أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى الهلالي - الهوية بوصفها سؤالًا أخلاقيًا قراءة في المجموعة القصصية آشوري في لييج لأسعد الهلالي















المزيد.....

الهوية بوصفها سؤالًا أخلاقيًا قراءة في المجموعة القصصية آشوري في لييج لأسعد الهلالي


بشرى الهلالي

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 22:48
المحور: الادب والفن
    


الهوية بوصفها سؤالًا أخلاقيًا
قراءة في المجموعة القصصية آشوري في لييج لأسعد الهلالي
ثمة أعمال سردية تجعل المكان بطلها الرئيس، وأخرى تجعل الحدث محورًا لحركتها، غير أن مجموعة "آشوري في لييج" تنتمي إلى نوع مختلف، فهي تجعل من الهوية مركزًا تدور حوله الشخصيات والأمكنة والأزمنة. لا يكتب أسعد الهلالي عن الغربة بوصفها انتقالًا من وطن إلى آخر، ولا يجعل اللجوء مجرد تجربة إنسانية يطغى عليها الحنين والفقد، بل ينفذ إلى مستوى أكثر عمقًا، حيث تتحول الهوية نفسها إلى سؤال أخلاقي مفتوح.
فالشخصيات لا تبحث عن مكان جديد بقدر ما تبحث عن معنى جديد لوجودها، ولا تعاني من فقدان الوطن وحده، بل من فقدان اليقين الذي كانت تمنحه الهوية حين تبدو حقيقة لا تقبل المراجعة. فلا يعود المنفى مجرد انتقال من الموصل أو بغداد إلى لييج، أو من العراق إلى بلجيكا، بل يتحول إلى انتقال أشد قسوة، من يقين الهوية إلى ارتيابها، ومن الانتماء بوصفه مسلّمة إلى الانتماء بوصفه سؤالًا مفتوحًا..
ومن هنا، ليست الغربة الثيمة الرئيسة في هذه المجموعة، بل النتيجة الطبيعية لأزمة أعمق، أزمة الإنسان الذي يحمل وطنًا متشظيًا، وتاريخًا مثقلًا بالعنف، وهويةً لم يعد يعرف إن كانت نعمة أم عبئًا.
في القصة التي تحمل عنوان المجموعة، يبتكر الكاتب حبكة غير مألوفة حين يعثر الراوي في مدينة لييج على دفتر يعود إلى جده الذي زار بلجيكا قبل أكثر من قرن لشراء السلاح. غير أن الدفتر لا يتحول إلى وثيقة لاستعادة أمجاد الماضي، بل إلى وثيقة لمحاكمة هذا الماضي. فلقاء الجد بالشابة الفرنسية بريجيت يفتح بابًا للمراجعة الفكرية، ويفضي به إلى إدراك أن الاختلاف الديني لا يبرر إقصاء الآخر أو قتله، وأن الإنسان لا يصبح بريئًا لمجرد أنه لم يضغط على الزناد، فالموافقة على العنف لا تقل خطورة عن ممارسته. وهكذا تتحول الهوية من رابطة مغلقة إلى مسؤولية أخلاقية تقتضي مراجعة الذات قبل محاكمة الآخرين.
ولعل ذلك يفسر أن الوطن لا يحضر في هذه المجموعة بوصفه مكانًا مفقودًا، بل بوصفه صورةً تتآكل في الذاكرة. فالكاتب لا يكتب عن حنين تقليدي إلى العراق، ولا يكتفي بإظهار قسوة المنفى، بل يقدم تصورًا أكثر إيلامًا، حين يجعل الوطن يموت في الداخل قبل أن يغادره صاحبه. لذلك تأتي العبارة الصادمة: "انتحر العراق في داخلي"، لتعلن أن الخسارة الحقيقية ليست فقدان المكان، وإنما فقدان القدرة على الإيمان به كما كان.
هذه الرؤية تتكرر بأشكال مختلفة في معظم قصص المجموعة. ففي "الشاليه 11" يجتمع لاجئون من أعراق وأديان متعددة داخل فضاء واحد، ظن كل منهم أنه ترك ماضيه خلفه، لكن جريمة قتل واحدة تكشف أن الماضي لا يهاجر، وأن الخوف والكراهية والأحكام المسبقة تعبر الحدود مع أصحابها. وفي قصة "لاجئون" فلا يكتفي الكاتب بتصوير مأساة الاقتلاع من الوطن، بل يطرح سؤالًا أكثر قسوة: هل يستطيع اللاجئ أن يصبح ابنًا لوطن جديد، أم سيبقى معلقًا بين وطن لفظه ووطن لا يمنحه سوى حق الإقامة؟ هنا تصبح الهوية حالة من التعليق الدائم، لا تنتمي إلى مكان بقدر ما تنتمي إلى الشعور المستمر بالاقتلاع.
