أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ريوان أحمد صقر - الكاتب الكوميدي الإيراني الساخر - عبيد زاكاني - عصره وحياته وأعماله















المزيد.....



الكاتب الكوميدي الإيراني الساخر - عبيد زاكاني - عصره وحياته وأعماله


ريوان أحمد صقر

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 18:35
المحور: الادب والفن
    


المبحث الأول : الحياة السياسية و الاجتماعية و الأدبية في العصرين المغولى و التيمورى
التمهيد :
تعد غارات المغول على بلاد فارس فى القرن السابع الهجرى / الثالث عشر الميلادى , إحدى الغارات التى أثرت تأثيرا كبيرا على بلاد فارس و البلاد الواقعة فى اواسط آسيا و جنوب شرقى أوروبا , حيث اكتسح المغول بجحافلهم هذه البلاد و انزلوا بها من الدمار ما يفوق حد التصور , على ان اللافت للنظر إنه على الرغم من هذه الابداعات الأدبية و الفلسفية و العلمية جاءت بأسماء الكثير من العلماء و المثقفين و الادباء و الشعراء , مما يجعل دراسة الجوانب السياسية و الاجتماعية و الادبية مطلبا ملحا للوقوف على حقيقة هذه المرحلة و الاسباب التى اسهمت فى بلوغ هذه البلاد على الرغم من الدمار و الوحشية مرحلة من الابداع قدمت للبشرية طوال مراحل العصر المغولى و التيمورى اشهر المبدعين و العلماء و الشعراء فى تاريخ بلاد الفرس .
تشير كتب التاريخ الى تيمور جين ( الابن الأكبر) لجنكيز خان تولى من بعد ابيه الحكم و هو ابن السابعة عشرة من عمره و استطاع ان يوحد القبائل و اختير خانا على المغول و فى مطلع القرن السابع الهجرى / الثالث عشر الميلادى , و نجح فى جمع كل رؤوساء القبائل و القادة لاتخاذ قرار بشأن الخلافة فمنحه الشاهان (الكاهن الاعظم لقب جنكيز خان) و معناها اعظم الحكام او امبراطور كل البشر , وبعد ان وحد ( منغوليا ) أصبح ( خانا اعظم ) , و بدأ فى " التوسع على حساب الدولة المتحضرة , و بدأ بالصين الشمالية ثم اتجه غربا جند القراخطاى و خوارزم و سيطر على كل مناطق ما وراء النهر و افغانستان و القسم الأكبر من ايران , و ارسل اثنين من قادته الى مناطق قزوين فاجتاحا الكرك و اذربيجان و احرقا مدينة همذان و اصطدما بالقيجاق و الروس و اسس ( جنكيز خان ) المغولى فى أقل من عشرين عاما امبراطورية شاسعة امتدت من بكين الى القولجا ".
اقام المغول فى بلاد فارس دولة مغول فارس المعروفة بالدولة الايلخانية ( 656 : 735 هجريا / 1258 : 1335 ميلاديا ) ( و اتخذت من تبريز ) بأذربيجان عاصمة لها , بعد توقف مد المغول على اثر هزيمتهم من المماليك بمصر بقيادة ( قطز ) ( 658 هجريا / 1260 ميلاديا ) , و كان جيش هولاكو " بقيادة كتبفا , و ارادو قصد البلاد المصرية و الاستيلاء عليها , فتصدى لهم المماليك , ودارت معركة عين جالوت سنة ( 658 هجريا : 1260 ميلاديا ) , و حقق المماليك فيها نصرا كبيرا " .
الحالة الاجتماعية للمغول بين الاديان القائمة فى بلاد فارس :
لم يتعصب المغول لمذهب و لم يتحيزون لطائفة او لدين معين او اتجاه فكرى فمنهم من دان باليهودية و منهم من دان بالنصرانية و منهم من اطرح الجميع , و منهم من تقرب بالاصنام.وهكذا تبع الاستقرار فى بلاد المسلمين تقبل افكارهم و ساهم كل ذلك فى ظهور العلماء و الادباء و نالوا اعجاب المغول , و عليه انعكس هذا الاستقرار من بعد الدمار على كافة جوانب الحياة الثقافية و الادبية و العلمية , فمنذ غزو المغول بلاد الفرس و العرب منذ عام 617 هجريا / 1220 م و طوال قرن من الزمان استطاع الادباء و الشعراء و المفكرين و العلماء و المؤرخين انتاج الكثير من اعمالهم التى لا تزال باقين حتى يومنا هذا , هذا الى جانب انتعاش اللغة الفارسية و كتابة كثير من المؤلفات بها مما جعلها تنتشر و تظل باقية طوال قرن من الزمان جنبا الى جنب مع اللغة العربية .
وعليه فقد اعتنق المغول الاسلام و انتشر بينهم و ادت وحدتهم الى اقامة علاقات اقتصادية مباشرة مع جميع ارجاء آسيا و لعل بالتسامح الدينى و السياسى " الذى اشتهرت به هذه الامبراطورية مكن لعدد من المرسلين من رهبانيات الرومينيكان و الفرنسيسكان ان يتوغلوا بعيدا فى جوف آسيا , و ان يقيموا لهم مركز للتبشير تناثرت من شواطئ البحر الأسود حتى مشارف بحر الصين حتى ان قوافل من التجار الايطاليين انضموا لاول مرة فى التاريخ الى القوافل الآسيوية التى كانت تجوب اقطار الهند و الصين و تم تبادل الممثلين السياسين بين بلاط المغول و الدول النصرانية فى الغرب , وقد نتج عن ذلك اتساع الافق امام الاتصالات التبشيرية" .
وبعد ان دخل الكثير من المغول فى الاسلام منذ القرن السابع الهجرى / الثالث عشر الميلادى سعوا الى الانصهار فى بوتقة الحياة هناك وقد برهن المغول عن " تساهيل كبير امام جميع الاديان و المعتقدات دون ان يفرقوا عند اعتناقهم الاسلام بين المذاهب الاسلامية " , وهكذا مارس المغول جميع النشاطات التى مارسوها فى بيئاتهم الصحراوية ثم مارسوا حرفة الصيد وهو ما طور قدراتهم العسكرية حيث تدربواعلى ركوب الخيل و الفروسية و تعد حرفة الصيد من " الممارسات المهمة التى اتقنها هذا المجتمع و مهنة لانها متعددة الفوائد حيث اتعبر وسيلة للحصول على الغذاء " . , أما عن حرفة الزراعة فلم تكن محل ترحاب من المغول , حقيقي ان فصل الشتاء كان شديد البرودة , مما جعل الزراعة تتقدم , وعلى الرغم من وجود السهول فى فصل الصيف إلا انهم لم يمارسوا مهنة الزراعة و فضلوا التنقل بين الجبال و السهول , غير أنه مع كل ذلك فقد وجدت مناطق آهله بالسكان حيث كانت " تقوم الزراعة على اطرافها , و يسكنها طوائف بدوية و أخرى حضرية تسكن الفرس و لذلك كان مستوى المغول الحضارى على درجات متفاوتة" .
بعد أن دخل المغول فى الاسلام و تزاوجوا من اهل فارس طاقت نفوسهم الى التجارة مع المسلمين , وعمل المغول بالتجارة و ازدهرت حياتهم الاقتصادية و ذلك بعد ان سيطروا على طريق الحرير الذى يعد جسر التواصل بين الشرق و الغرب و انتظمت الرحلات التجارية فيه , وحدث نوع من الاتصال الفكرى و الثقافى بين الشعوب عن طريق رحلات التجارة , و أصبح امر هذا الطريق موكلا الى المغول , واهم المدن التى كانت تقع على هذا الطريق و سيطر عليها المغول كانت الرى , بخارى , سمرقند , بلخ , ونيسابور و قد انتعشت هذه المدن بانتظام الحركة التجارية فى طريق الحرير , و كانت هذه المدن ضمن ممتلكات الدولة الايلخانية بفارس " . وهكذا تحسنت الحياة الاجتماعية للايلخانيين الفرس و اصبح لديهم تجارة واسعة و سارت القوافل بالطريق البرى القديم القادم من الصين و سيمر خلال كردستان ثم الى شمال بحر قزوين الى موانئ البحر الأسود , جنبا الى جنب مع الطريق الآخر ما بين الصين ثم بلاد فارس
ثم سواحل البحر الأسود وصولا الى الجنوب الشرقى لآسيا الصغرى , وهكذا شهدت الدولة الايلخانية حركة نشطة للتجارة مما أسهم فى استقرار اوضاع سكان البلاد الأصلين و الجدد من الايلخانين ( المغول ) الفرس . وهكذا تكونت الدولة الايلخانية المغولية فى منتصف القرن السابع الهجرى / اواسط القرن الثالث عشر الميلادى تحت اشراف الخان الأعظم فى الصين , و سيطرت على المناطق الخصبة الواقعة الى الغرب الشمالى من ايران , واصبح لها املاك واسعة و ممالك متعددة بعد ان ورثت املاك الدولتين الخوارزمية و الاسماعيلية اضافة لاملاك الدولة العباسية " , بعد سقوط بغداد ( 65 هجريا / 1258 ميلاديا) , وهكذا كان سقوط بغداد ضربة قوية للحضارة و الثقافة , فبعد ان كانت بغداد مركزا مهما للعلوم و الآداب و الفنون فقدت قوتها الثقافية و العلمية و ايضا قوتها المادية العسكرية بعد سقوط بغداد و قتل الخليفة المستعصم و زالت الخلافة العباسية.
