أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامي القسيمي - قنبلة المقدّس















المزيد.....


قنبلة المقدّس


سامي القسيمي

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 20:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كيف تعيد الأمم بناء مدنها، بينما تعجز عن تحرير عقولها؟

القنبلة تستطيع أن تهدم مدينة بناها العقل. أمّا السلطة التي تمنع العقل من مراجعة نفسه، فقد تضرب الأداة التي كان يمكن أن تعيد بناء المدينة.

في أغسطس/آب 1945 دُمّرت هيروشيما وناغازاكي، وخرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية مهزومة ومنهكة وتحت الاحتلال. لم يكن الخراب مجرد مشهد عسكري، كان انهيارًا اقتصاديًا ومؤسسيًا واجتماعيًا واسعًا. ومع ذلك، لم تتحول الكارثة إلى عذر تاريخي دائم. خلال العقود التالية أعادت اليابان بناء مؤسساتها وصناعتها، واستفادت من إصلاحات ما بعد الحرب، ومن التعليم، والسياسة الصناعية، والانفتاح على التجارة والتكنولوجيا، حتى أصبحت إحدى القوى الصناعية الكبرى. لكن هذه المقالة لا تقول إن اليابان نهضت لأنها «بلا دين»، ولا إن العرب تراجعوا لأنهم «متدينون». هذه معادلة كسولة تاريخيًا وفكريًا. فالمجتمعات المتدينة عرفت الازدهار، والمجتمعات المعادية للدين عرفت الاستبداد والفشل. السؤال الأعمق ليس: هل يوجد الدين؟ بل: ماذا يحدث عندما تصبح فكرة أو مؤسسة أو قراءة للنص فوق النقد؟ وماذا يحدث عندما تنتقل العقيدة من ضمير الفرد إلى جهاز يملك سلطة على القانون والتعليم والسياسة والحياة الخاصة؟

الدمار المادي واضح. مصنع يحترق، جامعة تنهار، طريق ينقطع، ومدينة تتحول إلى ركام. نرى الكارثة ونعرف أن علينا إعادة البناء. أما الدمار الفكري والمؤسسي فأكثر خداعًا، لأنه قد يحدث بينما تبدو الأبنية قائمة. قد تبقى الجامعة في مكانها، لكن بعض الأسئلة تصبح محرّمة. وقد يبقى البرلمان قائمًا، لكن بعض القوانين تكتسب حصانة لا لأنها أثبتت نجاحها، بل لأنها أُحيطت بهالة من القداسة. وقد تبقى المحكمة تعمل، لكن مساحة الاجتهاد تضيق كلما اقترب السؤال من نص أو مؤسسة أو شخص مُنح سلطة لا يجوز مساءلتها.

هنا لا تسقط الجدران. الذي يتآكل بصمت هو قدرة المجتمع على اكتشاف خطئه وتصحيحه.

وهذه القدرة، أكثر من أي شعار، هي قلب الحضارة الحديثة. المجتمع لا يتقدم لأنه لا يخطئ، كل المجتمعات تخطئ. يتقدم حين يبني مؤسسات تسمح بكشف الخطأ، وتمنع الخطأ من التحول إلى تقليد، والتقليد من التحول إلى هوية، والهوية من التحول إلى جدار يحمي نفسه من النقد.
المشكلة ليست أن يؤمن الإنسان بالله. المؤمن قد يكون عالمًا وطبيبًا ومهندسًا وفيلسوفًا، كما أن الملحد قد يكون جاهلًا أو مستبدًا أو متعصبًا. لا توجد معادلة علمية جادة تقول إن التدين يؤدي تلقائيًا إلى التخلف، أو إن غياب الدين ينتج تلقائيًا حريةً وعلمًا وديمقراطية.

الفرق الحاسم يبدأ في مكان آخر: بين الإيمان بوصفه ضميرًا شخصيًا، والإيمان بوصفه سلطة عامة.

من حق المؤمن أن يقول: «هذا حرام في ديني، ولذلك لن أفعله». هذه حرية ضمير كاملة، ولا يملك أحد أن ينتزعها منه. لكن الجملة تتغير جذريًا عندما تصبح: «هذا حرام في ديني، ولذلك يجب على الدولة أن تمنعك أنت أيضًا من فعله».
الأولى تنظّم حياة صاحبها. الثانية تنظّم حياة الآخرين.

