أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد العليبي . - دولوز وفلسطين : أنطولوجيا النفي والاعتراف .















المزيد.....

دولوز وفلسطين : أنطولوجيا النفي والاعتراف .


فريد العليبي .

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 02:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نص المحاضرة التي ألقيت قبل مدة على منبر قسم الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس .
ــــــــــــــــــــ
يُثير سؤال: «مَن الموجود؟ الفلسطيني أم الصهيوني؟» إشكالًا أنطولوجيًا عميقًا يتجاوز حدود السياسة، ليطال سؤال الوجود ذاته. فالمسألة ليست مجرّد صراع على الأرض، بل صراع على حقّ الوجود داخل اللغة والتاريخ.
انطلاقًا من مقال جيل دولوز «عظمة ياسر عرفات» (قبل أن تتمرّغ تلك العظمة في أوحال أوسلو)، المنشور في العدد الذي خصّصته مجلة الأزمنة المعاصرة للحديث عن الحرب في لبنان، ومجزرة صبرا وشاتيلا، والموقف من المقاومة الفلسطينية، ثم لاحقًا في كتابه نظامان للمجانين، تتكثّف كلمات دولوز التالية لتلخّص جوهر المعضلة الفلسطينية:
«من البداية إلى النهاية، بدا الأمر وكأن الهدف هو أن يُعامَل الشعب الفلسطيني، لا فقط كمن لا يجب أن يكون، بل كمن لم يكن أبدًا.»
لقد قام المشروع الصهيوني على نفي الفلسطيني على صعيد الوجود نفسه، بما يجعل من الكينونة الفلسطينية نوعًا من «الغياب المفروض». ومع هذا النفي يُعاد تشكيل السؤال حول العلاقة بين الهوية والاعتراف والمسؤولية.
يرى جيل دولوز أن الصهيونية، ثم «الدولة الإسرائيلية» لاحقًا، تعاملت مع الفلسطينيين وكأنهم غير موجودين أصلًا، مستعيدة الشعار الاستعماري الأول: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». وعلى هذا النحو، لم يكن نفي الفلسطيني عرضًا من أعراض الصراع، بل شرطًا تأسيسيًا للمشروع الصهيوني.
فالاستيطان لم يبدأ بالاحتلال العسكري، بل بـ«الخطاب»، أي بلحظة لغوية جرى فيها محو اسم «الفلسطيني» واستبداله بعبارة «العرب في فلسطين»، وكأن الوجود الفلسطيني مجرد مصادفة جغرافية لا أكثر.
يمثّل هذا المسعى ما يسميه دولوز «الفعل الأنطولوجي للسلطة»، إذ لا تقتل الآخر جسديًا فحسب، بل تنفيه رمزيًا من مجال الكينونة. وهو ما يفسّر الطابع الخاص للاستعمار الصهيوني، الذي لا يكتفي بالهيمنة، بل يسعى إلى الإحلال، أي محو الوجود الأصلي واستبداله بوجود بديل.
يشير دولوز إلى مفارقة لافتة: فالصهيونية انبثقت من أرضية مأساوية، من رحم المحرقة التي تعرّض لها اليهود في أوروبا، لكنها تحوّلت إلى آلة تمارس عنفًا مشابهًا للعنف الذي نجت منه. فالنازيون سعوا إلى محو اليهود جسديًا، أمّا الصهاينة فمارسوا محوًا آخر: محو الفلسطيني رمزيًا وجغرافيًا. وهكذا أصبحت الضحية جلادًا، واستُنسخ نموذج الإبادة في صورة استعمار إحلالي جديد.
والفرق الوحيد، بحسب دولوز، أن الإبادة النازية كانت خشنة وصريحة وسريعة، بينما الإبادة الصهيونية ناعمة وبطيئة. ولو عاش دولوز الإبادة الغزّاوية، لربما قال إنها تبدو أحيانًا كذلك، لكنها في أحيان أخرى ساحقة ومدمّرة، لا تمارسها القوانين والإعلام والسيطرة الرمزية فقط، بل الدبابة والصاروخ والمسيّرات التي لا تفارق السماء، مرسلة حممها في كل حين. وبهذا المعنى يصبح الفلسطيني «يهودي اللحظة الراهنة»، أي الضحية التي يُراد محوها في سبيل «الخلاص» المزعوم لآخرين.
