أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - المثقف الذي يموت مرتين الموت البيولوجي... والموت في الذاكرة














المزيد.....

المثقف الذي يموت مرتين الموت البيولوجي... والموت في الذاكرة


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 14:49
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يموت الإنسان مرة واحدة، لكن المثقف قد يموت مرتين.
المرة الأولى حين يتوقف قلبه.
أما الثانية، فهي أكثر قسوة؛ حين يتوقف الناس عن تذكره، أو حين يُختزل عمر كامل من الفكر والعمل في بضعة أسطر من الرثاء، ثم يُطوى اسمه في رفوف النسيان.
ولعل الموت الثاني هو ما ينبغي أن يخشاه كل مجتمع أكثر من الموت الأول.
فالموت الأول قدر لا يملكه الإنسان، أما الثاني فهو قرار تتخذه المجتمعات، أحيانًا دون أن تشعر.
تأملت كثيرًا في مصائر الكتّاب الذين أحببتهم.
بعضهم ترك عشرات الكتب، وآلاف المقالات، وأجيالًا من التلاميذ، لكن أسماءهم لم تعد تُذكر إلا عرضًا، وربما لا يعرفها الشباب اليوم إلا إذا صادفوها مصادفة في كتاب قديم أو مكتبة مهملة.
كيف يحدث هذا؟
كيف يمكن لرجلٍ عاش عمره وهو يكتب للناس، أن يختفي بهذه السرعة من ذاكرتهم؟
ليست المشكلة في قسوة الزمن وحدها.
الزمن لا يمحو كل شيء.
الذي يمحو هو إهمالنا.
حين لا نؤرشف، ولا نحقق، ولا نجمع الأعمال، ولا نعيد نشرها، فإننا نشارك، من حيث لا ندري، في صناعة هذا الموت الثاني.
أثناء عملي على سيرة الراحل دينق قوج، لم أفكر كثيرًا في الموت بمعناه البيولوجي.
كنت أفكر في شيء آخر.
كنت أتساءل: ماذا لو لم يكتب أحد عنه؟
ماذا لو مرت السنوات، ورحل الذين عرفوه، وتفرقت أوراقه، وضاعت مقالاته، ثم جاء باحث بعد ثلاثين عامًا يبحث عن أثره؟
أي صورة سيجد؟
وربما كان الجواب: لن يجد شيئًا.
عندها فهمت أن النسيان ليس حادثة عابرة، بل عملية تراكمية تبدأ صغيرة، ثم تكبر عامًا بعد عام، حتى تختفي السيرة كلها.
ليس كل مشهور باقٍ في الذاكرة.
وليس كل من عاش بعيدًا عن الأضواء يُنسى.
الفرق بينهما أن هناك من يعتني بذاكرته.
في كثير من البلدان، توجد مؤسسات كاملة مهمتها جمع رسائل الأدباء، ومخطوطاتهم، وصورهم، وحتى دفاتر ملاحظاتهم.
ليس لأنها وثائق شخصية، بل لأنها جزء من ذاكرة الأمة.
أما نحن، فما زلنا نتعامل مع أوراق المثقف بعد رحيله كأنها مقتنيات عائلية، لا قيمة لها خارج البيت.
المثقف الحقيقي لا يترك وراءه مالًا كثيرًا.
غالبًا ما يترك أفكارًا.
والأفكار، بخلاف المال، لا تنتقل تلقائيًا إلى الأجيال التالية.
إنها تحتاج إلى من يحفظها، ويقرأها، ويشرحها، ويعيد تقديمها.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس ضياع الأوراق، بل ضياع المعنى الذي حملته تلك الأوراق.
كل أمة تمتلك ذاكرتها، تمتلك مستقبلها.
لأن المستقبل لا يُبنى من الفراغ.
إنه امتداد لما كتبه السابقون، وأضافه اللاحقون.
ولهذا فإن الكتابة عن الذين رحلوا ليست حنينًا إلى الماضي، بل استثمار في المستقبل.
لقد تعلمت من رحلتي مع دينق قوج أن الإنسان قد يغيب، لكن أثره لا ينبغي أن يغيب معه.
وأن الكاتب لا يحتاج إلى تمثال، ولا إلى شارع يحمل اسمه.
يكفيه أن يجد من يقرأه بعد عشرين عامًا، ومن يكتشف فيه سؤالًا ما زال يستحق أن يُطرح.
لهذا أعتقد أن الموت الحقيقي للمثقف لا يحدث يوم يُدفن في التراب.
بل يوم تتوقف المكتبات عن حمل كتبه، وتتوقف الجامعات عن دراسته، ويتوقف الناس عن ذكر أفكاره.
ذلك هو الموت الذي لا تصنعه الطبيعة، بل نصنعه نحن.
وإذا أردنا أن ننصف من سبقونا، فلا يكفي أن نقف دقيقة صمت.
علينا أن نمنحهم ما هو أبقى من الصمت...
أن نقرأهم، وأن نكتب عنهم، وأن نحفظهم في ذاكرة الوطن.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا لا نوثق أعلامنا؟ ثقافة الرثاء... في مواجهة ثقافة الذاك ...
- لماذا نكتب عن الذين يرحلون؟ في الدفاع عن الذاكرة قبل أن تصبح ...
- كازينو أوبرا شهرزاد الزمن الجميل ماذا تعرف عنهأ
- تياترو الأزبكية | أوّل مسرح وطنيّ في تاريخ مصر
- أتني| ساحة وسوق ومقهى ثقافي في قلب الخرطوم
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (68)
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (67)
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (66)
- تعرف على تاريخ نادي غزل المحلة زعيم أندية الدلتا المصرية
- من هي الفنانة عبير بيبرس المتهمة بقتل زوجها رجل الأعمال
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (65)
- تعرف على قصة كورونا مع الفنانين المصريين بالتفصيل الممل
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (64)
- فضل شاكر ملك إحساس الأغنية العربية تنتهي رحلته إلى السجن
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (63)
- عبد الرحمن أبو زهرة معلم الدراما المصرية في قفص الاتهام
- مرزوق الغانم رئيسا لمجلس الأمة الكويتي للمرة الثالثة في تاري ...
- حسناء سيف الدين.. تعلن إصابتها بأورام في الرقبة
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (62)
- ميناء الإسكندرية أقدم موانئ العالم البحرية يحترق


المزيد.....




- كنز أثري تحت البحر.. العثور على حطام سفينة رومانية عمرها أكث ...
- رحلة تابعة لخطوط ألاسكا الجوية تضطر لإغلاق قمرة القيادة بسبب ...
- خبراء: الحصار الأمريكي يشلَّ مركز تصدير النفط الرئيسي بجزيرة ...
- رقم لم تسجله أوروبا الغربية من قبل.. يونيو ويوليو في صدارة ا ...
- استعراض لوح التجديف: مشاركون متنكرون يطفون في نهر موسكو
- إيران تعتزم فرض رسوم على مرور السفن عبر مضيق هرمز
- -قبلة الشارع المريبة-.. سر المقطع الذي فجر غضبا في مصر
- بلغاريا: انفجار وحريق في مصنع عسكري (فيديو)
- تصعيد إسرائيلي واسع جنوب لبنان.. تفجيرات وقصف وتوغلات في الق ...
- -كلاشنيكوف- تكشف عن أحدث مسيرة تكتيكية بمدى يتجاوز 100 كم


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - المثقف الذي يموت مرتين الموت البيولوجي... والموت في الذاكرة