من حق المسلم أن يجعل القرآن مرجعيته، ومن حق المسيحي أن يحتكم إلى إيمانه، ومن حق اليهودي أن يعيش وفق معتقده، ومن حق الملحد أو اللاديني أن يرفض هذه المرجعيات كلها. الدولة العادلة لا تطلب من أحد أن يتنازل عن ضميره، لكنها تمنع أي ضمير خاص من التحول إلى شرطة عامة على ضمائر الآخرين.

إيمانك يمنحك الحق في أن تحكم نفسك، لا في أن تحكمني.

فكونك ترى فعلًا ما خطيئة لا يجعله خطيئة في وعيي أنا. وكونك تعتقد أن نصًا ما صادر عن الله لا يلزمني بالإيمان بالمصدر نفسه. المواطنة المشتركة تبدأ حين نتفق على قواعد يمكن الدفاع عنها أمام الجميع بوصفهم مواطنين متساوين، لا بوصف بعضهم مؤمنين يجب أن يطيعهم الآخرون.

هنا تظهر المشكلة الأكثر تعقيدًا. النص المقدس، أيًّا كان موقعه عند المؤمن، لا يجلس في المحكمة، ولا يدخل البرلمان، ولا يكتب اللوائح التنفيذية، ولا يشرح بنفسه كيف يجب أن تُدار الدولة الحديثة. البشر هم من يفعلون ذلك باسمه. إنسان يقرأ، وإنسان يفسّر، وإنسان يختار بين مذاهب واجتهادات، وإنسان يرجّح رأيًا على رأي، ثم تأتي مؤسسة سياسية أو قضائية فتقرر أي تفسير سيصبح ملزمًا لملايين البشر.

في مصر، مثلًا، تنص المادة الثانية من دستور 2014 على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وفي دولة الإمارات تنص المادة السابعة من الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد وأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع. هذه النصوص لا تعني أن النظامين القانونيين متطابقان، ولا تختزل الواقع القانوني المعقد في كل دولة، لكنها تطرح سؤالًا فلسفيًا مشروعًا: كيف تُدار المساواة بين مواطنين مختلفين في الاعتقاد عندما تدخل مرجعية دينية بعينها في البنية الدستورية للدولة؟

المعضلة لا تنتهي بالقول إن «الحكم لله»، لأن الحكم الذي يصل إلينا في الواقع يمر عبر بشر. وإذا كان المفسّر بشرًا، فهو يخطئ كما يخطئ غيره. وإذا كان الاجتهاد بشريًا، فمن حق المجتمع أن يناقشه وينقده ويرفضه ويغيره. الخطر يبدأ عندما يحدث انتقال خفي للسلطة: قرار بشري في مصدره، مقدّس في حصانته. عندها لا يعود الخلاف مع المفسّر خلافًا مع إنسان يمكن أن يصيب ويخطئ، يصبح، في الخطاب السياسي أو الديني، خلافًا مع الله نفسه. وهنا تُصنع عصمة للإنسان باسم النص.

المقدّس قد يكون مقدّسًا عند المؤمن، أمّا تفسير البشر للمقدّس فليس مقدّسًا.

المشكلة ليست مع الله ولا مع حق الإنسان في الإيمان به. المشكلة تبدأ عندما يقول إنسان لآخر: السماء أعطتني سلطة عليك.

العلم يبدأ بجملة شديدة التواضع: ربما نكون مخطئين. الفرضية تُختبر. العلاج يتغير إذا ظهرت أدلة أفضل. التصميم الهندسي يُراجع إذا فشل. النظرية العلمية لا تصبح أكثر قيمة لأنها قديمة أو لأنها تمنح أصحابها هوية، قيمتها في قدرتها على تفسير الواقع والصمود أمام الاختبار، ثم في استعدادنا لتعديلها إذا ظهرت أدلة أقوى.

هذا لا يعني أن السياسة نسخة من المختبر، ولا أن القيم الأخلاقية تُختزل في تجربة علمية. لكنه يعني أن الحضارة الحديثة بنت جزءًا كبيرًا من قوتها على مؤسسات لا تفترض العصمة: صحافة تستطيع الكشف، قضاء يستطيع الإلغاء، جامعة تستطيع الاعتراض، انتخابات تستطيع تغيير الحاكم، وبحث علمي يستطيع هدم رأي سابق. المشكلة في الفكرة المحصّنة أنها تستطيع تفسير كل نتيجة من دون أن تسمح لأي نتيجة أن تدحضها. إذا نجح التطبيق قيل إن الفكرة أثبتت عظمتها. وإذا فشل قيل إن الناس لم يطبقوها كما ينبغي، أو إن المؤامرة منعت نجاحها، أو إن الفشل سببه الابتعاد عن «الأصل الصحيح». وهكذا تصبح الفكرة قادرة على النجاة من كل اختبار، لا لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأنها صُممت بحيث لا يمكن إعلان خطئها.