يحمّل دولوز المسؤولية الأخلاقية الأولى لأوروبا والولايات المتحدة، لسعيهما إلى تحويل الشعور بالذنب تجاه المحرقة إلى مشروع كولونيالي. فقد كانتا مدينتين لليهود بالتعويض، غير أن هذا التعويض دُفع من جسد الفلسطينيين، من دمهم ولحمهم، كما بيّنت فواجع متواترة، منها الفاجعة الغزّاوية الأخيرة التي نقلتها شاشات التلفزيون.
يقول دولوز:
«كانت الولايات المتحدة وأوروبا مدينتين لليهود بالتعويض، لكن هذا التعويض يدفعه شعب بريء تمامًا من أي محرقة، ولم يسمع بها حتى. وهنا يبدأ العبث، كما يبدأ العنف.»
وهكذا يتولّد العنف من العبث: إذ تُحلّ المعضلة الأخلاقية الغربية عبر تصديرها إلى الشرق، فيتحوّل الاعتذار عن جريمة إلى تأسيس لجريمة جديدة. فالمسؤولية التاريخية، إذن، ليست على الفلسطيني، بل على الإمبريالية الغربية التي صنعت من الصهيونية أداتها التنفيذية في الشرق.
تطالب إسرائيل الفلسطينيين بالاعتراف بـ«حقها في الوجود»، لكنها في المقابل ترفض الاعتراف بوجودهم ذاته. إنها مفارقة أخلاقية: اعتراف يُفرض من الأعلى، لا يقوم على الندية، بل على الإخضاع. وتتحوّل تهمة «معاداة السامية» إلى آلية لإغلاق الخطاب، فكل من يدافع عن الفلسطينيين يُتّهم باللاسامية، حتى حين تكون انتقاداته سياسية أو إنسانية. وهكذا تُحوَّل الذاكرة إلى أداة للهيمنة، ويُستعمل الماضي لتبرير الحاضر.
لقد قام المشروع الصهيوني على فكرة الفراغ الجغرافي: فلسطين كأرض بلا سكان، تنتظر الامتلاء «بشعب الله المختار». غير أن هذا الفراغ ليس معطًى طبيعيًا، بل نتاج أيديولوجي لعملية تطهير رمزي وواقعي في آن واحد. فمنذ البدايات، كان شراء الأراضي مشروطًا بأن تكون «فارغة أو قابلة للإفراغ»، أي أن الفراغ كان مقصودًا بوصفه أداة تأسيس. وبعد الإفراغ يأتي الامتلاء بالوافدين، فيكتمل الفعل الإحلالي، ويُحوَّل الوجود الأصلي إلى غياب مُؤسَّس، والغياب إلى ذريعة لوجود جديد.
يرى دولوز أن الصهيونية لا تمثّل استعمارًا تقليديًا على النمط الأوروبي في القرن التاسع عشر. فبينما كان الاستعمار الأوروبي يستغل السكان المحليين، فإن الصهيونية تطردهم وتُقصيهم من المشهد. كان الاستعمار يسعى إلى امتلاك اليد العاملة، أما الصهيونية فتهدف إلى امتلاك الأرض الخالية. ومن يبقى من الفلسطينيين يُعامَل كغريب أو مهاجر في وطنه، بوصفه مقيمًا بلا هوية، لا ينتمي إلى الأرض التي وُلد فيها. إنها أنطولوجيا الإحلال، لا الاستغلال وحده، وهو ما يجعلها أكثر عنفًا من أي استعمار سابق.
هنا يعود دولوز إلى إلياس صنبر، الذي يشير إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتجاوز السياسة إلى التماثل البنيوي في التاريخ. فالولايات المتحدة قامت على إبادة الهنود الحمر وخلق فراغ سكاني لإقامة «العالم الجديد»، وإسرائيل تعيد إنتاج التجربة ذاتها في فلسطين. الفلسطينيون اليوم هم «الهنود الجدد»، كما يقول صنبر، يعيشون في غيتوات ومحميات، بينما يتكرّر النموذج ذاته تحت شعارات الحداثة والحرية، التي لم يفلت من أوهامها حتى هابرماس في موقفه الأخير من الإبادة الغزّاوية.
