سامي القسيمي
الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 03:01
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
- من نورمبرغ إلى الإرهاب الجهادي: كيف تصنع الأيديولوجيا مجرمًا بلا شعور بالذنب؟
لا شيء أسهل من الغضب بعد مقتل أبرياء.
ولا شيء أقل فائدة منه.
بعد كل تفجير في سوق، أو هجوم على كنيسة، أو مجزرة في شارع مزدحم، أو قتلٍ عشوائي في مناسبة دينية، يتكرر المشهد ذاته: صور، دموع، إدانات، ثم الجملة الجاهزة التي تريح الضمير الجمعي: هؤلاء وحوش.
وحين نقول ”وحوش”، نغلق الملف.
نقفل النقاش.
ونقنع أنفسنا أن الشر جاء من خارج عالمنا، من خارج البشر، من خارج المنطق. لكن التاريخ، إن كان له درس واحد صادق، فهو هذا:
أخطر القتلة ليسوا الوحوش، بل المؤمنون.
المؤمنون بفكرة.
المقتنعون بأنهم يؤدون واجبًا.
الذين يقتلون وهم مطمئنون أخلاقيًا.
- نورمبرغ: حين اكتشف العالم أن الشر لا يصرخ
بعد الحرب العالمية الثانية، وقف قادة نازيون في قفص الاتهام في محاكمات نورمبرغ. كان العالم يتوقع أن يرى مسوخًا، أو قتلة ساديين، أو أشخاصًا فقدوا صلتهم بالواقع.
لكن ما رآه كان أكثر إزعاجًا من أي كابوس: رجالًا عاديين.
يتحدثون بهدوء.
يشرحون أفعالهم بلغة إدارية جافة.
يستخدمون كلمات مثل ”الضرورة”، و”الأوامر”، و”المصلحة العليا”.
لا صراخ. لا ندم. لا جنون.
هنا سقطت الكذبة المريحة التي عاش عليها البشر طويلًا: أن الشر استثناء، وأن الإبادة تحتاج حقدًا شخصيًا أو جنونًا مرضيًا.
كشفت نورمبرغ أن القتل الجماعي يمكن أن يُدار بعقل بارد، وأن الإجرام قد يكون منظمًا، مؤسسيًا، عقلانيًا، ومبررًا أخلاقيًا داخل منظومته.
الأهم أن المحكمة رفضت دفاع ”كنت أنفذ الأوامر”.
للمرة الأولى قال العالم بوضوح: الطاعة لا تُسقط المسؤولية.
وهذا ليس تفصيلًا قانونيًا، بل انقلابًا أخلاقيًا: لأن الاعتراف بالطاعة كعذر كان يعني أن الجريمة تصبح ممكنة متى وُجدت سلطة.
- الطبيب الذي نظر في وجوه القتلة
في سجن نورمبرغ، كان هناك رجل لم يحمل سلاحًا ولم يصدر حكمًا، لكنه خرج بواحدة من أكثر النتائج رعبًا في القرن العشرين: الطبيب النفسي العسكري الذي فحص القادة النازيين قبل محاكمتهم.
ما وجده لم يكن جنونًا.
لم يكن هلاوس.
لم يكن انفصالًا عن الواقع.
وجد قناعة.
وجد تبريرًا.
وجد قدرة مذهلة على الفصل بين الفعل ونتيجته الإنسانية.
هؤلاء لم يروا أنفسهم قتلة.
رأوا أنفسهم منفذين لمهمة تاريخية.
جزءًا من مشروع أكبر منهم.
أدوات في آلة ”الضرورة”.
بعد سنوات، أنهى هذا الطبيب حياته بالطريقة نفسها التي أنهى بها أحد أبرز القادة النازيين حياته. لا يهمنا هنا التحليل النفسي الدقيق بقدر ما يهمنا المعنى الرمزي:
حين تكتشف أن القاتل لا يختلف جذريًا عن البشر العاديين، تصبح المعرفة نفسها عبئًا.
- لماذا يخصّنا هذا اليوم؟
لأن من يعتقد أن نورمبرغ قصة منتهية لا علاقة لها بالحاضر، لم يفهم نورمبرغ أصلًا.
ما الذي يختلف جوهريًا بين رجل قتل لأنه يؤمن بنقاء العرق، ورجل يفجّر نفسه لأنه يؤمن بأنه ينفّذ أمرًا إلهيًا وفق تفسيره؟
الرموز مختلفة.
اللغة مختلفة.
الملابس مختلفة.
لكن الآلية واحدة.
في الحالتين:
• يقين مغلق لا يقبل النقاش
• تقسيم صارم للعالم إلى ”نحن” و”هم”
• نزع ممنهج لإنسانية الضحية
• تحويل القتل من جريمة إلى واجب
الاختلاف في الشعارات لا يلغي التشابه في البنية.
- الإرهاب الجهادي: القتل بوصفه طاعة
الإرهابي الذي يقتل مدنيين لا يرى نفسه مجرمًا.
وهذا هو بيت القصيد.
هو لا يرى دمًا، بل ”تكليفًا”.