ومن هنا يصبح سؤال الطفل: «كيف نعرف أن هذا صحيح؟» سؤالًا حضاريًا وسياسيًا معًا.

الطفل الذي يتعلم أن يسأل معلّمه قد يكبر ليسأل رجل الدين والحاكم والأب والمجتمع. لذلك فإن تعليم التفكير النقدي ليس مهارة مدرسية محايدة فقط، إنه إعادة توزيع للسلطة من صاحب الجواب الجاهز إلى الإنسان الذي يطلب الدليل. اليابان ليست المثال الوحيد. ألمانيا الغربية خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة ثم أعادت بناء اقتصاد صناعي ضخم. وكوريا الجنوبية خرجت من الحرب الكورية في حالة فقر ودمار، ثم تحولت خلال عقود إلى اقتصاد مرتفع الدخل وقوة في الصناعة والتكنولوجيا والابتكار.

هذه التجارب ليست حكايات رومانسية عن «إرادة الشعوب». لكل تجربة تاريخها وظروفها: مساعدات خارجية، إصلاحات مؤسسية، سياسات صناعية، تعليم، بنية تحتية، تصدير، استثمار، اندماج في الاقتصاد العالمي، وأحيانًا مراحل سلطوية قاسية لا ينبغي تجميلها.
لكن ما يجمع تجارب النجاح ليس السحر ولا الجينات ولا التفوق الأخلاقي لشعب على آخر. إنها عملية تراكم للقدرة: تعليم، تنظيم، كفاءة، معرفة، مؤسسات، وبنية تسمح بالتعلم والتصحيح. المعيار ليس ما إذا كان المجتمع قد سقط. كل مجتمع قد يسقط. المعيار هو: ما الذي يفعله عندما يكتشف أن طريقته القديمة لم تعد تعمل؟

هل يكافئ الكفاءة أم الولاء؟ هل المدرسة تنتج عقلًا قادرًا على السؤال أم ذاكرة مدرّبة على الاسترجاع؟ هل الجامعة تبحث أم تكرر؟ هل يستطيع المسؤول أن يعترف بالفشل من دون أن ينهار موقعه؟ وهل يستطيع المجتمع أن يقول إن بعض ما ورثه عظيم، وبعضه يحتاج إلى مراجعة، من دون أن يعتبر المراجعة خيانة للأجداد؟

من السهل الهروب إلى التاريخ: أجدادنا ترجموا، واكتشفوا، وبنوا، وكتبوا في الطب والفلك والبصريات والفلسفة والرياضيات. وكثير من ذلك صحيح ومهم. لكن الحضارة ليست حسابًا مصرفيًا تودع فيه الأجيال السابقة إنجازاتها ثم تعيش الأجيال اللاحقة من الفوائد إلى الأبد. إنجاز ابن الهيثم لابن الهيثم وللبيئة المعرفية التي سمحت بإنتاجه، ليس شهادة كفاءة مفتوحة لكل من وُلد بعده بقرون. بل إن العصر الذهبي للحضارة الإسلامية نفسه يهدم الحجة الساذجة القائلة إن الإسلام يؤدي حتميًا إلى التخلف. لقد ازدهرت في فترات مختلفة حركة الترجمة والتجارة والمدن والجدل والرعاية العلمية والتفاعل مع معارف اليونان والهند وفارس وغيرهم. وهذا لا يثبت أن الماضي كان جنة للعقل الحر، لكنه يثبت شيئًا أهم: الازدهار لا يولد من إغلاق النوافذ.

لا يمكن أن نمجّد بيت الحكمة ثم نبني بيت الرقابة. ولا يمكن أن نفخر بحضارة ترجمت كتب الآخرين ثم نخاف اليوم من كتاب، أو سؤال فلسفي، أو بحث يزعج يقينًا اجتماعيًا.

