أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الناصر خشيني - قراءة في كتاب البخاري















المزيد.....

قراءة في كتاب البخاري


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 14:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الفهرس
تمهيد عام
الكتاب الأول: في منهج البخاري وحجية الكتاب
التنافس المفترض بين القرآن والسنة
قصة جمع الصحيح وشهادة الفِرَبْري
إشكالية الرواة المجروحين
إحصاء الأحاديث ومكرراتها
الكتاب الثاني: كتاب الإيمان وكتاب العلم
كتاب الإيمان بين العبادة والقيم الكبرى
كتاب العلم ونصوصه
الكتاب الثالث: أبو هريرة وإشكالية الرواية الكثيفة
الكتاب الرابع: في المتن — تعارض روايات بدء الوحي
الكتاب الخامس: جهد البخاري بين الإعجاز والواقع
الكتاب السادس: كتاب الطهارة
كتاب الوضوء
كتاب الحيض
كتاب الغسل
الكتاب السابع: كتاب التيمم
الكتاب الثامن: كتاب الصلاة
كيف فُرضت الصلاة — الإسراء والمعراج
تعارض روايتي عائشة في نزول فرض الصلاة
مواقيت الصلاة وحديث وليمة أبي بكر
لباس الصلاة — حديث كشف الفخذ وقصة صفية
البصاق والنخامة في المسجد
تمهيد عام
التعريف بالكتاب:
المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، المتوفى سنة 256هـ
المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر
الناشر: دار طوق النجاة
الطبعة: الأولى، 1422هـ
عدد الأجزاء: 9
بنظرة عابرة على عناوين الكتب والأبواب الواردة في صحيح البخاري، واسمه الرسمي هو "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه" — أكتشف بشكل موضوعي أن التناسب بين مضامين القرآن، بما هو خاتمة الرسالات السماوية من حيث عالميتها وختمها للرسالات وشمول تعاليمها لتتجاوز حدود الزمان والمكان، لا أجد له في صحيح البخاري شيئًا آخر مختلفًا تمامًا، بل ومناقضًا له أحيانًا كثيرة، مما يدفع إلى الحيرة، وإني أتعجب من كثير من العلماء والمشايخ، وربما حتى جهات علمية أكاديمية كالأزهر أو الزيتونة، إلى الآن لا زالوا يرددون أنه "أصح كتاب بعد القرآن"، والحال أن به ثغرات عديدة على مستوى السند، وقد عالجها الأقدمون والمحدثون واخترعوا لها تبريرات ما أنزل الله بها من سلطان.
الكتاب الأول: في منهج البخاري وحجية الكتاب
1. التنافس المفترض بين القرآن والسنة
سبب البحث عن الحديث من طرق أخرى — علمًا وأن النسبة الغالبة للأحاديث هي أحادية وهي ظنية الثبوت — أو على مستوى المتن بما أُطلق عليه "التعارض بين القرآن والسنة"، وأُوجدت له الحلول عبر ما أنتجه الشافعي وغيره في علم الأصول من عام وخاص، ومطلق ومقيد، ومجمل ومفصل، وأسباب النزول، وناسخ ومنسوخ، وصولًا إلى فرية أن السنة ناسخة للقرآن، كما في مسألة الوصية للوارث المخالفة صراحة لما ورد في القرآن، وتفسيرات في الكثير منها اعتماد على الإسرائيليات، وغير ذلك كثير، بحيث أنني أمام إشكالية كبيرة: فإما التمادي في القبول بما أتى به البخاري دون تمحيص، فأكون في حرج كبير؛ أو أن أتعامل معه على أساس أنه عمل بشري يخضع للخطأ والصواب ومحدودية الارتباط بالظروف الزمانية والمكانية وعوامل السياسة والثقافة والعادات الاجتماعية، وعندها يمكنني نقده وتنقيته مما خالف القرآن. أما إذا اعتبرناه دينًا فعلينا أن نُسلّم أنفسنا للماضي ليقضي فينا ويحكم علينا بنفس أحكام القرون الأولى، وبالتالي نعود القهقرى إلى الوراء، وهذا لا يناسب إذ الشعوب من حولنا تتنافس حول التقدم العلمي، ونحن لا نزال نراهن على كتاب أنتجته عقول في القرون الخالية.
