أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - حانة بودغيتا دل ميديو














المزيد.....

حانة بودغيتا دل ميديو


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 20:55
المحور: قضايا ثقافية
    


وعدتُ القرّاء باستكمال سرديّتي عن "المقاهي: ذاكرة المدن" بالإطلال على مقهى وحانة بودغيتا دل ميديو، التي جئت على ذكرها في كتابي الموسوم "كوبا الحلم الغامض" (دار الفارابي، بيروت، 2011)، وهي الحانة التي كان يرتادها الروائي إيرنست همنغواي في هافانا، وتذكّرت حواراتي مع الشاعر الكبير الجواهري في ثمانينيات القرن المنصرم بشأن طريقة عيش بعض الفنانين والأدباء الكبار وعلاقته بهم ورأيه فيهم، مثل بيكاسو وبابلو نيرودا ولوركا وماركيز وهمنغواي، وسبق أن جئت على ذلك في كتابي "الجواهري: جدل الشعر والحياة" (دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997).
استذكرت ذلك وأنا أحتسي كأس الموهيتو اللذيذ (الموهيتو نوع من الروم Rum مضافًا إليه الليمون والنعناع والثلج) في حانة بودغيتا دل ميديو، فقد كان الجواهري يرى في همنغواي شخصية محيّرة، وغالبًا ما يتساءل عن غموض موضوع انتحاره، وحسب الجواهري فإن الكاتب الأمريكي الكبير همنغواي اكتسب شهرة كبيرة ومالًا كثيرًا وجاهًا عظيمًا وتقديرًا كبيرًا من جانب قائد مسيرة جبال السييرا مايسترا فيديل كاسترو ورفاقه، فلماذا ينتحر؟ هكذا كان يردّد ويتساءل مع نفسه.
وقد توقّف الجواهري عند ذلك في مذكراته أيضًا الموسومة "ذكرياتي" (جزءان، دار الرافدين، دمشق، 1988)، وجاء على ذكره صباح المندلاوي في كتابه "الليالي والكتب" (بغداد، 2009)، أن همنغواي كان يطلب من الناشرين 750 ألف دولار للاتفاق على طبع رواياته، وعاش مرفهًا في جزيرة حالمة وبأوضاع متميّزة، وبالمناسبة كنّا هادي العلوي وكاتب السطور نطلق في تسعينيات القرن الماضي على صهر الجواهري صباح، اسم صباح النجيب لموقفه النبيل في مساعدته في سنواته الأخيرة.
لقد ظلت ظروف مقتل همنغواي غامضة وملتبسة، وهي التي جعلت الجواهري يستعيدها أكثر من مرّة "كيف يستطيع من هو في هذه البحبوحة أن يقدم على الانتحار؟" فقد قيل إنه توفي بانطلاق رصاصة من بندقيته، التي أردته قتيلا في ظروف غامضة في 2 تموز (يوليو) 1961، وهو الذي ولد لأب طبيب في أواخر العام 1899 في مدينة صغيرة اسمها أوك بارك Oak Park، غير بعيدة عن شيكاغو، ونشأ في أسرة محافظة، لكنه أبدى ميلًا إلى التمرّد منذ نعومة أظفاره، وبالرغم من أنه كان تلميذًا نابهًا فإنه كان كثير الفرار من المدرسة، ومنذ وقت مبكر دخل عالم الصحافة والكتابة، ولم يكمل دراسته، لاسيّما عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، فتوجه همنغواي إلى ساحات القتال، كمراسل حربي.
وتروي ذاكرة الجواهري حكاية ذلك الصحافي الهاوي، الذي تقدّم للعمل في إحدى الصحف، فاشترط عليه رئيس التحرير أن يجري لقاءً مع الكاتب الشهير همنغواي لكي يقبل تعيينه، وبعد سلسلة اتّصالات وتنقّلات يحط الصحافي في هافانا، حيث يقيم همنغواي، ليلتقي به في حانة بودغيتا دل ميديو، ويخبره برغبته في إجراء اللقاء وشروط وحيثيات عمله المنشود، ويشعر همنغواي بالتعاطف معه، بل والإعجاب به، وبعد كأسين من الموهيتو يعرض عليه العمل معه سكرتيرًا خاصًا بظروف أفضل، فيتفاجئ الصحافي "هوتشنر" ويغمر قلبه الفرح والسرور ويبدأ على الفور بمرافقة همنغواي، بعد أن كان جلّ طموحه لقاء صحافي معه، وبعد رفقة ومعايشة لسنوات عديدة، يطالعنا هوتشنر بنشر كتاب قيّم عن همنغواي بعنوان "بابا همنغواي"، يورد فيه تفاصيل شائقة وماتعة عن حياته.
مزرعة همنغواي
خلال زيارتي لهافانا بحثت عن أثر همنغواي، ولطالما فكّرت في سبب اختياره كوبا، أو بالأحرى بقائه فيها بعد نجاح فيديل كاسترو ورفاقه في مسيرتهم الثورية لدكّ صرح الدكتاتور باتيستا (1 كانون الثاني / يناير 1959)، على الرغم من العداء المستحكم بين بلاده (الولايات المتحدة) وكوبا، فزرت فيلّته لا فيهيا "مزرعة همنغواي" في منطقة سان فرانسيسكو دي باولا، وهي ضاحية قريبة من العاصمة.
دُهشت حقًا وأنا أتجوّل في المزرعة، ففيها أنواع مختلفة ونادرة من الزهور والأشجار، جلبها من جميع أنحاء العالم، ولعلّ ذلك ما كان يشغل الجواهري كثيرًا، وكم تمنّيتُ لو كان الجواهري على قيد الحياة لأخبره بما رأيت، لاسيّما المركب الصغير الذي كان يصطاد (همنغواي) فيه السمك في عرض البحر الكاريبي، وكانت تلك إحدى هواياته، وما زال هذا المركب الأنيق موجودًا في مزرعته، وتحتوي المزرعة على صالات وغرفة ضيوف وغرفة طعام ومناظير وأنواع من البنادق وصفارات، إضافة إلى سينما صغيرة وأفلام وصور ولوحات وخمور وكؤوس متنوعة.
ذكرتني فيلّا همنغواي بزيارتي لفيلّا بابلو نيرودا الجميلة (Chascona) على ساحل جزيرة نيغرا الذي يبعد نحو 100 كيلومتر عن سنتياغو في تشيلي (2005) ، والتي كانت تحتوي هي الأخرى على أنواع الخمور والزجاجات والكؤوس، إضافة إلى إسطبل للخيول، وفيه حصان بكل متطلباته، مصنوع بمهارة ودقة كعمل نحتي وفني جميل، مع أن نيرودا لا يجيد ركوب الخيل، مثلما لا يجيد السباحة، بالرغم من أن فيلّته مطلة على البحر مباشرة، ولعلّ أجمل ما فيها هو غرفة الحبيبة ماتيلدا، التي تقع في الطابق العلوي، حيث بدت وكأنها تجلس فوق البحر، وكأنه أراد أن يستمع إلى موسيقاه المختلطة بالحب وأمواج البحر، حين يداعب النوم عيونه.
أينما وطئت قدماك
أمامك بحر
من الدُّريات
وخلفك بحر
من الحوريّات
الحسان
يغنين يرقصن
بوليرو.. ومامبو.. وتشاتشا
ورومبا.. وسلسا.. وصون
ويعشقن صفو الحياة
الجميلة، كأساً
وحباً
وأنساً
ويعشقهن صحبٌ
يدخّن روميو وجولييت
سيجارهن الأثير
رحيق اللسان
الحفيّ الحنون