الحياة السياسية و الأدبية فى العصرين المغولى و التيمورى :
يقول حسن كمشاد فى دراسته النثر الفنى فى الادب الفارسى المعاصر فى حديثه عن الغزو او الدمار الذى حدث فى اعقاب الغزو المغولى قوله " ان التراث الأدبي للفترة السابقة – يقصد فترة ما قبل الغزو المغولى – كان قد تأصل بعمق بحيث ان اساليب القرن الثانى عشر ( السادس الهجرى ) ظلت منتعشة لفترة لا بأس بها , والى جوار ذلك نظر المغول الوثنيون نظرة استهانة الى الشريعو الاسلامية , و بالقضاء على الخلافة انمحى تأثير كتاب العربية , وهذا الامر فى حد ذاته منح اللغة الفارسية افضلية لم تكن متوقعة , و يمكن ان يشاهد مدى تخلص الفارسية من حضارة عربية راسخة فى التجارب المختلفة الناضجة الى حد ما فى النثر الأدبى " .
وعلى الرغم من هذه الوحشية و الدمار و قتل عدد كبير من العلماء و الادباء , ورغم ذلك فان الادب ليس بناء من الزجاج كى يتحطم دفعة واحدة , بل ظل شامخا يتألق رغم كل ما فعله المغول نظرا لمدى ما وصل إليه من قوة و لجذوره الممتدة فى الاعماق ليس هذا فحسب , بل يد النقاد و اللغوين , ان اثار القرنين السابع و الثامن الهجريين من اعظم الاثار الأدبية فى اللغة الفارسية و التى حظيت بشهرة عالمية مثل ( ﮔلستان ) و ( بوستان ) سعدى الشيرازى و ( مثنوى ) جلال الدين الرومى و ديوان حافظ الشيرازى .
تعد الهجمة المغولية و ما تلاها من سيطرت التيمورين على الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية من أهم الاحداث السياسية التى حدثت فى حياة الشعوب الايرانية و العربية , نظرا لما احدثته فى نفوسهم من مشاعر الحزن و الكراهية , و كان من الطبيعى ان نتأثر الحياة الأدبية وهو ما تمثل فى انعكاس كل ذلك على اعمال الادباء فكان من الطبيعي " ان يتأثر منها الادباء اضعاف ما تأثر عامة الناس لكونهم ارهف ابناء الشعب و اقربهم للانفعال و التأثر من هذه الاعتداءات الانسانية العديدة , او التعامل و التفاعل معها " .
يعد الأدب مرآة الأمم فمن خلاله نستطيع أن نعرف الكثير عن حياة هذا الشعب او ذاك , حيث تعكس الاعمال الأدبية ما مرت به الأمة طوال السنين السالفة , ولعل ما حدث فى بلاد الفرس و بلاد العرب ينعكس على الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و تتشكل وفقا لما تتعرض البلاد , يتأثر و يتشكل الادب و يعبر عن الملامح الذاتية و المصرية القومية لهذا البلد او ذاك , حيث يشكل الادب وعى المجتمع ورسالته و طموحه , و يلعب الادب كأحد الوان الوعى الاجتماعى دورا مصيريا فى تعبئة الشعوب و تحريضها وفى بلورة اليقظة لدى الجماهير , وهنا يكون دور الاديب المصيرى فى إذكاء ارادة البقاء لهذه الجماعة , حيث يبعث فيهم روح الصراع و يستثير حوافز المقاومة فيحرك الخوف و الغيرة على الوطن حفاظا على ماضيه " .
تعد فترة حكم ايران فى العصرين المغولى و التيمورى ( 600 : 886 هجريا ) من الفترات التاريخية التى سيطر فيها المغول على البلاد و سادت " أساليب الدمار و التخريب فى بادئ الامر وقت فتحهم للبلاد , إلا أنهم – اى الحكام – و ابنائهم من بعدهم لما عاشوا حياة مستقرة فى بلاد الفرس بالاضافة الى اسلامهم , اقبلوا يصلحون ما افسد , بل ساهم بنصيب فى إنهاض الحضارة الاسلامية فى فروعها المختلفة , لذلك نشأت فى ظلهم و برعايتهم هذه الحضارة الفارسية ذات الطابع العربي الاسلامي المتميز " .
أولا – المغول :
توجه المغول و من بعدهم التيمورين نحو اخفاء طابع العلم و الثقافة و الفنون و الحضارة على البلدان التى يحتلونها , كل هذا يؤكد أنهم كانوا محبين للعلم و الفنون فى أول امرهم , فقد اهتموا بعلم الرياضيات لرصد الاوقات و تحديد مواعيد الغزوات " , و لذلك فقد تحولوا عن الغزو و الدمار الى البناء و بعدما اعتنقوا الاسلام , سعوا الى تعمير ما دمره اجدادهم , و صارت عواصم ايران مراكز للعلوم و الآداب و الفنون .
شهدت ايران فى هذه الفترة نهضة ثقافية اسلامية على ايدى علماء الفرس و شعرائهم من اصحاب اللسانين , و ممن تركوا انتاجا فارسيا يشهد بهذه الثقافة العظيمة منذ تولى ملوك دول المغول السيطرة على ايران و حكمت ايران باسم ( الإيلخانين ) , حيث كان يطلق على الملك لقب (ايلخان) حيث تولى ملوك المغول الحكم على بلاد فارس تباعا منذ الملك ( اباقاخان ) عام( 600 هجريا / 1264 م) و اعتنق الاسلام و جاء من بعده عدد من ملوك المغول الذين اعتنقوا الاسلام جميعهم و اثروا الحركة الدينية و الثقافية و العلمية , فمثلا استطاع السلطان ( محمود غازان ) ان ينهض بالحضارة الاسلامية فى ايران و اندمج المغول فى المجتمع الاسلامى حتى ان عصره سمى بالعصر الذهبى للدولة المغولية , فشيد المساجد و اسس المدارس العلمية و الدينية , كما اهتم السلاطين بوزراءهم حيث شهدت الحياة السياسية طائفة من الوزراء الذين كان لهم دورا كبيرا فى الثقافة العربية الاسلامية منهم الوزير الشهير ( رشيد الدين فضل الله الهمذانى ) المتوفى عام (718 هجريا ) الذى اجاد العربية و كان عالما و طبيبا و مؤرخا .
مشاهير اعلام العصر المغولى و دورهم في اثراء الثقافة العربية :
1_ نصير الدين الطوسى المتوفى عام( 672 هجريا / 1274 م ) فى بغداد بعد ان بلغ من العمر خمسة و سبعين عاما و كان من كبار العلماء و السياسين , رافق هولاكو خان فى حملة على بغداد بصفته فلكيا .
2_ قطب الدين الشيرازى كان طبيبا معروفا من كبار شيوخ الصوفية , قام بتدريس كتاب (القانون ) و ( الشفاء ) لابن سينا فى الشام .
3_ العلامه علاء الدولة السمنانى المتوفى 659 هجريا كان ابوه يعمل فى وزارة السلطان (غزان خان ) , درس الصرف و النحو و الحديث و التفسير و الفقه , من اهم اثاره العربية (مطلع النقط و مجمع اللفظ ) .
4_ زكريا القزوينى المتوفى عام 682 هجريا و هو المؤرخ و الجغرافى الشهير , من أشهر مؤلفاته ( آثار البلاد و اخبار العباد ) و كتاب ( عجائب المخلوقات ) .
5_ ابو بكر الرازى صاحب ( معجم مختار الصحاح ) فى اللغة العربية و له فى التصوف (الذهب الابريز فى تفسير الكتاب العزيز ) .

شهد هذا العصر شعراء مشهورين من اصحاب اللسانين نذكر منهم :
1_ جلال الدين الرومى المتوفى( 672 هجريا ) الذى يعد أحد رواد شعر التصوف , فهو مؤسس الطريقة المولوية , من أهم مؤلفاته ... المثنوى المعنوى .
2_ الشاعر الشهير سعدى شيرازى المتوفى( 691 هجريا) و هو أحد مشاهير شعراء الفرس , وقد ألم باللغتين الفارسية و العربية .
ثانيا – التيمورين :
عرف عن تيمور لنك مدى وحشيته و جنوده فى دخول البلاد و تدميرها , غير انه يعرف عنه و عن جنوده انه منعهم عن التعرض للعلماء اثناء غاراتهم الوحشية , بل و كان هو و أولاده من بعده يرعون العلم و أهله , كما انه كان " يدخل مع العلماء فى محاورات و يبذل لهم العطاء , و كان حريصا ايضا على مقابلة المشهورين منهم فى البلاد التى يفتحها , وقد سجل هذا ابن خلدون فى كتابه ( مقدمة ابن خلدون ) عند حديثه عن فتح ( تيمور لنك ) لميدنة حلب " .
استمر اهتمام اولاد ( تيمور لنك ) بالعلماء و الثقافة و المثقفين حتى ان ابنه – الرابع (شاهرخ ) الذى تولى الملك من بعده كان من أكثر الملوك الذين حكموا ايران ثقافة , وقد علت مكانة العلماء و الشعراء و المعماريين و الرسامين فى عهده , لذلك شهد عصره نهضة علمية و فنية و بالوصول الى اخر سلاطين التيمورين هو السلطان ( حسين بايقرا ) كان شاعرا و اديبا , وقد اختار له وزيرا يدعى ( عليشير نوائى ) و كان ايضا اديبا و شاعرا و مؤلفا و مصورا , كان يقرب العلماء و يواظب على حضور حلقات دروسهم للاستفادة منهم " .
مشاهير اعلام العصر التيمورى و اصحاب اللسانين العربية و الفارسية :
1_ سعد الدين التفتازى المتوفى( عام 791 هجريا ) وهو حجة مشهور فى البلاغة و المنطق و ما وراء الطبيعة و الكلام و الفقه .