2. قصة جمع الصحيح وشهادة الفِرَبْري
نقلًا عمّا أورده ابن حجر العسقلاني في فتح الباري من روايات حول جمع البخاري لكتابه: أنه ألّفه في مكة، وأنه اختصره من ست مئة ألف حديث، وأنه لم يُدخل فيه حديثًا إلا بعد الاغتسال وصلاة ركعتين والاستخارة، وأن راويه الفِرَبْري حدّث عن نحو تسعين ألفًا ممن سمعوا منه الصحيح.
3. إشكالية الرواة المجروحين
ينقل ابن حجر أن عدد من قُدح فيهم من رواة البخاري بلغ نحو ثمانين راويًا، موزعين بين من تكلم فيه بالضعف ثم وثّقه آخرون، ومن لم يوثقه إلا واحد أو اثنان، ومن انفرد به البخاري دون رواة آخرين. وإذا كان عدد المقدوح فيهم بلغ ثمانين راويًا، وربما تعددت روايات الواحد منهم، فإنني أكتشف حجم الإشكال الذي أقع فيه إذا اعتبرت أن رواة البخاري من الدين، أما إذا اعتبرته علمًا بشريًا فلا بأس بذلك.
4. إحصاء الأحاديث ومكرراتها
يتضمن الكتاب 97 كتابًا، وكل كتاب يتضمن أبوابًا عديدة تصل أحيانًا لعدة عشرات، وكل باب يتضمن عدة أحاديث؛ فيصل عدد الأحاديث بالمكرر إلى 7563 حديثًا (أول حديث في كتاب بدء الوحي، وآخره برقم 7563).
نقلًا عن الذهبي في سِيَر أعلام النبلاء: بلغت أحاديث أبي هريرة في مسند بقي بن مخلد 5374 حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على 326 منها، وانفرد البخاري بـ93 حديثًا، ومسلم بمئة وتسعة وثمانين، كما قال ابن الصلاح والنووي، وإن كان ابن حجر قد تعقّبهما وتتبّع البخاري بابًا بابًا وحديثًا حديثًا.
الخلاصة العددية: بلا تكرار، 2761 حديثًا؛ وبالمكرر وما فيه من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات، 9082 حديثًا.
الكتاب الثاني: كتاب الإيمان وكتاب العلم
1. كتاب الإيمان بين العبادة والقيم الكبرى
كتاب الإيمان يتضمن حوالي أربعين بابًا، وأكثرها أحاديث قليلة تدور في معظمها حول العبادات من صيام وزكاة وصلاة وحج وجهاد، دون أن تتعرض إلى القيم الكبرى التي كان من المفروض أن تكون ضمن الهدي النبوي، كالعدل والحرية والشورى والمساواة؛ فهذه لو خالطت الإيمان لحررت الإنسان من كل الطواغيت والشوائب المحيطة بإيمانه وتُقوّيه. لكن مع الأسف، نجد البخاري يركز على العبادات أكثر، لأنها تُبقيه في مأمن من نيران السلطة إن ركّز على هذه القضايا الأهم.
2. كتاب العلم ونصوصه
كتاب العلم يتضمن 53 بابًا و76 حديثًا، تدور كلها حول مضامين بعيدة كل البعد عمّا في القرآن من آيات تحث على العلم وتقدّره إلى درجة أن الله يرفع درجة العلماء (قوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: 11]). أما أن نتحدث عن عناصر من مثل الحث على الركبتين طلبًا للعلم، أو الوقوف على راحلة والقيام بالفتيا، أو الإشارة باليد والرأس، وغيرها من الأحاديث التي لا يمكن أن يُدركها إنسان اليوم وهو يتحدث عن مكانة العلم والعلماء في عصرنا الحالي — فمن خلال العلم يتعرّف الإنسان على نعم الله وعظيم خلقه، مما يؤدي به إلى معرفة الله وخشيته ورجائه، وبالعلم يُدرك الحق والخير، ويُفضَّل ما نفع من العلوم دينية كانت أو كونية. بينما البخاري يتحفنا بروايات أبعد ما تكون في معظمها عن هذا المجال، لكن الخشية ممن لم يقرؤوا كتاب البخاري تأخذهم النخوة للدفاع عنه بشتّى الأشكال وتكفير وتفسيق من يتناوله بالنقد.
