيًا، بل ورجعيًا جدًا كحالة الفاشية بصياغاتها المختلفة. والتراث الماركسي لا يخلو من الحديث عن الثورات ذات المضمون الرجعي، مثل كتابات إنجلز عن ثورة الفلاحين في ألمانيا، وحديث غرامشي عن "الثورة السلبية" كما مر معنا.
وعلى نحو ما سنرى فإن حقبة ما بعد الاستقلال حملت تشكُّل ثورية عامة في المنطقة نسميها ثورية الأمة، التي انتقلت من القوميين إلى الإسلاميين، ويمكن تسمية مرحلة انتقال الثورية إلى الإسلاميين عبر مركزها في إيران بمرحلة الثوريَّة الإسلامية. وإننا لنَجد في هذه الثورية طموحًا لشكل مجتمع جديد هو "المجتمع الدعوي" الذي يقطع مع المجتمع "الجاهلي" الذي يسبقه، ونجد في هذه الثورية كذلك كل معاني الاستهتار، من الاستهتار بأهمية الدولة والدول وإعلاء الميليشياوية، وكذلك الاستهتار بالدماء وقيمتها، وأكثر المقاربات الثقافية رجعية وتعسفًا، خاصة فيما يخص المرأة، التي تكون في الواقع مأمّمة في هذه الثورية. لذلك فإن المضمون الرجعي لهذه الثورية يحتّم معارضتها لما تكلّفه من أثمان باهظة على شعوبها وبيئتها، في أنفسهم وأموالهم وبلدانهم، أكثر بكثير مما تكلفه لأعدائها الخارجيين.
وبالعموميات مرت الثوريّة في المنطقة بثلاثة مراحل:
1. الثورية المحلية في مرحلة الاستقلال.
2. ثورية الأمة في عصر ما بعد الاستقلال.
3. الثورية الإسلامية.
وبعيدًا عن الماركسية، في الحداثة هناك تراث مهم رافض للثورية، الشخصية الأولى والمركزية فيه هو الفيلسوف الكبير إدمونك بيرك، الذي عرف مواقف متعددة من الثورات والإمبريالية، سواء في الهند أو أمريكا أو فرنسا. ولكن موقفه الأعنف المضاد للثورية كان موقفه من الثورة الفرنسية الذي كان سلبيًا بعكس موقفه من الثورة الأمريكية. ولا أقوم باستدعاء لا ثوريّته لأنني أتبنى موقفه منها، بل لأن بعضًا من عناصر لا ثوريّته نحتاجها في مواجهة ثوريّة الأمة، والكثير من هذه العناصر نحتاجها في مواجهة الثورية الإسلامية.
بيرك جزء من التنوير البريطاني، وبالتحديد فلسفة الأخلاق الطبيعية التي ساهم فيها الإنجليز أكثر من سواهم، وهو تلميذ الاقتصادي الإنجليزي المشهور آدم سميث، صاحب "ثروة الأمم". والخطوة التي خطاها بيرك بعيدًا هي أنه رأى في العاطفة الأخلاقية للإنسان ليست المؤسِّس للفضيلة الاجتماعية فقط، بل للدولة ونظام الحكم المبني على الاستقرار والفضيلة إلى جانب العقل. وليس من المبالغة القول أنه بهذا المعنى مؤسِّس "المحافظة في الحداثة"، ومعنى حداثة هو اللا ثوريّة، ونَبَع موقفه هذا من موقفه من الثورة الفرنسية.
قبل الثورة الفرنسية، تعاطف بيرك مع الثورة الأمريكية لأنه اعتبر أن المملكة المتحدة قد تجبَّرت على المُستعمرات بشكل لا يُحتمل، ولكن عندما رأى بيرك في الثورة الفرنسية حالة من الفوضى، نعتها بأقسى الأوصاف، من قبيل "خلاعة وحشية في العادات... فسوق وقح ومتعجرف في الآراء والممارسات"، فقد كان يكره الفوضى والقطيعة مع الماضي وعدم الاستقرار، ونجد أهم العناصر اللا ثورية عند بيرك في هذا الاقتباس:
" ينبغي ألا ننظر إلى الدولة على أنها لا شيء أفضل من اتفاق مشاركة في تجارة الفلفل، والقهوة، والكاليلو والتبغ. أو مشروع تجاري ضئيل الأهمية، يبدأ من أجل مصلحة مؤقتة ضئيلة، وينحل عن طريق هوى الشركاء. إنه ينبغي أن يُنظر إليها بتبجيل آخر؛ لأنها ليست مشاركة في أشياء لا تخضع إلا لوجود حيواني غير مهذب ذي طبيعة مؤقتة وقابلة للفساد. إنها مشاركة في كل علم، في كل فن، مشاركة في كل فضيلة، وفي كل كمال. ولما كانت غايات هذه المشاركة لا يمكن أن تتحقق في أجيال كثيرة، فإنها تصبح مشاركة ليست بين هؤلاء الذين هم على قيد الحياة فقط، بل أيضًا بين هؤلاء الأحياء، وهؤلاء الذين ماتوا وأولئك الذين سيولودون".
