شذى توما مرقوس
الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 02:53
المحور:
الادب والفن
صفحة المهى ( 22 ) / مهى في ذكرى رحيلها عني
مِنْ أَجلِ عالمٍ مُتوازنٍ وسليمٍ وأَجْمل
( سِلْسِلَة صَفْحة المهى لأَخْبار الشَأْن الحيواني وعالَم الطُبِّ البَيْطري )
( التَنوع الحياتي هو أَجْمل ما يَتَميّز بِهِ كوْكبنا الأَرْض، تَصوّروا كوْكباً لَيْس فيهِ سِوى الإِنْسَان كنَموذجٍ لِلحياة ؟ ما هو شعوركُم ؟ )
مهى
في ذكرى رحيلها عني ( في 4 / تموز / 2023 م ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم : شذى توما مرقوس
الجمعة 21 / تموز / 2023 م ــ 13 / اكتوبر / 2024 م .
( سِلْسِلَة صَفْحة المهى لأَخْبار الشَأْن الحيواني وعالَم الطُبِّ البَيْطري )
هي صفحة أنشأتُها في الأثنين 28 / سبتمبر / 2015 م بإسمها ومن أجلها وأجل بني جلدتها لتكون مهى الناطقة بإسمهم جميعاً والمُقدِّمة لقضاياهم أمام الضمير الإنساني ، وهذا أبسط ما يُمكن أن أمنحها إياه من وفاء جزاء محبتها وإخلاصها ونقائها.
كانت كائناً صغيراً في هذا العالم الكبير الواسع ، لكن تأثيرها في حياتنا كان أكبر بكثير من هذا العالم الكبير الواسع ......
ـــــــــــــــــــ
مهى ...
والكلماتُ بك صفوٌ وبهاء
عينان فيهما المدى مُنتشياً
نبعُ سعادة
وأيامُ فرحٍ ونقاء
غفوتِ كالملاك
مهى ....
كم افتقِدُكِ .....
ـــــــــــــــــــــــــ
جاءت إلينا وهي بعمر البضعة أسابيع ، جروة صغيرة جميلة ، سرقت قلوبنا ، وصارت فرداً من العائلة ، وصرّنا عالمها ، أغدقت علينا كلَّ حبّها ووفائها
ـــــــــــــــــــــــ
بين يديّ صورة من الذكريات مع بناتي الحلوات مهى ولونة
لن تتكرر هذهِ اللحظات مثل كل شيء في هذهِ الحياة يُحدث لمرَّةٍ واحدة وينقضي ....
مهى الغالية فارقتنا بعمر 15 عاماً ( وهو عمر طويل نسبياً للكلاب ) ، سُنة الحياة القاسية سرقتها منّا ، كما سرقت الكثير من الأحبة ...
افتقدها كثيراً إذْ كانت كشعاع النور في حياتنا ، كانت معي في كُلِّ لحظة ، تشعر بي وتقول لي عيناها الجميلتان ما يعجز اللسان عن قوله ، كانت تقف إلى جانبي في أفراحي وأحزاني وتُساندني بطريقتها البسيطة التلقائية في أحزاني ، طريقة لشدة بساطتها لا يقدِرُ عليها أي إنسان مهما حاول .....
كانت تُحبنا بشدة ، وكُنّا نحبها كثيراً .....
لا زلتُ أتذكرُ حين رقدتُ أسبوعاً في العناية المركزة لأسباب صحيّة ، اضطر زوجي بسبب عمله أن يضع مهى في رعاية حماتي ، وحماتي هي إنسانة طيبة تحبُ الكلاب كثيراً وتهتم بهم بطريقة رائعة وتعاملهم بكل حب ، أي لم يكن هناك ما يُقلق ، فمهى في أيادٍ أمينة ...
