محمد ابراهيم عرفة
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 17:44
المحور:
العلاقات الجنسية والاسرية
مقدمة
تُعد العلاقات العاطفية والجنسية بين النساء ظاهرة عرفتها مجتمعات بشرية مختلفة منذ العصور القديمة، وإن كانت طريقة فهمها وتسميتها والحكم عليها قد اختلفت اختلافًا كبيرًا من عصر إلى آخر. فمفهوم «المثلية الجنسية» بالمعنى الحديث، بوصفه هوية جنسية مستقرة يعرّف بها الإنسان نفسه، لم يكن موجودًا بالطريقة نفسها في معظم المجتمعات القديمة.
ولهذا فإن دراسة تاريخ المثلية بين النساء لا ينبغي أن تقتصر على البحث عن أمثلة لعلاقات جنسية أو عاطفية بين النساء، بل يجب أن تدرس أيضًا كيف تصورت المجتمعات القديمة علاقة المرأة بالمرأة، وكيف تعاملت القوانين والأديان والأعراف مع هذه العلاقات، ومتى ظهر مفهوم الهوية المثلية بصورته الحديثة.
أولًا: المثلية بين النساء في العالم القديم
توجد إشارات إلى علاقات عاطفية وجنسية بين النساء في عدد من الحضارات القديمة، وإن كانت المصادر المتاحة أقل بكثير من المصادر المتعلقة بعلاقات الرجال.
في اليونان القديمة تبرز بصورة خاصة جزيرة ليسبوس والشاعرة سافو (Sappho) التي عاشت في القرن السادس قبل الميلاد تقريبًا. كتبت سافو أشعارًا تعبّر عن الحب والإعجاب والاشتياق إلى النساء، وأصبحت لاحقًا من أشهر الشخصيات المرتبطة بتاريخ الحب بين النساء.
ومن اسم جزيرة ليسبوس نشأت كلمة «السحاقية» (Lesbian) في اللغات الأوروبية الحديثة، وإن كان استخدام المصطلح بمعناه الحالي قد تطور بعد عصر سافو بقرون طويلة.
ولا ينبغي، مع ذلك، إسقاط مفهوم «الهوية المثلية» المعاصر مباشرة على سافو أو على المجتمع اليوناني القديم؛ فتصنيفات الجنس والرغبة في العالم القديم كانت مختلفة عن التصنيفات الحديثة.
ثانيًا: روما والعالم المتوسطي
وصلتنا من الأدب الروماني والعالم المتوسطي إشارات متفرقة إلى العلاقات الجنسية بين النساء. غير أن المصادر الرومانية لم تتعامل مع «المثلية النسائية» باعتبارها هوية اجتماعية مستقلة بالمعنى المعاصر.
وكانت الثقافة الرومانية تهتم بدرجة كبيرة بمسائل المكانة الاجتماعية، ودور الجنسين، والسلوك الجنسي المقبول، ولذلك كانت بعض الأحكام الأخلاقية مرتبطة بموقع الشخص الاجتماعي وبمدى توافق سلوكه مع التصورات السائدة عن الرجولة والأنوثة.
كما أن الأدلة التاريخية عن النساء أقل من الأدلة عن الرجال، لأن معظم النصوص التي وصلت إلينا كتبها رجال، ولأن الحياة الخاصة للنساء نادرًا ما كانت موثقة بصورة مباشرة.
ثالثًا: اليهودية والمسيحية في العصور القديمة
مع انتشار الديانات الإبراهيمية، دخلت العلاقات الجنسية في إطار أخلاقي وديني أكثر ارتباطًا بمؤسسة الزواج والأسرة.
وتوجد في النصوص اليهودية والمسيحية نقاشات واسعة حول العلاقات الجنسية، لكن النصوص المتعلقة تحديدًا بالعلاقات الجنسية بين النساء أقل وضوحًا وأقل عددًا من النصوص المتعلقة بالرجال.
وفي المسيحية القديمة والوسطى أصبحت الرؤية الأخلاقية للجنس مرتبطة بصورة متزايدة بالعفة والزواج والإنجاب، وتطورت عبر القرون قواعد كنسية تتناول السلوكيات الجنسية المختلفة.