2_ شيد شريف الجرجانى المتوفى (عام 816 هجريا ) كان فيلسوفا و حكيما , كتب عدة رسائل فى الفلسفة بالعربية و الفارسية .
3_ جلال الدين الروائى المتوفى (عام 908 هجريا ) و كان عالما متصوفا و شاعرا .
4_ ابو طاهر الشيرازى الفيروزآبادى المتوفى (عام 817 هجريا ) العالم اللغوى صاحب المعجم العربى الشهير ( القاموس المحيط ) .
و فى مجال الشعر عاش فى هذا العصر شاعران كبيران , كانا على ثقافة عربية و اسلامية عالية الى جانب ثقافتهما الفارسية , و هما :
_ حافظ شيرازى من كبار شعراء الغزل فى ايران ولد (عام 726 هجريا )و قد ألم بالعلوم الرائجة فى عصره , ترك ديوانا شعريا يحتوى على غزليات عرفانية .
_ عبد الرحمن الجامى من أشهر شعراء التصوف فى العصر التيمورى , وعلم و صوفى فى وقت واحد , ترك انتاجا حوالى ستة و أربعين مؤلفا شعريا و نثريا فى مختلف العلون التى تعلمها.
الفساد الدينى و الاجتماعى مناخ لاشعار عبيد زاكانى :
تميزت أعمال ( زاكانى ) بغلبة لغة النقد الاجتماعى لتكشف الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية و الدينية , و لعل النقد الاجتماعى الذى ظهر فى اعمال ( زاكانى ) يعد من الامور النادرة فى الأدب الفارسى , " و ربما يعود سبب ذلك الى الخوف من الحكام السفاكين الذين يحكمون هذه البلاد , وقد فرضت العادات و التقاليد الاجتماعية على العامة إطاعة الحكام من ناحية ثانية فإن الفقر و ضيق الحال كان من بين الاسباب الاساسية للفساد و الانحطاط الاخلاقي فيقولون فى المثل " شكم ﮔرسنه ايمان ندارد " , سيطر التعصب الدينى و فساد ذمم الأئمة و رجال الدين حيث سعوا الى رياء الحكام و ثقافتهم مما جعل بعض الشعراء و منهم عبيد زاكانى توجيه النقد اللاذع لفسادهم " .
عاش الشاعر ( عبيد زاكانى ) خلال القرن الثامن الهجرى بعد فترة طويلة من سيطرت الهجوم المغولى على بلاد فارس و معظم الشعوب الاسلامية , مما انعكس على كتابات كثير من الشعراء و الادباء , و لعل الفترة التى عاشها ( زاكانى ) و توجهه نحو السخرية و الفكاهة , حقيقي ان زاكانى عاش جزء كبير من حياته فى عصر الدولة التيمورية , إلا ان القرنين السابع و الثامن الهجريين شهد الكثير من الحوادث و الكوارث و هو ما انعكس سلبا على الحياة السياسية و الاجتماعية و الأدبية و الثقافية , فقد تم تدمير الحكومات الممتدة فى كافة مدن ايران و اصبح الصراع و النزاع و الحرب بين مدعى القوة سمة تسيطر على المدن الفارسية , و أصبح الظلم و القسوة من المملوك على الرعية الى جانب انتشار الخوف من وحشية النظام كل هذا ادى الى اضطراب الامة مما دفع الكثير من السكان الى الهجرة من اراضيهم و صارت كثير من المدن خاوية غير مسكونة و لم تعد هناك ارض زراعية و اصبحت اراضيهم صحراء قاحلة , و هكذا قام كل حاكم ايلخان منشر الذعر و الخوف و الفوضى وصولا الى عهد الدولة التيمورية حيث توحدت ايران و سقط و ضعف ادعياء القوة , و استقرت الاوضاع الى حد كبيرا " .
سعى الايلخانين الى ترتيب و تعديل الاوضاع السياسية و الاجتماعية المضطربة فى البلاد , غير ان وجود المغول كان جاهزا فى تحقيق اهدافهم نظرا لانتشار الظلم بين الناس و تحصيل الضرائب و ابتزاز الناس و تعذيبهم , بل فرضت الدولة القوانين لتحصيل الضرائب و جعلت الجيش مجالا يعين فيه من يقوم على تحصيل الضرائب و يوقع العقوبات بمن لا يدفع , كما فرضت عقوبات على الصيد , وكل هذا اثر سلبا على روح الشعب " .
اثرت هذه الأوضاع السياسية المدمرة و تراجع الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و انتشار الفساد و الخراب , على روح الشعب و على الابداع الادبى و الشعرى و كان على الشعراء ان ينافقوا ليقدموا الافكار الجيدة و الخطابات الجيدة و لابد ان نأتى اشعارهم مواكبة لتوجهات الحكام مما اوجد حالة من التناقض بين الفساد و الانحطاط بين الحكام و ادبائهم مما جعل الحكومة ظالمة غير صالجة و هو ما ادى الى انتشار الفساد فى المجتمع " .
ترتب على ما سبق ان انحدار مكانة الثقافة و المثقفين و ابتعاد الحكام عن الناس و اصبحوا عبيدا للسلطة , وهكذا دب الخلاف بين الحكام و زويهم و اصبح القتل و ايقاع الاذى بالاقربين سبيلا للوصول للسلطة , هذا الى جانب ابتعاد اهل الصوفية عن المشاركة فى الحياة الأدبية و الثقافية و استمرار البعض ليخدعوا العرش و يحصلوا على مكاسب و ذلك فى اجواء من التشتت و انتشار الفوضى فى المجتمع " .
كما انعكست هذه الاوضاع السياسية و الاجتماعية على أدب القرن الثامن الهجرى فترة حياة عبيد زاكانى , حيث اصبح انسياق الكثير من الادباء الى مراوغة و مسايرة الحكام , وفى هذا العصر اسس عددا من الادباء و الشعراء امثال : (سيف فرغانى , خواجو كرمانى , اوحدى مراغى و عبيد زاكانى) تجمعات أدبية و قاموا بالمطالعة و الدراسة للاثار الأدبية السالفة و انشأوا ديوانيات لمناقشة الاحوال السياسية و الاجتماعية و الدينية و قاموا بتوعية الناس , كل هذا فتح الباب امام الشعراء لتصبح سمة السخرية و الاستهزاء من الأوضاع الاجتماعية و دعوة الناس الى ترك دنيا الرذيلة و ترك التعلق بها , نهجا لكثير من الادباء و الشعراء و الاتجاه الى الزهد , مما ساهم فى توجه الشعراء الى الزهد و الصوفية و الدروشة و العزلة " .
تأسيسا على ما سبق فان اعصار المغول الذى اجتاح معظم البلاد سلمت منه " ولايات ايران الجنوبية , فارس و كرمان , و دامت الحياة , كما هى فى المدن الكبرى و على وجه الخصوص شيراز , من ناحية ثانية فان الدولة السلفورية التى اجتازت ازمة حروب التتار بأمان و سلام , قد حمت الادب الفارسى , و كذلك الدولة المظفرية التى حكمت نصف قرن بعد تفريق المغول , ارتبط اسم الشيخ سعدى الشيرازى شاعر القرن السابع الهجرى بهذه الفترة " .
اتفقت الكثير من الآراء للمؤرخين و الشعراء و الأدباء و المثقفين على ان هذا العصر " تغلب فيه اهل الرياء و النفاق , على الخانقاوات و سجادات الصوفية , و كذلك كان عصر المكتملين فى المذاهب و الطرق , ويلاحظ ايضا فى ادب هذا العصر تفشى روح التهكم و الاستهزاء , و ظهر من الشعراء كثير و لكل واحد منهم طريقة معروفة فى الكتابة و مميزات خاصة فى شعره و انتاجه.
كما شاع فى هذا العصر من الشعراء الذين جاءت اشعارهم نوعا من التهكم و التفكه و التغزل فى الاطعمة امثال الشاعر ( مخفف ابو اسحق ) المشهور ( بسحق ) الذى اخترع نوعا من الشعر الفكاهى – وهو التغزل فى الاطعمة – , و الشاعر ( نظام الدين المعرى ) الذى تغزل فى الملابس و موضوعات شيقة حيث كان يأخذ الشاعرين من اشعار السعدى و حافظ شيرازى و الساوجى ابياتا ثم يدرجه فى غزله فى الاطعمة كما فعل ( مخفف ابو اسحق ) , مما يؤكد ان هؤلاء الشعراء الغزلين من شعراء الفكاهة و السخرية و الاستهزاء قد وجدوا فى عصر المغول , و لكن اشهر شعراء الفكاهة و الهزل فى عصر المغول بل فى جميع عصور الادب الاسلامى الفارسى هو "نظام الدين عبيد زاكانى " , الذى خاض حروبا شعرية اخلاقية لدفع الناس للعودة الى سابق اخلاقهم , حيث تغيرت اخلاق الناس و انعكست اية مثلهم حتى ان عبيد زاكانى اخذ ينهيهم بكل ما اوتى من وسائل و يلفت انظارهم كى يعودوا الى سيرتهم الاولى , و اخلاقهم الحميدة الصادقة و لعل ما قدمته كمثال للاخلاق المزرية فى العصر و اناسه يتجلى فى رسالته اللاذعة المعروفة بـ ( اخلاق الأشراف ) التى ألفها سنة ( 740 هجريا / 1340 م ) وهى رسالة تهكمية تحوى الاشعاع الجاد و الواعى , الانذارات العاقلة الحكمية " .
