|
|
مِنْ مُذكَّرات إنْسَانَة مدْرسيَّات / 3
شذى توما مرقوس
الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 02:41
المحور:
سيرة ذاتية
مِنْ مُذكَّرات إنْسَانَة ــ مدْرسيَّات / 3
بوكلة المُعلِّمة وسَنوات العذاب الأُولى في المَدْرسَةِ الابْتِدائيَّة ( رِحْلَةُ ألمٍ تُرْوى بِابْتِسامةٍ ونُتْفةِ مَزح ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقلم : شذى توما مرقوس السبت 1 / نوفمبر / 2025 م ــ الثلاثاء 4 / آب / 2026 م .
ــ لا أَحكي هُنا هذهِ القِطْعة مِنْ الذِكريات عبثاً ، ولكِنْ لرُبَّما قَدْ يَسْتفيدُ مِنْها الآباء والأُمَّهات في قِراءةِ وإِنْ نُتْفة مِمَّا قَدْ يدورُ في الرؤوسِ الصغيرَةِ لأَطْفالِهِم ، وأَيْضاً لإِظْهارِ مدَى تَأْثير الكادِر التَدْريسي في حيَاةِ الأَطْفال في السَنواتِ الدِراسيَّة الأُولى بِالذات .... ـــ رُبَّما كانَ زَمننا زَمَن السَذاجةِ ، فالأَطْفال لَمْ تَكنْ لهُم في أَجيالنا كميَّة المَعلوماتِ الَّتي لَدى أَجيال اليَوْم . ــ على الأَهل أَنْ يُعلِّموا أَطْفالَهُم أَنْ يبوحوا لَهُم بِكُلِّ شَيء ، حتَّى لا يَمنَعهُم الخَوْف مِنْ ذلِك . ــ هموم الأَطْفال ما أَكْثَرها دُوْنَ أَسْبابٍ أَوْ مُبرِّرات مَنطقيَّة ومَعقُولَة ، فخيَالُ الأَطْفال لا تَرْسمهُ حدودٌ ولا يَعْتَرِفُ بأَسْبَاب ، وما أَكْثرَ الأَشْياء الَّتي يَخافُ مِنْها الأَطْفال بِلا سَبَب ، فلا أَحدَ يَعْرِفُ ما يَعْتمِلُ في رؤوسِهم الصغيرَة ، ولا حتَّى هُم أَنْفُسهم ........
ــ أَعتَقِدُ إنَّ أَخْطرَ مَرْحلة في حيَاةِ الإِنْسَان ( بَلْ وكُلِّ الكائناتِ الأُخْرى) هي مَرْحلَة الطفولَة ، ففيها يُبْنى فَرْدُ المُسْتَقبل ، وكُلّما أَجادَ الوالِدان والمُجْتَمع انْتِقَاء واسْتِعمال أَدوات البِناءِ الفاخِرة كُلّما كانَ المُسْتَقبل لِلأَطْفال أَكْثر قُوَّةً وتَماسُكاً ، ولكِنْ ؛ أَيْضاً لَيْسَ دائماً .
............. حينَ سألْتُ أُمّي ذاتَ مرَّة عنْ طفُولَتي في السَنَواتِ الأُولى بَعدَ ولادتي ، أَخْبَرتْني بِأَنَّني كنْتُ طِفْلة هادئة ، لَمْ أُتْعِبها في التَرْبية ، لَمْ أَكُنْ أَبْكي كثيراً ، وكانَ بِإِمْكانِها أَنْ تَضعني في مهْدي ( وفيما بَعْدَ في المَرْجوحة الَّتي كانتْ تُسَمَّى بِالعاميَّة ــ دي ديا ــ ) وتَقْضي مُعْظمَ أَعْمالِها المنْزليَّة دُوْنَ أَنْ أُزْعِجها ..... هذَا الهدوء الَّذي ورَثْتهُ عنْ والِديّ بَقي صِفْة مُلازِمة لي كُلَّ سَنَوات عُمُري ....... حانَ عُمْر تَسْجيلي في المَدْرسَةِ الابْتِدائيَّة ، فأَخذتْني أُمّي إِلى المَدْرسَةِ القَريبةِ مِنّا ، دخلْنا غُرْفة المُديرة ، وكانَتْ تَبْدو علَيْها الهيبة لِدرَجةِ الخوْفِ مِنْها كطِفْلة ، أَطلعتْ على الأَوْراقِ والوثائقِ الرَسْميَّة ( هويَّة الأَحْوالِ المدنيَّة ، شَهادَة الجنْسِيَّة العراقيَّة .... وإلخ ) وأَتَمتْ تَسْجيلها ثُمَّ أَشَارَتْ لأُمّي بِأَنْ تُراجِع دائرَة الأَحْوالِ المدنيَّة لإِضَافةِ سَنة فَوْق عُمْري حتَّى تَتَمكَّن مِنْ قبولي في المَدْرسَة هذا العامّ لأَنَّ تَاريخ وِلادتي يَتَزامنُ مع بِدْءِ العامِّ الدِراسيّ ، وهكذا لَمْ أَكُنْ قَدْ بَلغتُ بَعد السنّ القانوني لِدخولِ المَدْرسَة ، وعليّ حِيْنَها انْتَظار السَنَة القَادِمة ، وحتَّى لا تَضيعُ عليّ سَنَة الدِراسَة يَجبُ إِضافَة سَنَة على عُمْري الحقيقي . رَاجع والدي الدائرَة المَعنيَّة وتَمّ تَعديل سَنَة مِيلادي وقُبِلتُ في المَدْرسَة .... لا أَذْكرُ كيْف ، ولِماذَا ومتَى بَدأَ الخوْفُ يتَنامى في نَفْسي مِنْ المَدْرسَة ، لكِنَّني أَذْكرُ إِنْ والدي كانَ أَباً مُنْتَبهاً لِحالِ صِغارهِ ، ويَبْدو إِنَّهُ انْتَبه لِخوْفي مِنْ المَدْرسَة دُوْنَ أَنْ أَقولَ لأحدٍ عنْ ذلِك ، فبادرَ إِلى زِيارَةِ جارنا لِيُشَاوِرهُ في الأَمْرِ ، وكانَ جارنا هذا مُديراً لِمَدْرسَةٍ ابْتِدائيَّة لِلبَنين في المنْطقة ، وطلبَ مِنْهُ المُسَاعدَة .... ذاتَ يَوْمٍ زَارنا هذا الجار وهو بِكامِلِ أَناقتِهِ بِظنِّ منْصِبِهِ الكبير كمُديرٍ لِمَدْرسَةٍ ابْتِدائيَّة ، بَدْلَة مكْويَّة بِعنايةٍ فائقة ، قَميصٌ أَبْيض بارِق في نَظافَتِهِ ، رَبْطةُ عُنُقٍ أَنيقة ، وحِذاء لَيْسَ علَيْه ذَرْة غُبار ، والعصا الَّتي كانَ يُعاقِبُ بِها التَلاميذ في يَدِهِ ، وهيْبَتهُ هذِهِ زَرَعتْ في داخلي خوْفاً وهلَعاً ، ورَغْم أَنَّني كنْتُ طِفْلَة ولا اسْتطَيعُ التَعْبيرَ عنْ مشَاعري ، لكِنَّ ظِلال هذِهِ المشَاعِر بَقيَتْ في داخلي لِما في بَعْد وكانَ بِإِمْكاني وَصْفها بَعْدَ سَنَواتٍ مِنْ ذَلِك ، تِلكَ المشَاعِر الَّتي حِيْنَها لَمْ أَفْهمْها ولَمْ أَتَمكَّنْ مِنْ تَرْتِيبِها أَو التَعْبيرِ عنْها ، شَعرْتُ بِهذا المُدير سَعيداً جِدَّاً بِمُهِمَّتِهِ ، فخُوراً بِطلَبِ مَشُورتِهِ وكأَنَّهُ نالَ وِسَاماً تَقْديراً لِخَدَماتِهِ في سِلكِ التَعْليمِ وشَهادَة اعْتِرافٍ بِقُدُراتِهِ ومسَاعيهِ ، كانَ مُنْتَفِخاً فَخْراً وتَباهياً .... كنْتُ أَجْلسُ إِلى جانبِ والدتي قَبَالَة والِدي وهذَا المُدير الَّذي بَدأَ بِإِلْقاءِ نَصائحِهِ وتَعْليماتِهِ وتَوْضيحاتِهِ عن المَدْرسَةِ وأَهميَّتها ........... وإلخ ، ورُبَّما كانَ سَيزولُ خوْفي مِنْ المَدْرسَةِ لَوْ لَمْ يَخْتمْ مُحاضَرتَه بِالقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ تَلْميذٍ يَرْفُضُ الذِهابَ لِلمَدْرسَة ستَقومُ الشُرْطة بِإِلْقاءِ القَبْضِ علَيْهِ ووَضْعِهِ في السِجْن ... وكانَ يُلوِّحُ بِالعصا الَّتي في يَدِهِ وكأَنَّهُ في صَفٍ دِراسيّ ، وقَوْلَهُ هذَا زادَ الطينَ بَلَّة ووضَعَ فَوْقَ مَخاوفي الَّتي كانَتْ كبيرَة في حدِّ ذَاتِها أَثْقالاً أُخْرَى فالشُرْطة مُخِيفة وهي تَأْخُذُ الأَطْفال مِنْ آبائهم وأُمَّهاتِهم وتَفْصُلَهم عنْ عوائلِهم ... وهذِهِ العصا الَّتي كانَتْ تَهْتَّزُ وتَتَأرْجحُ في الهواء وكأَنَّهُ يَهْوي بِها عليّ أَرْعبتْني وقَضَتْ على كُلِّ الأَمانِ والطُمأنينةِ في دَواخلي .... وهكذَا بَدلاً مِنْ أَنْ يَحلَّ هذا المدير المُشْكِلَة قَامَ بِتَعْقيدِها ، وكما نَقول في اللَهْجةِ العِراقيَّة الدارِجة ( آجا ديكحّلها عماها ) ، ازْدادَ خوْفي وصرْتُ أَعيشُ في قَلق ، وما لبثَ العامّ الدِراسيّ أَنْ بَدأ واقْتَادوني