أما مدينة لييج، فلا تؤدي في المجموعة وظيفة المكان البديل، كما قد يبدو لأول وهلة. إنها لا تمنح الشخصيات هوية جديدة، ولا تفتح لها باب الخلاص، بل تتحول إلى مرآة تعيد تشكيل ما حملته معها من الشرق. فكل شارع بلجيكي يستدعي شارعًا عراقيًا، وكل مشهد أوروبي يعيد فتح جرح قديم، حتى تختلط بغداد بلييج، والموصل بنهر الميوز، فلا يعود الانتقال الجغرافي قادرًا على محو المنفى الداخلي.
ولذلك يكتشف البطل، رغم حصوله على الإقامة، بأنه سيظل غريبًا. فاللغة، والقوانين، والعبارة الترحيبية المتكررة: "مرحبًا بكم في بلجيكا"، لا تمنحه شعور الانتماء، بل تؤكد له أنه سيبقى ضيفًا، وأن الهوية الجديدة ليست إلا إقامة قانونية، لا إقامة وجودية. وهنا يكشف الهلالي عن أحد أكثر أوجه المنفى تعقيدًا؛ فاللاجئ لا يفقد وطنه فقط، بل يفقد أيضًا القدرة على امتلاك وطن آخر.
ومن أجمل ما يميز المجموعة أن الوطن لا يُختزل في الجغرافيا. إنه يتجسد في الأم، وفي اللغة، وفي الوجوه التي تركها المهاجر خلفه. ففي قصة "15 أغسطس 2017" تتداخل صورة الأم مع صورة الوطن، ويغدو الحنين إليها حنينًا إلى الجذور نفسها. فالفقد لا ينتهي بالموت، بل يستمر ما دامت الذاكرة قادرة على استحضار الغائب، وكأن الإنسان يحمل وطنه في داخله حتى بعد أن يغادره. ومن هنا تبدو الغربة فقدانًا للعلاقات الإنسانية قبل أن تكون فقدانًا للمكان.
وفي “DJ” ينجح الهلالي في تقديم أحد أكثر مشاهد المجموعة دلالة. فوسط الموسيقى والرقص، يعجز البطل عن الانخراط في لحظة الفرح، لأن الوطن يسكنه أكثر مما يسكنه المكان الجديد. تتزاحم في ذاكرته وجوه الأم والأقارب، وأحياء الفقر، وأصوات الحياة التي تركها خلفه، فيتحول الرقص إلى معركة مع الذاكرة، ويصبح السؤال الأخير: " المركب حتودي على فين؟ ... وتجيب منين؟ ... وأنا دلوقت.. رايح ولا جاي؟ وهو سؤال يختزل اغترابًا وجوديًا يتجاوز حدود الجغرافيا.
غير أن الكاتب لا يقف عند حدود التجربة العربية، بل يفتح النص على أفق إنساني أوسع. ففي "ثيرافادا" تنقلب الصورة التقليدية، فالغربي الذي يعيش في بلد مستقر يبحث عن خلاصه الروحي، بينما يحمل اللاجئ العربي مأساة الحرب والموت في داخله. هنا تتقاطع وهنا تتقاطع التجربتان الإنسانيتان، ويكتشف القارئ أن القلق الإنساني لا جنسية له، وأن الخواء الروحي قد يكون أشد قسوة من الفقر أو المنفى. وبذلك تتحول الثقافة الأخرى من فضاء للاختلاف إلى فرصة للتعارف وإعادة النظر في المسلمات، وهو ما يمنح المجموعة بعدًا إنسانيًا يتجاوز ثنائية الشرق والغرب.
وتحضر ثيمة الحب في أكثر من قصة بوصفها الوجه الآخر للحياة. ففي "هي... يا... ما.." و"جوع العصافير" لا يصبح الحب خلاصًا رومانسيًا، بل محاولة يائسة لإنقاذ الإنسان من القسوة التي تطوقه. إنه أمل يطارده الأبطال، حتى وإن كان محكومًا بالخيبة، لأن البحث عن الحب يظل، في النهاية، بحثًا عن معنى للحياة نفسها.
فنيًا، تتميز المجموعة بتنوع فضاءاتها السردية، وتداخل الأزمنة، وتوظيف الوثيقة والذاكرة والاسترجاع، في بنية سردية متماسكة، دون أن تفقد وحدتها الداخلية. فالقصص، على اختلاف موضوعاتها، تنتظم حول سؤال واحد: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته في عالم تتنازعه الحروب، والهويات المغلقة، والمنفى، والفقد؟
لا تقدم "آشوري في لييج" إجابات جاهزة، بل تدعو القارئ إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي تربى عليها، في معنى الوطن، وفي حدود الهوية، وفي العلاقة بالآخر، وفي جدوى العنف الذي يبرره التاريخ أو الدين أو السياسة. ومن هنا تتجاوز المجموعة كونها سردًا عن اللجوء أو المنفى، لتصبح دفاعًا عميقًا عن الإنسان، أيًّا كانت هويته، وتأكيدًا أن الهوية الحقيقية لا تُقاس بما نرثه من أسماء وانتماءات، بل بما نختاره من قيم تمنح الحياة معناها الإنساني الأرحب..



