أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة















المزيد.....

الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 22:07
المحور: الادب والفن
    


من رواية تحت الطبع
من بين ظلال تلك المجموعة البشرية، كانت المرأةُ الستينيةُ هي الأكثرَ دنواً من قلب ندى، والأقربَ إلى روحها بوعيٍ وألفة. لم تكن تُكثر الكلام في الجلسات الجماعية الصاخبة، لكنها امتلكت ذلك الدفء الهادئ الذي يجعل الإنسان يشعر، منذ النظرة الأولى، أنه يقف أمام روحٍ أتعبها كَدُّ العمر، لا أمام قلبٍ قسّته الأيام.
كانت تجلس دائماً على مقربةٍ من ندى، تضم كفّيها إلى بعضهما كأنها تخشى أن يتسرب من بين أصابعها ما تبقّى من رمق قوتها، وتستمع إلى ترّهات الآخرين بعينين مطفأتين، تخبئان وراء جفونهما غصّات سنواتٍ طويلةٍ من الحرمان.
وفي إحدى الأمسيات، طرقت تلك المرأةُ بابَ غرفتها بخفّةٍ شابها ترددٌ وادع. رحبت بها ندى بسرورٍ حقيقيٍّ نابع من الأعماق، ربما لأنها كانت هي الأخرى في أمسّ الحاجة إلى ملامح وجهٍ لا تشعر أمامه بأنها متهمةٌ بالجرم أو غريبةٌ عن الوجود. جلستا معاً قرب النافذة الوحيدة في الغرفة، فيما كان الليل يهبط بوقارٍ وبطء على الغابة الكثيفة المحيطة بالمصحّة، وتسللت بينهما تلك الأحاديث الشفيفة التي تبدأ عابرةً كالمطر، ثم تنفتح فجأةً على أوجاعٍ غائرةٍ ودفينة.
نظرت المرأة خارج النافذة، وتنهدت بصوت متهدج يفيض بالأسى، ثم التفتت إلى ندى وقالت:
ـ هل تعرفين ما الذي أتى بي إلى هذا المنفى العلاجي يا ندى؟
لقد أفنيتُ زهرة صباي وعمري في مستشفى ناءٍ على ضفاف إحدى الجزر.
كان زوجي يملكه ويديره، لكني لم أكن مجرد موظفة عابرة تحت إمرته، بل كنت شريكته الحقيقية في الحلم، والبناء، والتعب الجارف. وقفتُ بجانبه بكل ثبات منذ الخطوة الأولى، وساندته بقلبي وجهدي حتى غدا الصرح ناجحاً يشار إليه بالبنان.
سكتت برهة كأنها تبتلع غصة مريرة، ثم تابعت وقد التمعت عيناها ببريق انكسار قديم:
ـ كنت أظن، بسذاجة المرأة المخلصة، أن السنوات الطوال التي طحنت عظامنا معاً قد صهرت بيننا حياة متينة لا تزعزعها عواصف الأيام. لكني أفقتُ متأخرة جداً على كابوس مروع... لقد كان يخون عهدي وفراشي مع إحدى الممرضات الشابات. وحين واجهته بحقيقته العارية، لم أجد في عينيه حتى أثر الندم الذي كنت أترقبه لأرمم به كرامتي الجريحة، بل وجدت نفسي فجأة في مواجهة شرسة مع رجل غريب تماماً، كأني لم أقاسمه قطرة واحدة من دمي وعمري!
ارتجفت كفاها المطويتان، فأمسكت ندى بيدها بإنصات وثيق، لتستطرد المرأة بمرارة أشد:
ـ لم يكتفِ بالخيانة، بل تحالف مع عشيقته ضدي، وأحاطاني بأساليب التنمر والإذلال، حتى تحولت سنوات إخلاصي وتفانيّ في نظرهما إلى تهمة شنيعة أُعاقَب عليها كل يوم. ثم رماني بقرار الطرد والانفصال جافاً بلا رحمة، كأن العمر الذي انسلخ من جسدي معه يمكن محوه بجرة قلم واحدة.
سألت ندى بنبرة مواسية مسكونة بالدهشة:
ـ وكيف استسلمتِ لهذا الطغيان؟
ردت المرأة وعيناها تشتعلان بصلابة متعبة:
ـ لم أستسلم! رفعت دعوى قضائية ضده، وخضت معركة قانونية طويلة ومضنية، وانتهت بكسبي للقضية واستردادي لقرار عودتي إلى العمل بقوة القانون. غير أن ذلك الانتصار لم يكن سوى خديعة، إذ لم يحمِني من غوائل الهزيمة اليومية والاضطهاد الذي كان ينتظرني خلف الأبواب.
