شادي أبو كرم
كاتب سوري
(Shadi Abou Karam)
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 15:02
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في "منمنمات تاريخية"، يضع سعد الله ونوس أمامنا مشهداً لا يُنسى. دمشق محاصرة، وتيمورلنك تحت أسوارها، وابن خلدون يطلب أن يُدلّى بالحبال ليلتقي الفاتح. يجلس إليه أياماً، ويكتب له وصفاً مفصلاً لبلاد المغرب، وينال أماناً لنفسه ولمن معه من الفقهاء. ثم تُنهب المدينة، ويُحرق جامعها، ويُقتل أهلها.
التفصيل الذي يستحق التوقف ليس النزول من السور، إنه الورقة التي كتبها ابن خلدون. عالمٌ يكتب للفاتح وصفاً لبلاد لم يفتحها بعد. وللتوضيح لم يطلب منه تيمورلنك خيانة واضحة، طلب منه المعرفة. والمعرفة أشرف ما يملكه الرجل. لهذا بقي ضميره مرتاحاً إلى آخر لحظة في عمره. كل حكم أصدره كان صائباً على حدة. المدينة كانت عاجزة فعلاً، والمواجهة كانت خاسرة فعلاً، وحفظ العلم في زمن يأكل العلماء كان مطلباً وجيهاً فعلاً. ولكن المشكلة في حاصل الجمع. رجلٌ نزل بحبل لا يملكه سواه، وترك فوق السور من لا حبال لهم.
استحضرت هذا المشهد وأنا أقرأ مقال زيدون الزعبي عن الوسطية في سوريا. لا أقصد أن الرجل يشبه ابن خلدون، ولا أن مقاله يدعو إلى الاستسلام، ولكن لأن سؤالاً واحداً ظل يطاردني طوال القراءة. متى تتحول الواقعية السياسية من فضيلة إلى مشكلة؟ ومتى يصبح الحديث عن الاعتدال والتوازن وإدارة الخلافات لغة أنيقة تلتف حول السؤال الأول، سؤال السلطة نفسها؟
سيخرج من ىقول إن المقارنة قاسية، وإن الدعوة إلى وسط جامع في بلد مزّقته الحرب لا تشبه مساومةً على مدينة محاصرة. الاعتراض في محله لو كان النقاش عن النوايا. النوايا هنا سليمة على الأرجح، والقلق على ما تبقى من نسيج البلاد قلق مشروع. لكن النص السياسي لا يُقاس بما أراده كاتبه، يُقاس بما يفعله حين يُقرأ. وأول ما يفعله هذا الطرح يسبق حلوله كلها. إنه يقرر، قبل أن يقترح شيئاً، أي نوع من الأمراض تعاني منه سوريا.
يقول لنا إن الداء استقطاب وجداني. فجوة عاطفية بين الجماعات، وشحنة نفور متبادل، وانتماء يقترن بكراهية من هم خارجه. التوصيف دقيق في أصله، ومولود في ديمقراطيات مستقرة يتنافس فيها مواطنون متساوون على السياسة فيتباغضون في الطريق. وحين ننقله كما هو إلى بلد خرجت جماعاته من مقابر جماعية، نرتكب إزاحة خطيرة، لنحوّل الجريمة إلى مزاج.
وما يُعلَن مرضاً يحدد الدواء سلفاً. إذا كان الداء عاطفياً، صار العلاج عاطفياً. حوار، واعتراف متبادل، وتدرّج، وخفض تصعيد. أما إذا كان الداء أن سلطةً أشرفت على مجزرتين في آذار وتموز 2025 وسهّلتهما وصمتت عنهما، فالعلاج قضائي. محكمة، وقانون يسري على من يحكم قبل من يعارض، ولوائح اتهام تحمل أسماء. الفرق بين التشخيصين يقرر من الذي يُطلب منه أن يتغيّر. المريض بالوجدان يُطلب منه أن يهدأ، والمجرم يُطلب منه أن يمثُل. وهذا خاطئ بالمطلق، لأن الجريمة ليست شعوراً.