السؤال الحضاري ليس: من كان أجدادك؟ بل: ماذا تستطيع أنت أن تنتج الآن؟

الثروة الطبيعية ليست لعنة، والمال ليس عيبًا. تستطيع الدولة الغنية أن تبني طرقًا ومستشفيات وجامعات ومختبرات ومدنًا مذهلة. وهذه مكاسب حقيقية لا ينبغي التقليل منها. لكن شراء التكنولوجيا لا يساوي امتلاك التكنولوجيا.
شراء طائرة لا يعني امتلاك صناعة الطيران. شراء روبوت لا يعني امتلاك علم الروبوتات. شراء نموذج ذكاء اصطناعي لا يعني امتلاك البيئة التي تستطيع صنع الجيل التالي منه. بناء جامعة بمليارات الدولارات لا يضمن وجود جامعة حقيقية إذا كان الباحث يعرف مسبقًا أن بعض النتائج لا يجوز نشرها، وأن بعض الأسئلة قد تكلفه مستقبله.

يمكن شراء أحدث مختبر في العالم، لكن لا يمكن شراء العقل الذي يعرف ماذا يسأل داخله.

المعرفة الحقيقية تحتاج إلى أكثر من أجهزة. تحتاج إلى حرية السؤال، واستقلال نسبي للجامعة، واحترام الكفاءة، وباحث يستطيع نشر نتيجة لا تعجب السلطة أو المجتمع، ومؤسسة تكافئ الإنجاز بدل القرب، وثقافة ترى الفشل في التجربة خطوة نحو المعرفة لا فضيحة يجب إخفاؤها.
يمكن استيراد الأجهزة والبرمجيات والمصانع والخبراء، بل ويمكن بناء مدينة تبدو كأنها قادمة من المستقبل. لكن لا يمكن استيراد ثقافة علمية في حاوية شحن. لهذا فإن السؤال الأقسى لأي اقتصاد حديث ليس: كم تستطيع أن تشتري؟ بل: ماذا تستطيع أن تفهم، وتصنع، وتصلح، وتطوّر، ثم تنافس العالم به؟

المال يستطيع شراء منتجات الحضارة، لكنه لا يستطيع وحده شراء القدرة على إنتاج الحضارة.

أشار تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002، الذي أعدّه باحثون عرب بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى ثلاثة نواقص مركزية في المنطقة: الحرية، وتمكين المرأة، والمعرفة. وفي العام التالي خصص التقرير التالي مساحة واسعة لفكرة «مجتمع المعرفة» والعوائق التي تعترض إنتاج المعرفة وانتشارها.

تكمن أهمية هذا التشخيص في أن هذه الملفات ليست جزرًا منفصلة. المعرفة تحتاج عقلًا يستطيع السؤال. وتمكين نصف المجتمع ليس شعارًا أخلاقيًا فقط، بل قضية تتعلق بحجم رأس المال البشري الذي يُسمح له بالتعليم والعمل والإنتاج والمشاركة. والحرية نفسها لا تكفي إذا لم تقترن بتعليم جيد ومؤسسات تستطيع تحويل النقاش إلى قرار ومحاسبة.

المجتمع قد يستهلك طاقة هائلة في مراقبة الحياة الخاصة واللباس والسلوك الفردي، بينما تمر أسئلة أكثر خطورة بهدوء: لماذا يفشل التعليم؟ كيف تُصرف الميزانية؟ لماذا يُعيّن غير الكفء؟ لماذا يهاجر الباحث؟ لماذا لا تتحول الجامعة إلى مركز إنتاج معرفة؟ ولماذا يُعامل النقد أحيانًا كأنه عداء للمجتمع بدل أن يكون أداة لإصلاحه؟

المجتمع الأخلاقي ليس الذي يكرر كلمة «الأخلاق» أكثر. المجتمع الأخلاقي هو الذي يجعل النزاهة والعدل والكفاءة والمحاسبة ممارسات يمكن قياسها والدفاع عنها.

الحل ليس استبدال كاهن ديني بكاهن إلحادي. الاتحاد السوفيتي كان معاديًا للدين ولم يكن واحة للحرية. وأنظمة قومية عربية رفعت شعارات التحديث والعلمانية ثم بنت أجهزة قمع قاسية. فصل الدين عن الدولة لا يبني مصنعًا وحده، ولا يمنع الفساد تلقائيًا، ولا يضمن الديمقراطية.
لكن العلمانية السياسية تؤدي وظيفة محددة وحاسمة: تمنع عقيدة واحدة من امتلاك حق نقض مقدس على المجتمع كله.

الدولة في هذا التصور لا تقول إن الله موجود، ولا تقول إنه غير موجود. لا تحتاج إلى حسم سؤال ميتافيزيقي كي تنظّم المرور أو التعليم أو الضرائب أو العقود. وظيفتها أن تحمي المواطنين المختلفين في معتقداتهم على قدم المساواة، وأن تبرر الإكراه القانوني بأسباب عامة قابلة للنقاش، لا بمجرد القول إن فئة من المواطنين تؤمن بأن السماء أمرت بذلك.