وفضلًا عن ذلك، يستعيد التحليل الماركسي للرأسمالية، بوصفها منظومة توسّع لا تعيش إلا بتجاوز حدودها، إطارًا إضافيًا لفهم المشروع الصهيوني. فالرأسمالية، كما يصفها ماركس، تتحرّك في مسارين متكاملين:
1. تفرض حدودًا تعمل داخلها على تنظيم واستغلال الثروات.
2. تتجاوز تلك الحدود باستمرار لتعيد إنتاج ذاتها على نطاق أوسع.
هذا المنطق هو ما تحقّقه الصهيونية في المجال الجغرافي والسياسي: توسيع الحدود، ثم تجاوزها، قبل إعادة تأسيسها من جديد. ومن هنا يتقاطع «الحلم الأمريكي» بالتوسّع اللانهائي مع «حلم إسرائيل الكبرى» من الأزرق إلى الأزرق. و لا يكون اللقاء مثلا بين نتنياهو وترامب مجرد تقاطع سياسي، بل تجسيدًا اقتصاديًا وفكريًا لتحالف الرأسمال والإبادة، حيث يتحوّل الوجود إلى سلعة، والأرض إلى استثمار بالنسبة إلى الصهيونية، ومقبرة للفلسطينيين.
يُختزل السؤال في النهاية إلى معادلة وجودية: من الموجود حقًا؟ في العرف الكولونيالي، الموجود هو من يملك سلطة التسمية. أمّا في التأسيس التحرّري، فالموجود هو من يقاوم النفي. الوجود الفلسطيني ليس معطًى طبيعيًا، بل فعل مقاومة دائمة ضد محوه الرمزي والمادي. أمّا الوجود الصهيوني فمشروط بغياب الآخر؛ إنه وجود نفي، لا وجود تأسيس. وحين يعلن الفلسطيني: «أنا هنا»، فإنه لا يطالب بحق سياسي فقط، بل يستعيد حقه في الكينونة.
يعطي دولوز للقضية العربية الفلسطينية بعدها الفلسفي ومغزاها التاريخي، حيث يحضر السؤال الأنطولوجي المربك والمفارقات التاريخية. لكنه في الآن ذاته لا يتركها معلّقة هناك، بل ينزلها إلى مقامها السياسي أيضًا. وربما وجد حرجًا في معالجتها من زاوية الهوية، إذ إن المراوحة بين نفي الهوية وتأكيدها جعلت الهوية عنده مفهومًا ميتًا ينبغي تجاوزه لصالح التعدد والاختلاف. غير أن هذه الرؤية، حين تُطبّق على الحالة الفلسطينية، تُدخلنا في مأزق فلسفي: اذ كيف يمكن الدعوة إلى تجاوز الهوية في سياق يُنكر فيه وجودها أصلًا؟ إن الفلسطيني لا يملك ترف «موت الهوية»، لأن وجوده نفسه لم يُعترف به بعد. ومن ثمّ يصبح إحياء الهوية شرطًا للوجود، لا نقيضًا له.
وهنا يُستعاد صدى قصيدة محمود درويش «بطاقة هوية»، حيث الإعلان الجمالي والسياسي والأنطولوجي: " سجّل! أنا عربي" ليكون إعلانٌا للوجود في وجه سلطة النفي.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- تصعيد بالمسيرات بين روسيا وأوكرانيا مع مطلع 2026 وسط تحركات ...
- بريطانيا تتولّى تحليل بيانات الصندوق الأسود لطائرة رئيس أركا ...
- ترامب يفسر الكدمات على يده وينفي النوم أثناء المناسبات
- المستشارة القضائية بإسرائيل تطالب بإقالة بن غفير
- ترامب يرد على التساؤلات بشأن كدمات اليد وإغماض العين في الاج ...
- ثاني أعلى حصيلة منذ 2018: أكثر من 41 ألف مهاجر عبروا المانش ...
- مطلع عام 2026: هجمات بمسيّرات واتهامات متبادلة بين كييف وموس ...
- -سيناريوهات- يستعرض تطورات اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال ...
- هل يعيد اعتراف إسرائيل بـ-أرض الصومال- رسم خرائط النفوذ في ا ...
- الاحتلال يوسع سيطرته شرق خان يونس ويخرق اتفاق وقف الحرب


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد العليبي . - دولوز وفلسطين : أنطولوجيا النفي والاعتراف .