وحين نصل إلى القواعد المقترحة لهذا الوسط، نجد بينها ما يبدو أنبل ما فيه، ألا وهو الاعتراف. أن يعترف كل طرف بحق الآخر في بناء سرديته الخاصة. من يستطيع أن يعترض على هذا؟ لكن السردية تحتاج إلى أرض تقف عليها. والتعدد في الروايات فضيلة حين يكون الخلاف على المستقبل، وعلى تفسير الماضي، وعلى المعنى الذي نعطيه لما جرى. أما حين يمتد التعدد إلى الوقائع نفسها، فيصير اسماً آخر لتسوية بين من يشهد ومن ينفي. في سوريا اليوم سرديات كاملة تقول إن ما جرى في الساحل لم يجر على النحو الذي جرى به، وإن ما وقع في السويداء كان رداً على ما فعله أهلها. الاعتراف بهذه الروايات بوصفها روايات مشروعة يمنح الإنكار مقعداً على الطاولة. وأي وسط يُبنى فوق أرض يختلف أهلها على أن الدم سال أصلاً، وسطٌ فوق فراغ. الأرضية تسبق التعدد، بمعنى، وقائع محسومة أولاً، ثم تعدد في تأويلها. وسردية القاتل ليست وجهة نظر.
والأخطر أن الوسطية هنا لا تخرج من البنية التي تنتقدها، إنها تعيد إنتاجها بصيغة أكثر تهذيباً. كل جماعة في سوريا عرّفت نفسها أخلاقياً قبل أن تعرّف نفسها سياسياً. الإسلامي لأنه يحمل الدين. القومي لأنه يحمل الأمة. الثوري لأنه يحمل التضحية. والوسطي لأنه يحمل الاعتدال. الجميع يبدأ من فضيلته الخاصة. الجميع يريد أن يُعترف له بأنه الطرف "الأنصع" أخلاقاً قبل أن يُسأل ماذا يريد أن يبني. هكذا تتحول الأخلاق نفسها إلى هوية سياسية، لا إلى معيار يُحاسَب الجميع عليه. وحين تعلن الوسطية أنها منهج لا تيار، تكسب امتيازاً لا يملكه سواها. حق الحكم على الجميع مع إعفاء نفسها من أن تُحاسَب كواحد منهم.
وهنا يجب أن نغادر النقد إلى ما هو أبعد منه، لأن تفكيك أطروحة لا يكفي ما لم نقل من أين كان يجب أن تبدأ. خطأ هذا الطرح كله ليس في تفاصيله. إنه في نقطة انطلاقه. فهو يبدأ من المجتمع. يسأل كيف نُصلح العلاقة بين السوريين، وكيف نقارب بين الجماعات، وكيف نعيد بناء المساحة المشتركة بينها. وكل هذا يفترض أن مشكلتنا أفقية، بين ناس وناس. لكن السياسة لا تبدأ من المجتمع. تبدأ من علاقة السلطة بالمجتمع.
الجماعات لا تتباعد لأنها كرهت بعضها، تتباعد لأن الجهة التي كان يفترض أن تحميها جميعاً صارت طرفاً ضد بعضها. حين تذبح السلطة في الساحل، لا يكون الخلل بين علوي وسنّي، وإنما بين سلطة وشعب. وحين تُترك السويداء لمصيرها، لا تنشأ فجوة بين درزي وبدوي. تنشأ حقيقة واحدة، هي أن الدولة تحمي بعض أبنائها ولا تحمي الآخرين. ثم يأتي الخوف بعد ذلك فيوزّع الناس على جماعاتهم، لأن الجماعة صارت وحدة النجاة الوحيدة المتاحة.
الانقسام الأفقي بين السوريين أثرٌ لعطب عمودي بين السلطة والسوريين. ومن يعالج الأفقي وحده يعالج ظلاً ويترك الجسد الذي يرميه. وهذا يقلب ترتيب الأولويات كله. لا يُطلب من المجتمع أن يلتئم كي تستقيم الدولة، تستقيم الدولة فيلتئم المجتمع. علاقة السلطة بالناس هي المتغير الأول، وكل ما عداه تابع لها. من ينشغل بمصالحة الجماعات قبل ضبط السلطة يبني سقفاً بلا جدران، ثم يلوم الحجارة على أنها لا تتماسك.