المؤمن حر في عبادته، والملحد حر في عدم إيمانه، وكلاهما مواطن كامل. لا ينتصر أحدهما على الآخر باستخدام الشرطة والمحكمة والوزارة.

بهذا المعنى، العلمانية ليست انتصار الملحد، إنها خسارة الجميع لحق فرض عقيدتهم بالقوة.

لا يمكن إنكار الاستعمار والحروب والتدخلات الخارجية والانقلابات والحدود المصطنعة ونهب الموارد وآثارها الطويلة. من السخف أن نتحدث عن التاريخ وكأن كل مجتمع بدأ من نقطة صفر متساوية. لكن الاعتراف بأثر التاريخ شيء، وتحويل التاريخ إلى إعفاء دائم من المسؤولية شيء آخر. الاستعمار القديم لا يفسر وحده لماذا يُعيّن مسؤول معاصر قريبه بدل الأكفأ. والحرب لا تفسر كل مدرسة تمنع السؤال. والتدخل الخارجي لا يفسر كل جامعة تكافئ الطاعة أكثر مما تكافئ البحث. كما أن نقد الداخل لا ينبغي أن يصبح ذريعة لمحو مسؤولية القوى الخارجية. السؤال «ماذا فعلوا بنا؟» مشروع وضروري. لكن لا توجد نهضة إذا لم يتبعه السؤال الأصعب: ماذا نفعل نحن بأنفسنا الآن؟ النضج السياسي يبدأ عندما نستطيع حمل السؤالين معًا، من دون أن نستخدم أحدهما لدفن الآخر.

كل المجتمعات تخطئ. اليابان وأوروبا والولايات المتحدة والعالم العربي كلها تحمل تناقضاتها وإخفاقاتها. الفارق ليس بين مجتمع معصوم وآخر فاشل، لا وجود للأول. الفارق في وجود آليات تستطيع اكتشاف الخطأ وإجبار السلطة على مراجعته: صحافة، قضاء، جامعة، مجتمع مدني، انتخابات، رقابة، شفافية، وحق في السؤال والاعتراض.

المؤسسة التي تستطيع أن تقول «أخطأنا» تملك مستقبلًا. أمّا المؤسسة التي تحتاج دائمًا إلى القول «كنا على حق» فتراكم الخطأ حتى يصبح تقليدًا، ثم يصبح التقليد هوية، ثم يصبح نقد الهوية خيانة. ولهذا لا نحتاج إلى مقدّس جديد، حتى لو كان اسمه «العلم» أو «العلمانية» أو «الإلحاد». العلم نفسه ليس كتاب إجابات نهائية، بل طريقة منظمة لتقليل الخطأ. والعلمانية إذا تحولت إلى عقيدة قمعية تخون المبرر الأخلاقي الذي قامت عليه. والإلحاد إذا طالب بحصانة من النقد لا يختلف في آلية التفكير عن اليقين الذي ينتقده. إذا ظهر دليل يهدم جزءًا من هذه المقالة، فيجب تعديلها. هذا ليس ضعفًا، هذه هي الفكرة كلها.

الحضارة ليست ما تؤمن به، بل مقدار ما تستطيع مراجعته وتصحيحه عندما يثبت الواقع أنك كنت مخطئًا.

القنبلة النووية وحش واضح. نرى ضحاياها، ونعرف تاريخ سقوطها، وندرك أن المدينة التي دمرتها تحتاج إلى إعادة بناء. أما الفكرة التي تتحول إلى سلطة مقدسة فقد لا يكون لها يوم انفجار واحد. قد تعمل ببطء، كل صباح: عندما يخاف طفل من السؤال، أو يصمت صحفي لأن بعض الأسماء لا تُمس، أو يختبئ غير المؤمن كي يعيش بأمان، أو تتحول المرأة إلى مشروع رقابة، أو يختار المسؤول الولاء بدل الكفاءة، أو يحتمي السياسي بالمقدس من المحاسبة. القنبلة تستطيع أن تهدم جامعة، لكن يمكن إعادة بناء الجامعة. تستطيع أن تحرق مكتبة، لكن يمكن طباعة الكتب من جديد. تستطيع أن تدمر مصنعًا، لكن يمكن إنشاء مصنع آخر. أما النظام الذي يعلّم الإنسان أن بعض الأسئلة لا يجوز طرحها، وبعض الأشخاص لا يجوز نقدهم، وبعض الأفكار لا يجوز مراجعتها لأن القداسة أغلقت الباب حولها، فهو لا يدمر المبنى فقط، إنه يضرب القدرة التي كان يمكن أن تعيد بناء كل شيء. لهذا ليست أخطر المجتمعات تلك التي انهارت مبانيها. أخطرها قد تكون تلك التي بقيت مبانيها واقفة بينما مات السؤال داخلها. السؤال الذي يقرر المستقبل ليس كم نملك من النفط، ولا كم مسجدًا أو جامعة بنينا، ولا كم مرة رددنا أمجاد الأجداد.

