شادي أبو كرم
كاتب سوري
(Shadi Abou Karam)
الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 16:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أكثر ما كشفته مجزرة تموز في السويداء لم يكن حجم العنف الذي يبلغه المجتمع السوري. ذلك معروف منذ سنوات. الجديد أن المجزرة كشفت انهيار شيء أقل ظهوراً وأشد خطورة. الإيمان بوجود جماعة سياسية اسمها "السوريون".
في الأيام التي تلت المجزرة، لم ينشغل كثيرون بحماية الناجين، ولا بشروط العدالة، ولا بالمسؤولية عما جرى. انصرف النقاش سريعاً إلى مكان آخر. هل أخطأ الدروز حين اقتربوا من إسرائيل؟ هل يتحمل حكمت الهجري مسؤولية ما حدث؟ هل كان يمكن تجنب المجزرة لو اختارت السويداء مساراً سياسياً مختلفاً؟ قد تكون هذه أسئلة مشروعة في سياق آخر. لكنها لم تكن الأسئلة التي يحتاج أن يسمعها مجتمع خرج لتوّه من المقابر الجماعية، ومن القرى المحروقة، ومن مشاهد القتل والسبي والإذلال. بالنسبة إلى كثير من الناجين، بدت المذبحة وكأنها تحولت إلى محاكمة للضحية، عوضاً عن مساءلة للجريمة.
هنا بدأ شيء يتجاوز الغضب، ويتجاوز حتى الشعور بالخيانة. بدأت تتصدع العلاقة بين جماعة كانت من أوائل من أسس الكيان السوري الحديث، وبين الفكرة السورية نفسها. ولم يكن هذا التصدع ثمرة خطاب انفصالي سابق، ولا مؤامرة خارجية جاهزة. كان ثمرة سؤال بسيط وخطير في آن. ماذا يبقى من الوطن حين يصبح الاعتراف بموتك مشروطاً بموافقتك على خياراتنا السياسية؟ هذا السؤال لا يخص السويداء وحدها ولا الدروز وحدهم. إنه يكشف عطباً متجذراً أقدم من المجزرة وأقدم من الحرب السورية كلها. لأنه يدفعنا إلى مساءلة الطريقة التي تنتج بها الجماعات شرعيتها، والطريقة التي يمنح بها المجتمع اعترافه لجماعة دون أخرى.
التفسير الشائع يقول إن المجازر تنتج التطرف، وإن الجماعات المهددة وجودياً تنكمش داخل هوياتها وتبحث عن حماية خارج الدولة. في هذا شيء من الصحة، لكنه يفسّر نصف الصورة. يشرح لماذا تخاف الجماعات، ويعجز عن شرح لماذا تتكلم كلها اللغة نفسها مهما اختلفت تجاربها. فما إن تبحث جماعة عن شرعية جديدة حتى يظهر خطاب مألوف إلى حد مدهش. تصير الجماعة الأكثر شرفاً، والأكثر تضحية، والأكثر استحقاقاً للاعتراف. تتحول المظلومية إلى مصدر للسلطة، والذاكرة إلى حجة سياسية، والألم إلى رأسمال. وما يبدو دفاعاً عن الضحايا يؤدي في العمق وظيفة أخرى. إعادة بناء الجماعة حول يقين جديد يمنعها من التفكك.
عند هذه النقطة يصير الخطاب الأخلاقي مؤسسة بديلة حين تنهار المؤسسات الحقيقية. الجماعة التي فقدت ثقتها بالدولة، ولم تعد ترى في القانون مرجعاً يحميها، تبحث عن شرعيتها في مكان آخر. تجدها في إعلان نقائها، وفي ادعاء امتلاك الحقيقة، وفي تحويل ذاكرتها الخاصة إلى معيار يُقاس عليه الجميع. لهذا لا يمكن اختزال ما جرى في السويداء في سؤال واحد عن ميل قسم من الدروز إلى الانفصال. السؤال الأدق هو: لماذا صارت الشرعية كلها تُبنى على هذا النحو؟
اللافت ليس أن جماعة خرجت من مجزرة فاستدعت مظلوميتها. هذا يحدث في معظم المجتمعات الخارجة من الحروب. اللافت أن المجتمع السوري كله يتعامل مع الشرعية بالطريقة نفسها. ولأن الشرعية تُستمد من الفضيلة، تنتهي الجماعات المتعادية إلى الكلام نفسه من حيث لا تدري. لكل واحدة شهداء يمنحونها براءة لا تُناقش، وخائن تُعلّق عليه وحده مسؤولية كل ما انهار، وماضٍ ذهبي تستعيده كلما احتاجت أن تتكلم باسم المستقبل. السني يستعيد كونه صاحب البلاد. العلوي يستعيد كونه من حمى الدولة حين تخلى عنها الجميع. الدرزي يستعيد أنه أسسها قبل أن تُؤسَّس. المسيحي يستعيد مفكريه الأوائل الذين كتبوا فكرة سوريا قبل أن تقوم لها دولة. الكردي يستعيد أنه قاتل الإرهاب وحده حين تفرّج العالم. خمس استعادات مختلفة تؤدي الوظيفة ذاتها. كلها تبحث في الماضي عن حق لا تجده في الحاضر، وتقيس استحقاقها بمقدار ما تنقص من استحقاق غيرها.
عند هذه النقطة تتراجع المؤسسة خطوة، ويتقدم الضمير الجمعي مصدراً أعلى للسلطة. لا يعود السؤال من يملك برنامجاً أفضل، ولا من يبني مؤسسات أعدل. يصير السؤال: من صاحب الفضيلة؟ من الأنقى؟ من الأكثر ألماً؟ وحين تصبح هذه هي الأسئلة المؤسسة، تكون السياسة قد غادرت المجال العام، وحلّت مكانها مزايدة مفتوحة على احتكار الأخلاق.
لكن المشكلة لا تبدأ عند الجماعات، لو بدأت عندها لكان الحل ممكناً بتبدّل القيادات أو موازين القوة. المشكلة تبدأ عند المجتمع نفسه، وعند الطريقة التي يوزّع بها اعترافه. المجتمع لا ينتج جماعات متنافسة فقط، ينتج أيضاً السوق التي تتنافس فيها. والسوق السورية، منذ عقود، لا تكافئ من يبني مؤسسة، ولا من ينتج قانوناً، ولا من يقبل أن تكون سلطته محدودة وخاضعة للمساءلة. تكافئ من ينجح في إقناع الآخرين بأنه أكثر أخلاقاً منهم.
لذلك لا تستخدم الجماعات الخطاب الأخلاقي عن اختيار حر. تستخدمه لأنها تعرف، بوعي أو دونه، أنه الطريق الأسرع إلى الشرعية. المجتمع نفسه يمنح اعترافه لمن يبدو أنقى وأكثر تضحية، ويؤخّر الإنجاز والكفاءة وقابلية المحاسبة إلى مرتبة متأخرة، إن جاءت أصلاً. ولهذا تتشابه الجماعات حتى وهي تظن أنها تختلف جذرياً. الإسلامي يتحدث عن نقائه. القومي يتحدث عن نقائه. المدني يتحدث عن نقائه. الثورة تملك نقاءها، والثورة المضادة تملك نقاءها المقابل. يختلفون في مضمون الخطاب، ويتفقون من حيث لا يشعرون على القاعدة التي تمنحه قيمته.
لهذا كنت أقول دائماً عبارة أغضبت كثيرين "سوريّون وبتشبهوا بعض" ولم أقصد يوماً أنهم متشابهون في المسؤولية عن الدم، ولا في حجم الجرائم، ولا في التجربة التاريخية. من يساوي بين الضحية والجلاد لا يكتب تحليلاً، إنه يلغي التاريخ. من ألقى البراميل والكيماوي على الناس ليس كمن دُفن تحت بيته. من قتل في السويداء ليس كمن قُتل. من نفّذ مجازر الساحل في آذار ليس في ميزان ضحاياه. هذه فروق جوهرية لا يجوز محوها. التشابه يقع في مكان آخر، في البنية التي تنتج الشرعية. الجماعات التي تتهم بعضها بالطائفية تستخدم خطاباً طائفياً. التي تتهم بعضها بالإقصاء تقصي بينما تتهم. التي تتهم بعضها باحتكار الحقيقة تحتكرها وهي تتهم أيضاً.