المبحث الثانى : عبيد زاكانى .... حياته و أعماله :
المؤثرات الذاتية
ستتناول الباحثة فى نقاط تجلى جوانب مهمة فى حياة الشاعرعبيد زاكانى و تتضمن هذه النقاط ما يلي : نشأته , حياته , أعماله , وأسلوبه
أولا : نشأته :
تحدثت كثير من كتب الأدب الفارسى عن مولد (عبيد زاكانى) حيث ولد فى اوائل القرن الثامن الهجرى , فقد اثنى المؤرخ الفارسى المعروف " حمد الله المستوفى القزوينى " فى كتاب ( تاريخ ﮔزيده ) المؤلف (عام 730 هجريا) على اشعار ( عبيد ) و رسائله , وفى هذا دليل على ان " عبيدا " كان مشهورا فى هذا التاريخ بالكتابة و نظم الشعر , و ربما كان هذا هو الذى دفع المستشرق الانجليزى ( ادوارد براون ) الى القول ان ( عبيدا ) كان فى ذلك الوقت ( اى سنة 730 هجريا ) قد ناهز الثلاثين من عمره , اى أنه ولد سنة 700 هجريا " . لذلك يعد " الشاعر عبيد الله زاكانى من شعراء القرن الثامن الهجرى ( أى ما يقارب الرابع عشر الميلادى ), وجل ما يتوافر عن مولده انه ولد فى نهاية القرن السابع او القرن الثامن الهجرى و بعد عمر طويل قد توفى تقريبا عام 772 هجريا " .
ورد فى موقع اذاعة طهران العربية برنامج زخائر العبر عن عبيد زاكانى , " وقد ورد ولادته و نسبه و اسمه فهو نظام الدين عبيد الله زاكانى القزوينى الشيرازى , الذى عرف بـ ( عبيد زاكانى) و تخلصه الشعرى هو ( عبيد ) , كان شاعرا و كاتبا ساخرا من القرن الثامن وتوفى فى( 771 هجريا و يقال 772 هجريا ) و لكن هناك شبه اجماع على انه توفى ( عام 772 هجريا) و دفن فى مدينة ( دسفون ) و قد اشتهر هذا الأديب بنسبه الى أسرته التى كانت تعرف بالزاكانية" , لقب ( عبيدا ) بألقاب عدة اقربها الى الصواب و أكثرها شيوعا اللقب الذى أطلقه عليه حمد الله المستوفى القزوينى و هو الصاحب المعظم نظام الدين , لأن حمد الله كان معاصرا له , و من أهل بلدته أما الألقاب الأخرى , فقد أطلقت عليه فى عصور متأخرة , ووردت فى مقدمات كلياته , و النسخ المتبقية عنها .
وأضاف حمد الله المستوفى فى كتابه ( تاريخ ﮔزيده ) عن أصول ( عبيد زاكانى ) فهو من قبيلة (زاكان ) وهى قبيلة من أصول عربية فى العراق من عرب بنى خفاجة التى هاجرت من هناك الى قزوين فى ايران و استقرت فى قرية زاكان , وقد اصدر الرسول ( صلى الله عليه و سلم ) منشورا فى حقهم حيث قال : " بسم الله الرحمن الرحيم هذا الكتاب من محمد رسول الله الى بنى زاكان بعد ما اسلموا به فأنى احمد الله الذى لا إله إلا هو , اما بعد فإنه قد انزل الى انكم ترجعون الى دياركم و مقامكم و منازلكم و ليس عليكم بأس لقربكم من الله .... الى اخر الحديث " .
ويضيف يوسف صلاح الدين عبد السلام الى ما سبق فى دراسته المعنونة بـ "عبيد زاكانى شاعر الفكاهة الفارسى من أرومة عربية " يقول : نظام الدين عبيد الله , هو اول ساخر فى الأدب الفارسى وسمى بـ ( أبو السخرية الفارسية ) ، أعظم شاعر ساخر , سريع البديهة و النكتة , يعتبره كتاب التذاكر من أشهر الهزلين الفكهيين , إذ كان حسن الطبع , لماحا فطنا , و يقطر قلمه السخرية و اللوذعة , وقد تابع دراسته فى شيراز فى عهد حكم الشيخ ابو اسحق اينجو ( توفى فى 747 هجريا = 1346 / 1347 م ) , و أصبح من أعظم الرجال البارزين فى الرسائل و التعليم فى عصره , ثم يستطرد فيقول ولد عبيد حوالى( 700 هجريا / 1200 م ) فى قرية زاكان قرب قزوين يقول حمد الله المستوفى , أن مولانا عبيد من نسل (ال زاكان ) قبيلة من عرب بنى خفاجة , هاجرت الى قزوين و اتخذتها مسكنا " .
ويذكر مرتضى رشيد اشجردى عن نسبه و اسمه قوله : " لقب ( زاكانى ) بسبب انتسابه الى أسرة ( الزاكانين ) و هذه الأسرة كانت فرع من عرب بنى خفاجة سكنوا قزوين و اطرافها بعد هجرتهم الى ايران , و ذلك كما ذكر فى الكتب المزامنة ( لعبيد ) و بخصوص ذلك ورد أنهم كان فى بداية عملهم لا يعملون غير الصدارة و الوزاره " .
أما الاصطرخى فيقول عن البلد التى نشأ فيها و عاش على أرضها ( عبيد زاكانى ) ان البلد تسمى ( سكان ) و هو مشتق من اسم قرية ( سك ) فى غرب المنحنى الكبير لنهر سكان بالقرب منه , يرد ذكر عن القرية و عن أهلها الزاكانين فهى " احدى القبائل المعروفة عربية الأصل , و اشار فى الاصل العربى الى كتاب مرسل إليهم من النبى محمد عليه السلام كما ذكرنا من قبل , و من المعروف ان المسلمين تفرقوا فى البلدان بعد غزوة تبوك " .
وتخلص الباحثة بأن نسب عبيد يعود إلى قبيلة ( الزاكانين ) و ينقسم الزاكانين الى قسمين :
الأول : منسوبة الى العلماء و أهل الحديث و منهم الامام سعيد شرف الدين عمر و ابنه ركن الدين محمد العالمان العاملان و نهض بدعوته العظيمة الجليلة فى عمل الدين فى غاية التعصب و ذلك فى عهد المغول بين السنة و الشيعة .
الثانى : كانوا من الارباب و الوزراء و الصدور ( الوزراء ) و منهم سعيد صفى الدين زاكانى صاحب الاملاك و الثروات , احفاده الآن من أكابر ارباب قزوين .
قبيلة زاكان :
زاكان هى قرية فى قزوين , هى عامية مختصرة من ( زاجكان : زغنان ) , وذكرت فى الدواوين ( زاجكان ) لاشتهار هذه القرية بمعدن الزاج ( و هو ملح يستعمل فى الصباغة ) و( عبيد زاكانى) شاعر من نفس القرية يقال أنها قرية من توابع مدينة ( قزوين ) المنتهية عند ( زاجكان ) و يتحدث أهلها اللغتين الكردية و الفارسية " .
ثانيا : حياته :
وقد عاش عبيد زاكانى فى قرية زاكان فترة طفولته و هناك تلقى تعليمه الأول , و بعد وفاة والده وهو طفل صغير " تولى رعايته و الاشراف عليه عمه احمد الزاكانى , و كان من الفضلاء و موظفى الديوان , و لم يلبث هذا العلم ان ارسله الى بغداد لتحصيل العلم , فتعلم القضاء هناك " , عاش عبيد فترات حياته فى شبابه متنقلا ما بين شيراز فى أوائل عهد الشاه الى اسحق اينجو(744 : 758 هجريا) و عمل فى تحصيل العلوم و الفنون و انشغل بالتأليف و التصنيف , و بعدها غادر الى شيراز عام 755 هجريا بعد مقتل الشاه ابى اسحق و عاد الى مسقط رأسه .
ولم يستقر عبيد فى مسقط رأسه و بعدها اتجه الى بلاط السلطان ( اويس الجلايرى ) فى العراق و أذربيجان و عمل فى خدمته حتى عام 767 هجريا . أعقت ذلك الالتحاق بخدمة (الشاه شجاع) الذى سيطر هلى شيراز (عام 767 هجريا ) و اصفهان (عام 678 هجريا ) و ذهب الى اصفهان و قيل انه توفى هناك و تقول بعض الحكايات انه ذهب الى جزيرة ( هرمز ) ربما منفيا او هاربا , حيث كانت هذه الفترة من عمره من أشد فترات حياته و عاش الضيق و ربما يكون توفى كما ذكرنا فى اصفهان و لكن اغلب ما اتفق عليه انه دفن في دسفون .
فقد كانت نشأته فى ( قزوين ) بعد هجرتهم الى ايران , وقد ذكرت الكتب أن نشأته فى مرحلة الشباب فى (عام 730 هجريا) و يقصد بذلك " فى بداية الشباب عرف رجلا بين معاصريه و بسبب ارتباطه بأسرة عريقة كانت احواله و اوضاعه المعيشية مستقرة لكن نتيجة تغيرات الزمان تبدلت حياته الى الفقر و الحرمان و الحاجة , وكان يعيش عبيد فى عصر مضطرب و غير مستقر العصر الذى كان قد توفى ابو سعيد بهادر خان آخر ايلخان مغولى و راغبى الحكم كان يريد كل واحد منهم ان يحكم جزء من ايران " .