لا يرى طفلًا، بل ”ابن عدو”.
لا يرى سوقًا، بل ”هدفًا مشروعًا”.
الأيديولوجيا السلفية الجهادية - كما تتبناها التنظيمات الإرهابية - لا تقوم فقط على الكراهية، بل على شيء أخطر: طمأنينة أخلاقية زائفة.
هي لا تقول لأتباعها: اقتل لأنك غاضب.
بل تقول: اقتل لأنك على حق.
وهنا الفرق بين القاتل الغاضب والقاتل المؤدلج:
الأول قد يتردد،
أما الثاني فلا يفعل.
- اللغة التي تسبق الرصاصة
لا يبدأ القتل بالسلاح، بل بالكلمات.
حين يُسمّى الإنسان ”كافرًا حربيًا”، أو ”مرتدًا”، أو ”طاغوتًا”، أو ”نجسًا”، لا نكون أمام توصيف بريء، بل أمام عملية نزع إنسانية.
الفرد يُختزل إلى فئة.
الفئة تُنزَع عنها القيمة الأخلاقية.
وبعدها، يصبح قتلها ممكنًا نفسيًا.
هذه ليست نظرية.
هذا ما تُظهره دراسات العنف الجماعي: لا أحد يستطيع قتل إنسان وجهًا لوجه ما لم يُقنع نفسه أولًا أن الضحية ليست إنسانًا كاملًا مثله.
اللغة هنا ليست انعكاسًا للعنف، بل شرطه.
- لماذا المدنيون؟
يُطرح هذا السؤال دائمًا بنبرة استغراب: لماذا يستهدف الإرهابيون المدنيين؟ الأسواق؟ الاحتفالات؟ أعياد الميلاد؟ دور العبادة؟
الجواب البسيط والمؤلم هو: لأن المدني يمثل الحياة العادية.
والهدف ليس القتل فقط، بل تحطيم معنى الحياة العادية نفسها.
قتل جندي فعل حربي.
قتل مدني رسالة.
رسالة تقول: لا مكان آمن.
لا فرح محمي.
لا قداسة محترمة.
لا إنسان خارج منطقنا.
العنف هنا لا يهدف إلى النصر العسكري، بل إلى السيطرة على الخوف، وعلى المعنى، وعلى المجال العام.
- لا تخلطوا الدين بالجريمة… ولا تبرّئوا الأيديولوجيا
في هذا الموضع يُطرح عادة اعتراض شائع مفاده أن “الإسلام كدين لا علاقة له بالإرهاب، وأن ما يحدث هو مجرد سوء فهم أو انحراف تنظيمي”. هذا الاعتراض، رغم شيوعه، يتجاهل حقيقة أساسية: أن الأيديولوجيا لا تُخلق من فراغ. فالنصوص المؤسسة - القرآن، والسيرة النبوية، والتراث الفقهي - تحتوي على تصورات واضحة للعالم، للعدو، وللعنف المشروع، وقد جرى تاريخيًا تفعيل هذه التصورات سياسيًا وعسكريًا.
لا يعني هذا أن كل مسلم يتحول بالضرورة إلى قاتل، لكنه يعني أن الإرهاب الجهادي لا يستمد شرعيته من “الهواء”، بل من نصوص وتأويلات حاضرة في الوعي الديني اليومي، تُدرَّس، وتُكرَّر، ويُطلب من المؤمن “تطبيقها” عمليًا. إن إنكار هذا الارتباط لا يخدم النقد، بل يحوله إلى إنكار مريح للواقع.
الثانية تقول: لا علاقة للفكر بما يحدث.
وهذه كذبة أخطر، لأنها تبرّئ المنظومة التي تصنع القتلة، وتحوّل الجريمة إلى ”سوء فهم” أو ”رد فعل”.
الحقيقة التي لا يريد كثيرون قولها بوضوح هي:
هناك أيديولوجيا محددة، تكفيرية، مغلقة، حديثة نسبيًا، تستخدم الدين مادة خام، وتحوّله إلى أداة قتل.
نقد هذه الأيديولوجيا ليس هجومًا على دين، بل دفاع عن البشر، مسلمين وغير مسلمين.
- القاتل العادي أخطر من الوحش
الوحش يخيفك، لكنك تعرفه.
أما القاتل العادي، فهو يشبه الجار، والزميل، والطالب، والموظف.
هذا ما أخافتنا به نورمبرغ. وهذا ما نراه اليوم في تسجيلات مصوّرة لإرهابيين يتحدثون بهدوء عن ”الواجب” و”الحق” و”النص”.
الشر لا يحتاج صراخًا. يحتاج يقينًا.
- المسؤولية لا تسقط
لا بالسياق.
ولا بالهوية.
ولا بالمظلومية.
من يضغط الزناد مسؤول.
ومن يبرر له مسؤول.
ومن يصنع الأيديولوجيا التي تمنحه الطمأنينة مسؤول.
التفسير ليس تبريرًا.
لكن من دون تفسير، سنبقى ندين ونغضب ونُفاجأ… ثم نُقتل من جديد.