غير أن الموقف من العلاقات بين النساء لم يكن دائمًا مطابقًا للموقف من العلاقات بين الرجال؛ إذ اختلفت القوانين الكنسية واللاهوتية في توصيفها والعقوبات المتعلقة بها.
رابعًا: العالم الإسلامي في العصور الوسطى
عرف التراث العربي والإسلامي بدوره نقاشات حول العلاقات الجنسية بين النساء، وظهر في الأدب والفقه والتاريخ ما يدل على معرفة المؤلفين بوجود هذه الممارسات.
ومن المصطلحات التي استخدمها بعض الكتاب مصطلح «السحاق»، الذي أصبح في التراث الفقهي اسمًا للعلاقة الجنسية بين النساء.
وقد تناول الفقهاء المسألة من زوايا مختلفة، وناقشوا طبيعة الفعل وحكمه والعقوبة المتعلقة به، مع اختلافات في التفاصيل بين المذاهب والمصادر.
وفي المقابل، نجد في الأدب العربي القديم نصوصًا تتحدث عن جمال النساء وحب النساء للنساء، وأحيانًا عن علاقات عاطفية أو جنسية، وهو ما يكشف أن الظاهرة كانت معروفة في الثقافة العربية، حتى وإن كانت النظرة الدينية والاجتماعية السائدة إليها رافضة لها.
ومن المهم التمييز هنا بين وجود الظاهرة وبين وجود مفهوم «المرأة المثلية» بوصفها هوية شخصية واجتماعية؛ فهذا المفهوم الأخير حديث نسبيًا.
خامسًا: أوروبا في العصور الوسطى
في أوروبا المسيحية خلال العصور الوسطى، خضعت العلاقات الجنسية لمراقبة دينية وقانونية قوية. وكانت المؤسسات الدينية تضع تصورات تفصيلية للسلوك الجنسي المقبول والمرفوض.
وتوجد في المصادر الدينية والقانونية إشارات إلى ممارسات جنسية بين النساء، لكن المؤرخين يواجهون مشكلة كبيرة في تفسير هذه المصادر؛ لأن كثيرًا منها كُتب من منظور رجال الدين والقانونيين، وليس من منظور النساء أنفسهن.
لذلك يجب الحذر عند استخدام الاعترافات أو النصوص القضائية باعتبارها وصفًا مباشرًا لتجارب النساء؛ فقد تكون هذه النصوص متأثرة بالتصورات الأخلاقية والقانونية للمؤلفين.
سادسًا: عصر النهضة وبداية العصر الحديث
مع عصر النهضة الأوروبية ثم العصر الحديث المبكر، بدأت تظهر كتابات أدبية وفلسفية وطبية أكثر اهتمامًا بالجنس والرغبة الإنسانية.
ومع ذلك، لم تكن المرأة التي تنجذب إلى النساء تُفهم بالضرورة باعتبارها صاحبة «هوية مثلية». فقد كان من الممكن تفسير السلوك من خلال مفاهيم مثل الخطيئة، أو الانحراف الأخلاقي، أو الرغبة الجنسية، أو حتى الصداقة العاطفية.
ومن الأمثلة الشهيرة في الأدب الأوروبي قصص وكتابات نساء عبّرن عن علاقات عاطفية عميقة مع نساء أخريات، لكن تفسير هذه العلاقات بوصفها «مثلية» بالمعنى الحديث يظل موضوعًا يحتاج إلى الحذر التاريخي.
سابعًا: القرن التاسع عشر وظهور التصنيف الطبي
شهد القرن التاسع عشر تحولًا مهمًا؛ فقد بدأ الأطباء وعلماء النفس في أوروبا بتصنيف السلوكيات والرغبات الجنسية ضمن مفاهيم طبية ونفسية جديدة.
وفي هذه الفترة بدأ الانتقال تدريجيًا من النظر إلى بعض السلوكيات الجنسية باعتبارها أفعالًا منفردة إلى النظر إليها باعتبارها تعبيرًا عن نوع من الشخصية أو الميل الجنسي.
وكان هذا التحول جزءًا من عملية أوسع ساهم فيها ظهور علم الجنس والطب النفسي الحديث.