و هكذا استمرت الاسرة هناك فى صدام و صراع فقد تصارعت اسرة طغاتير فى جرجان و سريداران فى سيزوار و آل مظفر فى فارس و يزد واصفهان و استمر هؤلاء فى الصراع خمسين عاما و لم يستمر هذه الخلافات و الصراعات إلا بظهور " تيمور جورجانى " عاش الشاعر " عبيد زاكانى " و قد عاصر ثلاثة أسر حاكمة و هم بنو اينجو و آل مظفر و آل جلاير , كان عبيد معاصرا " لحكم الشاه شيخ اسحاق اينجو ( حكم من 758 – 742 هجريا ) و ذهب الى فارس و استظل باحسائه و عطائه و بين اعماله عبيد هناك 220 قطعة و قصيدة فى مدح الشاه شيخ ابو ايحاق , و قضى عبيد حياته عدة سنوات فى بلاطه " .
لم تدم حياة الشيخ ابو اسحاق طويلا فقد استولى الأمير ( مبارز الدين محمد ) على شيراز و قتل ابو اسحاق (عام 758 هجريا ) و لم يكن الامير ( مبارز) يحمل للشعراء اى اهتمام و كان صارما عنيفا , و لعل هذا كان من بين الاسباب التى دفعت ( زاكانى ) الى التوجه للعيش فى كنف السلطان ( معز الدين اويس جلايرى ) ( 776 : 757 هجريا ) و الذى كان يحكم ( بغداد و تبريز ) و كان السلطان معز محبا للشعر و فنانا , وقد نظم عبيد خمسة قصائد فى مدحه , و لم تمض فترة حيث استبعده ابناؤه من الحكم و جلس بدلا منه ابنه الأكبر ( جلال الدين شاه ) و كان شاعرا و اديبا و يدلل الشعراء ووصل صوته او صيته الى عبيد الذى كان –فى مجلس السلطان معز الدين آويس و هو على الفور غادر بلاط الجلايرين و عاش حتى نهاية عمره فى خدمة الشاه جلال الدين شاه شجاع و نظم خمس قصائد فى مدحه " .
يعود نسب عبيد زاكانى الى الأصول الطيبة من حيث المكانة الأدبية و قد عاش معززا و مكرما فى بلاط السلاطين , كما يقول هو نفسه فى أثناء مدحه الشاه شجاع المظفرى :
مرا هميشه سلاطين عزيز داشته اند
ز ابتداى صبى تا به اين زمان ووان
وقد ذكر ( سعيد نفيسى ) ان " عبيدا عندما عاد الى قزوين و عمل على تعليم ابناء الأكابر , ارادوا انتخابه ليشغل منصب القضاء لكنه لم يقبل " , و عليه نستطيع ان نرصد ما جاء فى لغت نامه و موقع إذاعة طهران العربية حيث كان عبيد يحظى بالكثير من الاحترام و بالمكانة المرموقة فى بلاط الأمراء و الحكام المعاصرين له من جملة الحكام و الملوك الذين عاصرهم عبيد زاكانى ( الخواجه علاء الدين محمد ) و ( شاه شيخ ابو اسحق اينجو ) من المغول و ( ركن الدين عبد الملك ) و ( الملك شجاع المظفرى ) .
وتأسيسا على ما سبق تذكر الباحثة أن الكاتب و الشاعر و الناقد عبيد الذى تحدث الفارسية و العربية و كتب بهما و الذى رحلت قبيلته منذ زمنا بعيد من العراق الى ايران , إنما يعد من المبدعين القلائل بين اقرانه الذين حملوا ثقافتين فى ابداعته هى الثقافة العربية و الفارسية و بما احتك به من شعراء و كتاب فى فترات التتار , يعد عبيد من كبار الوزراء , و هذا ما ذكره المؤلف من انه فى " صف فرع الوزراء فى عائلته و حصل على لقب الملك الأعلى , لكن لم يكن من الواضح انه لم يتولى منصب وزير " .
ومن ثم فإن عبيد زاكانى كان من الأعيان و القضاة و الوزراء , حيث ان اسمه و نسبه غالبا ما جاء فى ذيل شعبه الصدور من أسرة ( آل زاكان ) , ورد فى دراسة حسن الباشا ( الفنون الاسلامية و الوظائف على الاثار العربية ) ما يشير الى ( زاكانى ) صراحة و عن أنه كان (يلقب بـ الصاحب المعظم ) اى السيد المعظم , و الوزير المعظم , اما عبيد قد وزر فى اى عهد , او من قبل من الأمراء او الملوك , فإنه لم يعرف على وجه التحديد , ولم يقع فى ايدينا شئ من هذا , ولم ندر من اى مصدر استقى هذه المعلومات " .
وترى الباحثة ان الخلفية التى حملها شاعرنا عبيد من اصوله العربية و نشأة قبيلته على ضفاف انهار العراق و حمله لكثير من المؤثرات الذاتية فى نشأته قد جعلته محبا ملما بالآداب و الفنون و العلوم الرائجة فى عصره , إضافة الى أنه كان شاعرا و أديبا , كما اهتم بمطالعات كتب العلماء و الحكماء و القدماء و المتأخرين , و اطلع على الآداب العربية و الفارسية و تعلم الفلسفة و كان عارفا بأثار فلاسفة اليونان المترجمة الى الفارسية و العربية , و تأثر بفلسفة افلاطون فى كثير من المجالات الفكرية " .
و يضيف ( دولتشاه السمرقندى ) فى التعريف بعبيد زاكانى و حياته و مشاركته الشعرية انه كان لها " روايات و سجلات شعرية مع جهان خاتون , الشاعره الجميلة الفاتنة ذات الاشعار الرقيقة , و كذلك مشاعراته مع قيثارة وقته الشاعر سلمان الساوجى " .
والجدير بالذكر أن عبيد زاكانى الذى عاش فى القرن الثامن الهجرى - وهو قرن مشحون بالأحداث التاريخية , والتيارات الثقافية المتعددة و لعل أشهر ثمارها , شعراء الفكاهة - فضلا عن أن القرن الثامن قد شهد هجوم مدمر للمغول من أواسط آسيا ,هجوما لم يتوانى فى تدمير كل ما يعيق تقدمه و يقف فى طريقه , وكانه الوباء الفتاك , هذا الهجوم لم يشمل كافة المدن الايرانية , فقد سلمت منه ولايات ايران الجنوبية مثل فارس و كرمان , حيث استمرت الحياة كما هى فى المدن الكبرى مثل شيراز .
يذكر فى التاريخ ان الدولة ( السلفورية ) التى اجتازت أزمة حروب التتار بامان و سلام , قد حمت الادب الفارسى , و كذلك الدولة المظفرية التى حكمت نصف قرن بعد تفرق المغول " , وقد جاء ذكر لهذه الاحداث التاريخية و الاحوال التى سادت البلاد فى اعقاب هجوم التتار فى دراسة بارتولد الذى أكد ان الشيخ سعدى شاعر القرن السابع الهجرى قد عاش فى حمى و كنف الدولة السلفورية , و ان الشاعر حافظ شيرازى شاعر القرن الثامن الهجرى فقد عاش فى كنف و حماية الدولة المظفرية " .
ثالثا: أعماله :
والجدير بالذكر أن منال اليمنى عبد العزيز أشارت الى أعماله و أسلوبه بقولها " كان شاهدا على عصره فأوضح بأسلوب سلس فصيح و صورة هزلية ساخرة المفاسد الاخلاقية و الراذئل الاجتماعية التى شاعت فى عصره , و اتخذ من أسلوب المقابلة و المفارقة وسيلة لبيان قبح ما انتهى إليه المجتمع من مفاسد , فعرض وجهة نظر عالمان الاخلاق و الحكماء و ميز بين مذهبهم الذى أطلق عليه " المذهب المنسوخ " و مذهب أكابر عصره أطلق عليه " المذهب المختار" .
ومن ثم يمكن القول ان هدف عبيد و غرضه من تأليف رسائله عامة هو الهزل و الفكاهة و إفادة من يرغب من الإفادة , و الظفر بدعاء كل من يقرؤها و لعل كل ذلك جعل عبيد يوفق الى حد كبير فى التعبير عن تدنى اخلاق الاشراف فى عصره و يمكن القول : " إن هذه الاخلاق لم تقتصر على الاكابر و الاشراف و حسب , بل امتدت الى العامة و معظم طوائف المجتمع حتى أصبحت أهم سمات عصره بأكمله " .
تذكر الباحثة أن أعمال عبيد زاكانى تنقسم الى أعمال جادة و أعمال هزلية :
أ - الأعمال الجادة :
1_ ديوان أشعار : يحتوى على 2753 بيتا و يشمل القصيدة و الغزل و الرباعى و القطعة و الترجيع بند و التركيب بند .
2_ مثنوى عشاقنامه : هذه المنظومة فى الأصل مناظرة بين عاشق و معشوق ووصف حال الشاعر و العشق الذى فى عصره و ما أدى فى النهاية للانفصال , " فى هذه المنظومة كان عبيد لطيف جدا و قد اورد غزلتين من نظم همام التبريزى و عدة أبيات من خسرو و شيرين لنظامى , وقد نظم هذه المثنوية عام 751 هجريا باسم شاه شيخ ابو اسحاق و نظمها فى مدة اسبوعين و هى عبارة عن 640 بيت من الشعر " .
3_ فالنامهء بروج : و هى رسالة قد ألفها عبيد فى قالب النثر تتحدث عن الفلك و التنجيم و تحديد الطالع من البروج , وقد أورد فى نهاية كل فال , وهو كان يلعن الفال و التنجيم و يستهزأ بالرياح.
4_ فالنامهء وحوش و طيور : وهى عبارة عن رسالة من 60 رباعية و كل رباعية توضح فال كر واحد من الطيور و الوحوش حيث قد أورده عبيد اسمائهم فى هذه الرسالة , وقد جاءت هذه الرسالة فى نسخها القديمة صور لكنها لم تطبع .