تضاعفت حدة العداء من حولي، وصِرت أذهب إلى العمل كل صباح بكره شديد، كمن يدخل ساحة حرب صامتة لا ترحم. وشيئاً فشيئاً، انهار جسدي المتعب تحت وطأة القهر، حتى اشتبه الأطباء بإصابتي بالسرطان، واستقرت في أعماق روحي كآبة حادة كليل بهيم لا ينجلي. والآن، وها أنا ذا هنا في هذا المصح، أحاول جمع ما تبقى من حطام نفسي، علّي أحصل على إعفاء نهائي من العمل وتثبيت تعويض مالي يردّ إليَّ كرامتي المستباحة.
كانت ندى تستمع إلى فيض حديثها بتركيزٍ عميقٍ، وتشعر بأنها تقف أمام مرآةٍ تشبهها في الجوهر والنزف، ذلك الشبه في التفاصيل، وفي الانكسار الوجودي الذي يحدث حين يتحول أقرب الناس إليك، ومن تظنه ملاذك، إلى مصدرٍ أساسيٍّ للأذى والطعن. رأت فيها امرأةً سُحقت ببطء وتلذذ تحت سياط الخيانة، تماماً كما سُحقت هي في محطاتٍ مختلفة من حياتها تحت قسوة مَن كان يفترض به أن يكون حاميها ومرفأ أمانها.
لكل ذلك، بدت لها قصة هذه المرأة أكثر صدقاً وعمقاً من قصص الآخرين التي كانت تترامى إلى مسامعها في الجلسات الجماعية الرتيبة. كانت ندى، في سريرة نفسها وبصيرتها المُرّة، ترى أن بعض النزلاء إنما جاءوا إلى المصح محمولين على أوجاعٍ عابرةٍ وخدوشٍ سطحية لا ترقى بحال إلى ما ذاقته هي أو تلك المرأة من خرابٍ داخلي زلزل الأركان.
فأحدهم تهاوى من شرفة منزله فأسقطت الحادثةُ روحه في وهدة الذعر، وآخر فقد عزيزاً فغرق في سوداوية عابرة، وأخرى تشكو من زوجٍ خائن وهي مثقلة بالمسؤولية.
كانت ندى تتعاطف مع مآسيهم، نعم، لكنها لم تستطع كبح نفسها عن الشعور بأن معاناتهم قاطبةً أقل قسوةً وضراوة من الجحيم الممتد الذي عاشته هي وتلك المرأة.. جحيم لا يقوم على فجيعةٍ مفاجئة، بل على سنواتٍ كاملةٍ من الاستنزاف البطيء والممنهج للروح والكرامة.
نظرت المرأة الستينية حول جدران الغرفة بضيق وتذمر مفاجئ وقالت:
ـ حتى هذا المكان الذي جئناه هرباً من العذاب، لا يترك لنا فرصة للراحة!
هل تسمعين هذه الموسيقى الصاخبة القادمة من المخيم الشبابي المجاور لأسوار المصح؟ إنها تحرمني من تذوق طعم النوم.
أيدتها ندى على الفور بلهفة، وقد سرت في أوصالها راحةٌ خفية لأنها وجدت أخيراً من يشاركها الضيق ذاته:
ـ آه يا عزيزتي، وأنا كذلك لم أذق طعم النوم والراحة منذ وصولي، بسبب ضجيج الموسيقى العنيف الذي يستمر حتى ساعات متأخرة من الليل ومن نظام هذا المكان كله والذي يبدو مناقضاً تماماً لفكرة السكينة والاستشفاء!
فعاملات التنظيف يأتين قبل بزوغ الفجر بوقت طويل، يطرقن الأبواب بقسوة ويبدأن عملهن بجلبة تجعل النوم مستحيلاً، ويصبح لزاماً علينا مغادرة غرفنا في بواكير الصباح لنتسكع لساعات في الممرات الباردة الطويلة بانتظار الفحوصات الروتينية.
ضحكت المرأة بمرارةٍ لاذعة وهي تقلب كفيها:
ـ يبدو، يا عزيزتي، أننا جئنا إلى مكانٍ يعالج التعب… بحرماننا من النوم والراحة!
ضحكت ندى معها إثر ذلك، ضحكةً قصيرةً صادقةً خرجت من جوف روحها. فالمشاركة الإنسانية، حتى في تفاصيل الشكوى والألم، كفيلةٌ بأن تخفف شيئاً من وطأة الوحدة القاتلة وتكسر صقيع الاغتراب.
***
من رواية تحت الطبع



