أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - لوكاش ومحنة المفكّر














المزيد.....

لوكاش ومحنة المفكّر


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 13:58
المحور: قضايا ثقافية
    


يوم توفّي المفكّر المجري جورج لوكاش في العام 1971، لم أكن قد قرأت له أي شيء، سوى بعض النُتف السلبية التي وردت في المطبوعات السوفيتية، لكن ما لفت انتباهي لاحقًا هو كتاب "ثلاث وجوه للثورة" للمؤلف الفرنسي – البرازيلي ميشيل لوي، الذي ترجمه جورج طرابيشي في العام 1980.
استعدت في ذاكرتي ما كُتب عنه باعتباره تحريفيًا، وانحاز إلى الثورة المضادة في العام 1956، وأصبح وزيرًا للثقافة في ظلّ الحركة التي قادها إمري ناج، والتي سحقتها الدبابات السوفيتية، وأُعدم عدد من قادتها. واضطر لوكاش للهرب إلى يوغوسلافيا، وبعد فترة قضاها في المنفى، عاد بصدور عفو عنه مراعاة لمكانته الفكرية، ولكنه التزم الصمت حتى وفاته، واستمرّ خارج دائرة الضوء.
لاقت محاولات تجديد الماركسية وتحديثها وعصرنتها موقفًا معارضًا من التيّار السائد بحجّة الحفاظ على نقاوتها وتقديس نصوصها، وكان ستالين قد أوقفها على تعليماته التي يصدرها باسم الكومنترن "المركز الأممي"، الذي انحلّ في العام 1943، لكن ذلك لم يمنع من وجود إرهاصات أولية ومحاولات أولى للتجديد، ومن تلك المحاولات كانت تنظيرات جورج لوكاش.
حاول لوكاش منذ وقت مبكّر، أن يُقدّم قراءات توليدية تأويلية للماركسية، خارج سياق التيّار الحزبوي؛ وقد ظلّ كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" الذي صدر في العام 1923 شبه مفقود أو غير معروف لنا عربيًا، على أقل تقدير، حتى ترجمه د. حنّا الشاعر في العام 1979 بعد ترجمة أولى سبقته.
تناول لوكاش ما أسماه "الماركسية الأصيلة"، أي "زبدة" المنهج الماركسي وقوانينه الأساسية، كما بحث استنادًا إلى ماركس الترابط بين الوعي والواقع، وبين النظرية والممارسة، إذْ لا يكفي أن يتّجه الفكر نحو الحقيقة، بل إن الحقيقة ينبغي أن تتجه إلى الفكر أيضًا.
ومن مساهمات لوكاش الأساسية دراساته النقدية الخاصة ﺑ "علم الجمال الماركسي"، كما قدّم مساهمات جليلة لدراسة الواقعية والواقعية المعاصرة، والعلاقة بين الوجودية والماركسية، مبتعدًا عن تنظيرات جدانوف والجدانوفية الأوامرية البيروقراطية، تلك التي قامت على ما سمّى ﺑ "الواقعية الاشتراكية"، والتي سادت في الفترة الستالينية بشكل خاص والتي ظلّت تُبسط ظلالها على الكثير من النتاجات الفكريّة والثقافية.
وقد ترجم لنا الياس مرقص كتابه "تحطيم العقل" في العام 1980 – 1981، كما ترجم لنا بديع عمر نظمي كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" في العام 1984، وقام جورج طرابيشي بترجمة كتابه "ماركسية أم وجودية" في العام 1998، وبذلك اكتملت، إلى حدّ ما، صورة لوكاش المفكّر، بعيدًا عن الأغراض الحزبوي.
وفي كتابه "أنطولوجيا الكائن الاجتماعي" أعاد تركيب المفاهيم الماركسية، حيث مثّل جهدًا لإضفاء نزعة إنسانية وجمالية عليها من خلال الأدب السياسي والفلسفي الكلاسيكي، ولاسيّما في ميدان الثقافة والفن والأدب.
وحاول لوكاش أن ينفض الغبار الذي علق بالفكر الماركسي في روسيا، التي شهدت تخبطات فكرية بعد وفاة لينين، حيث أطلق ستالين على اللينينية، وهي نظرية الثورة الروسية "ماركسية عصرنا" في محاولة لتعميم النموذج، في حين كان لوكاش يُشدّد على الخصوصية والتنوّع وعدم وجود موديل واحد، ففي الاختلاف تنبجس الحقيقة. وانطلاقًا من ذلك ابتدع فكرة "الماركسية الأوروبية"، بتأكيده أن المعرفة لا تنضب، مثلما هو الواقع لا ينتهي، وإنّ الأمر يحتاج إلى ملاءمة.
ويبدو أن مصطلح الماركسية الأوروبية الذي نحته لوكاش وجد صداه لاحقًا، خصوصًا في فترة احتدام الخلافات بين الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والأحزاب الشيوعية الفرنسية والإيطالية والإسبانية التي برزت في ستينيات القرن المنصرم، تلك التي رفضت البراديغم السوفيتي، وقد سبقها انتفاضة المجر العام 1956، التي تشبّثت بالخصوصية، وانتفاضة تشيكوسلوفاكيا العام 1968، التي عُرفت بربيع براغ، والتي دعت إلى اشتراكية ذات وجه إنساني بقيادة ألكسندر دوبشيك.
لقد طوّرت الأحزاب الشيوعية الأوروبية نظرية التحوّل الاجتماعي الأكثر مناسبة لأوروبا الغربية، والأساس النظري لها كتابات أنطونيو غرامشي، التي انتقدت فئوية اليسار وشجّعته على تشكيل تحالفات اجتماعية لتحقيق إصلاحات من خلال التدرّج والطريق السلمي عبر المؤسسات الديمقراطية القائمة، أي رفض الطريق العُنفي للوصول إلى الاشتراكية، وذلك في نزوع استقلالي عن المركز الأممي السوفيتي، ولم يكن ذلك بعيدًا عن أفكار لوكاش.
كما تأثّرت مدرسة فرانكفورت بلوكاش، ولاسيّما كتابه المهم "التاريخ والوعي الطبقي"، حيث لقيتْ مناظراته مع جان بول سارتر اهتمامًا كبيرًا، خصوصًا إزاء النزعة الإنسانية، وأضفت تلك المناظرات بشأن الوجودية نزعة انفتاحية على آرائه.
ولعلّ من المستحيل حسب جورج لوكاش معالجة معضلة المادية التاريخية دون دراسة مؤسس الديالكتيك، ويعني به هيغل وعلاقة ماركس بفلسفته، وبهذا المعنى لا يمكن وقف الماركسية على ماركس، فهذا يعني إيقاف نقد التاريخ أو نقده بأدوات تجاوزها الزمن، وهو ما كان ماركس شديد الانتباه له، لاسيّما بتخالقاته التي جعلت الجدل أساسًا للتطوّر، فما بالك اليوم ونحن في الطور الرابع من الثورة الصناعية واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي، ذلك أن مهمة التنظير تقتضي نقد الفكر السائد والكشف عن عيوبه ومثالبه في إطار فهم حيوي، فلم يعد الاستشهاد بماركس أو إنجلز وفيما بعد لينين كافيًا، خصوصًا حين يُساق لأهداف أخرى وفي مجال غير مجاله في أحيان ثانية.
تلك هي محنة لوكاش... تلك هي محنة المفكّر