5_ مثنوى سنﮓ تراش : وهى منظومة منسوبة لعبيد فى 86 بيت و هى على أسلوب مثنوية مولانا جلال الدين لكن أبياتها ضعيفة وواهية .
ب – الأعمال الهزلية :
نظم الشاعر عبيد زاكانى مجموعة من الأعمال الساخرة و الهزلية من خلال قوة ابتكاره و خلقه فيها و يوضح من خلالها النقد الاجتماعى السياسي الاخلاقى بشكل لاذع موجع.
والجدير بالذكر ان من أعماله الساخرة " رسالة اخلاق الأشراف ، رسالة صد ﭘند ، رسالة تعريفات ( ده فصل ) ، رسالة دلﮒشا و مكتوبات قلندران اول من طبعها من المستشرقين هو ( مسيو فرته ) وهو من المستشرقين الفرنسين فى مجموعة باسم ( منتخب لطائف عبيد زاكانى ) عام 1303 قمرى فى مدينة اسطنبول وبعد ذلك تكررت طباعتها عدة مرات فى ايران وخارجها" .
ومن أعماله هى :
1_ رسالة أخلاق الأشراف : هى من أهم الأعمال النثرية لعبيد و قد ألفه من أجل السخرية و الهزل مساو لكتاب أوصاف الاشراف للسيد نصير الدين طوسى و قد ألف عام 740 هجريا ,
وهو ينقد فيه أخلاق عصره و يقول فى مقدمته قد حاول جميع الأكابر منذ عهد حضرة آدم حتى عهده ان يتحلوا بالفضائل الاربعة و هى الحكمة و الشجاعة و العفة و العدالة لكم معاصرينه من اجل معاشهم قد اتخذوا طريق أخر خلافا لاخلاق الرسل و الفلاسفة و الناس السابقين , " وكان تسمى سخرية عبيد بسخرية مختارة على أخلاق السابقين ( المذهب المنسوخ الباطل ) و هو عكس مذهب معاصريه الذين سلكوا ( المذهب المختار / المنتخب ) , و قد صاغ عبيد هذه الرسالة فى سبعة أبواب و هم : الباب الأول فى الحكمة , الثانى فى الشجاعة , الثالث فى العفة , الرابع فى العدالة , الخامس فى الكرم , السادس فى الحلم و الوفاء , و السابع فى الحياء و الصدق و الرحمة و الشفقة ".
2_ رسالة التعريفات : هى رسالة صغيرة فى عشرة فصول , وهى عبارة عن معجم ألفاظ بهذا الشكل الذى يعرف فيه عبيد مجموعة من الطبقات الاجتماعية و عاداتهم الغير صحيحة الفظيعة و هو يعرض من اجل كل لفظة او ألفاظ التى يكون منها طبقات اجتماعية و قد اختارها بدقة مخصوصة جيث يخفيها تحت عالم من السخرية و الفكاهة .
3_ رسالة دلﮚشا : من أوضح و أفضل الأعمال النثرية الهزلية لعبيد و تشمل هذه الرسالة على قسمين عربى و فارسى , القسم العربى يتكون من 93 حكاية حيث أكثر هذه الحكايات تختلف عن الكتب السابقة لعهد عبيد , اما القسم الفارسى فيتكون من 269 حكاية حيث أخذ عبيد 90 حكاية من كتب السابقين عنه و 179 الحكايات الاخرى من تأليفه , حيث ان عبيد فى الحكايات التى قد اقتبسها من الكتب الاخرى قد غير أسماء بعض شخصياتها و تشير فى ترجمة الحكايات العربية غاية اتاذيته و مهاراته و قد أضاف تقليل او زيادة متن الحكايات على جمالها و ظرافتها , " كان تأليف الرسالة فرصة مناسبة لكى يعرض الوجه القبيح لما خفى من فساد السلاطين و الامراء و الشعراء و أكابر عهده و ذلك بسخرية و فكاهة كاملة , حيث كان ينتشر فى مجتمع عبيد الفساد بشكل حاد و قوى ليس للوجوه البارزة العلمية و الثقافية ايضا جانبا فيها " .
4_ رسالة ريش نامه : وهى رسالة تشمل احدى عشر ألف كلمة و مركبة من النظم و النثر حيث لها مجال انتقادى وهى فى بيان الانحرافات الاخلاقية للناس فى عهد عبيد , ولم يكن لهم هدف إلا البحث عن الشهرة و المتعة .
5_ رسالة صد ﭘند : و هناك اسم آخر لها وهو درويشنامه و قد ألف عام 750 هجريا وهى كما يتضح من عنوانها فى مائة نصيحة حلوة و حكيمة ممزوج بالجد و الهزل و الفكاهة و السخرية , و يدعى عبيد فى بداية هذه الرسالة ان السيد نصير الدين الطوسى قد ترجم الى الفارسية نسخة من افلاطون التى قد كتبها لتلميذه ارسطو .
6_ أشعار هزلية و تضمينات : بين أشعار عبيد 299 بيت يمكن فصلهم وهى أشعار هزلية و هجاء , و تشمل ترجيع بند يتكةن من 43 بيت , و مثنوى فى 17 بيت و تضمينات و قطع فى 137 بيت 51 رباعية و مثنوية على نفس أسلوب شاهنامة الفردوسى فى 10 أبيات حيث وردت فى أخلاق الأشراف .
7_ رسالة قلندران : و هذا القسم يشمل رسالتين من تأليفات القلندرية , حيث كتب ( عبيد ) هاتين الرسالتين ليصبحا فى مجال السخرية من هذه الطائفة التى لم يكن لهم عادة و تقاليد معقولة و من الصعب الحصول على حقيقة من كتاباتهم المبهمة المعقدة .
8_ موش و ﮔربه : و هى قصيدة من 92 بيت و تعد من أجمل أعمال عبيد و هى تحكى عن قط منافق أتى من بلاد كرمان بعد سنوات من التهامه فأر و يتوب برياء و نفاق عن ماضيه و يحصل على ثقة الفئران و فى فرصة مناسبة يؤلم عدد منهم و يأذيهم , هذا الحدث اوجد حربا
بين القطط و الفئران فى صحراء فارس بالرغم أنه فى البداية كان النصر من نصيب الفئران لكن فى النهاية انهزموا , " و بهذا الشكل فهذه القصة لها جانب رمزى خفى و عبيد من أجل توضيح هدفه اختلق قصة القط و الفأر بث فى رمزيتها مضمون عميق و دقيق مثل القصص التى تنقل على لسان الطير و الحيوان و ربما بسبب الموانع التى كانت توجد فى مجتمع ذلك العصر , لم يسطع ان يوضح بشكل علنى و لهذا السبب يعدون هذه القصيدة حدث تاريخي , و فى هذه القصيدة القط هو نموذج من ( الأمير مبارز الدين محمد ) الذى كان مشهورا بنفاقه و من ناحية أخرى الناس هم الفئران , و قد كان لهذه القصة مكانة خاصة لدى الناس و ما زالت لسان حال العامة و الخاصة و قد ترجمت هذه المثنوية الى اللغات الانجليزية و الفرنسية " .
رابعا : أسلوبه :
أثارت أعمال ( عبيد زاكانى ) الكثير من الاهتمام داخل ايران , غير ان الدراسات التى قدمت حوله فى الجامعات العربية و المصرية كانت محددة , ذلك ان مزايا أعماله تستحق ان تحظى بدراسات حول مجمل أعمالع التى سبق و قسمتها الى :
اولا : أعمال جادة
ثانيا : أعمال هزلية
وقد اجتمعت الكثير من الدراسات الأدبية و النقدية على ان ( مؤلفات عبيد زاكانى ) تدخل فى دائرة السخرية و الهجاء و أحيانا الهزل و أقواله الجدية لا تنتمى للجد , أما أسلوبه فيتسم بالعمق المصاحب للبيان العميق القصير و اتجاهه كان ظاهرا فى عصره , فرعا كان ( عبيد ) يعبر عما يدور فى عصره من متغيرات اجتماعية و فكرية , مما جعله ناقدا ( لاذعا ) لبعض الظواهر فى مجتمعه خاصة " .
تعرض الباحثة تباعا أهم المميزات التى ميزت أسلوب عبيد زاكانى فى أعماله الابداعية و ترصدها على النحو التالي :
أ – مميزات أسلوبه فى أعماله الجادة :
تميز أسلوب عبيد زاكانى فى أعماله الجادة بثلاثة مميزات :
أولهما : تضمنت مثنوية عشاقنامه ملمحا يدل على لطف جمال أسلوبه حيث أورد غزليتين من نظم همام التبريزى و عدة أبيات من خسرو و شيرين لنظامى .
ثانيهما : رفض ( عبيد زاكانى ) الفال بل لعنه و لعن التنجيم و استهزأ بالرياح كما ورد فى فالنامهء بروج , وهو ما تكرر أيضا فى فالنامه وحوش و طيور حيث توضح فال كر واحد من الطيور من الوحوش .
ثالثهما : يرجح بعض الدارسين ان مثنوى سنﮚ تراش التى تنسب الى ( عبيد زاكانى ) و المكتوبة على نهج أسلوب مثنوية مولانا جلال الدين الرومى أنها أقل فى مستواها الفنى من مثنوية الرومى , بل ابياتها صعيفة وواهية .