الكتاب الثالث: أبو هريرة وإشكالية الرواية الكثيفة
إذا كان عدد الأحاديث بعد حذف المكرر منها 2651 حديثًا، فإن حصة أبي هريرة منها لا تصل إلى 419 حديثًا، بما يعني نحو 20٪ من صحيح البخاري. لا أعلم من التشكيك الذي صاحب روايات أبي هريرة ولم يرتفع منذ زمنه المتقدم، وصولًا إلى ضربه بالدرة من قبل عمر واتهامه بالإكثار، وقد ألّف فيه الشيخ محمود أبو ريّة كتابًا سمّاه "شيخ المضيرة"، ضمّنه سيرة حياته من أولها إلى آخرها، لخّص فيه كل ما قيل في أبي هريرة من اعتراضات الأقدمين عليه.
الكتاب الرابع: في المتن — تعارض روايات بدء الوحي
من حيث المتن، فحدّث ولا حرج: انطلاقًا من كيفية نزول الوحي، الذي كان من المفروض أن يكون أمرًا واحدًا لا لبس فيه بين الرسول وخالقه وجبريل الذي يأتيه بالوحي، إذا بهذا الأمر يقع تداوله بروايات مختلفة متناقضة لا يمكن أن تصل من خلالها إلى نتيجة ذات قيمة. يكفي أن ننظر إلى حديثي عائشة رقم 2 و3، لنكتشف أن ما رواه المفسرون عن سبب نزول سورتي المدثر والمزمّل يختلف عما روته السيدة عائشة، ثم الحديث رقم 3 المتعلق برواية أبي سفيان وما قاله لملك الروم عن الرسول، وهو على دين قومه، تختلف كليًا عن موقفه لما تولى عثمان الخلافة (حين قال، والذي يحلف به أبو سفيان، بحيث أعتقد أن هذا الحديث موضوع خلال حكم بني أمية ووُجد له سند مزعوم).
الكتاب الخامس: جهد البخاري بين الإعجاز والواقع
أطنب العديد من العلماء القدامى والمحدثين في الثناء على اجتهاد البخاري ومثابرته، وأكدوا على كراماته التي وصلت إلى حد رؤيته في المنام وهو يذبّ الذباب عن رسول الله، وهناك من رآه في المنام يتبع خطى الرسول. لكن بلغة الأرقام وباستعمال المنطق البسيط، أعرف الحقيقة بعيدًا عن الزيف والتقديس المبالغ فيه: فقد قضى البخاري في تأليف كتابه ست عشرة سنة، جمع خلالها 600 ألف حديث انتقى منها صحيحه، وكان لا يكتب حديثًا إلا بعد الاغتسال وصلاة ركعتين. فبالحساب الدقيق يكون معدل جمعه للأحاديث في السنة الواحدة 37500 حديثًا؛ إذا قسّمناها على أيام السنة يكون نصيب كل يوم 104 أحاديث، أي بمعدل 4.34 حديث في كل ساعة — أي تقريبًا حديث كل ربع ساعة أو أقل، دون أكل ولا شرب ولا نوم ولا سفر إلى مختلف البلدان لجمع الأحاديث وفرز الصحيح من الضعيف والاغتسال والصلاة ركعتين في كل مرة. مثل هذه الأرقام توهمنا بقدرات خارقة لرجل واحد، حتى لو كان يملك حاسوبًا وبرمجيات متطورة لمثل هذا العمل، فما بالك بأن يُنجز تلك المهمة في ظروفه التي لم تكن تتوفر له فيها حتى أبسط أدوات الكتابة كما هي متاحة اليوم. علينا أن نكون واقعيين في التعامل مع هذا الرجل وغيره، تعاملًا واقعيًا مستمدًا من بيئته وظروفه.
الكتاب السادس: كتاب الطهارة
1. كتاب الوضوء
كتاب الوضوء يتضمن 77 بابًا، كلها دون استثناء خارج سياق العصر الذي نعيشه، حيث وفرة المياه في الحمّامات والبيوت، بينما آية الطهارة اختصرت كل موضوع الطهارة في كلمات موجزة تناسب كل العصور والبيئات، دون الحاجة إلى تقديس الماضي واعتباره دينًا لا تصح العبادة دونه (سورة المائدة: 6). تضمنت الآية أحكام الوضوء والغسل والتيمم بإيجاز شديد، دون تعقيدات الفقهاء والمحدثين، وصولًا إلى الحديث عن مقدار الماء وكيفية الوضوء أو التيمم أو الغسل؛ فهذه كلها اجتهادات من الفقهاء والمحدثين، ولا يمكن اعتبارها دينًا إلا إذا أردنا أن نقلّد اليهود في إيجاد تلمود يُضاف إلى جانب التوراة.
