أمير أمين
الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 15:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي وكنت حينها في الصف الخامس الابتدائي , كانت تثير إهتمامي الكثير من المشاهد والحوادث التي تحصل ونسمع بها بعد حصولها او قبل ذلك , حيث أنني ومعي بعض اصحابي عرفنا أن يوم غد سيهبط رئيس الوزراء بطائرة هليكوبتر في ساحة العرضات قادماً من بغداد ..! وهذا حدث مثير بالنسبة لي ولنا كأطفال ...قلت سوف لن تفوتني مشاهدة رئيس الوزراء لأني لم ارى مسؤولاً كبيراً بحجمه ..! خاصة وأن ساحة العرضات محاذية لمنطقة سكننا في الاسكان وهي ساحة كبيرة يتدرب بها الجنود على الركض والقفز والرماية ويتعلمون فنون القتال بالاسلحة الخفيفة والمتوسطة وفيها تل من التراب المتجمع بإرتفاع حوالي خمسين متر يستخدم للرماية وكثيراً ما نتسلق عليه ونلعب ..انتظرت بصبر قدوم الموعد المحدد ورحت للمكان وتسللت من بين جموع الجنود والانضباطية المتجمعين والذين بعضهم من جيراننا بحيث صرت في المقدمة حتى ارى رئيس الوزراء حينما تهبط طائرته الهليكوبتر , كان بعض الجنود يتحدثون بهمس من أن ابو فرهود سينزل بعد قليل بينما كانت الطائرة تحوم من بعيد..قلت مع نفسي لماذا يكنون رئيس الوزراء بأبي فرهود ..!! ضحك بعض الانضباطية وقال آخر إشش لا يسمعكم أحد ثم قال ثالث هذه الصفة غير صحيحة وهو شخص مستقيم لكنه في احدى المرات افتتح معملاً للخياطة وقال للمدير ماكو الي فد هدية قاط او بنطرون ..! وعقب آخر ..شنو هو محتاج للقاط ..راتبه جيد وعنده قوط كثيرة أكيد ..المهم كانوا يمزحون وفي الاثناء إقتربت الطائرة وارتفع الغبار الكثيف بكثرة في الجو ثم هدأ صوت محركها وبعد حوالي عشر دقائق نزل منها الفريق طاهر يحيى رافعاً يده اليمنى للأعلى مسلماً على الحضور بكلمة مرحبة إخوان ..كان الفقيد طاهر قصير القامة متين الجسد له رأس ضخم وشعره ناعم يرسله للخلف وله وجه تبدو عليه ملامح الطيبة ..ردد يعض الجنود والانضباطية إهلاً سيدي وقال آخر ..الله يساعدك سيدي ..ثم واصل سيره الى مجموعة من العسكر أوصلته الى سيارة سارت به الى بيت المحافظ ولا يوجد حرس شرف او سلام جمهوري او غير ذلك وتمت الامور بيسر وبشكل طبيعي وكان يرتدي الملابس المدنية , وعدت للبيت فرحاً بأنني شاهدت ولأول مرة في حياتي وعن قرب بضعة أمتار رئيس حكومة ينزل من الطائرة ويتمشى ..! كانت لحظات سعيدة ومفرحة علي كطفل صغير لكني لم أعرف وقت مغادرته مدينة الناصرية حتى أعود مجدداً لمشاهدته . والفريق الفقيد طاهر يحيى مواليد مدينة تكريت عام 1913.. (1913 - 19 أيار/مايو 1986 ) رئيس وزراء العراق لفترتين إبان حقبة الستينيات من القرن العشرين في عهدي الأخوين الرئيس عبد السلام عارف والرئيس عبد الرحمن عارف ونائبا لرئيس الوزراء في حكومة عبد الرحمن عارف عام 1968، كان ضابطا عراقيا عضوا في اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار وعددهم 15 ضابطا، وكان برتبة عقيد متقاعد ) عندما قام بالتعاون مع «جبهة الاتحاد الوطني» بثورة 14 تموز 1958 وإسقاط النظام الملكي وتأسيس جمهورية العراق . وقد عين يوم الثورة مباشرة وبموجب المرسوم الجمهوري رقم (5 ) مديرا للشرطة العام . وشغل لاحقا منصب رئيس أركان الجيش العراقي بعد انقلاب 8 شباط 1963.وكان شخصاً دمث الاخلاق ونزيه لكن بعض السفهاء من القوم هم من أطلق عليه لقب ..ابو فرهود ..وهؤلاء لو هم الآن على قيد الحياة ماذا سيقولون عن الجميلي واحمد الاسدي واحمد الجبوري والمئات من المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين الحرامية الذين يسرقون أموال اليتامى والارامل والاطفال الفقراء والمعوقين بالاضافة الى رواتبهم الخيالية ..وكم ابو فرهود صاروا عندنا او آباء الفرهود وامهات الفرهود كعالية نصيف جاسم وغيرها ..! بعد انقلاب 17 تموز عام 1968 , إعتقل الفريق طاهر يحيى في معتقل الفضيلية ببغداد ثم جرى نقله الى معتقل قصر النهاية الرهيب وفيه جرى تعذيبه على تهم لم يرتكبها سوى أنه كان رئيس وزراء في الحقبة السابقة وتم اذلال كرامته والحط من شخصيته بوسائل لا تمت للانسانية بصلة كرمي القاذورات عليه واجباره على تنظيف المرافق الصحية والكنس محل إقامته وضربه اثناء ذلك من قبل ازلام الامن وهم من اولاد الشوارع كما هو معلوم ..! وهنا تدهورت حالته الصحية وفقد الكثير من وزنه وطاقته وتوفى يوم 19 أيار عام 1986 ودفن في مقبرة الكرخ بغداد والفقيد الفريق طاهر يحيى تدرج بالرتب العسكرية نجمة بعد نجمة ولم يقفز على اي رتبة كعلي حسن المجيد وحسين كامل وعزة الدوري وصدام حسين وعدد من ضباط الوقت الحالي الذين لم يدخلوا للكلية العسكرية او كلية الشرطة ومنحت لهم رتبهم حسب الولاء ..الخ والفريق طاهر يحيى كان متزوجاً وله سبعة من الاولاد والبنات و اتضح بعد وفاته انه لا يملك سوى راتبه التقاعدي وداره في حي دراغ ببغداد ولم يستولي على ملكية أحد بسبب نفوذه بالحكومة والجيش ولا توجد له مزارع او مولات او سيارات من احدث الموديلات ..كان رجلاً عراقياً أصيلاً وكانت ميوله وطنية صرفة ..