إِلى المَدْرسَة كما يَقْتَادون هارِباً إِلى حيْثُ يَسْتَحِق ...... تَمَّ تَقْسِيمنا على الشُعبِ ، وكانَ مِنْ نَصيبي الشُعْبَة ( أ ) ، ولَمْ أَتَمكَّنْ أَبداً وَقْتَها مِنْ تَفْسِيرِ خوْفي مِنْ حرْفِ الأَلِف ، عِلْماً بِأَنَّ شُعْبَة ( أ ) كانَتْ وكما يُشَاعُ حِيْنها بِأَنَّها مُخصَّصة لِمَنْ تُقدَّرُ مُسْتَويات الذَكاءِ فيهن بِدَرَجةِ : عالٍ ، هذِهِ المَعْلومة بِالذات وكما أَتَذكَّر زَرَعتْ في داخلي يَوْمها خوْفاً وتَحسُباً كبيرين مِنْ أَنْ أَخْذُلَ الآخَرين فلا أَكُونُ بِمُسْتَوى التَفوُّق الَّذي يَفْرِضهُ الذَكاء المُدخّر لِشُعْبَةِ ( أ ) وما يَتَرقَّبُونَهُ مِنّي ، اليَوْم اسْتَطيعُ الجَزْم بِأَنَّ هذَا الخَوْف والتَحسُب مِنْ خذْلان الآخَرين كانَ وراء ما شَعْرُتُ بِهِ كطِفْلَة مِنْ خوْفٍ مِنْ حرْف ( أ ) ، وهكذَا حطَّ حَرْف ( أ ) كوْمةً إِضافيَّة مِنْ الخوْفِ فَوْقَ خوْفي الأَصليّ ، كنْتُ أَجلُسُ على الرَحْلَة ( الرَحْلَة هي المَقْعد الَّذي يجْلُسُ علَيْهِ التَلْميذ في الصفِّ المَدْرسي ) في الصَفِّ ، وأَنا في أَشَدِّ حالاتِ الخوْفِ لا أَدْري متَى سيَنْتَهي الدَوام لأَهْرب عائدةً إِلى المَنْزِل ، وكُلَّ يَوْمٍ كانَ همَّاً على قلبي ، وكأَنَّ ما كانَ بي لَمْ يَكُنْ كافياً فالمُعلِّمة ( وكانَتْ في ذاتِ الوَقْت مُرْشِدة الصَفِّ والمَسْؤولة عنْهُ ) ، دَخلَتْ علَيْنا الصَفّ وهي بِكاملِ أَنَاقتِها وبِكعْبِها العالي ، كما كانَ شَائعاً حِيْنها ، وماأَثارَ خوْفي في أَناقَتِها كانَتْ تَسْريحة شَعْرِها ، ففي ذَلِك الوَقْت كانَتْ سَائرَة مُوضَة شدّ الشَعر إِلى أَعْلَى على شَكْلِ قِمَّة أَوْ تَاج ( تُسَمَّى بِالعاميَّة بُوكلة ) ، فكانَ يبْدو وكأَنَّهُ تلٌّ على الرَأْس ، وكُلَّما كانَ هذَا التَلّ أَعْلَى كانَت الأَناقَة تَزْدادُ أَوْجاً ، ومِنْ سُوءِ حظِّي كانَتْ مُعلِّمتنا ومُرْشِدَة صَفِّنا الست قدرية الطيّبة تَحْرِصُ كُلَّ الحِرْص على أَنْ يَكونَ التَلّ على رَأْسِها ( البُوكلة ) عالِياً جِدَّاً حيْثُ كانَتْ إِنْسَانة أَنيقة جِدَّاً جِدَّاً ، لَيْسَ في مَلابِسِها فقَطْ وإِنَّما حتَّى في رُوحِها وأَفْكارِها وتَعامُلِها وأَخْلاقِها وأسْلوبِها ، كانَتْ تُعامِلُ التَلْميذات في الصَفِّ بِلُطْفٍ ورِعايَة ، ما أَسْتَطيعُ قَوْلَهُ عنْها إِنَّها كانَتْ مُعلِّمة مُمتَازَة ، لكِنَّ بُوكلتها العاليَة أَضافَتْ إِلى خوْفي كميَّات أُخْرَى مِنْ الخوْف دُوْنَ أَنْ أَتَمكَّنَ مِنْ فِهْمِ هذِهِ المَخاوفِ الَّتي لا شَيْءَ يَدْعمها ، وأَيْضاً كطِفْلَة كنْتُ أَرَى فيها إِنْسَانَةً كبيرَة علَيْنا جِدَّاً نَحْنُ الصِغار وغريبَةً عليّ ، وهذِهِ الـ ــ كبيرَة علَيْنا جِدَّاً وغريبَةً عليّ ــ كانَتْ سَبَباً إِضافيَّاً في تَصاعُدِ دَرَجة الخوْفِ عِنْدي إِلى دَرَجات ، وأَدْرَكتْ الست قدرية بِذكائها مُنْذُ البِدايَة إِنّني أَعيشُ الخوْف مِنْ الصَفِّ والمَدْرسَة، فكانَتْ تُعامِلني بِأسْلوبٍ حنُونٍ جميل ، وتَقولُ لي : لا تَخافي ، وتُربِّتُ على كتِفي بِحنان .... لكِنْ كُلّ ذلِك لَمْ يَنْفعْ في إِزالةِ خوْفي ، فقَامتْ بِإِجْلاسي إِلى جانِبِ إبْنَتِها الَّتي كانَ لها نَفْس إِسْمي ( ورُبَّما كانَ هذا أَيْضاً سَبَباً في محبَّتِها لي ، فلقَدْ كنْتُ بِعُمْرِ ابْنتِها ولي نَفْس إِسْمها ) حتَّى أَشْعرُ بِالاطْمئنانِ أَكْثر ، لكِنَّ ذلِك لَمْ يُقلِّصْ مِنْ خوْفي أَوْ يُغيِّر مِنْهُ أَمْراً ، فلقَدْ تَفاقَم خوْفي وصرْتُ أَهْربُ مِنْ الصَفِّ بِمُجرَّدِ أَنْ تَلتَفِت المُعلِّمة لِتَكْتُبَ على السَبورة ، فأَفْتحُ بابَ الصَفِّ المُغْلق وأَهْرَبُ مِنْهُ وأَعودُ إِلى المنْزِل ، وأَحْياناً كثيرَة كنْتُ أَخافُ أَنْ يَغْضبَ منّي والديّ فكنْتُ اخْتَبِئُ في سَاحةِ المَدْرسَة حتَّى نِهايَة الدوامِ ثُمَّ أَعودُ إِلى المنْزِل مَع خروجِ التَلْميذاتِ مِنْ المَدْرسَة وكأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَحْدثْ ، ولأَنَّ الأَمْرَ تَكرَّر ظنَّتْ الست قدرية إِنَّ البابَ المُغْلق هو الَّذي يُثيرُ خوْفي وهلعي ، فصارَتْ تُبْقي بابَ الصَفِّ أَثْناءَ الحِصَّة الدِراسِيَّة مفْتُوحاً علّ ذلِك يُسَاعدني في التَغلُّبِ على خوْفي ويَمْنحني الأَمان ، لكِنَّ ذلِك لَمْ يأتِ بِنَتيجة ، إذْ اسْتَمَّرَتْ مُحاولات هروبي كُلَّ يَوْمٍ مِنْ الصفِّ ، فلجأَتْ الست قدرية إِلى مُحاولَةٍ أُخْرَى حيْثُ أَجْلستْني أَنا وابْنَتها شذى في الرَحْلَةِ الأَماميَّة قَريباً مِنْها حيْثُ تَقِفُ لإِلْقاءِ الدرْسِ علَيْنا حتَّى أَكونَ تَحْتَ رِعايتِها أَكْثر ، لكِنَّ ذلِك لَمْ يُوقِف مُحاولاتَ هروبي في كُلِّ مرَّة ، ذاتَ مرَّة وأَنا أُحاولُ الهروب اسْتَطاعتْ الست قدرية الإِمْسَاك بي مِنْ يدي وإِفْشَال مُحاولَة هروبي ، وصارَتْ تُطمئنني بِأَنَّهُ لا يُوجدُ في الصَفِّ ما يَدْعو لِلخوْفِ ، لكِنَّ إِمْسَاكها بي بِشَكْلٍ مُفاجئ وتَثْبيتُ يدي في يدِها رَفَع مُسْتَوى الخوْف عِنْدي أَكْثر وأَكْثر فصرْتُ أَخافُ مِنْها شَخْصيَّاً خصُوصاً حيْنَ انْحنَتْ بِقَامتِها نَحْوي لِتَكونَ في مُسْتَوى قَامتي وصارَ وَجْهها قبالَة وَجْهي ، أَذْكرُ لَحظات الرُعْبِ تِلك كما لَوْ كانَتْ بِالأَمْسِ ، وفي مُحاولَةٍ أَخيرةٍ مِنْها لَجأَتْ إِلى إِيقاعِ القَصاصِ بي ذاتَ مرَّة حيْنَ حاولْتُ الهرَب وأَفْشَلتْ مُحاولتي مُجدَّداً فقَاصصتْني بِإِيقافي إِلى جانِبِ السَبُورة ووَجْهي قبالَة الحائط ، وكانَتْ هذِهِ مِنْ العقوباتِ القَاسيَة الشَائعة حِيْنَها ، على الرَغْمِ مِنْ ذلِك مُحاولَتها لَمْ تَنْجحْ فلقَدْ هرَبْتُ مِنْ الصَفِّ في أَوَّلِ فُرْصةٍ تَاليةٍ أُتيحتْ لي ، وكما بَدا إِنَّ الست قدرية المسْكينة اقْتَنعتْ بِأَنَّ كُلِّ وسَائلها قَدْ اسْتُنْفِذتْ فشَاورَتْ المُديرة في ذلِك ، وتَمّ اسْتِدعاءِ والدتي والطلب مِنْها بِأَنَّ تُرافِقني وتَجْلسَ معي في الصَفِّ لِبِضْعةِ أَيَّامٍ حتَّى يَزول خوْفي وأَتَعوَّد على الصَفِّ والمَدْرسَة ، وكانَتْ والدتي المسْكينة تَتْركُ كُلَّ يَوْمٍ ما لَديها مِنْ واجباتٍ وأَعْمالٍ وتَجْلسُ إِلى جانِبي على الرَحْلَة في الصَفِّ ، واسْتَمَّرَ الأَمْرُ على هذَا المِنْوال لِبِضْعةِ أَيَّامٍ حتَّى ظنَّ الجميعُ بِأَنَّ المُشْكلة انْتَهتْ لأَنَّني كنْتُ أَشْعرُ بِالأَمانِ ووالدتي إِلى جانِبي وبَدأْتُ انْتَبهُ لِمُحاضَراتِ المُعلِّمة واسْتَمْتِعُ بِها وأَتعلَّمُ مِنْها وأُشَارِكُ في النَشَاطِ الصفيّ ، ولكِنْ بِمُجرَّدِ أَنْ تَوقَّفتْ والدتي عنْ مُرافقتِي عادَ الخوْف يُحاصِرني وصرْتُ أُكرِّرُ مُحاولاتَ الهرُوبِ مِنْ الصَفِّ وفَوْقها كنْتُ أَخافُ العوْدَة لِلمَنْزِل حتَّى لا أُغْضِب والديّ فكنْتُ أَهْرَبُ مِنْ الصَفِّ وأَذْهبُ باكيَّة لِشُعْبةِ أُختي ( وكانَتْ حِيْنها في صَفٍّ دِراسيّ مُتَقدِّمٍ عنْي ) فتَسْمحُ لي مُعلِّمتها بِالدخُولِ والجلوسِ إِلى جانِبِها طيلَة الدوامِ وبَدلاً مِنْ أَنْ أُتابِع مُحاضرَات الصَفِّ الأَوَّل الابْتِدائي صرْتُ أُتَابِعُ مُحاضرَات الصَفِّ المُتَقدِّم لأُختي ..... قَامتْ الست قدرية والمُديرة بِالطلبِ مِنْ أُخْتي أَنْ تُرافِقني لِبِضْعةِ أَيَّامٍ ، فكانَتْ أُخْتي تَجلُسُ معي كُلَّ يَوْمٍ وعلى مدَى أسْبوع على نَفْسِ الرَحْلَة في الصَفِّ الأَوَّل ، وبَعدَ أَنْ انْتَهى الأسْبوع وعادَتْ أُخْتي لِصفِّها ودروسِها ، عُدْتُ أَنا إِلى حالي الأَوَّل ، وصرْتُ أُكرِّر مُحاولاتَ الهروبِ مِنْ الصَفِّ ، وكأنَّ في الصَفِّ غولٌ يَتَربَّصُ بِالأَطْفالِ لِيَنْهشهُم ويَأْكُلهم ... يئسَتْ الست قدرية تَماماً ووجدَتْ إِنَّ المُشْكِلة أَكْبر مِنْ أَنْ تُحلّ ، ورُبَّما خافَتْ أَيْضاً مِنْ أَنْ تَتَحوَّلَ المسْأَلة إِلى هروبٍ جماعيّ مِنْ الصَفِّ فالأَطْفال يَتَأَثَّرون بِبَعْضِهم البَعْض ، وقَدْ تُصابُ التَلْميذات الأُخْرَيات بِعدْوى الهروب أَيْضاً فيَخلو الصَفّ مِنْهُنَّ تمَّ اسْتِدعاء والدتي وأَبْلغتْها المُديرة بَعدَ أَنْ شَرَحتْ المُشْكِلة بِالتَفْصيل ، إِنَّ الحلّ هو أَنْ يَتمَّ إِعْفائي هذِهِ السَنَة مِنْ المَدْرسَة فلرُبَّما يكونُ السَبَب هو في صِغرِ سِنّي ، والسَنَة القَادِمة أَكونُ قَدْ كبِرْتُ عاماً ، ورُبَّما تَكونُ مخاوفي قَدْ زَالتْ تَماماً أَوْ خفَّتْ ، لَمْ ترَ والدتي بُدَّاً مِنْ الرضُوخِ لِطلبِ المُديرة ، وهكذَا انْقَطعتُ عن الدَوامِ في المَدْرسَة حتَّى العامِّ التَالي ...... جاءَت السَنةُ الدِراسيَّة الجديدة وحملَتْ مَعها الحلّ الَّذي لَمْ يَنْتَظِرهُ الجميع ، تَمَّ وضْعي في شُعبةِ ( ب ) ، ولَمْ يكُنْ حرْف الباء يَبْدو لي مُخيفاً كحرْفِ الأَلِف فالمُنْتَظر مِنْ التَلْميذات تَحْتَ رايَتِهِ مُمْكِنٌ تَحْقيقه وهكذا لَنْ أَخْذُلَ الجميع .... كانتْ غُرْفَة الصَفِّ الَّذي وُضِعتُ فيه قَريبة جِدَّاً مِنْ البَابِ الخلْفيّ لِلمَدْرسَة ومُطِّلَة بِحائطهِا الخلْفيّ على حديقةِ المَدْرسَةِ الخلْفيَّة ، والَّتي كانَتْ عِبارَة عنْ شَرِيطٍ عريضٍ مُمتَّد ، رُبَّما فكَّرَتْ إِدارةُ المَدْرسَة في تَسْهيلِ عمليَّة الهروبِ مِنْ الصَفِّ عليّ حيْنَ اخْتاروا موْقِعه ُ ............ أَحْببْتُ موْقِع الصَفِّ كثيراً وارتَاحتْ إِلَيْه نَفْسي ، إِذْ كنْتُ أَشْعرُ بِفضائهِ واسِعاً ولَيْسَ مَحْدوداً كما كانَ في الشُعبةِ ( أ ) السَابقةِ .......... وجاءَ الحلُّ في شَخْصِ المُعلِّمةِ الجديدَة ومُرْشِدَة الصَفِّ ، فلَقَدْ كانَتْ كالأُمّ في تَصرُّفاتِها وسلُوكِها وكلامِها ( رَغْمَ إِنَّ الست قدرية لَمْ تَكُنْ أَقلُّ مِنْها في ذلِك ، ولكِنْ مع الأَسَفِ لَمْ يَكُنْ الحظّ حليفها ) ، كانَتْ ملابسها بَسيطة ومَظْهرها هادئاً وشَعْرها ( وكانَ أَحد أَقْوَى أَسْبَاب إِثارَة خوْفي وهلعي مِنْ الست قدرية الطيّبة ) كانَ مُلْقَى بِبَسَاطةٍ فَوْقَ كتِفيها دُوْنَ تَسْريحةٍ أَوْ موديل ، وكانَتْ الست سميرة . س . وهذَا كانَ إِسْمُها تُحبُّ كُلَّ تَلْميذاتِ الصفِّ وتُشْعِرهُنَّ بِذلِك ، إذْ لَمْ تَكُنْ تُؤنِّبُ ولا تُعاقِبُ أيَّاً مِنْهُنَّ ، وكُلّ كلامها كانَ طيبة وابْتِسامة ، وحُظيتُ بِرِعايتِها واهْتِمامِها لأَنَّني كنْتُ تَلْميذة هادئة ومُطيعة جِدَّاً وأَظْهرَتْ محبَّتها لي حيْثُ كانَتْ تُشَجِّعني بِاسْتِمرار ، وتَقولُ لي كلاماً طيّباً بِحقّي وتَمْتَدِحُ هدوئي وانْتِباهي وشَطارتي أَمامَ تَلْميذاتِ الصَفِّ ، وتَسْألني عنْ وَضْعي وأَحْوالي ، وكانَتْ تَجْلُبُ لنا الصُور والنَشَرات التَوْضيحيَّة في درْسِ القِراءَةِ والحِسَاب ، وكمْ كنْتُ أُحِبُّ ذلِك ، إِطْمأنَتْ نَفْسي لَها كثيراً ، وزَالَتْ كُلَّ مخاوفي ، وأَصْبَحتُ أُحِبُّ المَدْرسَة كثيراً وأُحِبُّ الذِهاب إِلَيْها ، وانْتَهتْ السَنَةُ الدِراسيَّة الأُولى ــ الصَفّ الأَوَّل الابْتِدائي ــ بِتَفوقٍ بَاهِر فكنْتُ الأُولى على الصَفِّ ، وكُلّ درجاتي كانَتْ عشْرَة مِنْ عشْرَة ، وأَذْكرُ إِنَّ الست سميرة كانَتْ قَدْ صمَّمتْ لِصفِّنا ( بِاعْتِبارِها مُرْشِدَة الصفِّ ) كارت تَدْوينِ النتَائج ( الشَهادَة ) بِزَخْرَفاتٍ جميلة جِدَّاً تُشيعُ البَهْجة في نَفْسِ أَيّ طِفْل ، حيْثُ كانَ مُزيَّناً بِإِطارِ ورودٍ حمْراء ، وعلى كُلِّ جانِبٍ ملاك بِجناحينِ رَقيقين ، وكانَتْ درَجاتي كُلَّها عشْرَة مِنْ عشْرَة في هذَا الكارت الجميل .... شَعرَ والديّ بِراحةٍ كبيرَة فالمُشْكِلة الَّتي أَرَّقَتْهُما أَكْثَر مِنْ عامٍ انْتَهتْ ، حيْثُ تَعِبا كثيراً معي ، ورَغْمَ كُلِّ جهودِهِما لَمْ يَتَمكنا مِنْ حلِّها ، ولذّا كانَ انْتِهاء المُشْكِلَة مِنْ أَهمِّ ما يُمْكِنُ أَنْ يَحدُث ، وفَرِحتْ أُخْتي جِدَّاً لأَنَّها كانَتْ دائمةُ القَلقِ عليّ في المَدْرسَة ، وأَعْتَقِدُ إِنَّ المُديرَة مَع كُلِّ المُعلِّماتِ شَعِرْنَ بِالرَاحةِ ، فلَقَدْ كنْتُ قَدْ أَصْبَحْتُ مَشْهورَة جدَّاً في المَدْرسَة ، وأَتَعجبُ الآن كُلَّ العجب لِماذَا لَمْ تُنظِّم إِدارَةُ المَدْرسَة احْتِفاليَّة كبيرَة بِهذِهِ المُناسَبة .... كنْتُ فَخورَة جِدَّاً بِدرَجاتي ، وبِكوْني تَلْميذَة مُجْتَهِدة ، ولطالما تَفاخَرْتُ بِذلِك أَمامَ والديّ ، وكأَنَّني أَقولُ لَهُما إِنَّني انْتَصرْتُ على المُشْكِلة ، ورَغْمَ إِنْ أَبي لَمْ يكنْ مِنْ الفِئةِ الَّتي تَفْضَحُ مَشَاعِرَها أَمامَ الآخرين ، لكِنَّني كنْتُ أَشْعُرُ بِفَرَحِهِ وفَخْرِهِ ، وكنْتُ أَكْتُبُ لِوالِدتي إِسْمها بِفَرَحٍ كبيرٍ وسَعادَة ولِوالِدي أَيْضاً ، وكانا يُشَجِّعانني ويُشْعِرانني كما لَوْ أَنَّني تَسَلَّقْتُ قُمَّة جبَلِ ايفرست ووَقَفْتُ علَيْها ، وهذَا