نفهم من هذا الاقتباس أن عناصر لا ثوريَّة بيرك هي: الدولة كقيمة عليا، الفضيلة الأخلاقية كأساس للمجتمع، أجيال تتمّم بعضها لا أجيال تقطع مع بعضها البعض.
ادّعائي أن عناصر لا ثوريَّة بيرك تحاكي كل القطاعات المتضررة من الثوريّة الإسلامية، ولكن سأختصّ هذه الأسطر بحماس. فمع صعود حماس، منذ إعلانها حتى انقلاب ال2007، اعتمدت حماس على تخريب مشروع إنشاء دولة في فلسطين وفق اتفاق أوسلو، وعلى القطيعة مع تراث منظمة التحرير الفلسطينية، واعتماد عالم مفاهيم وأشياء جديد مهم ومنفصل تمامًا عما قبله.
وقد كانت تكلفة هذه القطيعة والاستهتار بمشروع الدولة في النهاية نحو مئة ألف قتيل واحتلال ما يزيد على ثلثي قطاع غزة، وتدمير جزء معتبر جدًا من حزب الله والمحور الإيراني ككل. وبعد هذا كُلّه بدأت حماس تصل إلى نفس استنتاجات منظمة التحرير في بداية تسعينات القرن الماضي، وهي: المنطقة تخلو من مراكز ثورية تكون سندًا للمواجهة، وتجنّب المواجهة المسلحة هو تجنب للهزيمة وليس تجنبًا للنصر، والنضال الفلسطيني الآن نضال سياسي، ومعنى النضال الفلسطيني هو تثبيت الفلسطيني على أرضه وتثبيت وجوده السياسي.
وفيما يخص اليسار، فإن التحرر الوطني مبحث مهم في التراث اليساري، ولكن ما إن طغت الثورية الإسلامية (وبالطبع ثورية الأمة قبلها) على الواقع، حتى سقطت مفاهيم أخرى مركزية في المنهج الماركسي. التحرر الوطني في التحليل الأخير هو تحديث بنية المجتمع بشكل عصري وتنميته اقتصاديًا وثقافيًا، وقضية الإمبريالية والنضال ضدها تتلازمان مع مفهوم التخلف. وهنا على اليساري الحقيقي أن يواجه نفسه بمجموعة من الأسئلة: هل مجتمعات المشرق متخلّفة؟ هل قبل الاستعمار والإمبريالية كانت هذه المجتمعات في حالة جيدة ومتقدمة؟ وإذا كان كذلك، فكيف تم استعمارها بهذه السهولة؟ والأهم أن اليساري عليه أن يبدأ من طبيعة مجتمعه وقواه، فهل الإسلاميون على كافة تنويعاتهم هم قوى تخُّلف أم قوى تقدميّة؟ وما المضمون الاجتماعي للإسلاميين؟
إسقاط اليساريين في مرحلة متأخرة للمفاهيم الملازمة للتحرر الوطني، أي التحديث والتخلف، جعلهم يتذيلون لقوى أصولية تتصادم مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، فيكفي أن تسأل يساريًا عن موقفه من إيران والجولاني، فإن جوابه سيكون وفق ثنائية "الإخلاص والخيانة" قبل أن يتطرق لشكل المجتمع، إذا تطرق إليه أصلًا، رغم أن إيران سبقت الجولاني بتشييد مجتمع متخلف.
ويكفي اليساريين أن يعودوا إلى ما كتبه ماركس "الألماني" إبان الحروب الفرنسية الألمانية، لن تجدوا أن ماركس يبكي مع الألمان على سوء حالهم ويلوم الفرنسيين، بل ستجدونه لا يرحم ألمانيا ويعزو هزائمها أمام الفرنسيين لسبب أن "الوضع الألماني دون مستوى التاريخ"، والنظام الألماني هو "النظام هو الحقارة وقد أصبحت حكمًا، لأنه يعيش من المحافظة على كل الحقارات"، وشنَّ هجومًا على الماضوية الألمانية بقوله " متحمّسون سذج.. يذهبون للبحث عن تاريخ حريتنا في ما وراء تاريخنا، في الغابات التيوتونية البكر. لكن ما الشيء الذي يميّز تاريخ حريتنا عن حرية الخنزير البري، إذا كنا لا نجدها في إلا في الغابات؟".
مما يبدو لي أن مراحل تطوّر الوحدة التحليلية لليسار العربي، وبالذات اليسار في المشرق، قد مرت بمراحل:
1. تحليل مادي تاريخي للمجتمع وطبقاته وتفاعلاتها الحية كمحرك رئيسي، بدون إهمال دور المحتل الأجنبي، كما فعل أحمد صادق سعد في قراءته لتاريخ مصر.
2. تركيز أساسي على دور النهب والهيمنة العالمية مع التراجع عن كثير من المطالب الاجتماعية لصالح "التناقض الرئيسي" مع الغرب، مثل تراجع الحزب الشيوعي العراقي عن مطلب الديمقراطية السياسية و"انفتاحه" على الوحدة العربية.