حين خرجتُ من المستشفى ، ذهب زوجي وأتى بمهى للمنزل ثانية ، وكنتُ أتوقع أن يسير كل شيء كما كان دائماً ، لكننا تفاجأنا بأن مهى حزينة ومخذولة ، فلقد خذلناها حين تخلينا عنها لأسبوع ، وهكذا فقدنا ثقتها فينا ، الثقة أغلى ما يُمكن أن يفقدهُ الإنسان والحيوان في علاقاتهِ ، مهى كانت حزينة ، لم تعدْ تأتي إلينا ، لم تعدْ تجلس بجانبنا ، لم تعدْ تهتم لنا ، وحين كنا نجلس في غرفة الجلوس مثلاً كانت هي تتركنا للغرفة الأخرى لوحدها ، وحين كُنا نذهب إليها ونعيدها إلى حيث نجلس كانت تقوم ثانية دون أن تنظر إلينا وتعود للغرفة الأخرى ، استمر الحال لبضعة أيام على هذا المنوال ، عاتبتُ زوجي بشدة حينها لأنهُ تخلى عنها أسبوعاً في غيابي .......
صبرنا وحاولنا استعادة ثقتها فينا ، ولأن الكلاب ليست كالبشر تُسامح من أخطأوا بحقها ، عادت مهى وبعد أيام من محاولاتنا لعقد الصلح معها وسامحتنا على ما ارتكبناه بحقها وخذلاننا لها ، ووقَّعنا معاهدة ضميرية فقط للروح مرئية تعهدنا فيها لها بعدم التخلي عنها أبداً ومهما جرى ، وكان كذلك حتى رحيلها عنّا ..........
في أيامها الأخيرة كنتُ أعتني بها أشدّ العناية ، وكنتُ لا أفارقها لحظة ، وحين فارقت الحياة كانت ملتصقة بي ومستلقية إلى جانبي .....
أتذكر إنها في الليل حين كانت تشعر بالألم ( مثلاً ألم في معدتها ، أو صداع ....... وإلخ ) كانت تأتي إليّ كطفلٍ صغير وتوقظني بطريقة عذبة مُحبَّبة وجميلة حيث كانت تربتُ على يدي بكفِّها الأماميّة وتنتظرني لأصحو وأساعدها على تخطي الألم الذي تشعر بهِ ....
أنا أشكرها لأنها كانت كل تلك السنوات في حياتي ، خمسة عشر عاماً مرّت كلحظة تعلَّمتُ منها فيها الكثير ، ملأت حياتنا بهجة وسروراً ودفئاً وجمالاً .....
ــــــــــــــــــــــــــ
ذكريات :
مما أتذكره من سلوكياتها الجميلة إنها وحين كانت جروة صغيرة ببضعة أشهر فاجأتني ذات مرة وأنا استحم لأراها قد قفزت إلى الحوض وتقف بجانب قدميّ والماء يتقاطر فوق رأسها ورأسي ، بعدها تعلَّمتْ أن تنتظرني عند حوض الاستحمام ولم تعدْ تقفز إليه ، فهي قد كبُرتُ بضعة أشهر أخرى وارتقت عن التصرفات الطفولية الهوجاء ، هذا ما كنتُ أقرأهُ في عينيها ، بعد ذلك ببضعة أشهر صارت تنتظرني عند باب الحمام طيلة فترة الاستحمام .....
أحياناً كانت تجلسُ إلى جانبي وتشاهد التلفاز معي ، خصوصاً حين يكون برنامجاً خاصاً عن الكلاب ، فهي كانت تراها تتحرك وتظنها هنا معنا فكان فضولها يدفعها للاقتراب من التلفاز وتلمس شاشتهُ بكفِّها الأمامية ....
بعد أن كانت تُفرِغُ ما في صحنها كانت تحملهُ بأسنانها وتأتي به إليّ وكأنها تقول لي : أريدُ المزيد
أكثر ما كان يعنيها عند إجراء الفحص الطبي لها هو أن تُخبئ رأسها في صدري ملتصقة بي غير آبهة بما يجري ، فشعورها بالأمان وهي تلتصقُ بي وتختبئ في صدري كان هو ثقتها المطلقة فيّ كوني أحميها من كل ضرر وأذى .
ــــــــــــــــــ
ولا أنسى أبداً ذلك اليوم الذي تقطع فيه قلبي لمرآها وهي تُحاول أن تديرتفاصيل يومها كما اعتادت ، وكنتُ قد ناديتُ على الصغيرة لونة لأخرج معها في نزهتها اليومية المُعتادة ، فإذا بمهى تجرُّ نفسها بخطوات عجوز ، خطوات متثاقلة جداً ، تجرُّ بها قوائمها وجسمها حتى وصلت الباب الرئيسي للمنزل وجلست وقد هدّها العمر تنتظرُ مجيئي إليها لنخرج معاً ، وكأنها كانت تقول لي : أنا مُستعدة للخروج
رغم إنها لم تكن قادرة على ذلك ، ذهبتُ إليها وحملتها بين ذراعيّ وقبلتها وغيرتُ خطتي اليومية المعهودة في الخروج مع لونة أولاً ، ثم معها ، فخرجتُ معها أولاً حاملة أياها بين ذراعيّ في جولة قصيرة ثم عُدت بها إلى المنزل ، وخرجتُ مع لونة بعدها .....