ومن هنا نصل إلى أصل الالتباس في مفهوم الوسط نفسه. لا أحد يستيقظ صباحاً ويقرر أن يصبح وسطياً. الناس يصبحون وسطيين حين يصير التطرف مكلفاً، ويصير التعاون أقل كلفة من الصراع. هذا ما تفعله المؤسسات لا المقالات. الوسط ليس فضيلة أخلاقية يكتسبها الأفراد، إنه بنية تنتجها الدولة. ولهذا فإن مطالبة السوريين اليوم بالوسطية تشبه مطالبة الناس بالثقة قبل بناء المحكمة التي تحمي هذه الثقة.
انظر إلى الأمر من موقع الفرد لا من موقع المحلل. الرجل الذي أُحرقت قريته يُطلب منه أن يعتدل، أي أن يخفض مطالبه ويقبل التدرّج ويجلس إلى من يمثّل من قتل أهله. ماذا يضمن له أن هذا التنازل لن يُقرأ ضعفاً فيُستأنف القتل؟ لا شيء. فاعتداله مخاطرة فردية يدفع ثمنها وحده إن أخطأ التقدير. أما لو وُجدت محكمة تستطيع أن تستدعي وزيراً، وقانون يسري على حامل السلاح كما يسري على الأعزل، لصار الاعتدال حساباً عقلانياً. عندها يعتدل الناس بلا أن يعظهم أحد، لأن المؤسسة جعلت الاعتدال أرخص من التطرف. والاعتدال لا يُوعَظ به.
ثم يبقى أثرٌ لا يظهر في النص، وإنما في طريق وصوله. الخطاب موجّه في صياغته إلى الأطراف جميعاً بالتساوي. لكن نداءات الاعتدال لا تصل إلى الجميع بالتساوي، تصل إلى من يمكن إقناعه. ومن يملك الجيش والأمن والمعابر والقرار لا يحتاج إلى أن يقتنع، ولا يقرأ أصلاً. فالنص المتوازن في عبارته يصل مائلاً في أثره. يستقر عند الأضعف وحده، لأنه وحده القابل للإقناع بتأجيل مطلبه. وهكذا يتحول التوازن اللفظي إلى ضغط من طرف واحد، حتى وإن لم يقصد كاتبه ذلك ولا لحظة، ولسنا هنا لمحاكمة النوايا.
ولنكن منصفين، في هذا الطرح صحيحان لا يجوز هدمهما. غياب الوسط يعيد إنتاج النزاع فعلاً، وهذه ملاحظة بنيوية دقيقة. والاستقطاب بعد الحروب حالة متوقعة عامة، ليست شذوذاً سورياً، وهذه ملاحظة تحمي من جلد الذات. لكن الصحيحين يقودان إلى غير ما وصل إليه. فإذا كان انهيار الوسط بنيوياً، كان علاجه بنيوياً. تُضبط السلطة أولاً، ثم يظهر الوسط بوصفه أثراً لذلك. ومن يبدأ من الأثر ويطلبه مباشرة، يطلب من الناس أن يتصرفوا كما لو أن الدولة موجودة، في بلد المشكلة فيه أنها ليست موجودة. والدولة لا تُبنى بالنيات.
المشكلة لم تكن أن ابن خلدون نزل بالحبل، فهذا حقه. المشكلة أن التاريخ كتبه من نزلوا بالحبال أكثر مما كتبه من بقوا فوق الأسوار. لذلك امتلأت كتب السياسة بفضائل الواقعية وحكمة التدرّج، بينما بقيت المدن المحترقة تكتب اعتراضها بوجدان ضحاياها وذاكرتهم. وربما لهذا السبب تحديداً لا أخاف اليوم من التطرف بقدر خوفي من اللغة المهذبة التي تستطيع أن تجعل الهزيمة تبدو خياراً عقلانياً، وأن تجعل العدالة تبدو مطلباً مؤجلاً، وأن تقنع الضحية بأن أول واجباتها بعد النجاة أن تصبح أكثر اعتدالاً ممن حاول قتلها.
#شادي_أبو_كرم (هاشتاغ)
Shadi_Abou_Karam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