إِنْجازٌ عظيم ، كطِفْلَة كنْتُ أَظُّنُ ذَلِك ، وأَخذَتْني الفَرْحة فأَردْتُ أَنْ أُبيَّنَ لِوالدي مَدَى ذَكائي فمَازحْتَهُ بِمَقْلبٍ صغير ( وهَوْ المَقْلبُ الوحيد الَّذي ارْتَكبْتُهُ في حيَاتي كُلّها لأَنَّني لسْتُ مِنْ النَوْعِ الَّذي يُديرُ المَقَالِب في الآخرين ) ، حيْثُ قُمْتُ بِجمْعِ بِضْعةِ أَوْراقٍ مُتَيبِسةٍ مِنْ عرِيشَةِ العِنبِ الَّتي كانَتْ تُغطِي السَاحةَ الأَماميَّة لِدارِنا وطحنْتُها طحْناً دقِيقاً فأَصْبحتْ تُشْبِهُ دقيقَ التَبغ الَّذي يُسْتَعْملُ في لَفِّ السكائر ، وفي وَقْتِها كانَ الرِجالُ المُدخِّنين يَحْمِلونَ عُلْبَةً مَعْدنيَّة فيها التَبغ ووَرَقِ لفِّ السَكائر ، وكانَ لِوالِدي واحِدَةً مِنْها ، كانَت العُلْبَة فضِيَّة اللَوْنِ ، مُسْتَطيلَة الشَكْلِ ، جميلَة جِدَّاً وأَنيقَة ومُطرَّزَة بِنقُوشٍ مَحْفورَة على غِلافِها ، بَعْدَ أَنْ طحنْتُ ورَقَ العِنْبِ وأَصْبحتْ تُشْبِهُ دقيقَ التَبغ تَماماً ، قُمْتُ بِوَضْعِها في عُلْبَة التَبغ لأَبي ، وجلَسْتُ أُراقِبهُ متَّى سَيلفُّ سِيكارتَهُ التَالية ، وبَعْدَ وَقْتٍ قَصير حدَثَ ذلِك إِذْ لَمْ يَنْتَبِه والِدي لِلأَمْر ، ولفَّ سِيكارتَهُ ومَلأَها بِدقيقِ ورَقِ العِنْب ، لكِنْ لا أَعْرِف ما الَّذي نَبَّههُ في اللَحْظَةِ الأَخيرَة وهو يُحاوِلُ إِشْعالَ السِيكارة ، وكنْتُ أَنا أَجْلُسُ أَمامَهُ وأَنْظرُ إِلَيْهِ بِخبَاثةٍ طفُوليَّةٍ لذِيذَة ولَمْ أَتَمكَّنْ مِنْ كتْمِ ضَحكاتي ، فنَظرَ إِليّ والِدي مُشَكِّكاً ، وقَالَ لي : ها ، هَلْ هُناكَ ما يَجِبُ أَنْ تُخْبِريني بهِ أَيَّتُها الجنيَّة الصغيرَة ( وكانَ يَبْتَسِمُ بِخَفَاءٍ وهَوْ يَقولُ ذلِك ) ، هيَّا اعْتَرِفي ... شَهقْتُ ضَحِكاً وأَنا اتَقلَّبُ فرَحاً في جلْسَتي وأَرْفعُ يَديّ ثُمَّ أَشْبُكهُما ثَانيَة وأَتَمايلُ أَحْياناً أُخْرَى بِابْتِسامةٍ خبيثة لأَنَّ مَقْلَبي قَدْ نَجح ، وحكيْتُ لِوالِدي كيْفَ طحنْتُ بَعضَ أَوْراقِ العِنْبِ لِتُصْبح شَبيهةً بِالتبغ ، وهو يُصْغي ويُكابِدُ في الوَقْتِ ذاتِهِ كتْم ضَحْكةً كادَتْ تَفْلتُ عنْهُ مُسْتَبدِلاً إِيَّاها بِابْتِسامةٍ طويلَة ، ولوَّح بِأصْبعِهِ مُحذِّراً : إيَّاكِ مِنْ تِكرارِ ذَلِك ...... أَجبْتهُ وأَنا سًعيدة : هذِهِ المرَّة فَقَطْ يا أَبي ، أَردْتُ مُمَازحتك ....... وخَرَجْتُ مِنْ الغُرْفةِ هاربَةً قَبْلَ أَنْ يَنْطُقَ بِالمزيد ........ مع ابْتِداءِ العُطْلَةِ الصيْفيَّة ، قُمْتُ بِاسْتِعارَةِ كُتُبِ الصَفِّ الثاني الابْتِدائي مِنْ إِحْدَى التَلْميذَاتِ مِمَّنْ انْتَقلنَ لِلصَفِّ الثَالِث الابْتِدائي ، وعمِلْتُ على اسْتِثْمارِ العُطْلَةِ في دِراسَتِها مِنْ قِراءَةٍ وحِسَابٍ ومَحْفوظاتٍ وعلُومٍ حيَاتيَّة ......... وإلخ ، وكنْتُ انْتَظِرُ بِشَوْقٍ حلولَ العامِّ الدِراسِيّ الجدِيد فلَقَدْ كبرْتُ وأَصْبحْتُ في الصفِّ الثَاني ، وأَيْضاً أَصْبحْتُ أُحِبُّ المَدْرسَة وانْتَصرْتُ على خوْفي مِنْها .... لكِنَّ العامّ الجدِيد حملَ مَعهُ ما لَيْسَ بِالحُسْبَان ولَمْ يَكُنْ كما أَردتُهُ وظنَنتُهُ ، فلَقَدْ انْتَقلَتْ إِلى مَدْرسَتِنا مُعلِّمة جدِيدَة سبَقَها صيتُ قَسْوتِها وعصبيَّتِها في مَدْرسَتِها القَديمة ، وكانَتْ كُلُّ التَلْميذَات تَرْهبُها ، كانَتْ شريرَة بِكُلِّ مَعنَى الكلِمة ، حيْثُ كانَتْ التَلْميذَة في حضْرَتِها تَشْعرُ بِأَنَّ هذِهِ المُعلِّمة ستَنْقَضُّ علَيْها في أيَّةِ لَحْظة ، مِنْ سُوءِ حظّي أَصْبَحتْ هذِهِ المُعلِّمة مُرْشِدة صَفِّنا ، كانَتْ قَاسيَة ، عصبيَّة ، مُخيفَة حتَّى في شَكْلِها ، أَنا أَتَذكَّرُ تَفاصيل وجْهِها وهيْئتِها لِحدِّ الآن ، فوَجْهُها كانَ يُشْبِهُ وَجْه طائرٍ جارِحٍ ، وتَماماً وَجْه طائر النِسْر ، وَجْهٌ ضَيق ، نَحيف ، بِأَنْفٍ بارِزٍ حاد ودقيق ، وعيْنانِ تُشْبِهانِ عيْنا النِسْرِ في رَسْمِهِما حادتانِ جِدَّاً وغاضِبتَانِ جِدَّاً على الدَوام ، وما زادَ الشَبَهُ بَيْنَها وبَيْنَ الطائر هي تَسْرِيحة شَعْرِها ، حيْثُ كانَتْ تَقصُّ شَعرَها قَصيراً جِدَّاً ( بِالعاميَّة الدَارِجة قَصَّة ولاديّ ) بِحيْث يَنْتَهي قَليلاً تَحْتَ أُذُنيها ويَلْتَصِقُ بِرأْسِها في تَدرُّجاتِهِ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كثيفاً ، وهكذَا كانَ يَبْدو كالريشِ الَّذي يُحيطُ بِرأْسِ الطائر ، أَمَّا فَمها فكانَ صغيراً بِشَفتَانِ رَفيعتَانِ ، وكانَتْ هيْئتُها نَحيفَة وطويلَة القَامة ، وتَبْدو غاضِبَةً على الدوامِ ولا تَعْرِفُ الابْتِسَامة طريقاً لِشَفتيها ، تُوجِّهُ لنا نَحْنُ التَلْميذات نَظَراتٍ نَارِيَّة حادَة ومُخيفَة وكأَنَّها تُرِيدُ الانْقِضاضَ علَيْنا ونَهْشنا، وكأَنَّ هذَا لَمْ يَكُنْ كافياً فقَامتْ ومُنْذُ الأَيَّام الأُولى بِتَقْسيمِ الصَفِّ إِلى طائفتينِ ، طائفةٌ تَرْزَحُ تَحْتَ رَفْضِها وكُرْهِها دُوْنَ أَسْبَابٍ مَفْهومِة ( رُبَّما كانَت الأَسْبَاب تَأْديَةً لِنَفْسِيَّتِها المَريضة بِالشَرِّ ، مَثلاً لَمْ يُعْجِبْها شَكْل التَلْميذَة ، أَوْ صَوْتَها ، أَوْ مَشْيَتَها ، أَوْ إِسْمها ، أَوْ طرِيقَةَ نُطْقِها بِالكلامِ أَوْ عيْنيها ، أَوْ دينها ........... وإلخ ) ، وطائفِةٌ أُخْرَى أَيْضاً لَيْسَ لَها نَصيبٌ مِنْ محبَّتِها لكِنَّها مَعفيَّة مِنْ التَعذيبِ الشَديدِ لحِيْنٍ ما وتَحْظى بِعقُوباتٍ أَخفّ ، ومِنْ سُوءِ حظِّي إِنَّني كنْتُ مِنْ ضِمْنِ طائفَةِ التَلْميذاتِ اللواتي تَكْرههُنَّ وتَرْفُضَهُنَّ ، كانَتْ تكيلُ لكُلِّ التَلْميذات في الصَفِّ اللومَ والإِهانات والتَوْبيخ والصُراخ ، ثُمَّ تَلْتَفِتُ بِشَكْلٍ خاصٍّ إِلى التَلْميذاتِ المَرْفوضَاتِ لديها وتَبْدأُ بِشَوْطِ تَعذيبهُنَّ نَفْسيَّاً فتَصيحُ فيهنّ وتُقَاصِصهُنَّ وتُهينهُنَّ وكُلُّ ما تَشْتَهيهِ نَفْسُها المرِيضة مِنْ شَرٍّ ، وكانَ لَها الوَقْت الكافي لِذلِك فالصَفُّ في قبْضَتِها مِنْ السَاعةِ الثَامِنَةِ صبَاحاً وحتَّى الثَانيَة عشَر والنِصْف ظُهْراً ، كنْتُ أَنا المَرْفُوضة رَقْم واحِد لَديها حيْثُ كانَتْ بَعْضُ الأَدْيان تُثيرُ حفيظتَها ( على العكْسِ تَماماً مِنْ الست قدرية الجميلة الرُوحِ والمَظْهر ) ، وكأَنَّ ما مرَرْتُ بِهِ مِنْ عذابٍ سَابِقٍ لَمْ يَكْفِ [{( فجراحي مِنْ سَنةِ الهروب مِنْ خِدمةِ التَجْنيدِ الدِراسيّ الإِلْزاميّ في الصَفِّ الأَوَّلِ الابْتِدائيّ كانَتْ لا تَزَالُ طرِيَّةً بَعْد ، لَمْ تَكُنْ قَدْ بَرأَتْ تَماماً وغيْرُ بَعيدَة عنْ ذَاكِرتي وآثَارها عالِقَةً في أَعْماقي حِيْنها ، وهذِهِ المُعلِّمة الشريرَة قَامَتْ بإِيقَادِ لِهيبِها وفَتْقِها مُجدَّداً )}] ، فكُنْتُ أَنالُ العقُوبات والإِهانات والمَلامات دُوْنَ ذَنْبٍ مُرْتَكب ، فلَقَدْ كنْتُ تَلْميذَة هادئة جِدَّاً ومُطيعة ولا أُسبِّبُ أَيّ إِزْعاجٍ في الصَفِّ ، لكِنَّ هذِهِ المُعلِّمة اخْتَارَتْ عدَداً مِنْ التَلْميذات ( حوالي خَمْسَة أَوْ سِتَة ) لِتُفْرِغ فيهنّ حقْدَها وعُقَدَها النَفْسِيَّة وغضَبَها وعُنْفَها وسَفَاهتها ، كانَت المُعلِّمة وكنّا التَلْميذات ، لديها القُوَّة ونَحْنُ تَحْتَ رَحْمتِها ، ولا يُمْكِنُنا فِعلُ شَيْء فلا المُديرَة ستُصدِّقُنا ولا الأَهْل بِإِمْكانِهِم حلّ الأَمْر فبَعْض أَوْلياءِ التَلْميذات اعْتَرَضوا على الحال عِنْدَ المُديرَة لكِنَّها لَمْ تَتَخّذْ أَيّ إِجْراءٍ إِزاء ذلِك ، شَعرْتُ حِيْنَها أَنَّ المُديرَة قَدْ تَخلَّتْ عنَّا وخَذَلَتْنا ، دائماً التَلْميذ هو المُذْنِب هكذَا كانَ الأَمْر .... كُنّا صِغاراً وكانَتْ أَمانينا وأَحْلامنا صغيرَة أَيْضاً على قَدْرِ قلُوبِنا الصغيرَة وإِدْرَاكنا الولِيد ، كانَتْ أَمانينا وأَحْلامنا تَقْتَصِرُ على رِضَا المُعلِّمة عنّا ، أَوْ رِضَا الوالِدين ، ، نَجاحنا في المَدْرسَةِ ، تَفوُّقنا في أَحدِ الدروسِ ، أَنْ نَلْعبَ مَع أَقْراننا في المَدْرسَة ، أَنْ تَشْتَري لَنا أُمَّهاتُنا دُمْيةً حلِمْنا بِها ، أَنْ تَأْخُذْنا في نُزْهةٍ إِلى مَكانٍ نُحبُّهُ .......... وإلخ ، وكانَ عالمُنا صغيرَاً أَيْضاً ومَحْدوداً ، يَنْحصِرُ في العائلَةِ والوالِدين ، الصديقَات ، المُعلِّمات ، بَعْض الأَقارِب ، ولَيْسَ أَبْعدَ مِنْ ذلِك ، ولكِنْ ؛ كُلُّ هذا لَمْ يَشْفع لَنا عِنْدَ الست ساهرة الشريرة ، فلا قلُوبَنا الصغيرَة ، ولا أَحْلامَنا وأَمانينا الصغيرَة أَوْقَفتْها عنْ شَرِّها . أَردْتُ الانْتِقالَ لِشُعبةٍ أُخْرَى خلاصاً مِنْها ، لكِنَّ النَقْل مِنْ شُعبةٍ لأُخْرَى ضِمْنَ السَنةِ الدِراسِيَّة لَمْ يَكُنْ مَسْموحاً بِهِ ، وهكذَا صرْنا ضَحايَاها لِمُدَّةِ عامٍ كامِل ، تَصرُّفاتها القَاسِية معنا تَسبَّبتْ في تَردِّي مُسْتَوانا الدِراسِيّ ، وصرْتُ أَنا شَخْصيَّاً أَكْرَهُ الذِهابَ لِلمَدْرسَة ، وكانَ كُلّ يُوْمٍ بِالنِسْبَةِ لي عذَاباً لا يَنْتَهي ، وحيْنَ كنْتُ أَعودُ لِلمَنْزِل كنْتُ أَنْزوي لِوَحْدي في رُكْنٍ ما وأَبْكي ، وتَوقَّفْتُ عن اللعِبِ مَع رَفيقاتي وصَديقاتي ، وكنْتُ لا اسْتَطيعُ النَوْم مِنْ شِدَّة القَلق والخوْف مِنْ هذِهِ المُعلِّمة الغاضِبَة دائماً ، إِذْ لا شَيْءَ يُرْضيها ويَنالُ اسْتِحسَانها ، حتَّى إِنَّني تَوقَّفْتُ عن الإِجابَةِ على اسْئلتِها في الصَفِّ حيْثُ كانَتْ الكلِماتُ تَنْحبِسُ في حلْقي ولا تَرْضى الخروج رَغْمَ أَنَّني كنْتُ أَعْرِفُ الإِجابَات الصحيحة لأَسْئلتِها ، بَيْنَما هي كانَتْ تَصيحُ وتَسْخطُ فيّ بِجنُونٍ وعصبيَّة كما لَوْ أَنَّها قَدْ أَفْلتتْ لِلتوّ مِنْ دارِ المَجانين ( مع احْتِرامي لِلمُصابين بِهذا الدَاء ) ، فلَقَدْ نَجحتْ هذِهِ المُعلِّمة الفاشِلَة في أَنْ تُحوِّلني إِلى تَلْميذةٍ خرْسَاء ، وجدْتُ نَفْسي وأَنا الطِفْلَة في مُشْكِلةٍ كبيرَة مَع هذِهِ المُعلِّمة المُتَعجرِفة القَاسية ، فكَّرْتُ أَنْ أَذْهبَ وأَشْكوها لِلست سميرة لَعلَّها تَعْرِفُ حلاً لِلأَمْر ، لكِنَّ الخوْف مِنْ الست ساهرة القَاسِية المُتَعجرِفة منَعني ، خفْتُ انْقِضاضَها عليّ لَوْ علِمَتْ أَنَّني شَكوْتُها عِنْدَ مُعلِّمةٍ أُخْرَى ، كنْتُ كُلَّ يَوْمٍ أَغْرَقُ في همّي وحُزْني وأُفكِّرُ في حلٍّ يُنْقِذُني مِنْها ، ولكِنْ خِبْرتي السَابِقة في سَنةِ العذَابِ الَّتي اخْتَبرْتُها لَدى دخولي المَدْرسَة لأوَّلِ مَرَّة سَاعدتْني قليلاً أَوْ كثيراً في اتخاذِ القَرارِ الفاصِل رَغْمَ طفولَتي ( الفِطْرَة فيّ هي الَّتي عملَتْ وكانَ النَاتِجُ قَراراً رَغْمَ عدَم عِلْمي بِماهيَةِ القَرار أَوْ كيْفَ يُتَخَّذ لأَنَّني كنْتُ طِفْلَة ) ، فقُلْتُ لِنَفْسي إنَّ العامَّ المُقْبِل سيَكونُ غيْرَ هذا العامّ ، فالمُعلِّمة ومُرْشِدَة الصَفِّ ستَتَغيّر ، ولِهذا عليّ أَنْ أَشدَّ عزْمي على رَفْعِ مُسْتَواي الدِراسيّ إِلى سَابقِ عهْدِهِ كتَلْميذَةٍ مُتَفوِّقة ، إِذْ لابُدّ لي مِنْ النَجاحِ هذَا العامِّ كسَابِقِهِ لأَعبُرَ هذَا الصَفِّ إِلى الَّذي يَليهِ وأَتَخلََّص مِنْها ، وأَنْ أَصْبُرَ على إِهاناتِها وقَسْوَتِها وسُوءِ مُعاملتِها وأَتَحمَّلُ ذلِك ، ، فالعامّ الدِراسِيّ سَيَنْتَهي يَوْماً ما لا مَحالَة ، وكانَ هذَا ما فَعلْتُ ، لَمْ أَشْكو همّي لأَحد ، لَمْ أَتَحدَّثْ عنْ مُشْكِلتي لأَحد ، لَمْ أَطْلُبْ المُسَاعدَة مِنْ أَحد ، كُلّ هذَا خوْفاً مِنْ الست ساهرة الشرِيرَة ، انْكفأْتُ على نَفْسي وعلى همّي وحُزْني وأَقْفلْتُ على جرْحي وأَلمي ، وقَرَّرتُ أَنْ انْتَصِرَ هذِهِ المرَّة أيْضاً ، وهكذَا كان ، لكِنَّ الست ساهرة لَمْ يُعجِبها ذلِك فغَضَبها إِحْتَدَّ ونقْمتَها زَادتْ عليّ فكيْفَ أَنْجحُ في الامْتِحانَاتِ بيْنَما أَنا في الصفِّ خرْسَاء لا أُشَارِكُ في أَيِّ نَشَاط ٍ ، ولَمْ تَقْبَل الاعْتِراف بِأَنَّها السبَب في كُلِّ ما كانَ ....... وبِما أَنَّ الست ساهرة الشرِيرَة كانَتْ تُعامِلُنا نَحْنُ بَعْض التَلْميذات بِأَسْوأ مُعاملَة ، أَثارَتْ تَصرُّفاتها هذِهِ في نفُوسِ بَعْضِ التَلْميذات الأُخْرَيات ( مِمَّنْ لَمْ يَكُنَّ هدَفاً مُباشِراً لِشرِّها ) الوقَاحة في الانْتِقَامِ مِنْها فينا ، فصِرْنَ يُلاحِقْننَ في سَاحةِ المَدْرسَة ويَشْتُمْنَ بِنا ، ويَسْرُقْنَ أَغْراضَنا ويَسْخرْنَ مِنّا ، ولَيْسَ هذَا فقَطْ بَلْ أَصْبَحتْ مُعْظم التَلْميذات في الصَفِّ يَتَجنَّبْنَ صُحْبَتنا ويَخفْنَ الكلامَ مَعنا أَوْ رِفْقَتنا ، حتَّى إِنَّنا نَحْنُ ضَحاياها لَمْ نَتَجرَّأ على أَنْ نُكوِّنَ صداقات فيما بَيْننا ، والخوْفُ جعلَ كُلاً مِنّا تَقِفُ مُنْفَرِدة وَحْدَها ، وهكذَا نَجحتْ الست ساهرة في عزْلِنا تَماماً عن الأُخْرَيات