..........................................................
الحكاية الثانية ..هي انني كانت لدي معلومات عن الثوار الشيوعيين الذين يتواجدون في اهوار مدينتنا وأعرف منهم عقيل حبش وسمعت ان من يقودهم جاء من لندن وإسمه خالد أحمد ..! في أحد أيام حزيران عام 1969 سمعنا نحن الاطفال ان برمائيات سوف تأتي وتذهب للهور للقضاء عليهم ..! قلنا خطية ..لماذا يقضون عليهم , وهل هم مجرمون..كان الناس الكبار يقولون هؤلاء ثوار يريدون القضاء على الحكومة وتخليص الشعب منها لذلك الحكومة تريد الاستباق مع الزمن وقتلهم والتخلص منهم ..كنّا نصيد الاسماك على جوانب نهر الفرات كل يوم تقرياً وعند عصر احد الايام شاهدنا البرمائيات التي جاءت من خلفنا تسير على الطريق ثم هبطت بالنهر وواصلت سيرها بإتجاه الاهوار وكان في داخلها عدد من قوات الجيش او الشرطة من الذين يرتدون البدلات الخاكية ..تألمنا وقلنا أن هؤلاء سوف يقتلون الثوار الذين صرنا نحبهم ونتمنى لثورتهم النجاح .. وعرفنا في اليوم الثاني ان معركة في هور الغموگة جرت يوم 3 حزيران 68 وإشتركت فيها بالاضافة للبرمائيات طائرة هليكوبتر واحدة وحوالي الف جندي وشرطي من سريتين من المغاوير من اللواء 15 التابع للفرقة الاولى , بينما كان عدد الثوار بحدود 12 إستشهد منهم ثلاثة وهم قائدهم خالد احمد زكي ومنعثر سوادي ومحسن حواس داود وجرى اعتقال اربعة هم سعيد وجمعة وجاسم وعقيل حبش بينما تكبدت القوات الحكومية ستة قتلى من الجيش والشرطة واكثر من عشرين جريحاً وتم اسقاط طائرة الهليكوبتر ومقتل طيارها ومساعده ..وحول قائد المجموعة الشهيد خالد احمد زكي فهو شاب ثوري مواليد عام 1935 وكان اسمه الحزبي جبار وكانت منطقة الاستشهاد هي ابو علاج في وسط الشط الفاصل بين هور الغموگة / وهور الحمّار .. الشطرة / الناصرية ..والشهيد خالد صار من الاسماء الثورية المعروفة في العراق ويمكن لأي عراقي ان يدخل إسمه في گوگل ويتعرف عليه بشكل كامل ..المهم إننا كأطفال وكنت حينها قد نجحت للصف الاول المتوسط نسمع ونتابع الاحداث من افواه الكبار الذين غالباً ما يتحدثون بهمس ..علمت ان عدداً من الجثث سوف تنقل الى المغيسل ..لغرض الغسل والتشريح وهو عبارة عن بناية قديمة تقع وسط المدينة وخلف المستشفى بمحاذات احد الشوارع ...رحت راكضاً للمكان ولما إقتربت من المغيسل إخفيت نفسي وشاهدت ان الباب الرئيسي مفتوح ..مددت رأسي لمعرفة ما الذي يحدث في الداخل , تفاجئت بأن مسؤول التشريح الفقيد حسن صمد يقف بالقرب من ميز كبير كان مطروحاً عليه جسد أحد الشهداء وكان يمسك بيده جاكوج ودرنفيس ويقوم بالطرق على رأس الشهيد لكي يفتحه من احدى الجهات بينما شاهدت جثتين او ثلاثة مرميات تحت الميز على الارض مباشرة ..هالني هذا المنظر المفجع .. بعد حوالي دقيقتين إنتبه لي الفقيد حسن صمد وصرخ بي ..ولك .. روح ..إنت شتسوي تباوع هنا ..بعد ذلك خفف من نبرة صوته وطلب مني الانصراف وقال ..أنا اقوم بعملي هنا بسرعة وبسبب الحر الشديد فتحت الابواب لكن لا أسمح لأحد بأن يرى طبيعة عملي ..غادرت مسرعاً الى البيت وفي الايام اللاحقة علمت ان هؤلاء هم الثوار الابطال الذين طلب منه ان يشرحهم لكي يتم نقلهم فيما بعد الى الطب العدلي في بغداد وهذا ما حصل في اليوم التالي وتم دفنهم هناك وحول قبر الشهيد خالد احمد فهو مزار في كل مناسبة يقوم بها اعضاء واصدقاء الحزب الشيوعي العراقي في بغداد..تحية محبة واجلال للثوار اليساريين الابطال .
#أمير_أمين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