آوات أسعدي
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 23:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس خافياً على المطلعين والاكاديميين في ان بعض الدول تقوم بتغيير أو بحظر الأسماء الجغرافية القديمة لإرسال إشارات سياسية واضحة تهدف عادة الى صهر الفئات والجماعات الاثنية الأخرى او الأقليات العرقية او الدينية اوالمذهبية وماشابه ذلك في المدى المتوسط او البعيد في بوتقة جديدة تنسجم مع مطامعها التوسعية. و احدى اهم نتائج وعواقب هذه الفعلة، التي يمكننا وصفها بدون أي تردد بـ "مهينة و جهنمية" هو ضياع و فقدان التاريخ الثقافي والارتباك في الخرائط والمحفوظات الرسمية، فضلاً عن صراعات الهوية لدى السكان الأصليين المتضررين والمستهدفين.
ففي تركيا على سبيل المثال إتُبِعت سياسة استبدال الأسماء الجغرافية والطبوغرافية غير التركية بأسماء تركية بشكل مبرمج نوعما في أواخر عهد الإمبراطورية العثمانية. وبعد إعلان قيام الجمهورية تصاعدت حدة هذه السياسة بشكل واضح، وبالتحديد بعد معاهدة لوزان عام 1923.
دعونا نلقي نظرة سريعة على العشرينات من القرن الماضي: بعد الحرب العالمية الأولى سعت قوى الحلفاء المنتصرة إلى تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية من خلال معاهدة سيفر وكان من المقرر، بموجب هذه الخطط، القضاء على الوجود السيادي للأتراك العثمانيين وحصرهم في مساحة جغرافية تتناسب مع تواجدهم الحقيقية في الجزء الغربي من الاناضول، حيث يشكلون فيها الاكثرية. غير ان هذا الامر لم ينجح لاسباب كثيرة، أوله كان غياب القوة العسكرية للحلفاء في معظم اجزاء شرق واواسط الاناضول. لذا كان من السهل مقاومة معاهدة سيفر من بقايا القوات المتبقية هناك تحت امرة قادة عثمانيين آخرين رفضوا الخضوع لتلك الخطة. فبعد حل مجلس البرلمان العثماني (بالتركية: مجلس مبعوثان) في كانون الثاني 1920 انعقدت في انقرة والتي كانت بعيدة عن نفوذ قوات الحلفاء الجمعية الوطنية الكبرى التي تأسست في 23 من نيسان 1920 بقيادة مصطفى كمال باشا، والتي أقرت دستورها الخاص في كانون الثاني عام 1921. فخلال هاتين السنتين الحاسمتين نجح مصطفى كمال من حشد العثمانيين من ضمنهم ايضاً الكرد في كردستان الشمال بإسم "التضامن الإسلامي" لدعم النضال "العثماني"، ومن أجل التحرر ضد قوى "الاحتلال الغربية". والملفت للنظر: طالما كان مصطفى كمال معتمداً على الدعم الكردي، ظل يرفع راية الأخوة التركية-الكوردية عالياً. وفي تلك الأيام لم ينطق بكلمة عن الحركة القومية التركية. وهذا مايسرى ايضاً على البيان التاريخي والختامي لجمعية الاتحاد والترقي في عام 1919. فبعد أسبوعين من المشاورات صُدر ذلك البيان بتاريخ 7 آب 1919 ولم تذكر فيه ابداً كلمة "الترك" او "التركي" او حتى "تركيا". على اية حال استطاعت القوات العثمانية في الاناضول من انتصار حاسم في 30 من آب 1922 في معركة دوملوبينار على اليوناينيين. والذي يعتبر عيداً وطنياً ويحتفل به في الأيام القليلة القادمة. وبعد ذلك، كما هو معروف، بدأ طرد اليونانيين من آسيا الصغرى، ونهاية الاستيطان اليوناني الذي دام ثلاثة آلاف عام في المناطق الساحلية لآسيا الصغرى. وفي المقابل طردت اليونان حوالي 400,000 مسلم من اراضيها. ومع تأسيس الجمهورية في عام 1923 تغيرت العلاقة بين السلطة الجديدة في انقرة مع الناطقين بالكردية على وجه الخصوص تغيراً جذرياً وشمولياً. إذ بدات سياسة الملاحقة بشتى الوسائل.
وكان السبب الرئيسي لهذا التغيير المفاجئ هو إتباع ايديولوجية قومية تركية صرفة. وهذه الفكرة بذلت قصار جهدها في تزوير علوم التاريخ والجغرافيا و البشرية جمعاء، لتجعل من حضور الترك ابدياً في الأرض التي استولوا عليها منذ قرن الحادي عشر وهذا عبر وسائل عدة. وركزوا بكل قواهم في السنوات التالية الى إبقاء تلك التزويرات عالقاً في ذاكرة شعبهم وذاكرة الآخرين تحت حكمهم كحقائق ازلية ليس هناك ما يتناقض معها. ولم يفشلوا في خططتهم نظرًا الى القوة التي كانوا قد حصلوا عليها والشراسة السياسة التي لاحقوا بها المناوئين لهم.
بطبيعة الحال كانت تسمية "كوردستان" و"الكورد" بالنسبة لحكام الاناضول الجدد من اكثر المواضيع حساسيةً. وقد شاءت الصدف ان ينشر في عام 2011 كتاب بعنوان "كوردستان العثمانية" باللغتين التركية والكرمانجية في 368 صفحة. لقد وجدنا في خلاصة الكتاب للمحررين عليشان آكبينار و سرهات بوزكورت أهمية ننقلها هنا حرفياً بعد ان تفضل الصديق عدنان ديندار تكرماً بترجمة النص الينا من التركية الى الالمانية:
"يتناول كتاب «كوردستان العثمانية» استخدام مصطلح «كوردستان» في العهد العثماني — وهو مصطلح تم تجريمه خلال فترة الجمهورية [التركية] وكاد أن يُمحى من التاريخ. وكما هو معروف، أصبح مجرد ذكر مصطلح «كوردستان» بعد قيام الجمهورية [التركية] موضوعاً حساساً. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أنه تم تجاهله إلى حد كبير من قبل علماء الاجتماع والمؤرخين والمثقفين في الجمهورية [التركية] بشكل عام. في هذا الكتاب، نحاول أن نثبت، استنادًا إلى الوثائق، أن هذا المصطلح كان يستخدمه المثقفون العثمانيون في تلك الحقبة، وأنه كان يُدرَّس للطلاب في كتب الجغرافيا الثانوية تحت عنوان «جغرافيا كوردستان» على عدة صفحات، وأنه يمكن العثور في سالنامات «السنويات» — وهي المنشورات الرسمية للدولة العثمانية —العديد من السجلات والمعلومات حول »مقاطعة كوردستان»".