ووَضْعنا في قَفَصِ اتهامٍ دُوْنَ تُهْمة ، وجعلَنا مَنْبُوذات مِنْهُنّ ، فإِنَّ اخْتَارَتْ المُعلِّمة الَّتي يُنْظرُ إِلَيْها كرشيدَة نَبْذَنا فكيْفَ لا تَتَبعُ التَلْميذات الخَطّ نَفْسَهُ ، وأَذْكُرُ إنَّني أَصْبَحتُ مَعْزولَة بِلا صَديقات بِسَبَبِ هذِهِ المُعلِّمة الشريرَة ، وذاتَ مَرَّة وفي فتْرَةِ الاسْتِراحة وكنّا نُسَمِّيها ( فُرْصَة ) بَيْنَ الدروسِ مُدَّتها غالِباً عشْرَة دقائق أَوْ خمْسَةَ عشَر دقيقَة ، وبَيْنَما كنْتُ أَجْلُسُ وحيدةً في إِحْدَى زَوايا السَاحة ، وفي يَدي قِطْعةَ حلْوَى ، مرَّتْ واحِدَةٌ مِنْ تَلْميذاتِ الصفِّ اللواتي تَأَثَّرْنَ بِأسْلُوبِ الست ساهرة مع صَديقَتِها مِنْ أَمامي واقْتَربَتْ مِنْي وخَطفَتْ قِطْعةَ الحلْوَى مِنْ يَدي بِوَقَاحةٍ وصَلافَة ، ثُمَّ صَارَتْ تَتلَفَّظُ بِبَعْضِ الكلِماتِ الجارِحة والشَتَائم والسُخْرِية ، وتَضْحكُ مَع صديقتِها وكأَنَّهما قَدْ انْجزَتا أَمْراً حميداً ، ثُمَّ واصلَتا السَيْر ، بَيْنَما بَقيْتُ أَنا جامِدَةً في مَكاني حزِينةً مَجْرُوحة مِنْ كلِماتِها الَّتي آذتْ مَشَاعري جِدَّاً ، فأَنا كنْتُ طِفْلَةً حسَّاسَة جِدَّاً وكنْتُ أَعتَقِدُ حيْنَها إِنَّ جميع الأَطْفالِ مِثْلي ولَسْتُ الوحيدَة في ذلِك ، كما أَنَّ سُوءَ مُعامَلة الست ساهرة لي سَرَقَتْ مني ثِقَتي بِنَفْسي وحوَّلَتْني إِلى طِفْلَة خائفَة على الدَوام غيْر قَادِرَةٍ على الدِفاعِ عنْ نَفْسِها ، فإِنْ دافَعْتُ عنْ نَفْسي فهي ستَشْكوني لِلست ساهرة الشريرَة الَّتي سَتُصدِّقها وتَعْتبِرني المُذْنِبَة ، القَدَر كانَ لهُ رأْياً آخر وشَاءَ أَنْ يَنْتَصِرَ لي هذِهِ المرَّة فبَعثَ إِليّ بِشَقيقتي لِتَراني وأَنا على هذَا الحال وكانَتْ دائمة الاهْتِمامِ بي وتَبْحثُ عني في كُلِّ فُرْصة في السَاحة لتَتَطقَّسَ أَمْري وحالي ، ورَأَتْ دمُوعي وسَألتْني ما الأَمْر ؟ خفْتُ أَنْ أَقولَ لَها شَيْئاً فاضْطَّرَتْ لِتَهْديدي لِتَنْتَزِع مني اعْتِرافاً بالحقيقَة وحلَفَتْ إِنَّها ستُشْبعُني ضَرْباً إِنْ أَبْقيْتُ سِرَّ دمُوعي طيّ الكِتْمان ، شَعِرْتُ بِأَنَّني في مأْزقٍ لا منَاصَ لي مِنْهُ ، فالجميع يُريدُ أَنْ يُنكِّلَ بي ويَضْرِبني ويَنْقَّضُ عليّ : المُعلِّمة الشريرَة ، التَلْميذات ، بَلْ وشَقيقتي أَيْضاً وتَحْتَ التَهْديد اعْتَرفْتُ لَها بما تَعرَّضْتُ لهُ ، فأَخذَتْني مِنْ يَدي والغضَبُ يَأْكُلها وأَجْبَرتْني أَنْ أَلُفَّ مَعها السَاحة حتَّى نَجدَ هاتين التَلْميذتين ، وسَاحة المَدْرسَة كانَتْ كبيرَة وعدَد التَلْميذات كانَ كبيراً ، وعثَرْنا علَيْهما ، فأَمْسَكتْ أُخْتي بِهما وصارَتْ تَضْرِبهُما وتَشدُّ شَعْرَهُما حتَّى صارَتا تَبْكيان خوْفاً وأَلماً وأَجْبرتْهُما على إِعادَةِ قِطْعة الحلْوَى لي ، وكانتَا مَع الأَسَف قَدْ أَكلتا نِصْفها ، ولَمْ تَتْرُكهُما إِلا بَعْدَ أَنْ قَطعتَا لَها وَعْداً أَبَديَّاً بِعدَمِ الاقْتِرابِ مِنّي مُسْتَقْبلاً لأَنَّ جزَاءَهُما حِيْنَها سيكُونُ أَثْقَل ، وأَيْضاً حذَّرَتْهُما مِنْ مغَبَةِ الشَكْوى لِلمُديرَة أَوْ لأَهْلِهِما فلا أَحدَ حِيْنَها سيَحْميهما مِنْها وستَضْرِبهما ضَرْباً مُبْرحاً ... هذَا التَصرُّف حماني طيلَة العامّ مِنْ هجُومِ كُلِّ التَلْميذات الأُخْرَيات المُتَأثِّرات بِسلُوكِ الست ساهرة ، فلَمْ تَعدْ أَيَّاً مِنْهُنَّ تَجْرؤُ على الاقْتِرابِ مِنّي ، أَوْ لَمْسي ، أَوْ التَعدّي عليّ بِكلِمة ، لأَنَّني أَصْبحْتُ مَحْميَّة ، والمُثيرلِلاسْتِغرابِ في كُلِّ ما وَقَع كانَ ما بَعْدَهُ من نتَائج فكُلّ التَلْميذات المُتَأثِّرات بِسلُوكِ الست ساهرة تَوَقَّفنْ تَماماً عنْ مُضايقَة المَنْبُوذات الأُخْريَات في عُرْفِ الست ساهرة ، وصِرْنَ يَتَجنَّبْنَ إيذاءهُنَّ ويَتْرُكونَهُنَّ بِسَلام ، رُبَّما خوْفاً مِنْ أَنْ يَنالَهُنَّ ذاتَ العِقاب الَّذي نالَتْهُ التَلْميذتان مِنْ شَقيقتي ....... الصفُّ الثَاني الابْتِدائيّ كانَ مَرْحلَةَ عذَابٍ حقيقيَّة إِضافيَّة ومُعانَاةً قَاسيَة عليّ ، وحِيْنَ شَارَفَتْ السَنةُ على الانْتِهاء بَدأْتُ أَميلُ لِبَعْضِ الرَاحةِ ، والأَملُ يَكْبرُ في نَفْسي بِانْتِهاءِ كُلّ هذَا العذَاب قَريباً ، وجاءَ آخِرُ يَوْمٍ في العامِّ الدِراسِيّ فأَطْلقْتُ هَمِّي خلْفي ورَكلْتُهُ رَكْلاً وسُعِدْتُ أَيَّما سَعادَة بِأنَّني لَنْ أُقَابِلَ وَجْه هذِهِ المُعلِّمة الشريرَة بَعْدَ الآن ..... انْتَهى العامُّ وانْتَهى عذَابي ، وكانَ عليّ فقَطْ أَنْ أَدْحرَ ما تَبَقَّى في داخلي مِنْ أَحْزانٍ وجرُوحِ بِسَبَبِ تَصرُّفاتِ هذِهِ المُعلِّمة الشريرَة .... كانَتْ أُمّي تُحاوِلُ حمايَتنا نَحْنُ صِغارَها بكُلِّ ما اسْتَطاعتْ ، إذْ كانَتْ تَعْرِفُ بِأَنَّ العالَم الَّذي خارِج أَسْوارِ المَنْزِل هو عالَمٌ خطِرٌ لا يَرْحم ، ولكِنَّها كانَتْ تَعلَمُ أَيْضاً بِأَنَّها لَنْ تَتَمكَّنُ مِنْ درْءِ كُلِّ المَخاطِر عنَّا والَّتي يَعجُّ بِها العالَم خارِجاً مَهْما كانَتْ حِمايَتها لَنا قَويَّة ، فنَحْنُ سَنَذْهبُ لِلمَدْرسَةِ ، وسَنلْعبُ مَع رفيقاتِنا وصَديقاتِنا في المَدْرسَةِ أَوْ المَحلَّة ، وسَنتَعاملُ مَع المُعلِّمات والتَلْميذات ، وسَنُواجِهُ في طرِيقِنا إِلى المَدْرسَةِ أَشْخاصاً لا نَعْرِفهم ولا نَعْرِفُ نَوايَاهم ............ وإلخ مِنْ أمُورٍ خارِجة عنْ سَيطرَةِ الآباءِ والأُمَّهات تَماماً لِحمايَةِ أَطْفالِهم ، وهكذَا لَمْ تَتَمكَّنْ أُمّي مِنْ حِمايتي مِنْ كُلِّ ما مرَّ بي في المَرْحلَةِ الابْتِدائيَّة إِلاَّ بِقَدْرِ ماكانَ يَقعُ في دائرَةِ سَيطرتِها على مُجْرَياتِ الأمُور مِنْ دَعْمٍ نَفْسيّ ومَعْنَويّ وتَوْفيرِ احْتياجاتي وإِغْداقِ المَحبَّةِ والحنانِ عليّ وإِرشَادي والاهْتِمامِ بِأَحوالي والوقوفِ إِلى جانِبي على الدوام .... وبَعْدَ أَنْ أَخذَتْني السنين اللاحِقَة معها في رِحْلَةِ الحيَاةِ الشَاقةِ الطويلَة تَيقَّنْتُ إِنَّ مِثال الست ساهرة الشريرة مُمْكِنٌ أَنْ يَكونَ في كُلِّ مَكانٍ وزَمان ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ نُصادِفَهُ في العمل ، أَوْ في المَدْرسَة ، أَوْ في كُلِّ تَفاصيلِ الحيَاة ، أَوْ في الجيران ، بَلْ وحتَّى في العائلَةِ وداخِلِ جُدْرانِ المَنْزِل .........