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*
- في المصحة: حفلة الكراهية
- مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث
- وقفة تأملية في جغرافيا الفجيعة: قراءة في كتاب -دهاليز الموت- ...
- أولى نصال العنصرية، الفصل الثني
- رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك
- الى روح الزميل والصديق الراحل سالم قبيلات
- قراءة نقدية لقصة كشك الحكاية... للاديبة سعاد الراعي ،الكتابة ...
- قصي الشيخ عسكر: قراءة نقدية لمجموعة النخلة العمة وابناؤها ال ...
- جمعة عبد الله: سمات مضيئة في مجموعة -النخلة العمة وأبناؤها ا ...
- كشك الحكاية
- 14. سديمُ الصمت.. وارتيابُ اليقظة. من رواية قيد الطبع
- الارتطامٌ بجدارِ الجليد فصول من رواية تحت الطبع
- . موازينُ الطين.. وموازينُ الأرقام. من رواية تحت الطبع
- 10. ميثاق الوجع واليقين
- 9 . هدى: شرفاتُ الانتظارِ المفتوحة.
- 7ـ انقشاع القناع: معركةُ البقاء
- صلاح الأعزب: مِحراب الوفاء *
- فصول من رواية قيد الانجاز
- قراءات نقدية قصي الشيخ عسكر: -مذكرات أستاذة-.. مجموعة قصصية ...


المزيد.....




- غدا السبت .. افتتاح مهرجان القلعة الدولى للموسيقى
- الشرطة البرازيلية تستعيد 8 لوحات نادرة مسروقة للفنان هنري ما ...
- غزة إلى سباق الأوسكار 2027.. سويسرا تختار وثائقي -من لا يزال ...
- جولي أندروز تعلن اعتزال التمثيل وتغيب عن -يوميات الأميرة 3- ...
- وزراء ثقافة بريكس يتفقون على إعادة الممتلكات الثقافية ووضع م ...
- من كيانو ريفز إلى جاكي شان.. نجوم هوليوود الذين حوّلوا الشهر ...
- تكريم نادين لبكي بجائزة ليبراتوم للرواد عن مسيرة جمعت السينم ...
- أحضان بالمجّان وسط الركام.. فنان كولومبي يواسي متضرري زلزال ...
- قلاع جبل عامل.. حين يطارد الخطر ألف عام من تاريخ الجنوب اللب ...
- البرازيل: الشرطة تستعيد ثماني لوحات مسروقة للفنان الفرنسي هن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة