أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد العليبي - ظاهرة قيس سعيد في تونس ما بعد2021















المزيد.....


ظاهرة قيس سعيد في تونس ما بعد2021


فريد العليبي

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 17:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تشكل التجربة السياسية التي دشّنها الرئيس التونسي قيس سعيّد منذ 25 جويلية 2021 حالة يصعب اختزالها في نموذج تـأويلي واحد ، فما أسميناه منذ 2019 ظاهرة قيس سعيد انما تقوم على جملة من المفارقات : خطاب شعبوي بلا حزب شعبوي ، حراسة الدستور دون استكمال مساره ، وخاصة تشكيل المحكمة الدستورية ، ومعاداة صريحة للأجسام الوسيطة كالأحزاب والنقابات والجمعيات دون بديل مؤسساتي يحل محلها ، ودولة اجتماعية وبطالة متفشية وغلاء متصاعد، وتعويل على الذات وقروض بلا نهاية و ثورة ثقافية معلنة وتفاهة رائجة ، وهو ما تذمر منه أو من بعضه على الأقل قيس سعيد نفسه مفسرا إياه على أنه من فعل المنظومة بتوسط بيروقراطية الإدارة .
من هنا الحاجة الى العودة الى مرجعيات فلسفية متقاطعة تارة ومتباينة طورا ، مثل كارل شميت وهانز كيلسن ويورغن هابرماس، وكارل ماركس وبعض من اعتمدوا منهجه مثل أنطونيو غرامشي ونيكوس بولانتزاس، فضلا عن ابن رشد وابن خلدون ، بوصفها أدوات تحليلية جزئية لا نماذج تأويلية شاملة، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى التزام الحذر إزاء الفرضيات التأويلية غير المبرهن عليها كفرضية “الدولة العميقة” أو فرضية “اليد المغلولة” التي تحل مفارقات الظاهرة بافتراض قوى خفية عوض مساءلة الأدلة المتاحة أولاً.
مع التنبية الى مخاطر “تطبيق” نظرية جاهزة على تلك الظاهرة ، والاتجاه ناحية استخدام هذه الأدوات لبناء نموذج تحليلي مركّب يخصّها ، وهو ما يمكن أن نصطلح عليه مؤقتًا بـتلازم الظاهرة مع الأزمة العضوية ، التي لا تزال تعيش تونس تحت وطأتها 1بمعنى أن ظاهرة قيس سعيد مرتبطة على وجه التحديد باشتراطات تلك الأزمة كما يشرح معالمها غرامشي.
صعد قيس سعيّد رئيسًا سنة 2019 في لحظة استنفدت خلالها منظومة “التوافق” أو ما أسميناه في حينه السلطة التوافقراطية جل طاقتها ، وهي التي حكمت المرحلة الانتقالية منذ 2014، والتي جمعت بين حركة النهضة وحزب نداء تونس وحلفائهما، دون أن تفلح في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية العميقة . وقد استثمر قيس سعيّد السخط الشعبي ليخوض الحملة الانتخابية بموارد قال انها شحيحة و يكسر الجمود السياسي ويقدّم نفسه باعتباره بديلاً عن الأحزاب كافة .
وقد ظل يلاعب أحزاب السلطة وخاصة حركة النهضة الإسلامية ، بين وعد ووعيد ، خلال فترة لم تدم طويلا ، ثم مر الى العمل ضدها عندما أدرك أنها تضمر له شرا وتستعد الى تجريده من قدرته على التأثير وهو ما بدا واضحا بتوظيف حكومة هشام المشيشي التي نالت ثقة البرلمان في سبتمبر 2020 في هذا الاتجاه ، وبروز تحالف بين اليمين الديني واليمين الليبرالي .
ولم يكن ذلك العمل منفصلا عن هبة شعبية صبت جام غضبها على حركة النهضة خاصة من خلال استهداف مقراتها في عدد من جهات البلاد ووقوع صدامات عنيفة مع أجهزة مكافحة الشغب ، فقد كانت قرارات قيس سعيد يوم 25 جويلية 2021 متطابقة مع مطالب تلك الهبة ، مستندا إلى الفصل 80 من الدستور الخاص بحالة الخطر الداهم ، معلنًا تجميد أعمال البرلمان وإقالة رئيس الحكومة ورفع الحصانة عن النواب، عقب اجتماع طارئ حضرته قيادات عسكرية وأمنية بقصر قرطاج.
تلا ذلك تمديد تجميد البرلمان إلى أجل غير مسمى في أوت 2021، ثم حل المجلس الأعلى للقضاء في فيفري 2022، فاستفتاء على دستور جديد في جويلية 2022 وسّع صلاحيات الرئاسة على حساب البرلمان والقضاء.
وقد لاقت تلك الإجراءات ترحيبا شعبيا ، بينما اعتبرتها الأحزاب السياسية التي هيمنت سابقا على الحكم انقلابا ، ويجدر التنبيه هنا الى أن تلك الأحزاب نفسها متهمة بالانقلاب على الانتفاضة التونسية ، وانها زورت حتى تاريخها ، وهو ما وفر لقيس سعيد الفرصة لكي يعيد الأمور الى نصابها بوضع حد لذلك الانقلاب ، بما في ذلك العودة بتاريخ الانتفاضة الى أصله في حركة رمزية مليئة بالدلالات السياسية ويبرز في صورة المدافع عن الشعب الذي سلب منه لصوص جاؤوا من وراء البحار ثمار انتفاضته .
امتد مسار تركيز السلطة تدريجيًا ليشمل مؤسسات كثيرة ، منها الحكومة والبرلمان والقضاء التي أختُصر دورها في تأدية وظائف ، وبالتالي فقدت قيمتها باعتبارها سلطات مضادة تمكن من تحقيق التوازن بين أجهزة الحكم المختلفة ، ثم امتد ذلك ليشمل منظمات كانت تعد مستقلة عن الحكم ولكنها في تحالف موضوعي في البداية مع قصر قرطاج كاتحاد الشغل، الذي جمعه بالرئاسة عداء مشترك لليمين الديني ، قبل أن تتحول العلاقة معها إلى قطيعة صريحة بعد اعتقال مسؤولين نقابيين واتهام الأمين العام للاتحاد الرئيسَ علنًا بالسير في “الطريق الخطأ” وتوجيهه سنة 2023 التحية الى سجناء المرناقية في احدى خطبه باعتبارهم مناضلين مؤكدا أن تونس لن يكون فيها استبداد مهما كان الثمن ، مما فُهم منه انحيازه الى هؤلاء الذين اتهموا بالتآمر على أمن الدولة، ولم تنفع بعدها بعض التوضيحات من قبل قادة نقابيين قالوا ان الأمين العام كان يقصد المعتقلين النقابيين دون غيرهم . وامتدت الحملة لتشمل عشرات منظمات المجتمع المدني الحقوقية والنسوية والإعلامية، التي أحاطت الشكوك بتمويلاتها الداخلية والخارجية وارتباطاتها بالأحزاب الفاسدة التي استعملتها غالبا كغطاء لجلب التمويل الخارجي.
بالوصول الى تلك النقطة من تطورها بلغت ظاهرة قيس سعيد درجة عليا من حيث أدائها وسيوفر مسار حركتها اللاحق سندا مهما للإحاطة بها ، مما يعني أنها تحتاج تأويلا ليس فقط من حيث نشأتها وانما أيضا من حيث سيرورتها في انتظار اكتمالها ، وقد تفيد فلسفة السياسة وفلسفة الحق في الظفر بذلك .
• في هذا المضمار يمكن الاستفادة كما قلنا من أدوات تأويلية متعددة ، منها الاطروحة التي يقدمها كارل شميت 2 و مفادها أن جوهر السيادة لا يكمن في القاعدة القانونية العادية بل في القدرة على تعليقها: “السيد هو من يقرر حالة الاستثناء”. ويمكن تونسيا قراءة تفعيل الفصل 80 من هذا المنظور، فهو تجسيد شبه حرفي لهذه الأطروحة، كما يتردد صدى تمييز شميت بين “الصديق والعدو” كمعيار للسياسي في الخطاب التصنيفي لسعيّد ) نحن/الشعب مقابل هم/المتآمرون(وهو ما سيبرزه إرنستو لاكلاو لاحقا عند تحليله الخطاب الشعبوي الذي يشهر “الشعب” ككتلة متجانسة في مواجهة “النخبة الفاسدة” أو السفلة 3.

• ومن المهم هنا قراءة أطروحة شميدت في علاقة بنقيضها الذي بلوره هانز كيلسن، 4خلال الجدل حول جمهورية فايمار5 في ألمانيا ، خاصة ما تعلق منه بــ سؤال : “من يحرس الدستور؟”وفكرة وجود سلطة تعلو على القاعدة القانونية؛ فحارس الدستور بحسب كيلسون يجب أن يكون هيئة قضائية دستورية مستقلة لا فردًا يقرر تعليق القواعد الدستورية . من هذا المنظور، لا يُعدّ تفعيل الفصل 80 “حسمًا سياديًا مشروعًا” بل خرقًا إجرائيًا صرفًا، خصوصًا في غياب محكمة دستورية كان الدستور (2014) قد نص عليها دون أن تُشكَّل قط. وتأتي إضافة يورغن هابرماس 6 في هذا السياق لكي تعزز وجهة نظر كيلسون من خلال مفهوم “الفعل التواصلي” فالشرعية تُستمد من مسار تداولي عقلاني بين مواطنين أحرار ومتساوين، لا من فرد يدّعي تجسيد “الإرادة العامة” والنطق باسمها ، بمعنى أن احتكار السلطة كما ستبينه حنّة أرندت 7 انما يستلزم تفكيك الفضاء العام التعددي و بعثرة الموأطنين ( تذرير الأفراد ) وتفكيك الأطر السياسية والحقوقية والثقافية الخ ... التي تجمعهم .
غير أن الحالة التونسية معقدة وقد لا ينطبق عليها هذا الكلام فالأحزاب التي سيطرت على السلطة متهمة بتوظيف المال والاعلام الفاسدين ، فضلا عن ارتباطها بقوى خارجية ، وهو ما أفرغ صندوق الاقتراع من قيمته الفعلية فكان الحديث عن الديمقراطية المشوهة والمعطوبة والمغشوشة، التي أضحت سيفا مسلطا على رقاب الشعب ، دون نسيان أن قرارات سعيد قد تطابقت مع مناداة شعبية بحل البرلمان ومحاسبة السياسيين الفاسدين كما بيناه ، أي أنها لم تكن اجراء فوقيا بقدر ما نبعت من هبة شعبية عرفتها جهات مختلفة في طول البلاد وعرضها وسبقتها هبات صغيرة متدحرجة تم قمع بعضها برصاص بنادق الصيد والقنابل المسيلة للدموع وهو ما أدى الى سقوط شهداء وجرحى .
. ويوفر كارل ماركس8 إمكانية أخرى لفهم الظاهرة فصعود حاكم في لحظة توازن هش بين قوى طبقية متصارعة عاجزة عن حسم الصراع، يوصف لديه بالبونابارتية ، حيث يستغل ذلك الحاكم هذا الجمود ليقدّم نفسه على أنه “فوق الطبقات” ، ممثلاً لـ“الأمة” و" الشعب " ضد “السياسيين”، بينما يستمد قوته الفعلية من شريحة اجتماعية هامشية عاجزة عن تمثيل مصالحها تنظيميًا بنفسها فتظل تدور حوله دون وعي ذاتها بذاتها .و هذا النموذج في الفهم يفسر جزئيًا غياب أي حزب سياسي منظّم حول سعيّد رغم استمرار مقبوليته الشعبية لدى شرائح هلامية بعينها.
أما أنطونيو غرامشي 9فإن مفهوم “الأزمة العضوية " لديه يصلح أيضا لفهم هذه الظاهرة و يتعلق المفهوم بتحليله لطبيعة التحولات التاريخية والسياسية العميقة داخل المجتمع. وهي ليست مجرد أزمة اقتصادية أو حكومية عابرة، بل أزمة تمس بنية المجتمع بأكملها وعلاقة الدولة بالشعب . ويقصد غرامشي بالأزمة العضوية الحالة التي تتمثل ملامحها في ما يلي :
o تفقد خلالها الطبقة الحاكمة قدرتها على قيادة المجتمع والحفاظ على الهيمنة.
o تتراجع ثقة الجماهير بالمؤسسات السياسية والأحزاب التقليدية.
o تصبح الأفكار والقيم التي كانت تمنح النظام شرعيته أقل إقناعًا، مما يفتح المجال لظهور قوى اجتماعية وسياسية جديدة من ناحية او عودة القديم في نسخة أشد قسوة تحركه النزعة الثأرية من ناحية ثانية .
ومن أشهر العبارات التي استخدمها غرامشي لوصف هذه المرحلة:" القديم يحتضر، والجديد لم يستطع أن يولد بعد؛ وفي هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية متنوعة." فتطل الوحوش برأسها وهي تبحث عن فرائسها .
فالأزمة العضوية تكون شاملة أي انها تشمل الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة الخ بمعنى أنه اذا دخلت دولة في ركود اقتصادي طويل، وتزامن ذلك مع فقدان الثقة في الأحزاب، وانتشار الاحتجاجات، وعجز المؤسسات عن تقديم حلول، فإن غرامشي لا ينظر إلى ذلك بوصفه أزمة اقتصادية فقط، بل يعدّه أزمة عضوية تعكس انهيارًا في قدرة النظام القائم على الحفاظ على شرعيته وقيادته للمجتمع كما قلنا .
واذا لخصنا وجهة نظر غرامشي أمكننا القول أن الأزمة العضوية تحيل الى أزمة تاريخية شاملة تصيب الطبقة أو الطبقات السائدة ، مما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى في الاتجاهين المشار اليهما : القديم والجديد . وهو ما يصح على تونس قبل تولي قيس سعيد الرئاسة وبعد ذلك أيضا ، بما يتيح استنتاج أن تونس تعيش منذ سنوات في ظل أزمة عضوية دائمة وأن ظاهرة قيس سعيد كانت نتاجا لها وقد سارت برفقتها أيضا .
ويستعمل غرامشي في هذا المجال أيضا مصطلح “القيصرية” فعندما تشتد الأزمة يظهر حاكم فرد ليعيد التوازن بين قوى متصارعة عاجزة عن الحسم. مُميزا بين قيصرية “تقدمية” تفتح المجال لاحقًا لبروز تشكيل اجتماعي جديد، وقيصرية “رجعية” تجمّد الأزمة دون حلها فعليًا بما يمنح القديم فرصة العودة ، وهو تمييز يظل في الحالة التونسية، مفتوحًا على الترجيح لا الحسم النهائي بمعنى الإجابة عن سؤال : الى أي من هذين الصنفين تنتمي ظاهرة قيس سعيد ؟ ونحن نرجح أنها لا تزال حتى الآن تنتمي الى الصنف الأول ، حاملة إمكانية إعادة البناء، ولكنها غرقت في التعويل على الجهاز البيروقراطي للدولة ، معتقدة في إمكانية اصلاح الدولة بالدولة ، مستعملة أعوان المنظومة لخدمة النظام ، فضلا عن اختيار الانعزال عن قوى التقدم في السياسة والثقافة وعدم الاصغاء الى صوت تونس العميقة صانعة الثورات والانتفاضات وتفضيل الصمت بدل ابداء المواقف تجاه القضايا الجوهرية ، وهو ما سلبها الكثير من عناصرها التقدمية فظلت تدور حول نفسها من خلال تكرار الشعارات التقدمية المفصولة عن تطبيقاتها الواقعية ، وهي تغامر بفقدان مقبوليتها الشعبية على المدى الاستراتيجي، غير أنه من الخطأ أيضا تحميلها وزر الانحباس المشار اليه وحدها فالجديد أيضا ضعيف ومرتجف ومتردد ويعيش على سحر أوهامه التاريخية ، دون ارتباط بالواقع ولا بالنظرية وهو ما يفسر عسر ولادته .