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن غيرة المثقّفين
- تأملات شخصية في فكر الدكتور عبد الحسين شعبان
- مكاشفة الدكتور عبد الحسين شعبان - الفيلسوف الذي حاور التاريخ ...
- الدكتور شعبان وحرفة الثقافة
- الجواهري وهمنغواي: الشيخان والبحر والمقاهي والنساء
- هسهسات الضوء لعبد الحسين شعبان: رؤى الذاكرة العراقية في مراي ...
- سفير المعرفة العراقي
- اليسار وعاشوراء - مشهد بانورامي
- حانة بودغيتا دل ميديو
- أيقونة الثقافة المشرقيّة
- مقدمة كتاب نسرين برواري -في أرض ألاف الينابيع-
- شعلة الوصال.. المثقف الإنسان
- نستولوجيا المقاهي وذاكرة الأيام
- مجلة كولان في ذكرى تأسيسها
- المقاهي ذاكرة المدن
- أسئلة فلسطين في المشروع الثقافي العربي
- غسان الرفاعي -اللبناني-... عصمت جاويد -العراقي-
- عبد الحسين شعبان و«هسهسات الضوء»… أنطولوجيا الثقافة العراقيّ ...
- مثقّف موسوعي ومفكّر مبدع
- المتمرد الملتزم


المزيد.....




- دولة عربية بين أكبر 10 بلدان مصدّرة للسلع عالميًا في 2025.. ...
- طابق سري في فندق بإستونيا يكشف عالم التجسس والمؤامرات للمخاب ...
- من قلب الصين.. رحالة لبنانية تستكشف أعجوبة هندسية تمتد لآلاف ...
- شاهد.. قائد -أبراهام لينكولن- يشرح كيف فرضت أمريكا حصارا بحر ...
- إيران تكشف مصير صادراتها النفطية بعد إعادة فرض العقوبات الأم ...
- زهور وفرق جنائية في حانة بانكوك حيث حريق قاتل أودى بحياة 27 ...
- مصادر RT: لبنان يطرح 3 نقاط أساسية في جولة مفاوضات روما
- إسقاط 288 مسيرة أوكرانية خلال الليل وسلطات مناطق روسية تبلغ ...
- بري: الجو بالمنطقة -سلبي وقاتم- وأحذر من توريط الجيش اللبنان ...
- رودريغيز تعين رئيس البعثة الدبلوماسية لفنزويلا في واشنطن وزي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - لوكاش ومحنة المفكّر