(الشاعر المغربـي إدريس الملياني)
وللبحر وهمنغواي والجواهري قصة أخرى، أرويها تحت عنوان "الشيخان والبحر".



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيقونة الثقافة المشرقيّة
- مقدمة كتاب نسرين برواري -في أرض ألاف الينابيع-
- شعلة الوصال.. المثقف الإنسان
- نستولوجيا المقاهي وذاكرة الأيام
- مجلة كولان في ذكرى تأسيسها
- المقاهي ذاكرة المدن
- أسئلة فلسطين في المشروع الثقافي العربي
- غسان الرفاعي -اللبناني-... عصمت جاويد -العراقي-
- عبد الحسين شعبان و«هسهسات الضوء»… أنطولوجيا الثقافة العراقيّ ...
- مثقّف موسوعي ومفكّر مبدع
- المتمرد الملتزم
- كيسنجر وبريجينسكي في كتاب فكري رصين
- مصر التي في خاطر الجواهري
- مها أبو خليل - المناضلة الأنيقة
- المثقف المشتبك وثقافة المواطنة بين نمطية الانتماء والهويات ا ...
- بورتريه عبد الحسين شعبان
- ما بعد الديمقراطية!!!
- -اندلاع- السلام
- متاهة المخابرات: الـ CIA و-الأثر العراقي-
- المثاقفة والأسئلة والنقد


المزيد.....




- وفاة جيمس بوروز الذي ساهم في رسم ملامح شخصيات مسلسل -فريندز- ...
- مستشار خامنئي يحدد شرطًا لاستمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز
- مصر ودول إقليمية.. حراك يتحدى إسرائيل
- مقتل ضابطين إسرائيليين جنوب لبنان
- -لم يكن بطلاً-: كيف أُخفيت حقيقة روبن هود العنيفة والمظلمة ف ...
- قصف إسرائيلي على غزة يوقع 5 قتلى فلسطينيين بينهم أربعة من عا ...
- علماء يحذرون: اضطراب في تيارات الأطلسي قد يغيّر مناخ العالم ...
- سكان برلين ينظمون مظاهرة مناهضة للحرب ويدعون للسلام مع روسيا ...
- خرج نتنياهو ليرد على الهاتف وعاد بوجه مختلف: المكالمة التي ب ...
- سوريا.. محافظ السويداء يتوجه برسالة -جبر خواطر- إلى أهالي ال ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - حانة بودغيتا دل ميديو