ب – مميزات أسلوبه فى أعماله الهزلية :
إن الراصد لاعمال عبيد الهزلية يرى أنها تتخطى ثمانية من الاعمال التى جمعت فى معظمها قوة ابتكار و خلق فى أعماله الهزلية الساخرة ما يمكن ان يوضح نقده الاجتماعى و السياسى و الاخلاقى بشكل لاذع موجع لكافة جوانب الحياة فى عصره " , من ناحية أخرى فقد تلاحظ فى اعمال عبيد نوعا من العصيان و التمرد على أوضاع المجتمع و اصحاب السلطة فى عصره و بالرغم من مكانة شاعرنا , إلا أنه من ناحية موضوعاته التى تصب النقد المباشر و الصريح من خلال أعماله على المجتمع , إلا انها لم تكن محل اهتمام من قبل الباحثين " .
على الرغم من هذا التوجيه الصريح و المباشر الى طبيعة نوعية أعماله و الى توجهه المباشر نحو نقد كافة امراض المجتمع فقد تميزت أعماله بشهادة الدارسين و النقاد بأنه كان يسعى أيضا الى " ايجاد حلول لها و الحفاظ على المجتمع , حيث شهد العصر المغولى ازدياد عدد المتصوفين و كان للتصوف دورا رائجا و نظرا لضعف هذه الطائفة من مشايخ الصوفية اصبحوا موضع نقد الشعراء و منهم شاعرنا عبيد ذلك لان هذا الضعف و الوهن و التناقض بين أقوال و أفعال علماء الدين من الفقهاء و الزهاد أربك الحياة الدينية مما جعلهم مادة للسخرية و الهجاء و الفكاهة " .
ومن ثم ترصد الباحثة القول ان عبيد من الشعراء المتمردين فى القرن الثامن الهجرى وقد ذاعت شهرته لترجيحه أسلوب السخرية اللاذعة و نقده للاخلاق السيئة فى عهده , وهو ما جعل نهجه هذا معجزة و سببا لتهديد الحكام و كان بمثابة ضوء الأمل الذى يهدأ الناس و يخفف من آلامهم.
ترصد الباحثة أن أسلوب عبيد زاكانى فى اعماله الهزلية فى عدة نقاط وهى :
أولا : تميزت رائعة ( رسالة دلﮚشا ) بنقده لبعض الحكام و الامراء و الملوك الذين عاصرهم و نقد الاوضاع السائدة فى عصره بلغة الهزل و الفكاهة و السخرية و قد كان لجحا مساحة من ابداعه حيث خصص له جملة من حكاياته عن هذه الشخصية " .
ثانيا : عكست أعماله آثار الظلم و الرياء و الفسق و الزنا و التعدى على اسامى الناس بطريقة قبيحة و السخرية بلغة يغلب عليها روح الدعابة .
ثالثا : مزج أسلوبه فى هزلياته الهجاء بالنصائح و الحكمة حتى يستفيد منها الخلائق عامة و لعل هزلياته تؤكد مدى ثقافته و خبرته و حكمه و مثله العليا و اطلاعه الواسع .
رابعا : تميزت أعماله الهزلية بتضمينها أداة التعريف العربية ( ال ) ليلمح كيف ترك علماء زمانه العربية فى نقد صريح اجتماعى و سياسى و اخلاقى يعد تقريبا سابقة فى الادب الفارسى " لكن اللافت للنظر أنه تقريبا بعد خمسمائة عام تالية من ( عبيد ) قد فعل شخص امريكى باسم (امبروز بيرس ) عملا مماثلا لما فعله ( عبيد ) و ذلك فى المجتمع الامريكى " .
خامسا : اقتبس عبيد فى حكاياته التى قدمها الكثير من حكايات السابقين غير أنه غير أسماء بعض شخصياتها وهو ما يشير الى مهاراته فى اخفاء القليل او الكثير على متن الحكايات ليحقق لها جمالها و ظرافتها .
سادسا : ينتقى عبيد بعض اللمحات و النقاط التى تثير الضحك فى الشخصية التى يريد تسليط شعاع سخريته عليها , ثم يضخمها و يغالى فيها , اى يضعها تحت ميكروسكوب ليكشفها ثم ينفث فيها أفكاره الشيقة المرحة .
المبحث الثالث : المؤثرات الفنية و الموضوعية عند عبيد زاكانى :
التمهيد
تشكل البيئة الفنية التى عاش فيها الشاعر جانيا مهما وقدرا باهرا من غرس الكثير من السمات الفنية و المؤثرات التى تعطى لاعمال هذا الشاعر او ذاك ما يميزه بين أقرانه سواء ممن عاشوا معه فى عصره او من الممكن بالدراسة ان نربط بين من سبقوه ليكونوا إما مصدر للتأثير و للتكوين الفنى على شاعر هذا العصر او قد يكونوا مصدر تلاقى معه فى عصره و تجمعه سمات فنية او يكونوا هم مصدر تأثير على من سيلحق بهم من الشعراء .
من هذا المنطلق ترى الباحثة ان المؤثرات ( الفنية / الموضوعية ) تعد مصدرا اوليا و اساسيا فى ابداعات الشاعر جنبا الى جنب ظروف نشأته و البلد الذى عاش منه و دراسته جعلها يشكل فى النهاية ما يميزه هذا الشاعر عن ذاك , عاش الشاعر ( عبيد ) وسط مجموعة من الشعراء الذين توافقت بدرجات متفاوتة فترات حياة كل منهم فقد عاش وسط مجموهة من الشعراء هم :
1_ ابن يمين : ( 664 / 769 هجريا )
2_ خواجوى كرمانى : ( 689 / 752 هجريا )
3_ عبيد زاكانى : ( 701 / 771 يا 772 هجريا )
4_ عماد الكرمانى : ( 690 / 772 يا 773 هجريا )
5_ سلمان ساوجى : ( 709 / 778 هجريا )
6_ حافظ شيرازى : ( 727 / 792 هجريا )
7_ كمال الخجندى : ( غير معروف / 792 يا 808 هجريا )
8_ ابو اسحاق الشيرازى : ( 393 / 476 هجريا )
9_ نظام الدين محمود القارئ : ( غير معروف )
تميز كل من هؤلاء الشعراء بمضامين شعرية خاطبت توجهاته , إما وفقا لقناعاته الشخصية او لما ادركه من حاجة هذه المرحلة من مضامين شعرية تحقق قدرا من التميز فمثلا عندما كتب الشاعر الأول ( الأمير محمود بن الأمير يمين الدين الطفرانى ) الذى يعد شاعرا للسربدارية , أما أشعاره فقد كتبها فى ثلاثة مواضع الأول سجل حرب الملك معز الدين ابن الحسين محمد ابن الحسين محمد كرت مع وجيه الدين مسعود السربدارى و الشيخ حسن الجورى , أما الموضع الثانى فقد ذكر وفاة ابن يمين و أثبت مادة تاريخ وفاته قائلا وفاة الأمير فخر الدين محمود ابن الأمير يمين المستوفى الشاعر وهو فى طريقه الى الجنة يغلب على مجموعة أعماله المعانى الفلسفية و الاخلاقية و العرفانية " .
المؤثرات الفنية عند عبيد زاكانى :
تميز الابداع الإنسانى منذ بدايات ظهوره أيام اليونان من قبلهم بمبدأ تمثل فى ان المبدع لا يعيش حياته دون ان يؤثر و يتأثر بمن حوله , و لعل هذا المبدأ خضع له كل من كتب منذ بدايات الخليقة , ذلك ان ما يعاصر الكاتب المبدع من شعراء و قصاصين وروائين و مسرحين انما يعاصرون ما يكتب , او لعل بعضهم يعود الى ما سبق و قدم من غيره من المبدعين , كل ذلك يجعلنا نؤكد ان ( عبيد زاكانى ) قد عاش وسط مجموعة من المبدعين أثر فيهم و تأثر بهم , بل هذه المؤثرات ستصبح روافد لفنه و أعمالهم نستطيع ان نرصدها فى الكثير من أعماله .
تحدثنا عن نسب و اصول ( عبيد زاكانى ) و المامه باللغة العربية و الكردية و الفارسية و هذه طبيعة سكان المنطقة التى عاش فيها , و عليه فإن المام ( زاكانى ) باللغة العربية الى جانب لغته الفارسية مكنته من الاطلاع على الآداب العربية , كما جعلته يمتاز بقدرات فى اللغة العربية انعكست على مؤلفاته التى جاء بعضها وقد يتضمن اللغتين فى الابداع الواحد مثل ( رسالة دلگشا) التى تضمنت قسمين احداهما باللغة العربية و الآخر باللغة الفارسية و غير ذلك من أعمال أخرى تضمنت كلمات عربية كما كان من المتميزين كما سبق و ذكرت فى المبحث الأول بتضمين اعماله ب ( ال ) أداة التعريف للغته الفارسية التى أخذها عن اللغة العربية .
ترصد الباحثة هنا المؤثرات الفنية التى شكلت فى مجملها اعمال عبيد زاكانى الابداعية ، فقد تأثر ممن عاشوا فى عصره وأخذ عنهم ، غير أننا نقول أنه على الرغم من تأثره بمعظم من عاشوا فى عهده من الادباء ، إلا أننا لم نرصد تأثيرا لعبيد زاكانى على من جاء بعده من الأدباء على حد ظنى واعتقادى واطلاعى ، ذلك أنه لم تذكر الكتب والدراسات ايا من المؤثرات الفنية التى حصدها هو عمن سبقوه لتنعكس على من خلفه من الأدباء
والجدير بالذكر أن الأدباء الآتى ذكرهم قدموا أعمال أدبية تلتقى فى بعضها مع ( عبيد زاكانى) وان اختلفت فى توجهاتها , غير ان الباحثة تعرض ذلك للربط بينه و بين من سبقوه.