وبالالتفات الى نيكوس بولانتزاس 10 نظفر بمقاربة أخرى تنتمي الى نفس الاطار المرجعي ونعني الماركسية لتفسير التناقضات الظاهرية للحالة موضوع الدراسة من خلال مفهوم “الاستقلالية النسبية للدولة” عن أي طبقة بعينها في لحظات الأزمة الحادة، مع بقائها، رغم هذه الاستقلالية، خادمة موضوعيًا لإعادة إنتاج علاقات الإنتاج القديمة . كما يفيدنا حديثه عن “الدولتانية السلطوية” أو تضخم دور الدولة بما يحيل على تركّز متزايد للسلطة صلب الجهاز التنفيذي مع الحفاظ على الديمقراطية الشكلية (انتخابات، دستور، استفتاءات) وتآكل فعلي لآليات المساءلة الوسيطة ، وهو ما يصح على الحالة التونسية بشكل لافت حيث يبرز خطر الحاكم " وحداني التسلط " بالمعنى الرشدي 11 ولكنه الفاقد للعصبية بالمعني الخلدوني ، 12مما يدفعه الى تعويضها بالاتكاء على أجهزة الدولة الصلبة .
واذا سرنا في هذا الطريق التأويلي أمكننا التخلي عن باراديغم “الدولة العميقة”، فهو من حيث استخدامه الشائع، يفترض وجود بنية بيروقراطية-أمنية-عسكرية راسخة ودائمة تاريخيًا وتعمل بشكل شبه مستقل عن الحاكم لخدمة مصالحها الخاصة عبر عقود. غير أن الأدلة المتاحة في تونس تشير إلى نمط مختلف جوهريًا: فقد تم تغيير الجهاز القضائي (حل المجلس الأعلى للقضاء سنة 2022) الذي خضع قبل ذلك الى السلطة المزدوجة الدستورية الإسلامية وخاصة الإسلامية ، كما كانت النقابات الأمنية المفترض ارتباطها بالدولة العميقة تعاني من تناقضات جعلتها تتناحر فيما بينها وهو ما أدى الى حلها ، بما يدحض وجود كتلة أمنية-قضائية-عسكرية منسجمة توجّه الظاهرة .
والأقرب الى الدقة أن فيس سعيد هو من يحرّك المؤسسات لا العكس، وقد أكد هو ذلك مرارا فهو من اتخذ القرارات المصيرية يوم 25 جويلية 2021 ومن أشرف على ملفات تقنية معقدة ومن كون المجلس الأعلى للتربية فضلا عن صياغة الدستور الجديد ، يُضاف الى ذلك التعامل مع الحلفاء والأعوان المقربين في وقت ما مثل اتحاد الشغل والوزراء الأربعة والولاة المقالين بطريقة قيصرية تمثلت في استبعادهم دفعة واحدة ، مما عزز الفكرة القائلة أن قيس سيغيد لا يُصغي الا الى نفسه .
وهذا الدي نقوله يدفع باتجاه التساؤل عمن حول الرئيس ؟ هل يقرر وحده أم هناك حلقة ضيقة حوله ؟ من المرجح وجود حلقة ضيقة تحيط بالرئيس منذ 2019 وقد تعزز دورها بعد 25 جويلية . غير أن المتابعة الإعلامية على الأقل تفيد أن دورها ثانوي وهي تتكون من بعض المستشارين الذين ظلوا دون حضور لافت وغاب بالأخص المعنيون منهم بالتفكير وإنتاج الخطاب بينما طغى كلام الرئيس على مشروعه " الفكري الجديد " الذي ظل مبهما وملتبسا .وغني عن البيان أن أطروحة الدولة العميقة تتقاطع مع أطروحة " اليد المغلولة" ، التي تؤول الفجوة المتكررة بين تهديدات الرئيس وتنفيذها الفعلي بوجود قوى خفية تكبح إرادته. غير أن تأويلا بديلاً أكثر انسجاما مع الأدلة يربط هذه الفجوة بغياب مخطط تنفيذي بديل ، إذ يوظَّف سعيد التهديد كأداة خطابية-شعبوية للحفاظ على حالة “الأزمة العضوية ” التي تبرر استمرار حالة الاستثناء، أكثر من كونه التزامًا بجدول تنفيذ فعلي.
