|
|
هل كان ستالين مثقفًا...؟
عبد الحسين شعبان
الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 17:29
المحور:
قضايا ثقافية
ارتبط اسم الزعيم السوفياتي البلشفي جوزيف ستالين (1878 – 1953) بالطغيان والدموية والقمع، وهي صفات جديرة بالرجل ومرحلته التاريخية التي حكم فيها، دون نسيان ظروف الحرب العالمية الثانية وانتصارات الجيش الأحمر وهزيمة النازية والفاشية، لكن نادرًا ما يُذكر اسم ستالين مقرونًا بصفات مشتقة من الثقافة والمعرفة وسعة الاطلاع، علمًا بأنه توفي في بيته الريفي الذي ضمّ مكتبة زاد عدد الكتب فيها عن 25 ألف كتاب. في العام 2022 أصدر البريطاني جيفري روبرتس المتخصّص بالدراسات الروسية والسوفياتية كتابًا بعنوان "مكتبة ستالين: الطاغية وكتبه"، لكن مكتبة ستالين لم تبقَ على حالها، فقد عبثت بها يد الزمن، خصوصًا وقد انهالت على صاحبها الاتهامات بارتكاب جرائم من أعلى قمة في الحزب والسلطة في الاتحاد السوفيتي، وذلك في التقرير الذي قدمه نيكيتا خروتشوف الأمين العام للحزب الشيوعي في المؤتمر العشرين (1956)، حيث أدين ستالين حاكمًا وإنسانًا. وعلى الرغم من تفرّق مكتبته، إلّا أنه تمّ الاحتفاظ بنحو 400 كتاب منها، لأن "الزعيم" ترك فيها رائحته على هيئة تعليقات وحواش، كما تقول إيميليا جنتلمان في استعراضها الكتاب بجريدة الغارديان، ويخالف مؤلف الكتاب آراء عديدة تعتبر ستالين ضحلًا سياسيًا مثلما كان تروتسكي يصفه، ويقول روبرتس أنه مثقف جاد يقدّر الأفكار بقدر تقديره للسلطة، وأنه لم يكن يقرأ فقط ليعرف، بل ليرهف وعيه الشيوعي، ولكنه كان يستخدم قراءاته وثقافته لإدامة حكمه وقبضته الحديدية، ويرى في الثقافة أداة بيد صاحب السلطة. في العام 1932 انعقد اجتماع في شقة مكسيم غوركي للأدباء والكتاب وحضره ستالين الذي خاطبهم قائلًا "إنكم يا معشر الكتّاب مهندسو الأرواح، فإنتاج الأرواح أهم من إنتاج الدبابات"، ثم رفع كأسه وأكمل "لنشرب نخب الكتّاب مهندسي أرواح البشر"، وذلك في محاولة التقرّب من المثقّفين واستمالتهم. وكان أحب القراءات إليه هي التاريخ، وخصوصًا التاريخ الروسي وحقبة إيفان الرهيب (1533 – 1584) والعظيمين بطرس (1682 – 1725) وكاترين الثانية (1762 - 1796)، وانشغل بقراءة سيرة ميخائيل كوتوزوف الذي انتصر على نابليون في العام 1812، وكان مفتتنًا ببسمارك، كما كان قارئًا لبوشكين وغوغول وزولا، وقرأ باهتمام كتاب "الأمير" أكثر من مرة لمؤلفه ميكافيلي، كما توقّف مرّات عديدة لقراءة كتاب "كفاحي"، ووضع خطوطًا تحت العديد من الفقرات، وقد يكون كاتبه المفضل هو لينين، لكنه قرأ لأعدائه مثل روزا لوكسمبورغ وليون تروتسكي. وثمة حادثة جمعت غوركي وشولوخوف وستالين، حيث كان شولوخوف قد واجه مشكلات في الحصول على ترخيص لطبع الجزء الثالث من روايته الشهيرة "الدون الهادئ"، فاستجار بغوركي، فدعاه إلى فيلته التي كان قد أهداها له ستالين، فلمّا وصل إليها كان غوركي بانتظاره ومعه ضيف، وإذا به ستالين