والأخطر أن الجماعة، حين تجعل الأخلاق مصدر شرعيتها، تغيّر طريقتها في تعريف نفسها. في المجتمعات المستقرة تعرف الجماعة نفسها بما تنتجه. بما تضيفه إلى المجال العام. بقدرتها على بناء مؤسسة أو توسيع مساحة حرية. أما في المجتمعات المأزومة فتعرف الجماعة نفسها بمن ترفض أن تكون مثله. يصبح النفي أسبق من الإثبات، والحدود أسبق من المعنى. وكلما ضعفت القدرة على إنتاج مشروع جامع، ازدادت الحاجة إلى إنتاج خصم. الجماعة لا تثبت نقاءها إلا إذا وُجد من هو أقل نقاءً، ولا تثبت وطنيتها إلا إذا وُجد من يُتهم بالخيانة. يصير الخصم ضرورة داخلية، ومرآة سلبية ترى الجماعة نفسها فيها.
وحين يسقط الخصم تبدأ الأزمة. شهدت سوريا هذا أكثر من مرة. سقط النظام في مناطق واسعة، فراح الخطاب يبحث سريعاً عن خصوم جدد. مرة باسم الردة، ومرة باسم العمالة، ومرة باسم الطائفية، ومرة باسم الانفصال. كان الخصم يتبدل، والحاجة إليه تبقى. ولهذا يصعب على الجماعات الخارجة من الحروب أن تمارس نقداً ذاتياً. ليس لأنها عاجزة عن رؤية أخطائها، ولكن لأن الاعتراف بها، يُقرأ داخلها، مساساً بالمصدر الوحيد لشرعيتها.
لهذا كان السؤال الذي طرحته السويداء أكبر من السويداء. المسألة لا تخص جماعة خرجت من مذبحة ففقدت ثقتها بالدولة. المسألة كيف وصل مجتمع كامل إلى لحظة يصير فيها الاعتراف بالضحية مشروطاً بموقفها السياسي، والتضامن معها قابلاً للسحب إذا اختلفت خياراتها مع خياراتنا. عند هذه النقطة لم تعد الأزمة أزمة الدروز ولا السنة ولا العلويين ولا الأكراد. صارت أزمة مجتمع لم يتفق بعد على معيار واحد للشرعية يتجاوز الجماعات كلها.
ولذلك لا يكفي أن تُهزم جماعة متطرفة حتى يختفي التطرف، ولا أن يسقط نظام حتى يسقط الاستبداد. هذه كلها معالجة للنتائج، والمعيار الذي أنتجها يبقى سليماً ينتظر من يملأ الفراغ التالي. كل جماعة تصل إلى القوة وهي تظن نفسها الاستثناء الذي لن يكرر أخطاء سابقيه. ثم تجد نفسها بعد وقت قصير تستعمل اللغة ذاتها. تبرر باسم الضرورة، وتخوّن باسم الوطنية، وتقصي باسم حماية المجتمع، وتطالب بالثقة لأنها ترى نفسها الأكثر فضيلة. ليس لأن الناس لا يتعلمون من التاريخ، ولكن لأنهم يدخلون التاريخ في كل مرة بالأدوات نفسها.
من هنا لا يعود السؤال اليوم من يجب أن يحكم سوريا. السؤال الذي يسبق ذلك كله هو كيف يقرر السوريون أصلاً من يستحق أن يحكم. فإذا بقيت الشرعية تُمنح لمن يحتكر الفضيلة، ولمن يملك الذاكرة الأكثر قداسة، ولمن يرفع الصوت الأخلاقي الأعلى، فلن يتغير الكثير. ستتبدل الرايات والأسماء، ويخرج مستبدون جدد من أنقاض القدامى، بينما يدور المجتمع في الحلقة نفسها مقتنعاً في كل مرة أنه بدأ تاريخاً جديداً.
الخروج من هذه الحلقة لا يبدأ بالمصالحة بين الجماعات ولا بإعادة توزيع السلطة بينها. يبدأ بلحظة أكثر تواضعاً وأشد صعوبة. لحظة يقرر فيها المجتمع أن الشرعية لا تُستمد من البطولة ولا من الألم ولا من الطهر الأخلاقي، وإنما من قدرة السلطة على أن تُحاسَب، وقدرة المؤسسة على أن تحمي الجميع، حتى المختلفين معها. عندها فقط يصير تغيير الحاكم بداية لتغيير القاعدة التي صنعته. أما قبل ذلك، فسنبقى نبدّل الوجوه، ونحتفظ بالبنية التي تجعل كل وجه جديد يشبه، بعد وقت قصير، الوجه الذي جاء ليطيح به.
#شادي_أبو_كرم (هاشتاغ)
Shadi_Abou_Karam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