أدت هذه المعضلات الى استنتاج أن ظاهرة قيس سعيد ما بعد 2021 قد وصلت الى منتهاها أو اقتربت من ذلك على الأقل فكان الحديث عن الربع ساعة الأخير واغلاق القوس وانتشرت خطابات شعبوية مضادة تقوم على الاعتقاد أن الشعب سيهب بين ليلة وضحاها ليحاصر قيس سعيد في قصره على الطريقة البنغلادشية أو النيبالية ووجهت بيانات تحريضية وحُدد ت مواعيد وبدا البعض من السياسيين السابقين ومنهم شيوخ بورقيبيون في صورة كاركاتورية وكأنهم خرجوا لتوهم من القبور لكي يعودوا رؤساء ووزراء كما كانوا .... ولكن تلك الخطابات ظلت دون مجيب ، بما يؤكد أن ظاهرة قيس سعيد لا تزال راسخة من حيث كينونتها السياسية داخليا ، ومن ثمة كان الحديث عن مشاورات خارجية تتم في الغرف المغلقة لوضع نهاية لها وهو ما أثار سخطا شعبيا في صلة بالسيادة الوطنية ومقتضياتها وبدا أعداء قيس سعيد في صورة عملاء خارجيين .
صحيح أن العامل الخارجي اليوم له قيمته، وهناك دول تم تقويضها وتولية حكام عليها يتبعون هذه أو تلك من الكتل الامبريالية المتصارعة أو يتبعونها كلها بعد التوافق الكولونيالي على اقتسام الغنيمة ، ولكن الوقائع التونسية لا تدعم فرضية “عزل منسّق” لقيس سعيد من طرف القوى الغربية الثلاث المعنية بالشأن التونسي وهي فرنسا وأمريكا وإيطاليا . فبينما شهدت العلاقة مع فرنسا وواشنطن فتورًا وانتقادات متكررة حول الملف الحقوقي والمحاكمات، سارت العلاقة مع إيطاليا في اتجاه معاكس تمامًا: عديد اللقاءات الثنائية بين رئيسة الحكومة الإيطالية والرئيس التونسي، مدفوعة بمصالح مشتركة في ملف الهجرة، ما جعل روما أقرب شريك أوروبي لسعيّد لا خصمًا يسعى لعزله وإن برز في صحف إيطالية بعض ما يفيد العكس فإنه لا علاقة له بما هو رسمي وانما مصدره على الأرجح مراكز نفوذ مالية بشكل خاص ، لها مطامع تونسية ، وبينما تبدو أمريكا متطرفة في طلب رأس سعيد فإن فرنسا تبدو وسطية .
وما يدعم هذا التحليل هو تقديم نائبين أمريكيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري مشروع قانون يتضمن عقوبات محتملة على مسؤولين تونسيين وتعليق مساعدات أمنية، بذريعة تدهور الحريات وحقوق الإنسان. وقد قوبل هذا المشروع برفض صلب أوساط شعبية وسياسية وثقافية تونسية ، باعتباره “انتهاكًا لسيادة تونس” وهو مؤشر على أن سعيد ينظر اليه الى حد كبير في علاقة بالخارج على أنه يعبر عن تلك السيادة ، وقد حظي لقاؤه بكبير مستشاري ترامب للشؤون العربية والشرق أوسطية مسعد بولس بالكثير من التعليقات حيث كان التأكيد على أن القضايا الداخلية لكل دولة تحلها الشعوب لا القوى الخارجية ، وقد ظل المبعوث الأمريكي واقفا أمامه لبعض الوقت وهو يشرح له الإبادة الفلسطينية ، واستقبل ذلك تونسيا بالترحيب ، فضلا عن دعوة وزارة الخارجية التونسية سفراء أجانب للاحتجاج كلما تعلق الامر ببيانات أو أفعال تنتهك تلك السيادة .
وذلك العامل الخارجي يتضمن دائرة ثانية تتمثل فيما هو إقليمي وعربي فقد شهدت المرحلة السابقة لـ25 جويلية 2021 تحالفًا واضحًا بين حركة النهضة والمحور التركي-القطري، ليس فقط في علاقة بالملف التونسي وانما أيضا بملفات أخرى ومنها الملفين الليبي والسوري ووصل الأمر حد طلب الأتراك تركيز قاعدة عسكرية لهم في تونس . غير أن المرحلة اللاحقة شهدت تراجعًا حادًا في نفوذ النهضة وغيابًا شبه تام لدور تركي أو قطري مباشر في المشهد الداخلي التونسي .
ولكن ذلك لا يمنع من احتمال وجود غرف خفية عالمية وإقليمية، وصفها رئيس أسبق بالمغلقة التي تدير بعض خيوط اللعبة على الأقل وتستعد لتنصيب بديل لسعيد وهو ما يفترض وجود تمويل وتوجيه لبعض ما يحدث في تونس من أنشطة تؤدي تلك الوظيفة ، وليس مستبعدا أن هناك أكثر من خطة قيد التنفيذ على هذا الصعيد ، بمعنى تشابك العاملين الدولي والإقليمي ، تناقضا وانسجاما في نفس الوقت ، وهو ما يفسر رد الفعل الجزائري على لسان الرئيس تبون الذي يوحي بأن قوة خارجية تريد نقل الإرهاب الى الحدود التونسية بغاية زعزعة الأوضاع الأمنية فكان تهديده بأنها ستلاقي في طريقها العقبة الجزائرية .
وتأسيسا على ما تقدم نخلص إلى سؤال “الفاعلية” أو النجاعة ، من يقرر فعليًا؟ وعنه تتفرع أسئلة منها : من يحكم تونس الآن ؟ و بناءً على الأدلة المتاحة، نحن مع فرضية أن قيس سعيد هو الفاعل والمسؤول في ظل حلقة ضيقة محيطة به لها تناقض جزئي مع حزب الإدارة ، بما يفسر عسر اصلاح الدولة بالدولة ، مع استبعاد فرضيات الدولة العميقة و اليد المغلولة ، ونحن نستعمل هنا التناقض الجزئي عوضا عن التناقض الشامل لسبب بسيط وهو أن بعض هؤلاء الإداريين البيروقراطيين المتحكمين حتى الآن بمفاصل الدولة هم أعوان سابقون ضمن سلطة زين العابدين بن علي وهذا غير غائب عن عين قيس سعيد ، بما يستنتج منه غياب النجاعة في التعيين والتنفيذ جزئيا على الأقل وأن الزيارات الفجئية لا يمكن أن تنوب عن ذلك الغياب بل قد تتحول في لحظة ما الى آلية لتأكيده .
وتبقى المسألة الحاسمة المفتوحة للبحث اللاحق هي مآل الظاهرة على المدى الطويل : هل تمثل “قيصرية رجعية” بالمعنى الغرامشي، مهمتها تجميد الأزمة العضوية دون حلها أي المحافظة على ديمومتها ، أم تحمل بذور إعادة تشكيل اجتماعي-سياسي جديد ؟ الإجابة عن هذا السؤال تتجاوز حدود التحليل الفلسفي المجرد إلى رصد تجريبي متواصل لمسار الصراع المتصاعد مع ترجيح دوام الحال لبعض الوقت على الأقل ، فضلا عن مساءلة المستقبل على ضوء استيقاظ القوى الشعبية من غفوتها طويله الأمد بدورها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1أنطونيو غرامشي ، دفاتر السجن .
ـ 2كارل شميت ، اللاهوت السياسي .
3 ارنستو لاكلاو ، عن العقل الشعبوي .