كان هدف السلطة الجديدة هو الولاءات الدينية التي كانت السمة الغالبة في الاناضول لتحويلها الى امة تركية واحدة مع لغة واحدة تستند إلى مبادئ العلمانية، وهذه أصبحت السمة المميزة للكمالية. وكثيراً ما كان الهدف أيضاً محو أي إشارات عرقية وقومية أخرى أو دينية. وكان هذا جزءًا من سياسة التتريك التي امتدت لتشمل عدة مجالات. وقد تم تغيير جزء كبير من الأسماء الجغرافية في الفترة الممتدة من عام 1940 واستمرت حوالي ستة عقود على اقل تقدير، وفقاً لدراسة اجراه هارون تونجل في عام 2000. وقد كانت الأسماء التي تم استبدالها في الغالب أسماءً لأماكن يونانية وكوردية و ارمنية وآرامية وعربية. ولم تنجو أي ولاية من ولايات الدولة الجديدة من هذه الحملة الشرسة. بيد ان معظم عمليات تغيير الأسماء الجغرافية حصلت في شرق البلاد وعلى الساحل الشرقي للبحر الأسود، حيث توجد مناطق الاستيطان التاريخية لمعظم "الأقليات الكبيرة والشعوب" في البلاد وبالتحديد الأرمن والكورد. ثمة دراسة علمية لـ سيفان نيشانيان تحت عنوان "الجغرافيات الخيالية: تغييرات أسماء الأماكن في تركيا خلال فترة الجمهورية" تفيد أن من بين جميع التغييرات في الأسماء الجغرافية، كان هناك: 4,200 إسماً من أصل يوناني و4,000 إسماً من أصل كوردي و3,600 اسماً من أصل أرمني. أما التغييرات المتبقية في الأسماء فكانت كما يلي: 750 إسماً من أصل عربي و400 إسماً من أصل أرامي و 300 إسماً من أصل جورجي و200 إسماً من أصل لاسي هذا بالإضافة إلى 50 إسمًا آخر. و وفقاً لدراسة أخرى سجلت فيها النسبة المئوية لتغييرات الأسماء فإن أعلى مستوياتها بالذات كانت في الولايات الكوردية، حيث تجاوزت دائماً في تلك الولايات تغييرات الأسماء حدود الـ 75٪. وفي ولاية ديار بكر تم تسجيل رقم قياسي بلغ بتغيير 795 إسماً.
لقد كانت لهذه السياسة استمرارية متواصلة طيلة العقود التالية حتى وصل الامر في عام 1952 لدرجة إنشاء لجنة متخصصة لهذا الامر في وزارة الداخلية التركية اطلقت عليها "لجنة تحقيق خاصة لتغيير الأسماء". وقد تم تأسيسها استناداً إلى قانون إدارة المقاطعات رقم 5442 لعام 1949. وتألفت اللجنة من ممثلين عن وزارة الداخلية ووزارة التربية الوطنية والأركان العامة ورابطة اللغة التركية والجامعات ذات الصلة.
تُظهر هذه الحقيقة بوضوح تام مدى الأهمية التي أولاها المسؤولون الى هذه القضية ومدى الجهد الكبير الذي بُذل في هذا الصدد. وقد كانت مهمة هذه الهيئة الرسمية تحديد و تغيير أسماء القرى والبلدات والمدن والمواقع الجغرافية في تركيا التي لا تعود جذورها إلى اللغة التركية، أو تلك المكتوبة بلغات "أجنبية"، أو التي "يُعتقد أنها تسبب التباساً"، واستبدالها بأسماء تركية.
يبقى ان نقول: صحيح إن التغيير المتعمد والقسري لأسماء الأماكن التابعة لثقافة أخرى ليس مُقنَّنًا في القانون الدولي، باعتباره جريمة مستقلة تُعرف بـ "الإبادة الثقافية"، إلا أنه غالبًا ما يُعد جزءاً لا يتجزأ من الجرائم ضد الإنسانية أو الاضطهاد أو الإبادة الجماعية!
ونتقرب هذه الأيام من العيد الوطني الرسمي لإحياء ذكرى الانتصار الحاسم في معركة دوملوبينار عام 1922 بقيادة مصطفى كمال أتاتورك. وتُقام في جميع أنحاء البلاد مسيرات رسمية وتجمعات سياسية.
فياترى هل سيقوم القادة الحاليون او ربما المستقبليون الاتراك يوماً ما بمراجعة نقدية وبكل جدية لتلك السياسات والممارسات السيئة التي تنطوي على ازدراء شعوب بلادهم من غير الاتراك والتاريخ والجغرافيا ليتمكنوا من التعامل بشكل ملائم مع هذه السياسة المظلمة والذي يُعرف معالجتها بـ "التغلب على الماضي القاتم؟" أم انهم سيفضلون التزام الصمت! الصمت الصارخ! وسيبقون بدون مواقف، حتى لا يتم أبداً التشكيك في السمعة "المتميزة" المزعومة لجمهوريتهم؟
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