انْتَقلْتُ إِلى الصَفِّ الثالِث الابْتِدائي وتَحقَّقَ ما كنْتُ أأَملَهُ ، فالمُعلِّمة الجديدَة كانَتْ إِنْسَانَة مُعتَدِلَة لا تميلُ إِلى القَسْوَة والعُنْف كما الست ساهرة ، وبِذاتِ الوَقْت لا تَميلُ لِلُطفِ والطيبة إِلاَّ بِقَدْرِ ما يَتَطلَّبهُ الظَرف ، لَمْ تَكُنْ بِمُسْتَوى طيبة وحنَان الست سميرة ، لكِنْ يُمْكِنُ الوَصْف بِأَنَّها كانَتْ طبيعيَّة في تَعامُلِها مَع التَلْميذات في الصَفّ ، وهذَا كانَ كافياً لِلحِفاظِ على الصَفِّ في وَضْعٍ مُتَوازِنٍ ، مُسْتَقِّرٍ دُوْنَ قَلقٍ واضْطِرابٍ وخوْف ، في نَفْسِ الوَقْتِ كانَتْ تُقدِّرُ فيّ كثيراً اجْتِهادي وانْتِباهي والْتِزامي بِالدروسِ والواجبات المَدْرسيَّة ، إذْ كنْتُ رَغْمَ صِغرِ سِنِّي أُجيدُ فنَّ الإِصْغاء ، فكنْتُ كثيرَة التَرْكيزِ لِشَرْحِ المُعلِّمة ومُحاضَراتِها ، إِضَافةً لِذلِك كنْتُ تَلْميذَة هادئة ومُجْتَهِدَة ومُطيعة لِلتَعليماتِ ومُلْتَزِمة بِكُلِّ واجباتي المَدْرسيَّة ، لا أُشَاغبُ أَبداً ، ولا أَتحدَّثُ أَبداً مَع رَفيقَاتي في الصَفِّ أَثْنَاءَ الحِصَّة الدِراسيَّة وهكذا حُظُيتُ تَدْريجيَّاً بِمَحبَّتِها واهْتِمامها وصِرْتُ التَلْميذَة المُفضّّلة لَديها ، فأَحبَّتْني كثيراً ، ارْتاحتْ نَفْسي كثيراً لِلست وداد وكنْتُ أَفْرَحُ كثيراً كوْنَها مُعلِّمتي ومُرْشِدَة صَفِّنا ، واسْتَحقَتْ في نَفْسي مَكانةً كبيرَة ، ومِنْ بَيْنِ ما أَذْكُرهُ مِنْ حِكايَاتٍ عن الصَفِّ الثَالِث الابْتِدائي هو إِنَّني كنْتُ أَمْلُكُ مِسْطرَة مِنْ أَعزّ وأَفْضَلَ مُقْتَنياتي لَيْسَ فقَطْ لِجمالِ تَصميمِها المُميّز ولَوْنِها الأَخْضَر الرَائع وشَكْلِها وإِنَّما أَيْضاً لأَنَّها كانَتْ هديَّة لي مِنْ أَخي الغالي وكانَ قَدْ اشْتَراها لي في إِحْدَى سَفْراتِهِ ، كُنْتُ أَعْتَّزُ بِها جِدَّاً وأُحافِظُ علَيْها وكأَنَّها كَنْزٌ لا يُعوَّض ، هذِهِ المِسْطرَة رَاقَتْ كثيراً لِلست وداد ، وصارَتْ تَسْتَخدِمُها بِشَكْلٍ دائم لِتُؤْشِّر بِها على ما هو مكْتُوبٌ مِنْ شروحاتٍ على السَبورة ، وأَيْضاً لِتُهدِّدُ وتُقاصص بِها كُلَّ تَلْميذَة مُتَكاسِلَة عنْ واجِبَاتِها أَوْ ثَرْثارَة أَوْ مُشَاغِبَة تُعرْقِلُ سيْر الحِصَّة ، وفي أَحدِ الأَيَّام وبَيْنَما كانَتْ تَخْطو نَحْوَ السَبورة ارْتَطمَتْ المِسْطرَة الَّتي في يَدِها بِالرَحْلَة الأَماميَّة وانْكسَرتْ في الحالِ إلى نِصْفينِ ، ورَغْم ذَلِك اسْتَمريتُ في الاحْتِفاظِ بِها واسْتِعمالِها ، فإِنْكِسارها إِلى نِصْفين لَمْ يُفْقِدها قِيمتَها عِنْدي ككنْزٍ ثَمين ........... مرَّ العامُّ الدِراسيّ دُوْنَ تَوتُرٍ أَوْ قَلق ، دُوْنَ خوْفٍ أَوْ أَلَم ، كانَ الفَرَح هو الطابع الَّذي طبَع السَنَة وختَمها ، وكانَ أَيْضاً المُؤْسِّس لِتعْريفي كتَلْميذَة مُجْتَهِدَة ، ذكيَّة ، هادئة ، مُلْتَزِمة بِالتَعْليماتِ المَدْرسِيَّة ، مُطيعة ، وهذا الصيت حقَّقَ لي مَسِيرة دِراسيَّة هادئة ، نَاجِحة ومُسْتقِّرَة في مَراحِلِ الدِراسَةِ الابْتِدائيَّة اللاحِقَة ( الصَفّ الرَابع والخامس والسَادس الابْتِدائيّ ) ، فانْقَضتْ السَنَوات بِذِكْرياتٍ جميلةٍ ودرَجاتٍ جيّدة جِدَّاً ، وحُظيتُ بِمحبَّةِ الكثيرِ مِنْ المُعلِّماتِ في الصفوفِ التَاليَة [{ مِثْل الست ثمينة الغالية مُعلِّمة اللُغة الانْكليزيَّة ، وكانَتْ إِنْسَانة مُثَقَّفة جِدَّاً وشَخْصيَّة مُتَفرِّدة ، لطيفَة ومُحِبَّة لِلجميع ، وتَعامُلها مَع التَلْميذات كانَ راقياً جِدَّاً ، كما إنَّها كانَتْ تُحِبُّني كثيراً لأَنّني كنْتُ تَلْميذَة مُتَفوِّقة في مادةِ اللُغةِ الانْكليزية وهادئة ومُطيعة ، والست سميرة . ال . ش مُعلِّمة اللُغةِ العربيَّة والَّتي كانَتْ تُشْبِهُ الست قدرية كثيراً في أَناقتِها وأَخْلاقِها الراقية ، وكانَتْ بُوكلتها أَقلُّ ارْتِفاعاً مِنْ بُوكلة الست قدرية وتُميلُ لِلخلْفِ ، ولكِنْ تِلكَ البُوكلة لَمْ تَعدْ تُشَكِّلُ لديّ همَّاً فلَقَدْ كبِرُتُ على الخوْفِ مِنْ البُوكلة وانْتَصرْتُ علَيْهِ ، وكانَتْ الست سميرة تُحِبُّني كثيراً وتَحْتَرِمني لأَنَّني كنْتُ مُجْتَهِدَة جِدَّاً ومُتَفوِّقة في مادةِ اللُغةِ العربيَّة وكانَتْ تَخْتَارني لإلقَاءِ نَصٍّ شِعْرِي وطنيّ في يَوْمِ رَفعةِ العلَم ( لأَنّني كُنْتُ أُلْقيهِ دُوْنَ تَلكؤٍ أَوْ نِسْيانٍ أَوْ أَخْطاءٍ قَواعِديّة ) ، فكُنْتُ أَقِفُ إِلى جانِب المُديرةِ على المِنصَّة وأَتْركُ لِصَوْتي أَعْلى درجاتِهِ دُوْنَ تَعبٍ أَوْ صعوبَة مُرفْرِّفاً فَوْقَ مَسامِع الجميع بِكُلِّ طفُولَة ، ( أَمَّا اليَوْم فالحالُ غيْر ذلِك تماماً بِفِْعلِ التَقدُّمِ في السِنِّ ، فإِنْ اضْطرني ظَرْفٌ ما لإِعْلاءِ نَبْرَة صَوْتي بَضْع درَجاتٍ تَجُفُّ حنْجرَتي ويَتَلاشى صَوْتي وقَلْبي يَرْتَجُ خافِقاً كالمَجْنُون وأَشْعُرُ بِأَنَّهُ سيَنْقطِعُ عنْ جذْرِهِ ويَقَعُ في جوْفي ) ، وكانَ يُعجِبُها إنْشَائي بِشَكْلٍ خاصّ ، وذاتَ مرَّة سَأَلَتْني هلْ إنَّ مُفْرَدة (( تَرَعْرَع)) الَّتي ورَدتْ في إِحْدَى مَواضيعي الإِنْشَائيَّة قَدْ تَعلَّمتُها مِنْ الانجيل ، فقُلْتُ لَها : لا ست ، ولكِنَّني أَقْرأُ الكثير مِنْ الكُتُبِ والقِصَصِ والمَجلاتِ والجرائد وغيْرها وأتَعلَّمُ مِنْها . فرَّدَتْ قَائلَةً بِأنَّها تَعْتَبِرُ هذِهِ المُفْرَدة أَعْلَى مِنْ مُسْتَوى الدِراسَةِ لِلصَفِّ السَادِس الابْتِدائي . ثُمَّ امْتَدَحتْ كِتَاباتي في درْسِ الإنْشَاءِ وتَفوُّقي في مادَةِ اللُغةِ العرَبيَّة أَمامَ التَلْميذاتِ وتَوَّقَعتْ لي مُسْتَقْبلاً زاهِراً . ومُعلِّمات أُخْرَيات ابْتلَعتْ الذاكِرَة مَع الأَسف أَسْماءَهُنَّ } ] ، وتَثبَّتَ حُبِّي لِلمَدْرسَة وأَهمِيَّتها الكبيرَة في حيَاتي .... أَنا مَدينةٌ لِلست سميرة . س . ( مُعلِّمتي في الصَفِّ الأوََّلِ الابْتِدائي ) بِشْكلٍ كبير وخاصٍّ بِمُسْتَقْبلي الدِراسِي ، وثُمَّ لِلست وداد . ع . الَّتي أَكْملَتْ مَسِيرَة الست سميرة معي ، شَخْصِيتانِ انْقَذتا مُسْتَقْبلي الدِراسِي مِنْ الضَياعِ ، هما بَدءا الدَرْبَ معي لِلانْتِصارِ على الخوْفِ والعذابِ والمُعانَاة فلوْلاهُما لرُبَّما كنْتُ الآن بِمُسْتَقْبلٍ دراسيّ آخر لا أَدْريهِ ...... ولا أَنْسَى والدتي ووالدي اللذانِ اعْتَنيا بي أَشدّ العِنايَة في تِلك السَنَواتِ العصيبَة مِنْ حيَاتي الدِراسيَّةِ الأُولى ، وشَقيقتي الَّتي كانَتْ تُحاوِلُ بِكُلِّ ما أُوتيتْ مِنْ قُدْرَةٍ حِمايتي مِنْ المَخاطِرِ والتَعدِّيَّات . اليَوْم حِيْنَ أَتَذكَّرُ خوْفي ورُعْبي مِنْ بُوكلة المُعلِّمة أَغصّ ضَحِكاً مِنْ نَفْسي ، فما الَّذي كانَ يُخِيفني مِنْها ؟ لا أَعْلَم ، ولَنْ أَعْلَم أَبداً ، هَلْ كانَ يَخْتبَئُ فيها غولاً مَثَلاً أَوْ مارِداً يَقْتَنِصُ الصِغار ويَأْكُلَهُم أَوْ يَسْرُقهُم مِنْ أُمَّهاتِهم الطيَّبات ؟ هَلْ كانَ يَخْتَبئُ فيها جنيَّاً يَتأهَّْبُ لِلانْقِضاضِ على الصِغار ويَسْرقَهُم مِنْ أُمَّهاتِهم الحنونات ويَشْويهم عشَاءً لَهُ ؟ لا أَعْلَم ، في حِيْنِها حتَّى لَمْ يَخْطُر بِبالي جنيَّاً أَوْ غُولاً أَوْ مارِداً ، وإِنَّما فقَطْ كانَ خوْفُ طِفْلَة دُوْنَ أسْبابٍ مُوجِبة .... وقَبْلَ الخِتَام بِأَسْطُر أَضَعُ قُبْلةً خالِصة على بُوكلة مُعلِّمتي الأَنيقَة الطيَّبة الست قدرية والَّتي حاولَتْ بِشَتَّى الوسَائل مُسَاعدتي لكِنَّ الحظَّ لَمْ يَكُنْ حليفها ..... رِحْلَة العذَاب مَع الست ساهرة الشريرَة أَعادَتْ دوْرَتَها في المَرْحلَةِ المُتَوسِّطة في شَخْصِ إِحْدّى المُدرِّسات لِواحِدَةٍ مِنْ الموادِ الدِراسيَّة المنْهجية ، ولَمْ تَنْتهِ إِلاَّ بِشَكْوى رَسْميَّة أَوْقَفتْ هذِهِ المُدرِّسَة عنْ تَماديها ............ اليَوْم أُفكِّرُ بِأَنَّهُ رُبَّما كانَ هدوئي وسَيَبْقى سَبَب كُلِّ المَصاعِبِ الَّتي رأَيْتُها وسَأَراها في حيَاتي ، ففي قَاموسِ الآخرِين الهدوء يُعدُّ ضُعْفاً ، والضُعْف يُحرِّضُ الآخَرين لِلانْقِضاضِ علَيْك ........ ولكِنْ ؛ ها هي السنِين قَدْ قَدَّتْني ، وتَرَكتْ صُعوباتُ الحيَاة في نَفْسي آثَارَها ، صقَلتْني مرَاراتُ الحيَاة ، وأَصْبَحتْ المسَافات كبيرَة وبَعيدَة جِدَّاً بَيْني وبَيْن تِلك الطِفْلَة الَّتي كُنْتُها ، الطِفْلَة الهادئة ، الخائفة ، الخَجولَة ، الجبَانة ، الَّتي لَمْ يَكُنْ بِإِمْكانِها الدَفاع عنْ نَفْسِها ، الآن وبَعْدَ هذَا العُمْر تَغيَّرْتُ وصِرْتُ لا أَخافُ المُواجهات ، وأَعْرِفُ كيْفَ أُدافِعُ عنْ نَفْسي ، وأَردُّ الصاع صاعين لِلبَعْضِ مِمَّنْ يَتَعدَّى ، رُبَّما هو العُمْر ، رُبَّما هي الخِبْرَة الحيَاتيَّة ، رُبَّما هي آثارُ الآلام ، رُبَّما كُلُّ هذَا وذاك فالإنْسَان تَصْنَعهُ التَجارُب والمرَارات ........ وأَخيراً عزيزاتي / أعزائي ، أَرْجو أَنْ يَكون كُلَّ ما قَرأْتموه أَعلاه سِرَّاً بَيْننا جميعاً وأَنا أَثِقُ في إِنَّكُنَّ / إِنَّكُم ستَحْفظونَ هذَا السِرّ طي الكِتْمان ، فلا تَخْذلُوني ..... القَارِئات العزيزَات / القُرَّاء الأَعِزاء شَارِكوني مُعاناتَكُنَّ / مُعاناتَكُم داخِل أَسْوارِ المدْرسَة مع امْتِناني لِلجميع ..... دُمْتُم بِأَلْفِ خيْر ............ شُكْرأً لِمُتَابعتِكُم ، وإِلى تَواصُلٍ آخَر .........
#شذى_توما_مرقوس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مروحة كهربائية / قصة قصيرة
-
صفحة المهى 22 / مهى في ذكرى رحيلها
-
الحمامة / قصة قصيرة
-
الحب في بقيتهِ / قصة قصيرة
-
حادثة حديقة الزوراء
-
مَلَكة الكِتابَة فيما يَتَحدَّثون عَنْها
-
كبُرَتْ .........
-
عَنْ جَرِيمة إِبادَة الكِلاب السَائِبة ............
-
قُفَّةُ المُشْتريات ( سَلَّةُ المسْواق ) ..........
-
قَرِيباً مِن الفَنِّ والفَرَح .........
-
دُودَة ...... وكَائِنات أُخْرَى
-
شَيْءٌ عَنْ إِنْسَانِيَّةِ الإِنْسَان ..........
-
تَواصُلاً مع مَقالَة - كيف يكون الحوار متمدناً ج / 2
-
حَوْلَ غَلْق بَاب التَعْلِيقات ........
-
نِساء .........
-
كليجة وكلينتون ورِجال وكَبائِر أُخْرَى ............
-
لا شَيْءَ ثَابِت ....... لا شَيْءَ مُؤْكَّد
-
بَعْضٌ عَن الحِوارِ المُتمدن ............
-
بِمُناسبة اليَوْم العَالَمِيِّ لِلطَبِيبِ البَيْطَرِيِّ ....
...
-
نَشراتُ الأَخْبار ....... صُوَرٌ مِن المَعْرَكة
المزيد.....
-
رئيس كوريا الجنوبية يقترح إجراء محادثات مع بيونغ يانغ لإنهاء
...
-
متربي في كندا.. بيع صقر في مزاد بالسعودية بنحو 1.3 مليون ريا
...
-
موسكو تطلب توضيحا عن تزويد كييف بالسلاح
-
الغارديان: دول الناتو فشلت بدعم كييف
-
قناة السويس.. تحسن بمعدلات مرور السفن
-
الرئاسات اللبنانية تدين القصف الإسرائيلي على الجنوب
-
من غزة إلى أوكرانيا وإيران.. لماذا أصبح -النصر المطلق- مستحي
...
-
إيران مباشر.. إسرائيل تصعّد بجنوب لبنان وتنديد باستهداف سفين
...
-
إدانات خليجية لاستهداف 3 ناقلات إماراتية في هرمز خلال يومين
...
-
فحم بدل الكاكاو.. الرقابة تكشف مصنعا سريا للبسكويت في مصر
المزيد.....
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ مذكرات وذكريات مهندس في العراق
-
الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده
/ حكمة اقبال
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
-
الجاسوسية بنكهة مغربية
/ جدو جبريل
المزيد.....
|