4ـ هانز كيلسون ، من ينبغي أن يكون حارس الدستور ؟
5 سقطت الإمبراطورية الألمانية غداة الحرب العالمية الاولى فقد كانت الهزيمة قاسية مما أجبر القيصر فيلهام الثاني على التنازل عن العرش وتم الإعلان في 9 نوفمبر 1918 عن الجمهورية ( سميت بجمهورية فايمار نسبة الى المدينة التي شهدت اجتماع الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور ) التي تراءسها فريديريك ايبرت الذي كان ينتمي الى الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، تلا ذلك الإعلان عن دستور جديد في فيفري 1919 تمتع فيه الرئيس بصلاحيات واسعة تشبه الصلاحيات نفسها التي نجدها في الدستور التونسي الصادر سنة 2022 بما في ذلك تمكين الرئيس من الحكم بالمراسيم خلال حالة الطوارئ ، وقد عانت جمهورية فايمار من الازمات والهزات ، تضخم على الصعيد الاقتصادي ، محاولات انقلابية على الصعيد السياسي ، تفشي البطالة على الصعيد الاجتماعي ، وسط وضع عالمي عصفت به الأزمات وصولا الى الكساد الكبير سنة 1929 وهو ما أدي في النهاية الى انهيار الجمهورية وتعيين هتلر مستشارا في جانفي 1933 لتبدأ المرحلة النازية .
6ـ يورغين هابرماس ، نظرية الفعل التواصلي .
7 حنة أرندت ، أصول التوتاليتارية .
8 كارل ماركس ، الثامن عشر برومير، لويس بونابارت .
9 أنطونيو غرامشي ، دفاتر السجن، مصدر سابق .
10 ـ نيكوس بولنتزاس ، الحكم وصراع الطبقات .
11 ابن رشد ، مختصر كتاب السياسة لأفلاطون .
12 ابن خلدون ، المقدمة .



#فريد_العليبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإمبريالية الأمريكية واختطاف مادورو : من مبدإ مونرو إلى عقي ...
- دولوز وفلسطين : أنطولوجيا النفي والاعتراف .
- في اليوم العالمي للفلسفة : كيف نقرأ الفلسفة وتاريخها ؟
- تونس: فشل وأمل .
- غيوم في سماء تونس .
- أسطول الصمود : فلسطين حقيقة العالم .
- ورقات ايرانية
- فلسطين : الحرب و دموع العذاب ودموع الفرح .
- لقاء صحفي حول الأوضاع في تونس وسوريا .
- قراءة في العقل الصهيوني.( 1)
- النهضة والثورة.
- المقاومة الفلسطينية بين الماضي والمستقبل . في الذكرى الأولى ...
- الاجتياح البري .
- لبنان ونصرالله وما سيبقى .
- أستاذ فلسفة مترشح لرئاسة أمريكا.
- اليوم انتخابات رئاسية في الجزائر ... وغدا في تونس .
- ورقات أردنية .
- مخاطبة المنازل.
- التنوير الديني والماركسية عند محمود محد طه ( الحلقة الرابعة ...
- التنوير الديني والماركسية عند محمود محد طه . ( الحلقة الثالث ...


المزيد.....




- بعد 3 آلاف عام من الصمت.. صوت أبواق مقبرة توت عنخ آمون يعود ...
- روسيا تكثف هجماتها البالسيتية على كييف مع نفاد -الباتريوت- ا ...
- إيران تعرض حطام طائرات أمريكية وإسرائيلية في معرض تحت الأرض ...
- من هو الشيخ أحمد الأسير؟ وهل يشمله العفو العام في لبنان؟
- ضُربت قياداتها وبقي النظام.. هل تعيد إيران بناء هرمها العسكر ...
- ظلام دامس في وضح النهار.. كسوف تاريخي نادر يجتاح سماء أوروبا ...
- بزشكيان: الحرب الراهنة أكثر تعقيدا من سابقاتها والعدو يسعى ل ...
- دخان أسود يغلف باريس.. حريق هائل قرب مطار شارل ديغول
- التلفزيون الإيراني ينشر لقطات لبقعة نفطية قرب سواحل جزيرة قش ...
- الأمن الكويتي يحبط مخططا إرهابيا لـ-داعش- كان يستهدف منشأة ح ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد العليبي - ظاهرة قيس سعيد في تونس ما بعد2021