3. ذوبان تدريجي لمفاهيم التخلف وإيجاد تبريرات للإسلام السياسي (الشيعي بالذات)، مثل تنظير المغدور ناهض حتر عن تمركز "المقاومة" في طائفة.
4. تطوُّر سعار العداء لل"غرب" إلى صراع بين ذوات خيّرة وذوات شريرة، بما يشمل العداء حتى للمنجزات الكونية للحداثة مثل التنوير والعقلانية والديمقراطية والعلمانية، وحتى لحفظ ماء الوجه تجد من يقول أنها منجزات "محلية غربية" ونحن بحاجة إلى منجزات "خاصة بنا".
كثير من تصوّرات ما يسمى اليسار في المشرق يعزّزها نظريات مثل نظرية التبعية، ولكن بالمجمل ساهمت كل هذه النظريات، التي لا تغيب عنها جوانب صحيحة، في تحويل الصراع من بنية صراع عن علاقة اقتصادية وتاريخية إلى صراع بين ذوات مستقلة، على نمط "صراع حضارات" بدون تسميته هكذا، ولكنه بالضرورة يرى أن أي قوة محلية صراعها أولًا عالمي مع "قوى الاستكبار".
وليس معنى هذا الكلام أنني أقول بعدم وجود هيمنة ومصالح ودسائس لقوى عظمى، هذا ببساطة شديدة رفض للتفسيرات النظرية الذي يطرحها "اليسار"، والتي تعجز عن تفسير وقائع تاريخية، وتتجاهل المصالح الذاتية في بلدان المنطقة، وتجارب تحرر تاريخية أخرى في أمريكا اللاتينية وأوروبا ذاتها، وكذلك تتجاهل هذه التفسيرات النظرية مستجدات النظام الرأسمالي، من عولمة وتطور تكنولوجي، وتموضُع دول شرق آسيا.
يكفي أن تناقش مكان دول شرق آسيا، جيران الصين، فكيف تقرأ دولة مثل فيتنام مثلًا؟ دولة انتزعت تحررها الوطني من الولايات المتحدة الأمريكية، وبنيتها الاقتصادية مشابهة للصين ولكنها أقرب للولايات المتحدة الأمريكية. وهذا يشمل صراع الكوريتين وتايوان أيضًا.
أعتقد أن اليسار عجز عن تقديم مفاهيم كلية جديد وبنية تفسيرية جديدة للعالم، لذلك فإنه يجد تعزيته في الثوريّة كملجأ أخير يُبرّر وجوده ويجعله ينتظر نجاح الثورية (بصرف النظر عن مضمونها) ليبدأ في العمل.
تشكُّل ثوريّة الأمة
كما قلنا في المقدمة، فمع كثرة التفاصيل والتركيبات والأسباب، إلا أن العنوان العريض للحالة الثورية بعد الاستقلال هو "ثوريّة الأمة" التي بنيت على إرث حقبة الاستقلال، مع فارق أن ثوريّة حقبة الاستقلال عرفت الثورية الوطنية المحلية، والسعي نحو الديمقراطية السياسية من طرف قوى علمانية بالأساس، كحالة البرلمان الليبرالي في مصر، ولكن في الحقبة التي تلت الاستقلال، ونظرًا لعوامل تلك الحقبة مثل فشل الديمقراطية بحل مشكلات السكان وهزيمة العرب أمام الميليشيات الصهيونية وقيام إسرائيل، فإن الثوريّة التي صعدت مكانها كانت ثوريّة أممية عربية بقيادة أنظمة سلطوية، وهو ما نطلق عليه "ثوريّة الأمة".
انتاب حكومات ما بعد الاستقلال في المشرق شعور أن هناك الكثير من الأمور التي ينبغي إنجازها، والتي نجد جذورها في تقرير لجنة "كينغ كراين" (1919) التي قالت أن هناك رغبة قوية لدى عرب الهلال الخصيب للاتحاد ضمن دولة واحدة في ظل مملكة هاشمية، وكذلك حذّرت من تطبيق مبادئ الصهيونية الذي سيؤدي إلى طرد السكان العرب من فلسطين.
تُعد حقبة ما بعد الاستقلال حقبة صعود أنظمة ثوريّة سلطوية، ونعني بسلطوية أي أنظمة غير ديمقراطية لا تعتمد أسلوب التداول السلمي للسلطة والانتخابات الحرة، وثوريّة بمعنى أنها كانت أمام مهمات تغيير جذري تخص "الأمة" كلها في شروط موضوعية مواتية. ويكتب جورج قرم عن صعود هذه الأنظمة:
"اشترطت الولايات المتحدة، من جهتها، لتقديم مساعداتها العسكرية والاقتصادية، تطبيع العلاقات الإسرائلية-العربية ودخول الدول العربية في تحالف عسكري مع إيران وباكستان ضد الاتحاد السوفيتي. في حين بدا أن العراق والأردن ولبنان على استعداد لانحياز موال للغرب من دون شروط، فإن مصر وسوريا قاومتا ذلك، وشرعتا، منذ العام 1955، في مزيد من الانفتاح حيال الاتحاد السوفيتي للحصول على الأسلحة والمساعدات الاقتصادية.".