ــــــــــــــــــــــــ
تقدّم بها العمر ، وسرقت من أيامها السنين ، وصارت حين كُنّا نضطر لصعود بعض العتبات تنظرُ إليّ بعينيها المليئتين بالكلام لتقول لي : لا استطيعُ الصعود ، مفاصلي خذلتني ، أرجوكِ
عيناها الجميلتان كانتا مليئتان بالرقة والمحبة والتفاهم ، كنتُ أحملها بين يديّ وأضمها إلى صدري وأصعدُ العتبات ، كنتُ أحملها كلما تطلب الأمر ذلك ، أو طلبت هي إليّ ذلك ، إذ صارت تُعاني من صعوبة الحركة كأي شخص مُسن ، اشتريتُ لها عربة خاصة ( مُخصصة للكلاب ) كانت تجلسُ فيها براحة وتنزل عنها عندما ترغبُ في ذلك ، ورغم إنها كانت تشعرُ بقدر محبتي لها أتمنى لو كان للزمن عودة إلى الوراء فأجدها ثانية بقربي وأقول لها كم أحببتها وأحبها فوق ما تحملهُ الكلمات من وصف وأطبعُ ألف قبلة على رأسها الصغير الجميل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشدُ ما يُوجع قلبي إنّها في أيامها الأخيرة حيث صارت خطواتها ثقيلة وقصيرة ، لكن روحها كانت يقظة وتُحبُّ الحياة ، إنّها كانت تحاول أن تدير تفاصيل يومها كما اعتادت كل يوم ، ولسبب المُستجدات هذهِ قمتُ بتعديل ترتيباتي ، فبعد أن كنتُ أخرجُ برفقة مهى ولونة سوية ، أصبحتُ أخرجُ أولاً مع لونة في جولة طويلة ثم أعيدها للمنزل ، وبعدها مباشرة كنتُ أحملُ مهى بين يديّ ضامّة إياها لصدري وأذهبُ بها في جولة قصيرة ، كانت كعادتها تحاولُ أن تراقب كل شيء بعينيها الجميلتين ، وأن تستمتع بتلك الدقائق في الطبيعة ، وكان هذا دأبي كل يوم لثلاث مرّات ، وما كان يوجعُ قلبي جدّاً في هذا الأمر إنّها وفي كل مرّة أنادي فيها على لونة بالخروج ، كانت مهى تنهضُ من سلتها وتزحفُ ببطء السلحفاة وئيداً إلى باب المنزل الخارجي وتجلسُ هناك بتعب وهدوء جاعلة وجهها قبالة الباب المغلق وأُذناها مُتدليتان ضُعفاً ، وتنتظرُ بصبر لنخرج ثلاثتنا معاً كما تعودنا كل يوم ، كانت رغبتها في الحياة مشتعلة ، لكن العمر خذلها وأصبح هذا الجسد الصغير غير قادر على تحمل سنيناً أُخرى ، هذا المنظر كان يتقطع قلبي لهُ ألماً ، وكنتُ في كل مرّة أحملها بين يديّ وأضمها إلى صدري وأقبلها وأعدها بأنني لن أتخلى عنها أبداً ، وغيرتُ ترتيب الأمور فبعد أن كنتُ أخرج مع لونة أولاً صرتُ أخرج معها أولاً وبعدها مع لونة ..
كنتُ أأملُ أن تعيش لسنين أطول ، لكنني في أعماقي كنتُ أعلمُ بأن الفراق قريبٌ لا محالة وخلال بضعة أيام ، ورغم هذا لم أجدْ في نفسي الاستعداد لتقبّلُ الأمر المؤلم
كانت كائناً صغيراً في هذا العالم الكبير الواسع ، لكن تأثيرها في حياتنا كان أكبر بكثير من هذا العالم الكبير الواسع ......
#شذى_توما_مرقوس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