#بشرى_الهلالي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأصابع بوصفها ذاكرةً جريحة: التأنيس الرمزي وإدانة الإرهاب ف ...
- وجوه الخراب: بانوراما الشخصيات وسيرة المجتمع العراقي في عرضح ...
- سيرة الفراغ في مقهى يتآكل بصمت: قراءة وجودية في ضوء جان بول ...
- ديمقراطية المطبخ
- الإسلام السياسي والإسلام الروحاني: صراع على روح الدين
- حين تُغلق الجهات الأربع: هل ما زال -أعلى- ننظر إليه؟
- -وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا ...
- التفاهة: خيار مجتمع أم صناعة سياسة؟
- نستغيث بك فالنتاين في يومك
- احذروا.. الحرب القادمة شيعية شيعية..
- (صباح) فلسفة
- ثورة عاشق
- مدرسة دين امريكية تطبخ تمن وقيمة في الحسينية
- فصيلة الخنساء
- لقاء مع آخر
- رحال
- دمك (أميمة) فضح صبغ شواربهم
- كاتم فرح
- الاغلبية الصامتة.. السكوت علامة الرضا.. وصمتكم هو مايريدونه
- لاتبيعونا


المزيد.....




- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...
- توصيات المدونين ترفع الطلب على كتب جان بول سارتر في روسيا
- من ميخائيلوفسكوي إلى موسكو.. معرض يستعيد عالم بوشكين بأكثر م ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى الهلالي - الهوية بوصفها سؤالًا أخلاقيًا قراءة في المجموعة القصصية آشوري في لييج لأسعد الهلالي