منذ البداية فإن منطق التوحيد العربي، مهما كان شكله، كان من مصلحة هذه الأنظمة ولكنه اصطدم مع مصالح القوى العظمى فكانت أولًا حرب السويس (1956) ومن ثم التضارب بين تطلعات ومصالح هذه الأنظمة (الناصرية بالذات) مع الولايات المتحدة، ما قاد إلى صدام مزدوج، بين الأنظمة الثورية وكذلك الدول الملكية، ومن البديهيات كان رفض إسرائيل كدولة في المنطقة ولو كان رفضًا منقوصًا، فعبد الناصر مثلًا كان مستعدًا لقبول إسرائيل ضمن شروط.
على قاعدة العداء للاستعمار تأسست ثوريّة الأمة، فمن جهة صعدت أنظمة جمهورية تباعًا في كل من مصر وسوريا والعراق، واستقر الحكم القومي في العراق عام 1963، وبحكم الأمر الواقع كان هؤلاء جميعًا أقرب للاتحاد السوفيتي، فيما كانت الدول الملكية في الخليج أقرب للولايات المتحدة الأمريكية، وصارت جامعة الدول العربية مقرًا للمناوشات بين فريقين كما يسميها حنا بطاطو. وهكذا تأسست ثوريّة الأمة على ثلاثية: "ضد الإمبريالية – ضد إسرائيل – ضد الملكية".
في كتابات المفكرين اليساريين أبناء ذلك الجيل لا نجد رفضًا جديًا ومساءلة لمشروع "الأمة" من أساسه، والتعامل معه أقرب إلى كونه مشروعًا غير ناجز، فحتى صادق جلال العظم في "دراسات يسارية عن القضية الفلسطينية" رغم تنبهه للفروق الكبيرة بين ما يسمى "الأقطار العربية"، لم يكن يرفض فكرة "الأمة" بل كان يدعو إلى شيء أقرب إلى اتحاد فيدرالي.
لربما أن هذا يعود بالأساس إلى كون "الأمة" في حينه مشروعًا معاديًا للاستعمار يعبر عن مشاعر تضامن لقطاعات سكانية في المنطقة التي يسودها شعور من المظلومية وعدم الإنصاف، وكذلك لأن حقبة ما قبل الاستقلال عرفت تيارات لا تسعى إلى الأمة بمعنى توحيد الناطقين بالعربية في إطار واحد، وفشلت في تحقيق الأهداف التي وضعتها لنفسها، كحالة البرلمان الليبرالي في مصر.
تصوُّر سكان المنطقة لذاتهم، الذي انعكس على قواهم السياسية، مبني على أن هناك شيطانًا خارجيًا شريرًا يمنعهم من النهوض، ولما كانت الدائرة الأولى التي تنطلق منها هذه الثورية هي الأمة، فإن الأمة تفترض وجود كيان عضوي موحد ومتجانس لا يقبل الاختلاف، لذلك فإن كل تصوّر للأمة بالضرورة هو تصوّر يرى في العدو الخارجي "تناقضًا رئيسيًا" ومسألة التخلف الاجتماعي هي موضوع مؤجّل إلى حين التخلص من العدو الخارجي.
ثوريّة الأمة هي ثورية دول وليست ثوريّة ميليشيات، ومصر التي كانت القائد لهذه الثورية كانت هي من تتحمل عبء حلفائها، سواء في التدخل المصري المباشر في اليمن، أو في الابتزاز الذي تعرضت له قبل حرب 1967، والذي قاده عروبيو سوريا ضد عبد الناصر الذي اتهموه بأنه "باع فلسطين" وأن السفن الإسرائيلية "تمر على مرأى عينيه".
ورغم أن ثوريّة الأمة تعود جذورها إلى الشام، إلا أن مصر من قادتها حتى حرب 1973، نظرًا لكونها أكبر دولة عربية والأكثر قدرة على مواجهة إسرائيل، وتبنّت كثيرًا من أهدافها، وبالذات فيما يخص تحديد الأعداء والأولويات وفق الثلاثية التي ذكرناها.
ورغم أن الإسلاميين كانوا مقموعين في حينها إلا أن الصراع الحقيقي بينهم وبين القوميين كان متركزًا على تملّك "الأمة" وتعريفها لذاتها، وليس في تحديد الأعداء وما يؤجل تحقيق الذات. أما دائرة الأعداء فإن سيد قطب يتفق مع التصوّر الثوري في تحديد "التناقض الرئيسي"، فسيد قطب لم يكن بعيدًا عن تفسير الكوارث بالعدو الخارجي، واختلف مع الأمة على صياغة ذاتها، وللدقة دعاها إلى أسلمة ذاتها لتتغلب على أعدائها:
"الأمة لم يأتها الهوان إلا بعد تمزّقها، على أساس ملك بيوت {الأنظمة الملكية}، أو على أساس قوميات، إلا أن تتوب إلى دينها ورايته الواحدة"… وأن اليهود لم يتمكنوا من الاستيلاء على فلسطين إلا لأن الناس لم يعد لهم دين ولم يعودوا مسلمين".
رغم أن الجذور الأولى لتصدّع "الأمة" تعود إلى الحقبة الناصرية، ونقصد هنا حدثين هما فشل الوحدة مع سوريا والآخر هو هزيمة 67. عبد الناصر لم يكن بذلك الحماس لدمج الدول في دولة واحدة، وهناك من يقدّر أن هذا موقفه الأول الذي لم يتغير ك يفغيني بريماكوف، وهناك من يقدر أنه احترس وارتدع بعد انقلاب الضباط السوريين ك حنا بطاطو.
وعلى مبدأ "إسرائيل هي مخلب قط الإمبريالية في المنطقة" بقي المُحدِّد لثورية الأمة هو المواجهة مع إسرائيل، على اختلاف دوافعه وأهدافه.
كانت علاقة ثوريي الأمة مع اليسار مضطربة، فقد قدّم اليسار مفكرين كبار (بالذات في مصر)، قدّموا تصوّرات وأطروحات جدية لكل المسائل المتعلقة بأزمات المنطقة منذ وقت مبكر، أما ثوريّو المشرق فمنذ توقف ميشيل عفلق عن التفكير والتنظير عانوا في سبيل إيجاد أحد يفكر عند القوميين، ولاحقًا اغتيل عقل اليسار في المشرق باغتيال حسين مروة ومهدي.
علاقة ثوريي الأمة باليسار في المشرق – الحزب الشيوعي العراقي نموذجًا
علاقة اليسار في المشرق مع ثورية الأمة ركيزة أساسية لفهم كيف أصبح "اليسار" هو يسار الحركات الإسلامية. لا بد من المرور من ثورية الأمة وعلاقتها مع اليسار، وهنا أستحضر تجربة الحزب الشيوعي العراقي لأنه أضخم حزب شيوعي عرفه المشرق.
حظي الحزب الشيوعي العراقي بقاعدة جماهيرية مليونية وكان عمليًا حزب سلطة بعد انقلاب تموز (1958) مع نفوذ واسع في القوات المسلحة العراقية، وكان في تلك الحقبة معارضًا لأفكار التوحيد العربي والانضمام للوحدة مع مصر وسوريا، وأن المهم هو إنجاز مهمات الثورة "البرجوازية" كالديمقراطية السياسية والتقدم الاجتماعي وقضايا المرأة. ومع الصعود الأول للريفيين ممثلين بحزب البعث في العراق (1963) نجد الجذر الأول للتراجع النظري والتذيل. فقد مال الحزب الشيوعي العراقي إلى التصالح مع البعث والتراجع عن مواقفه السابقة ببيان رسمي في الستينات:
"اتخذنا نحن الشيوعيين، في الماضي مواقف انعزالية تجاه حاملي شعار الوحدة العربية. وكانت المعادلة التي طرحناها بعد ثورة تموز خاطئة.. كان علينا أن لا نرفع أصواتنا بدعوة متناقضة مع الدعوة إلى الوحدة" ويضيف البيان: "من الخطأ القول بأن.. على الشيوعيين أن يستمروا في التمسك بالديمقراطية السياسية كشرط لدعم أية وحدة عربية. إنه يمكن لمسألة الديمقراطية، ومنها مسألة حياة الحزب، أن تحل ضمن مسيرة عملية الوحدة نفسها بالنضال الجماهيري والإقناع والتأثير المستمر للمعسكر الاشتراكي على القادة العرب أنفسهم".
ولكن شهر العسل مع البعث لم يدم طويلًا، فبعد الوصول إلى تسوية مع شاه إيران بشأن المسألة الكردية عام 1975، اتجه البعث إلى تحطيم الحزب الشيوعي عبر حملات دموية والقضاء على المخزون البشري للحزب، ما أدى إلى هروب كوادر الحزب إلى إقليم كردستان وتأسيس ميليشيات مسلحة مثل "الأنصار".
ومن المهازل التي يشير إليها طارق إسماعيل في كتابه "صعود الحزب الشيوعي العراقي وانحداره" أن الحزب في الحدود الضيقة التي سمح فيها لنشاطه في العراق كان يصدر جريدته اليومية في بغداد بدون أي ذكر للملاحقات الدموية التي تحيق له ولكنه يصدر مقالات وبيانات نارية ضد "الإمبريالية"، وحتى عندما لجأ العراقيون إلى الحزب الشيوعي اللبناني في 1979 لم يذكروا مصائبهم بل أصدروا بيانًا (ناريًا بالطبع) ضد السادات وكامب ديفيد وتحوُّل مصر إلى "الأداة الرئيسية للإمبريالية في المنطقة"، ولم ينس العراقيون إبداء رأيهم في شيء من اليمن حتى ليبيا، إلا البعث العراقي.
الثورية الإسلامية: من دولة عبد الناصر إلى ميليشيات خميني
نقدّر أن أربع محطات رئيسية كانت تفصل تسليم راية ثوريّة الأمة من القوميين إلى الإسلاميين، وهي هزيمة العام 67، واتفاق كامب ديفيد والغزو العراقي للكويت، والحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان.
لسنا في حاجة إلى الدخول في تفاصيل كل هذه الأحداث، نشير فقط أن التحول الرئيسي إلى حين استلام الإسلاميين لجبهة المواجهة، هو أن المواجهة تحوّلت نوعيًا، من دول تقود المواجهة إلى ميليشيات تقود المواجهة.
إيران تتوافق مع القاعدة التي تأسست عليها ثورية الأمة: جمهورية معادية للإمبريالية والصهيونية والملكية. أما الفارق الأساسي بينها وبين دولة عبد الناصر الوطنية، أنها دولة بعقلية ميليشيا وتأسست أساسًا على هذا المبدأ، بإنشاء الحرس الثوري العقائدي بديلًا للجيش، وإنشاء شرطة محلية عقائدية هي الباسيج.
ومن مبدأ الميليشيا قامت إيران بإنشاء ميليشيات في العراق كالحشد الشعبي، وحزب الله في لبنان، ودعمت حماس في فلسطين. أما عبد الناصر فاتجه إلى دعم دول كما في اليمن أو دعم انقلابات عسكرية في دول أخرى كما في العراق، ولم يستعمل أي ميليشيا نائبًا عن الدولة المصرية.
وكما يشير الدكتور شريف يونس في مقاله "بين دولة عبد الناصر وميليشيات خميني" فإن مبدأ الميليشيا بدا جذابًا أكثر من الدولة بسبب نتائجه العملية لفترة طويلة، من انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان والانسحاب من غزة، فيما عجزت سوريا عن استرجاع الجولان.
مبدأ الميليشيات الثورية طغى على غيره بعد إخفاقات الاوائل، فسوريا لم تستعد الجولان، ويكتسب سلاح حزب الله شرعيته من منطق أن الدولة اللبنانية لا تستطيع توفير حماية لمواطنيها في حالة غزو إسرائيلي، وكذلك حماس التي قامت بتخريب اتفاق أوسلو، اكتسبت شرعيتها من مبدأ المواجهة مع إسرائيل، ونال هذا كله تزكية بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية وحرب تموز 2006 في لبنان.
فقد رأى الكثيرون في قمع الانتفاضة شهادة وفاة لآمال مصالحة عادلة مع إسرائيل، وفي حرب تموز وانسحاب إسرائيل من غزة في نفس العام تزكية لمبدأ المواجهة المسلحة فقط.
وينال مبدأ الميليشيات الإسلامية الثورية مباركة "اليسار" وحتى التغنّي به لأنه "ثوري" ويؤدي مهمة "موضوعية بدون وعيه" وهي "التحرر الوطني" والجزء الأكبر من "ثقافة الشعب". بهذه المفاهيم تم زج "اليسار" إلى تأييد ثورية الميليشيات الإسلامية، وباتت مصطلحاتهم مستعملة بكثرة في كتابات اليسار.
هذه الحالة وجدت تأسيسًا نظريًا عند شخصيات ألمعية، مثل المأسوف عليه ناهض حتر، والذي يقول:
" ومع ذلك، فإن روح المقاومة عبّرت عن نفسها في التأييد الشعبي الكاسح للمقاومة العراقية وحزب الله و«حماس». وبينما حظيت المقاومة العراقية، لأسباب شرحناها مراراً، باحترام كبير في صفوف الأردنيين، فإن الشباب الأردني الطامح للقتال ضد الأميركيين لم يجد منفذاً وطنياً للمساهمة في المقاومة العراقية إلا عن طريق «القاعدة» أو منظمات سلفية."
وحتى في المرات التي انتقد فيها ناهض حتر حماس، فإن جوهر نقده حول "مقاومة" حماس، وليس عن مضمونها الاجتماعي وثمن وجودها على القضية الفلسطينية أو مقارباتها الثقافية، أي بقي جوهر نقده متعلقًا بتموضعهم فيما يسمى "المقاومة". وغربًا نجد عند كريس هارمان في كتابه "النبي والبروليتاريا" موقفًا يعبّر حقًا عن "اليسار" وعلاقته بالدول والميليشيات، فبعد أن يستعرض هارمان التكوين الاجتماعي للحركات الإسلامية يضع معادلة "مع الإسلاميين ضد الدولة" كقاعدة عمل مشترك معهم.
هكذا، وفق هذه الخلطة، يمتلك الإسلاميون شرعية يسارية_نظرياً_لثوريّتهم، ولو كانت هذه الثورية ثورية ذات مضمون رجعي سواء في بنيتها الاجتماعية أو مقارباتها الثقافية وتطلعاتها إلى شكل المجتمع، وحتى نتائج صراعها مع الهيمنة الأمريكية التي تقوّي شوكة الأمريكيين أكثر مما تزعزعها.