من الأحاديث التي لا داعي لذكرها في هذا السياق: حديث رقم 230، الذي يتضمن تفاصيل حول شعر أبي هريرة عند وضوئه — وهي تفاصيل تتعدى على خصوصية الرسول وليس لها أي داع لذكرها ضمن الهدي النبوي، الذي من المفروض أن يتجاوز مثل هذه الأحاديث الخفيفة.
2. كتاب الحيض
من أقسى ما يورد الكتاب في مسائل الحيض مخالفة تامة للقرآن الكريم. فبينما تقول الآية (البقرة: 222) إن الحيض أذى، وأن الله يأمر باجتناب معاشرة النساء في المحيض حتى يطهرن، فإذا انقطع الدم واغتسلن فللزوج أن يأتيهن من حيث أمر الله — أي في موضع الحمل، لا القبل ولا الدبر — نجد أحاديث تُنسب إلى الرسول (رقم 302 و303) تتحدث عن مباشرته لنسائه فوق الإزار وهنّ حُيّض، بمخالفة صريحة لدلالة الآية، وهذه أحاديث مفتراة عن الرسول، ووضعها البخاري في فقهها وأوردها ظنًا أنه يقيم بها دينًا، وإنما هي تنزيه للرسول عن مثل هذه المخالفات.
3. كتاب الغسل
خصّص له البخاري كتابًا يتضمن 29 بابًا، تناولت أيضًا الحديث عن خصوصيات الرسول وكيفية اغتساله مع عائشة في إناء واحد (حديث رقم 250)، وبابًا آخر يتضمن عدة أحاديث تخوض في خصوصية الرسول مع نسائه (حديث رقم 267)، من بينها ما يفيد أنه كان يطوف على نسائه ثم يصبح مُحرمًا يفوح منه الطيب.
الكتاب السابع: كتاب التيمم
خُصص له البخاري بضعة أبواب ومجموعة من الأحاديث تصل إلى 14 حديثًا، تناول فيها مجموعة من المواضيع كان بالإمكان الاكتفاء بالجانب الرئيسي للتيمم وقيمته في الدعوة للتواضع والعودة إلى أصل الإنسان بلا ما صعد من التراب امتثالًا لقوله تعالى (المائدة: 6). كانت الآية كافية دون ذلك الحشد من الأحاديث (منها رقم 347 و344) التي من بينها ما يفيد أن بعض الصحابة كان يتمرغ في التراب مثل الدواب، وهذا فيه إساءة لهم لا أتصور أنهم يفعلونها وهم فرسان اللغة والقرآن نزل بلسانهم؛ فالغريب من البخاري كيف يتجرأ ويأتي بمثل تلك الروايات.
التحدي الذي كان للرسول عليه الصلاة والسلام كان في القرآن وحده دون أي شيء مادي آخر؛ لأن عصر نبوته بلغت فيه البشرية مرحلة النضج العقلي، فلم يكن من المناسب إيراد مثل هذه الروايات التي تحمل الرقم 344، وتشتمل على تفاصيل مبالغ فيها حول التيمم في السفر.
كذلك، من الأحاديث المرتبطة بأصل تشريع التيمم، حديث رقم 334 عن السيدة عائشة، الذي يروي أن عقدها ضاع منها في إحدى غزوات الرسول، فبحث عنه الناس حتى أدركتهم الصلاة بلا ماء، فنزلت آية التيمم رخصة للأمة. لا أتغافل عن أن مثل هذه الروايات التي تُبنى عليها أحكام تشريعية عامة لا تخلو من إشكال في التوقيت والسند: فبعض الروايات تضعها في غزوة بني المصطلق، وهي الغزوة نفسها التي رافقتها حادثة الإفك المتعلقة بعائشة، والمروية في سورة النور، وهناك من المؤرخين من لم يشر إلى هذا الترابط بين الحادثتين رغم قربهما الزمني والمكاني، مما يفتح الباب أمام التساؤل حول مدى دقة الربط بين الرواية وسبب النزول الفعلي لآية التيمم.
الكتاب الثامن: كتاب الصلاة
خصّص لها البخاري 16 كتابًا وعشرات الأبواب لكل منها، يصل مجموعها إلى أكثر من 1050 رواية حول هذا الموضوع، أي بنسبة حوالي 40٪ إذا اعتبرنا عدد رواياته دون المكرر 2602، كما أسلفت سابقًا، وهي نسبة هائلة.