السؤال الأكثر قسوة هو:
كم مساحة تركناها للإنسان لكي يفكر بلا وصي؟ لأن المدينة التي تدمرها القنبلة يمكن أن يعيد العقل بناءها. أما إذا دمرنا نحن حرية العقل، فمن سيعيد بناءنا؟


مراجع وإحالات مختارة

1. دستور جمهورية مصر العربية 2014، المادة الثانية، الهيئة العامة للاستعلامات المصرية. - المصدر الرسمي
2. دستور دولة الإمارات العربية المتحدة، المادة السابعة، بوابة تشريعات الإمارات. - المصدر الرسمي
3. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية 2002: خلق الفرص للأجيال القادمة. - صفحة التقرير
4. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة. - صفحة التقرير
5. جيمس إي. فيستال، «التخطيط من أجل التغيير: السياسة الصناعية والتنمية الاقتصادية اليابانية 1945–1990»، مطبعة جامعة أكسفورد، 1995. - صفحة المرجع
6. البنك الدولي، جمهورية كوريا: التحول من اقتصاد متلقٍ للمساعدات بعد الحرب إلى اقتصاد مرتفع الدخل قائم على التعليم والبنية التحتية والتكنولوجيا والابتكار. - صفحة البنك الدولي



#سامي_القسيمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من نورمبرغ إلى الإرهاب الجهادي
- النصوص المقدسة بين الأسطورة والواقع
- الدين والعنف... بين المعتقد والدمار
- حين يكفّ الإله عن العظمة: قراءة تمهيدية في فكر كريستوفر هيتش ...
- الصراع بين الدين والعبثية
- لماذا نحن، ولماذا هم؟
- السعودية والإمارات: خمسون عامًا من الظلال - التطرف، الاغتيال ...
- دور المملكة العربية السعودية في تمويل الإسلام ونشوء الجماعات ...
- برنامج الحج عبر الإنترنت: تجربة الحج في عالم الواقع الافتراض ...
- الحيوانات المتفوقة: تحديات وجودية في ظل عبثية الخلق
- تحليل فلم صاحب المقام للكاتب ابراهيم عيسى
- بائعة جسد متطرفة
- السبايا في القرآن والسنة
- فنون المسلمون في إذلال الذميين
- الحشيش بديلا عن القات في اليمن – رؤية إقتصادية وصحية - جزء ث ...
- الحشيش بديلا عن القات في اليمن – رؤية إقتصادية وصحية - جزء أ ...
- أين هو قبر النبي محمد ؟
- الأمثال والتعابير التي إقتبسها القرآن من الكتب المقدسة
- الحجر الأسود والوثنية
- الحرق وداعش في التراث الإسلامي


المزيد.....




- الجزائر.. توقيف مشتبه به في قضية الإساءة إلى الإسلام والنبي ...
- مذيعة مصرية تثير الجدل بتعليقات عن الأذان والمسيحيين.. ووقف ...
- نتنياهو يحذر من وصول -الإخوان المسلمين- لحكم إسرائيل
- من الرهاب إلى الإعجاب.. كيف أصبح الإسلام -رمز الانضباط- عند ...
- 8 دول عربية وإسلامية تدين مخطط E1 الاستيطاني وتحذر من تقويض ...
- كيف أعاد -الإخوان المسلمون- في مصر تشكيل استراتيجيتهم الإعلا ...
- مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى
- الفاتيكان يعتزم إنشاء محطة طاقة شمسية بـ100 مليون يورو
- سولتانوفسكي: موسكو مستعدة لمشاورات منفصلة في الفاتيكان ولا ت ...
- تعايش سلمي: اليهود والمسلمون في البوسنة والهرسك


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامي القسيمي - قنبلة المقدّس