طبعًا الجذر الذاتي، أو الميداني، للملشنة اليسارية كان إبان الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان وتأسيس "حركات مقاومة شعبية" جمعت الشيوعيين والوطنيين اللبنانيين لمواجهة الغزو الإسرائيلي، حينها تملّك اليسار فكرة "حرب تحرير شعبية" على النمط الفيتنامي لتحرير فلسطين. ويكتب كريم مروة في كتابه "المقاومة" كثيرًا عن تنامي فكرة "حرب تحرير شعبية" حينها والاقتناع بها.
بدون الدخول في جدال حول واقعية هذا الطرح وعدم تشابه الحالة مع فيتنام، ولكن النتائج العملية للميليشيات، بما في ذلك تجربة اليساريين في لبنان، بلا أدنى شك زكّت مبدأ الميليشيا الثورية عند اليسار العربي.
سياسة الاعتراف معكوسة والناشطية
بعد الحرب الباردة ظهرت في الغرب مجموعة مفاهيم جديدة، إحداها ما عرف ب"سياسة الاعتراف"، وللفيلسوف الكبير تشارلز تايلور مقال مشهور يحمل نفس العنوان، يطرح فيه إشكالية أن الاعتراف بالمساواة التامة بين كل الثقافات يلغي القيم الكونية.
قطاعات عديدة من اليسار الغربي أدخلت لنسقها المفاهيمي "سياسة الاعتراف"، أي الاعتراف بكل الثقافات بصفة متساوية وطبّقت هذا المبدأ بالدفاع عن المهاجرين في الغرب، عبر خطاب عن احترام "خصوصيتهم الثقافية"، ويترتب على هذا القول تفهّم "طريقة فهمهم للأمور" أو عدم التزامهم بالمعايير العلمانية بالبلدان الي هاجروا إليها، وهذه كلها بالمجمل مشكلات أوروبية.
ما حصل في حالة اليسار العربي هو استنساخ كامل للغة وخطاب اليسار الغربي وتطبيقه على الإسلاميين في موازين قوى معكوسة تمامًا، وهو تحوُّل مفيد للإسلاميين وخطابهم وسلوكهم الذي يرتكز في جزء كبير على الأقلوية والأمة.
وحتى لو لم يصل الأمر إلى "تفهم" الإسلاميين، يكون الحديث عن "طرفين"، وهذا ليس أكثر من توازن لغوي قميء ومقزز وقليل شرف، وأحيانًا كون الإسلاميين "مركبًا في التحرير".
مفاهيم ما بعد الحداثة وصلت إلى الشرق عن طريق ظاهرة الناشطية (الngos) ومن أوائل من درسوا الظاهرة هو عالم الاجتماع اليساري الأمريكي جيمس بيتراس (james petras)، إذ كان من أوائل من كتبوا عن الأنجزة، ولديه مجموعة كتابات محترمة منذ نهاية تسعينات القرن الماضي.
في دراسته "الناشطية في خدمة الإمبريالية" (NGOs: In the service of imperialism) يطرح أن المعضلة الأولى هي أن الأنجزة توفّر للمحرومين بعض الوظائف التي يكون فيها مبالغ جيدة لحياة محترمة، ولكنها في المقابل تحيّدهم عن الصراع على تملك وسائل إنتاج الثروة الاجتماعية عبر تحويلهم إلى "نشطاء"، فينتج عن هذا خطاب ولغة سياسية ضرورية لهذا التحول.
اللغة التي تفرزها الأنجزة تستولي على بعض اللغة الخطابية اليسارية، ولكنها في التحليل الأخير تبقى على السطح وتعزز "القطاعية" واللا-سياسة، أو كما يسميها: "امتثال محافظ للبنية الوطنية والدولية للسلطة".
طبعًا اللغة معروفة، أقرب للتنمية البشرية منها للسياسة، مثل "ثق بذاتك، النجاح الفردي، التميز" إلخ من لغة تافهة وسطحية.
يسارية الأنجزة هي خليط بين خطاب خصوصية ثقافية متأثر ب"سياسة الاعتراف"، ويصدّر هذا الوعي في مجتمعات موازين القوى فيها مختلفة تمامًا عن الغرب؛ إلى مجتمعات تسيطر عليها الخمينية والجولانية، فينتج هنا عبر استنتاخ خطاب اليسار الناشطي مجموعة من "العلمانيين" أذناب للإسلاميين ويحترمون "خصوصيتهم" ويعتبرونها "ثقافة الشعب".
هذا بدون الحديث عن سيطرة قطاعات من الإسلاميين على شبكات التمويل والتدفقات التي يضخها اليسار الغربي، ولكن هذا بحث طويل، المهم أن هذا يحوِّل اليسار العربي إلى ذيل ثقافي بدل أن يمارس بنفسه مهمة نزع الأسلمة كمقدمة لا مفر منها للعلمنة.