وبالرغم من أهمية الصلاة في أبعادها النفسية والتربوية والخُلقية والاجتماعية، فإن البخاري في رواياته لم يركز على هذه الجوانب، وإنما حلّق في أجواء أخرى بعيدة عن هذه الأهداف السامية للصلاة، التي من المفروض أنها تؤدى بشكل جماعي توقيتًا وأداءً وخشوعًا وتوجهًا نحو قبلة واحدة، حتى لو أداها الفرد المؤمن في بيته وحده، لكن في إطار جماعي يجمعه من بُعد جماعي بهذه الشعيرة المباركة، حتى يقدّم المؤمنون النموذج الحي لأفراد ملتزمين بقيم الحق والخير والعبودية الحقيقية لله، التي تحرره فردًا أو مجتمعًا من سائر العبوديات الأخرى.
1. كيف فُرضت الصلاة — الإسراء والمعراج
افتُتحت المرويات بخصوص الصلاة ضمن باب "كيف فرضت الصلاة في الإسراء" (حديث رقم 349)، الذي يروي قصة شق صدر الرسول وعروجه بصحبة جبريل حتى السماوات السبع، ولقائه بآدم وإدريس وموسى وهارون وإبراهيم، وفرض الصلاة خمسين صلاة ثم تخفيفها تدريجيًا إلى خمس، بمشورة موسى المتكررة على النبي بالرجوع إلى ربه لطلب التخفيف.
هذه رواية مشكوك في صحتها: فالله يفرض الصلاة خمسين، والرسول يرجع في كل مرة حتى يصل بها إلى الخمس، وتبقى أجر الخمسين، ويستحي الرسول من الرجوع إلى ربه بعد ذلك. في حين أن الصلاة، كما هو معلوم في القرآن، كانت موجودة في الديانات الأخرى، والرسول كان قبل البعثة حنيفًا على ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان يتعبد في غار حراء كما تشير إلى ذلك الروايات؛ إضافة إلى أن الصلاة كانت مفروضة منذ بداية الدعوة كما تشير السيدة عائشة فيما رواه البخاري (حديث رقم 476): "لما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُفرض إلا ركعتان، ثم زيد فيها لما هاجر."
المثير في رواية البخاري أنه يذكر أن حادثة شق قلب الرسول كانت في الإسراء والمعراج، في حين أن روايات أخرى تشير إلى أن هذه العملية تمّت في صباه عليه السلام، في باديه بني سعد عندما كان لدى مرضعته حليمة السعدية.
2. تعارض روايتي عائشة في نزول فرض الصلاة
هذا التناقض بين رواية "فُرضت خمسين ثم خُففت إلى خمس عبر تكرار العروج" وبين رواية عائشة القائلة بأن الصلاة فُرضت ركعتين منذ بداية الدعوة ثم زيدت بعد الهجرة، يستدعي التوقف والتساؤل عن أي الروايتين أقرب للصواب، خصوصًا أن سورتي العلق والمزمل — وهما من أوائل ما نزل — تتحدثان عن الصلاة والقيام دون الإشارة إلى عدد الركعات أو الخمسين.
3. مواقيت الصلاة وحديث وليمة أبي بكر
في باب مواقيت الصلاة، كان بالإمكان الاكتفاء بذكر المواعيد الطبيعية للصلاة من خلال حركة الشمس شروقًا وغروبًا وامتداد الظل، كما هو معلوم حتى للأطفال في الكتاتيب والمدارس الابتدائية. أما الإطناب والإكثار من الروايات فغير مجدٍ في شيء، فالتوقيت للصلاة إن لم يصاحبه قيمة احترام المواعيد والالتزامات في حياة الفرد والمجتمع فلا طائل منه. وخُتمت مواقيت الصلاة بحديث (رقم 602) غير مقبول عقلًا، يتضمن نزول البركة في طعام أبي بكر بعد السهر والدعاء بالشر، بتناقضات غريبة تصعب على عقول القراء.