شخصيًا، حينها كان القدح المعلّا بيد غوركي كما يُقال، وذلك قبل أن يتعرّض إلى التهميش والإهمال ويُمنع من السفر إلى إيطاليا للعلاج كما كان يفعل في السابق، ليقضي أيام حياته الأخيرة متدثّرًا بالصمت وحيدًا ومنكسرًا. في ذلك اللقاء المثير دخل ستالين بحوار خاص مع شولوخوف حول بطل روايته غريغوري، الذي يمتاز بالشجاعة والفحولة، وكان عشيق إكسينيا ذات الجمال والإثارة، وبقدر ما كان له من صفات إيجابية، فإن الرواية تظهره أيضًا بالتقلّب وعدم اليقين، فتارة يكون مع الجيش الأحمر وأخرى مع أعدائه، ثم يعود إليه، وهنا يتدخّل ستالين ليسأل شولوخوف: ولكن لماذا لم يدخل غريغوري الحزب يا رفيق؟ ففزغ شولوخوف وأجابه على نحو مرتبك: لا أعرف يا رفيق إنه هو الذي قرّر. وكان ستالين يريد نهاية سعيدة لبطل "الدون الهادئ" بانتمائه للحزب، فلا يوجد شخص بالمواصفات التي تحدث عنها شولوخوف، إلّا وينبغي انضمامه للحزب، وهو مع اعتادت عليه الأنظمة الاشتراكية، وتعلمت منها أنظمة "التحرّر الوطني" في العالم الثالث بما فيها البلدان العربية التي قلدتها على نحو أكثر سوءًا، وفي النهاية تم فض هذا الإشكال الفكري بعد أن وافق شولوخوف أن يكتب رواية لتمجيد السياسة السوفيتية الزراعية "الفاشلة جدًا" والمعروفة بالسوفخوزات (المزارع المملوكة للدولة بالكامل والعاملون فيها موظّفون)، والكولخوزات (المزارع الجماعية التعاونية تحت رقابة الدولة)، والتي أنهت القطاع الخاص في المجال الزراعي. وبالفعل اضطرّ شولوخوف إلى كتابة رواية رديئة التزامًا بتعليمات ستالين لكي تتم الصفقة، وحتى هذه الرواية لم تعجب بعض المؤرخين المسؤولين عن السياسة الثقافية، فلجأ إلى ستالين عبر سكرتيره الشخصي الذي زوده برقمه الخاص، وتم حل هذا الأشكال بعد أن قرأ ستالين النص في ثلاث ليال، ثم أجاز طبع الرواية واستبدلها بعنوان جديد، وهو ما ذكّرني بعلاقة الروائي غابريل غارسيا ماركيز بفيديل كاسترو، حيث كان الأخير يقرأ روايات الأول حتى قبل طبعها ويبدي له بعض الآراء، وكان ماركيز قد ألف كتابا من 700 صفحة عن الحصار الأمريكي الجائر المفروض على كوبا، لكن كاسترو حين قرأه فضّل عدم نشره، وهكذا ضاع جهد كبير، وأظن أن مثل هذه الوثيقة المهمة كان ينبغي أن ترى النور، خصوصًا وأن كاتبها مبدع كبير وذو حساسية جمالية إنسانية خاصة. ويحضرني في هذا المجال أيضًا قصّة مأساوية أخرى تتعلّق بحريّة التعبير، حيث اعتُقل المفكّر العراقي عزيز السيد جاسم بسبب كتاب كان قد أصدره في بيروت، وأُجبر وهو في المعتقل على كتابة نصوص أخرى كي يُطلق سراحه، لكنه اعتُقل مرة ثانية في العام 1991 واختفى أي أثر له إلى اليوم. أستطيع القول إن ستالين وما تركه من أثر ثقافي وكتب ودراسات، وخصوصًا في المسألة القومية، أنه كان قارئًا ومفسّرًا لبعض آراء لينين، وهو من ألصق عبارة اللينينية بالماركسية، لتصبح عنوانًا للحركة الشيوعية، معتبرًا "اللينينية ماركسية عصرنا"، وذلك لمواجهة خصومه. هل يكفي ذلك لكي نقول إن ستالين مثقفًا؟ أم أن اهتمامه بالقراءة كان ناجمًا عن حبّه للمعرفة لتوظيفها لصالحه وصالح السلطة السوفيتية؟ والثقافة ليست معرفة فحسب، بل هي سلوك تتمثّل فيه القيم الإنسانية، كما أنها لا تعصم الإنسان عن ارتكاب المعاصي، خصوصًا بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء والأفضليات، وذلك ديدن الحكّام على اختلاف العصور، فالحاكم قد يهتمّ بالثقافة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون سفاحًا مثل الحجّاج بن يوسف الثقفي، الذي كان يحفظ القرآن، ومثل هتلر الذي بدأ شبابه فنانًا تشكيليًا، وسعى ليكون مسرحيًا وكثير الشغف بالأوبرا، لكنه فتح نار جهنّم في الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيّتها أكثر من 60 مليون إنسان، ومثل رادوفان كاراديتش، الرئيس الصربي، الذي كان شاعرًا وكاتبًا، ولكنه متعصبًا قوميًا، وهو المسؤول عن الإبادة الجماعية في سريبرينتسا (1995)، ومثل صدام والقذافي حاولا كتابة روايات لينضما إلى قافلة المثقفين، لكنهما ظلّا يطلبان من الجميع الركوع لهما، حتى وإن حاولا الظهور بمظهر التقاة الورعين.
#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مولود جديد لعبد الحسين شعبان
-
عن -الثقافلوجيا-
-
نافِذة مُختصَرة
-
كلمة الدكتور عبد الحسين شعبان في احتفالية توقيع كتابه - هسهس
...
-
الصانع الأمهر
-
الثقافة و-الأنا-
-
وشلٌ من بحر - ميخائيل نعيمه: عطر الكلمة وامتلاء المعنى
-
عبد الحسين شعبان ﻟ - شغف-: وطني هو الحريّة ولغتي العر
...
-
المُبدع الأكثر بهاءً
-
لوكاش ومحنة المفكّر
-
عن غيرة المثقّفين
-
تأملات شخصية في فكر الدكتور عبد الحسين شعبان
-
مكاشفة الدكتور عبد الحسين شعبان - الفيلسوف الذي حاور التاريخ
...
-
الدكتور شعبان وحرفة الثقافة
-
الجواهري وهمنغواي: الشيخان والبحر والمقاهي والنساء
-
هسهسات الضوء لعبد الحسين شعبان: رؤى الذاكرة العراقية في مراي
...
-
سفير المعرفة العراقي
-
اليسار وعاشوراء - مشهد بانورامي
-
حانة بودغيتا دل ميديو
-
أيقونة الثقافة المشرقيّة
المزيد.....
-
كشك تصوير في نيويورك.. هل تقود هذه الصور غرباء إلى الحب؟
-
رغم فقدانه البصر.. رجل يتحدى واقعه ويصنع خبز التورتيلا في مط
...
-
وزير خارجية إيران: لا محادثات مع أمريكا بظل انتهاك مذكرة الت
...
-
سوريا تعلن التوصل لاتفاق مع روسيا بشأن مصير قاعدتي حميميم وط
...
-
إعلام إيراني: نشر صور للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي في أماكن عا
...
-
ما مدى قدرة ألمانيا على حماية منشآتها الحيوية ضد المسيرات؟
-
-روساتوم- تبدأ في إعادة موظفيها إلى محطة -بوشهر- النووية في
...
-
مقاطعة خاركوف.. تدمير مستودعات للأسلحة الأوكرانية
-
مقاطعة زابوروجيه.. مدفع هاوتزر الروسي -D-30- يدمر مواقع لقوا
...
-
هنغاريا.. خنزير بري ينزل عبر السلم المتحرك إلى داخل محطة الم
...
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|