- حين يُقتل المفكر لأن الفكرة كفر
إذا كان الإرهاب الجهادي يبرّر قتل المدنيين باعتبارهم ”أهدافًا”، فإنه يبرّر قتل المفكرين باعتبارهم أخطر من المدنيين.
المدني يُقتل لأنه ”ينتمي إلى عالم العدو”.
أما المفكر، فيُقتل لأنه يهزّ المعنى نفسه.
في هذا المنطق، لا تُعد الكلمة رأيًا، بل تهديدًا وجوديًا ولا يُنظر إلى النقد بوصفه نقاشًا، بل ”إفسادًا في الأرض”. لهذا لم تكن اغتيالات المفكرين في العالم العربي حوادث معزولة، بل نتيجة منطقية لبنية فكرية ترى في الاختلاف جريمة، وفي السؤال خيانة.
اغتيال فرج فودة عام 1992 مثال صارخ:
لم يكن مسلحًا، ولم يدعُ إلى عنف، ولم يؤسس تنظيمًا.
كل ”ذنبه” أنه انتقد الفكر الديني المتطرف ودافع عن الدولة المدنية.
والأخطر أن قاتليه صرّحوا أنهم لم يقرأوا كتبه، بل قتلوه لأن ”شيوخًا قالوا إنه كافر”.
هنا تتجلى عادية الشر بأقسى صورها: القاتل لا يحتاج إلى معرفة، بل إلى تفويض.
وكذلك محاولة اغتيال نجيب محفوظ عام 1994:
روائي يُطعن لأنه كتب رواية.
مهاجم لم يقرأ النص، لكنه ”عرف” أنه خطير.
هذه ليست حادثة فردية، بل نتيجة مباشرة لفكرة تقول: من يملك تفسير النص يملك حق الحياة والموت.
ثم تأتي قضية سلمان رشدي لتؤكد أن هذا المنطق لا يعرف حدودًا جغرافية:
كتاب → فتوى → تهديد عالمي → محاولة قتل بعد عقود.
الفكرة ليست الكتاب، بل أن الاختلاف لا يُردّ عليه بالكلام، بل يُمحى بالجسد.
- من اغتيال المفكر إلى تفجير المدني: الخط المستقيم
قد يبدو اغتيال مفكر وتفجير مدنيين فعلان مختلفان أخلاقيًا، لكن داخل الأيديولوجيا الجهادية هما فعلان من المنطق نفسه.
الآلية واحدة:
1. تحديد ”عدو”
2. نزع إنسانيته لغويًا
3. منحه صفة وجودية (كافر، مرتد، محارب(
4. تحويل قتله إلى واجب
الفرق فقط في نطاق الهدف.
خلال الانتفاضة الثانية، شهدت إسرائيل موجة تفجيرات انتحارية داخل حافلات ومطاعم وأسواق.
الضحايا كانوا مدنيين: نساء، أطفال، عمال، طلاب.
هذه العمليات لم تكن أفعال يأس عفوية، بل مُخططة، ومُبرَّرة أيديولوجيًا، ومُقدَّمة للمنفذ على أنها ”شهادة”.
المنفذ لا يرى نفسه قاتلًا.
يرى نفسه أداة خلاص.
وهنا تتكرر معادلة نورمبرغ بشكل مرعب:
”أنا لا أقتل، أنا أنفّذ”.
- لماذا لا يهمّ السياق السياسي في التبرير؟
قد يُقال: الاحتلال، القمع، الظلم.
وهذه وقائع سياسية يمكن - ويجب - مناقشتها.
لكن لا شيء منها يفسّر:
• قتل أطفال
• تفجير حافلة مدنية
• ذبح مصلّين
• أو اغتيال كاتب أعزل
السياق قد يشرح لماذا ينشأ الغضب،
لكنه لا يشرح لماذا يتحول الغضب إلى قتل أبرياء.
هنا يدخل العامل الحاسم:
الأيديولوجيا التي تزيل الخط الأخلاقي الأخير.
- نورمبرغ ليست ذكرى… بل إنذار
نورمبرغ لم تكن فقط محاكمة نازيين.
كانت تحذيرًا للعالم من لحظة يصبح فيها:
• اليقين أعلى من الإنسان
• والطاعة أعلى من الأخلاق
• والفكرة أعلى من الحياة
حين يتحول المعنى إلى مطرقة،
وحين يُختزل الإنسان إلى شعار،
وحين يُقنع القاتل نفسه بأنه على حق،
يصبح الشر عاديًا.
وهذا هو أخطر ما فيه.
المراجع
1. Hannah Arendt, Eichmann in Jerusalem: A Report on the Banality of Evil
2. Douglas Kelley, 22 Cells in Nuremberg
3. Christopher Browning, Ordinary Men
4. Zygmunt Bauman, Modernity and the Holocaust
5. Albert Bandura, ”Moral Disengagement in the Perpetration of Inhumanities”
6. John Horgan, The Psychology of Terrorism
7. Olivier Roy, Globalized Islam
8. Quintan Wiktorowicz, ”Anatomy of the Salafi Movement”
#سامي_القسيمي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