4. لباس الصلاة — حديث كشف الفخذ وقصة صفية
من بين أحاديث لباس الصلاة، يبرز حديث رقم 371 العجيب العجاب، حيث يُكشف فيه عن فخذ الرسول، مع أن العورة الشرعية للرجل حسب الفقه والسنة التراثيين بين السرة والركبة، وقد يحصل أن يتعرى الإنسان في حالات التعب البشري ميلًا أو حربًا، لكن لماذا يتم إيراد مثل هذه الرواية من الأساس؟ وأي حكمة فيها أو موضوعية أو صدق سوى الإساءة للرسول والاستهانة بمقامه الشريف؟ إضافة إلى الفضيحة الأخرى التي أوردها البخاري في نفس الحديث عن صفية، التي كانت ضمن السبي وعلى ذمة غيره، فلما رآها أعجب بها واتخذها لنفسه وتزوجها من ليلته دون استبراء رحمها.
55. البصاق والنخامة في المسجد
خصّص البخاري عدة أبواب تتعلق بالبصاق والنخامة التي يجب أن تكون على اليسار أو تحت الرِّجل وليس على اليمين، لأن هناك ملائكة على اليمين (أحاديث 386، 518، 519). وهذا التفصيل المقزز ما كان ينبغي إثارته أصلًا؛ فبدائية المسجد النبوي وظروف الناس وقتها قد تفسّران وقوع مثل هذا الأمر، لكن هذا التفسير التاريخي لا يبرر تحويله إلى حكم شرعي ثابت يُدوَّن في كتب السنة ويُطبَّق على كل زمان ومكان.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- موقعة بدر: استشهادية من قبل الصحابة، استعراضية من قبل قريش
- سلسلة قرأت لكم : كتاب حوار مع الشباب العربي. د عصمت سيف الدو ...
- سلسلة قرات لكم كتاب التقدّم… على الطريق المسدود للدكتور عصمت ...
- قرأت لكم: لمصر لا لعبد الناصر — محمد حسنين هيكل
- ليبيا تحترق... وتونس والجزائر بين التضامن والتوجس: إلى أين ت ...
- ثورة الممرات ومعركة المصير: الجماهير العربية في مواجهة الوحش ...
- إشكالية تدوين السيرة النبوية: بين المقاربة العقلانية القرآني ...
- جدلية الفكر والواقع: أطروحة عصمت سيف الدولة في أدبيات الطلبة ...
- شركة فوسفاط قفصة: من عمود الاقتصاد الوطني إلى عبء يهدد استقر ...
- الجزيرة: من منبر الرأي إلى أداة التخريب الإقليمي بقلم: الناص ...
- نقد المتن والسند: نحو غربلة منهجية للتراث الحديثي
- سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب ...
- عبد الله رشدي: الردة العقلية وتأميم المقاصد باسم التراث ضمن ...
- دعاة على أبواب الجحيم: أبو إسحاق الحويني وتسليع الإنسان باسم ...
- ظاهرة الشيخ الشعراوي: قراءة تفكيكية من منظور قومي تقدمي
- العلاقات العربية الإسبانية: بين الإرث الأندلسي والبراغماتية ...
-  الدكتور محمد شحرور.. ثورة القراءة المعاصرة وتحرير العقل الع ...
- الفريق سعد الدين الشاذلي.. باني نصر العبور والخط الناصري الم ...
- الإمام محمد الطاهر بن عاشور.. رائد المقاصد التنويرية وصوت ال ...
- اغتيال وطن في شخص شهيد: محمد براهمي.. الصوت العروبي الشامخ و ...


المزيد.....




- وكالة مهر: الرئيس الإيراني يلتقي المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ...
- الاسلامية المسيحية تحذر من نزيف ديمغرافي يهدد الوجود المسيح ...
- ما الذي ينبغي أن تكون عليه الجامعة الإسلامية؟
- الإعلامي باسم يوسف يعلق بطريقة ساخرة على حفل عمرو دياب الأخي ...
- موضة -التكفير- لدى التيارات الدينية في إسرائيل
- تصعيد واسع في الضفة: إصابات في طوباس وهجمات للمستوطنين تطال ...
- تدهور الوضع الأمني والاقتصادي بالضفة الغربية يدفع المسيحيين ...
- نزيف الهجرة يهدد الوجود المسيحي في الضفة الغربية: تحذيرات من ...
- بدون انقطاع.. تردد قناة طيور الجنة 2026 الجديد على نايل سات ...
- أغاني البيبي المفضلة.. تردد قناة طيور الجنة 2026 Toyor Al-Ja ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الناصر خشيني - قراءة في كتاب البخاري