كُتب عن الناشطية والأنجزة بكثافة في الغرب وأقل منه بكثير في الشرق، إلا أن الدراسات العربية لا تخلو من دراسة الموضوع، وبالذات بعد انتفاضات تونس والمغرب، فنجد مثلًا كتاب "لعنة الألفية" لطوني صغبيني، الذي يرصد أبرز معالم الناشطية التي تقدّس طقس الاحتجاج كإسراتيتجية، ولكنها بالنتيجة هي، في حقيقة الأمر موقف استجداء لمراكز اتخاذ القرار، ويدلل على رأيه عبر مناقشة مخرجات أكثر من احتجاج شعبي ناشطي على قضايا معينة في الغرب حتى يصل الصغبيني إلى خلاصة نتفق معه فيها بالكامل:
"الهدف النهائي للثقافة السياسية الألفية هو إطلاق موقف سياسي أو ثقافي، المطالبة بشيء ما من السلطات والشركات والرأي العام. الهدف هو توسل هذه الأطراف، أو إغاظتها لدرجة كافية للاكتراث بقضية ما".
ولم تغب عن المكتبة العربية منذ ما يسمى "ثورات" في الدول العربية، دراسة الفعل الاحتجاجي الناشطي ومخرجاته، ويتفق من درسوا الظاهرة أن الفعل الاحتجاجي بحد ذاته هو فعل سطحي طالما لم يكن جزءاً من إستراتيجية وتصوّر متكامل حول السلطة والمجتمع. ومن الدراسات المهمة دراسة الدكتور محمود فطين السيسي بعنوان "أشباح يناير"، حول انتفاضة يناير المصرية التي أطاحت بمبارك، حيث يرصد الدكتور محمود أهم الظواهر التي رافقت الانتفاضة المصرية والشعارات التي رافقتها وطبيعة "الثوار"، فيشير أن المحتجين لم يكن لديهم أي تصوّر حول معضلات الدولة المصرية ما بعد الاحتجاج، كتصور عن علاقة الدين والدولة، ورفضوا في احتجاهم ضد السلطة السياسية وجود أحزاب فاعلة، وأقصى ما طرحوه كان الكلمة السحرية "الديمقراطية" كلفظة عامة.
في مثل هذا الاحتجاج الموجه للسلطة، بدون الاشتباك مع الثقافة والأهداف، كان من الطبيعي أن يتسلق الإخوان لاحقًا بصفتهم القوة المنظَّمَة الوحيدة وصاحبة الهيمنة الثقافية.
تأمل قصير للمستقبل
إيران هي آخر القوى الثورية المتبقية من حقبة ما بعد الاستقلال، ومآلات نظامها غير واضحة أبدًا، ولكن أثمان وجوده رأتها المنطقة في تفكيك الدول وانتشار الميليشيات وأسلمة الفضاء العام والثقافة. من هنا على اليسار أن يأخذ خطوة نحو الديمقراطية الاجتماعية، التي تبدأ بنزع سحر الإسلاميين عن اليسار كمقدمة لنزع الأسلمة، وهذا ليس تراجعًا عن الثورية بصفة الإطلاق بل وسائل مختلفة لغاية واحدة.
#ارام_كيوان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صراع الهيمنة في إسرائيل
-
حول الفاشية
-
روسيا والغرب.. تأملات اقتصادية
-
التطبيع وتبيئة إسرائيل
-
الصّهيونيّة والنّقب
-
رحلة في تاريخ ثورة أكتوبر
-
حوار مع يعقوب أبراهامي- البرجوازية الصغيرة ومواضيع أخرى
-
منظمة تحرير فلسطين..جدال ونقاش
-
الواقع الطبقي في المجتمع العربي الفلسطيني 48 (5) والاخيرة -
...
-
الواقع الطبقي في المجتمع العربي الفلسطيني 48 (4) - الأحزاب و
...
-
الواقع الطبقي في المجتمع العربي الفلسطيني 48 (3) - التكتلات
...
-
الواقع الطبقي في المجتمع العربي الفلسطيني 48 (2) - بعد النكب
...
-
الواقع الطبقي في المجتمع العربي (1) - مقدمة وخلفية تاريخية
-
اسرائيل ليست دولة علمانية
-
الديمقراطية
-
عرض عام للماركسية
-
الثّقافة والأيديولوجيا في إسرائيل
-
البنوك
-
تعليقا على ما سمي بمناظرة القرن(2)/ الطبيعة البشرية في فكر ك
...
-
حول ما سمي بمناظرة القرن(1)/ الطبقات والصراع الطبقي
المزيد.....
-
نزع السلاح: الفرق بين لبنان والعراق
-
الذكرى 88 لتأسيس الأممية الرابعة: ملف
-
فعاليات تقديم برنامج حزب التقدم والاشتراكية للحكومة 2027–203
...
-
الليبراليون يقتربون من دخول البرلمان والفارق يتقلّص بين اليم
...
-
برنامج حزب التقدم والاشتراكية للحكومة 2027–2031
-
بيان الأممية الرابعة: لا لنهب الولايات المتحدة لنفط فنزويلا!
...
-
السودان: تصاعد حركة الجماهير واسترداد مسار التغيير
-
أوروبا.. المهاجرون يدفعون الثمن واليمين المتطرف يستثمر الأزم
...
-
Brussels Festival Gathers Voices of Resistance to US-NATO Im
...
-
Thieving Matters: the Trump-Venezuela Oil Steal
المزيد.....
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
المزيد.....
|