وأصبح السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان الشخص قد مارس فعلًا جنسيًا معينًا، بل أيضًا بالسؤال عن نوع الرغبة التي يحملها الإنسان ومن ينجذب إليه
وهنا بدأت تتشكل تدريجيًا فكرة «المثلية الجنسية» باعتبارها تصنيفًا للميول الإنسانية.
ثامنًا: القرن العشرون وتكوّن الهوية المثلية
في القرن العشرين أصبح مفهوم المثلية الجنسية أكثر انتشارًا في الطب وعلم النفس والعلوم الاجتماعية.
وفي البداية صنفت المؤسسات الطبية المثلية الجنسية باعتبارها اضطرابًا أو انحرافًا، لكن هذا التصور تعرض لنقد متزايد خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
وشهدت المجتمعات الغربية منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين ظهور حركات اجتماعية تطالب بحقوق المثليين والمثليات، وبدأت النساء المثليات في بناء تنظيمات ومساحات اجتماعية خاصة بهن.
وفي الولايات المتحدة وأوروبا ارتبطت الحركة المثلية النسائية أيضًا بالحركة النسوية، خصوصًا بالحركات النسوية الراديكالية وحركات تحرير المرأة.
وبذلك أصبحت «المرأة المثلية» تدريجيًا ليست مجرد وصف لسلوك جنسي، بل هوية اجتماعية وشخصية وسياسية.
تاسعًا: التحول الطبي والقانوني
كان النصف الثاني من القرن العشرين نقطة تحول أساسية.
ففي عام 1973 أزالت الجمعية الأمريكية للطب النفسي المثلية الجنسية من الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية. ثم تبعت ذلك تحولات مشابهة في المؤسسات الطبية والنفسية الأخرى.
وفي عام 1990 أزالت منظمة الصحة العالمية المثلية الجنسية من التصنيف الدولي للأمراض.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت دول مختلفة تغييرات في القوانين المتعلقة بالعلاقات الجنسية وحقوق المثليين والمثليات، وإن ظل الوضع القانوني مختلفًا بشدة من دولة إلى أخرى.
عاشرًا: المثلية النسائية في العالم المعاصر
في القرن الحادي والعشرين أصبحت المثلية النسائية موضوعًا حاضرًا في دراسات التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع ودراسات الجندر.
وأصبح الباحثون يميزون بين ثلاثة أمور ينبغي عدم الخلط بينها:
1. السلوك الجنسي: أي ممارسة علاقة جنسية مع امرأة أخرى.
2. الرغبة أو الميل الجنسي: الانجذاب العاطفي أو الجنسي إلى النساء.
3. الهوية: تعريف الإنسان لنفسه باعتباره مثلية أو مزدوجة الميول أو غير ذلك.
وهذه التفرقة مهمة جدًا عند دراسة التاريخ؛ لأن وجود علاقة بين امرأتين في مجتمع قديم لا يعني بالضرورة أن إحدى المرأتين كانت ترى نفسها وفق مفهوم «المثلية» الحديث.
خاتمة
تكشف دراسة تاريخ المثلية الجنسية بين النساء أن العلاقات العاطفية والجنسية بين النساء ليست ظاهرة ظهرت في العصر الحديث، بل توجد لها شواهد تاريخية وأدبية في مجتمعات مختلفة منذ العصور القديمة.
لكن مفهوم «المرأة المثلية» بوصفه هوية جنسية مستقرة ومستقلة هو مفهوم حديث نسبيًا. فقد انتقلت المجتمعات تدريجيًا من التركيز على الأفعال الجنسية إلى تصنيف الأشخاص بحسب ميولهم ورغباتهم، ثم إلى ظهور هويات وحركات اجتماعية وسياسية مرتبطة بهذه التصنيفات.
ومن ثم فإن التاريخ لا يقدم قصة واحدة متصلة للمثلية النسائية، وإنما يكشف عن تغير مستمر في الطريقة التي فهمت بها المجتمعات الحب والرغبة والجنس والمرأة والهوية. وهذه النقطة أساسية لفهم المثلية الجنسية بين النساء في العالم المعاصر، بعيدًا عن إسقاط المفاهيم الحديثة بصورة آلية على المجتمعات القديمة.
#محمد_ابراهيم_عرفة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