اولا – الأدباء العرب :
1- ابو الشمقمق :
تتوالى المؤثرات الفنية التى تجلت فى أعمال عبيد زاكانى ونرصدها من خلال أعمال مروان بن محمد ابو الشمقمق ( 730 – 815 ) م ، الذى لقب بأبى محمد شاعر الهجاء ، والذى اشتهر شعره " بالهجاء الشديد اللاذع والهزل والشكوى من فقره وسوء حاله ، حتى ندر شعر الفخر والحماسة فى شعره الذى لا يخلو من بعض المدائح ولكن غلب على شعره السخرية والهجاء .
انعكست مؤثرات أعمال ابو الشمقمق على أعمال عبيد زاكانى ، حيث تستطيع ان ترصدها الباحثة من خلال نقاط التقارب فى مضامين اعمالهما واساليبهما فى صياغة المضامين ، حيث عكست اللغة البسيطة غير التقليدية والقريب من لغة العوام من الناس ، هذا الى جانب تقاسمهما بتحقيق " عنصر الابتكار والفصاحة اللغوية " ، وهو ما تجلى فى أسلوبهما فى نقد اوضاع مجتمعاتهم.
تطورت أعمال عبيد زاكانى على الرغم من تأثره وتقاطع اعماله صراحة مع ( ابو الشمقمق) ، إلا أنه تميز بأن اعماله جاءت أكثر نضجا ، وجاءت ايضا أكثر نضجا فى تصوير المجتمع واوضاعه وقضاياه ، ذلك أن موضوع الفقر والعوز من أهم الموضوعات التى عالجها عبيد زاكانى وتقاسم الموضوع من (ابو الشمقمق) ، حيث غلب على أسلوبه الهجائية و " التصغير والتحقير مثل كلمة ( مكار : الخبز الجاف ) ، دليل على الفقر الشديد ( شدة الفقر ) ، وسوء المعيشة ( الألم ) ، سوء الحظ (عودة الحظ) ، والبخل ( الشعور بالغربة ) ".


2- الجاحظ :
هو ابو عثمان عمر بن محبوب بن فزاره اللثى الكنانى البصرى ( 775 – 868 ) م ، والملقب بالجاحظ ، وهو أول ساخر فى الأدب العربى العباسى ، ترك كثير من الكتب أهمها البيان والتبين ، والحيوان ، والبخلاء ، وقد عرف أسلوبه بالشك والنقد وقد كان لـ عبيد زاكانى نصيبا كبيرا من التأثر به وبأسلوبه الساخر ، حيث تعد السخرية " لدى الجاحظ وعبيد سخرية اجتماعية واحيانا سياسية ، كل غرضهم الاصلاح والتربية حيث كثير من الابحاث متشابهين فى كثير من الموضوعات فى أسلوبهم وطريقة عرض السخرية ولأن ظروف مجتمعهم كانت واحدة فى اعمالهما سخرية صريحة وغير صريحة غرضها نقد ما يوجد فى المجتمع من تناقضات .
تأثر عبيد زاكانى بأعمال الشاعر الجاحظ " فاقتبس جزء منها فى رسالته دلگشا التى قامت على الاقتباس من أعمال السابقين فأخذ حوالى 93 قصة عربية مع اضافة بعض الاختلافات البسيطة فى الجزء العربى من رسالة دلگشا ، وأخذ ايضا منه 12 قصة من كتاب البخلاء والحيوان واضافها فى رسالة دلگشا ".
امتاز أسلوب كلا من الجاحظ وعبيد زاكانى بمعالجة مضامين لاعمالهم تركز على قضايا المجتمع من الفساد وعدم الاخلاق والكفر والالحاد فى أسلوب نقدى ساخر ، اتضح مثلا فى كتاب الحيوان للجاحظ وكليات عبيد زاكانى حيث اتسم العملين عند الايبين " بالسهولة والبساطة والبعد عن التعقيد والآراء الأدبية القريبة للغة العامية ، وعليه نستطيع القول ان المضامين المتشابهة بين الجاحظ وعبيد زاكانى ، قد تمثلت فى رسائل عبيد ، منها رسالة أخلاق الأشراف حيث سمة البخل يسخر منها فى أسلوب سهل وواضح بالمذهب المنسوخ والمذهب المختار.
ويتشابه عبيد زاكانى مع الجاحظ ويتأثر به صراحة من خلال عودة عبيد زاكانى الى اعمال الجاحظ صراحة كما ورد فى رسالة أخلاق الاشراف ويتحدث عن البخل وعن الكرم " ويوضح الكرم بالمذهب المنسوخ والبخل بالمذهب المختار وايضا كان له وصف دقيق فى احوال البخلاء حتى يعتقد القارئ بأن البخل بحق هو مذهب وتقليد للجاحظ فى قصته ( مسجديان بصره ) ".
حيث تشابه ايضا الجاحظ مع عبيد زاكانى وأخذ عنه عبيدا كثيرا على مستوى المضمون ، فقد جمع بينهما مضامين اعمالهما عناصر مثل " ( الخلق والطبع الغير محبب (السئ) ) ، كلاهما نقد بعض الشخصيات ايضا بشكل كاريكاتيرى ومضحك ، ووصفهم للشخصيات كان دقيقا ، لكن الجاحظ اختلف عنه فى وصفه بشكل غير مباشر فى منح بعض الصفات السيئة للناس خاصة قاضى البصرة ".
3- ابن دانيال :
هو شمس الدين محمد بن دانيال بن يوسف بن معتوق الخزاعى الموصلى والملقب بالشيخ والحكيم ، كتب تمثيليات خيال الظل واتسم أسلوبه بتجسيد حياة الصناع والعمال والفلاحين وبسطاء الناس ، وغلب على أسلوبه الضحك ، استخدم اللهجات المتعددة للجاليات التى تعيش فى مصر.
تلاقت أعمال ابن دانيال مع عبيد زاكانى ، حيث صورا مشاكل مجتمعهما فى صور فكاهية مؤثرة نتيجة الظروف السيئة التى تعرض لها مجتمعهما واستشراء حالات الفساد الاجتماعى وقد تلاقى عبيد زاكانى مع ابن دانيال فى كثير من مضامين اعمالهما وترصدها الباحثة فى :
1- الحكمة
2- الهجاء
3- الصدق
4- العدل
5- الحلم والوفاء
6- الشجاعة
تناول عبيد زاكانى فى رسائله النثرية مجموعة من المضامين الفكاهية الاخلاقية التى ترصد الفساد الاجتماعى وقد تجلى ذلك فى مضمون الحكمة ، حيث تجلى هذا المعنى فى رسالة اخلاق الاشراف وباقى رسائله النثرية ، حيث افرد لمضمون الحكمة مساحات كاملة فى كلياته ، وعمد الى استحضار مذهب السلف الذى سماه بالمذهب المنسوخ ، وذكر اخلاق معاصريه وسماها بالمذهب المختار وهى مفاهيم مقلوبة معكوسة.
كما تناول مضمون الحياء ، حيث عكست جميع رسائله مفهوم الحياء وما آلت إليه اخلاق الناس من المجون والفسوق وانتهاك الحرمات والاعراض فى أسلوبه المعكوس ، يأتى مفهوم الصدق ومضمونه متحققا فى رسائله ، حيث نبذ الصدق واللجوء إليه ، ويرى أنه وإن كان يعنيه إلا أنه يقصد المعنى المقلوب المعكوس.
تتوالى المضامين الأخرى للعدل والحلم والوفاء والشجاعة فى اعماله ، حيث تناول العدل فى الرعية وكيف عاملهم الحكام ، واضفى عليها الطابع التهكمى ، كما عرض عبيد زاكانى لمفاهيم وقضايا الحلم والوفاء ، وكان يقصد ان اهل زمانه استسلموا خائفين لجور الحكام الظالمين وفضلوا الخنوع والذل فى اعماله ، أما عن مفهوم الشجاعة فقد ورد فى اعمال عبيد زاكانى من خلال رسائله ، غير أنه قلب هذا المفهوم راسا على عقب ، وجعلها صفة مذمومة لأنها توقع بالانسان فى متاعب ، ومن خلال المفقودة للإنسان فى مواقف محددة ، قاصدا من وراء ذلك السخرية والضحك.
تأثر عبيد زاكانى فى رسائله بأعمال أشخاص آخرين سابقين عن طريق ايراد بعض الحكايات من اعمالهم وتضمينها داخل رسائله دون الإشارة الى الشخص الذى ضمن من أعماله على سبيل المثال :
" أورد 51 قصة من كتاب محاضرات الأدباء لراغب الأصفهانى ، وأورد 7 قصص من كتاب الأغانى لأبو الفرج الاصفهانى ، واورد ايضا 5 قصص من كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة الدينورى ، واورد ايضا 3 قصص من كتاب الحمقى والمغفلين لابن الجوزى ".
ثانيا – الأدباء الفرس :
1- سعدى الشيرازى :
هو مشرف الدين بن مصلح الدين السعدى الشيرازى وتخلصه سعدى ، ونسبه يرجع الى شيراز فى عام 606 هـ كانت ولادته ورحل عن الدنيا عام 623 هـ ، ويعد سعدى الشيرازى شاعرا ومتصوفا عاش فى القرن السابع الهجرى ، كتب فى الفارسية والعربية ، وكان لعبيد زاكانى نصيبا من التأثر بأسلوبه خاصة فى رسائله حيث كان نثره مزينا ومسجعا فى بعض الاحيان ، لكنه كان بعيدا عن التكلف والصنعة ، كما تأثر بأسلوب الگلستان و البوستان من خلال ايراد الحكايات والاشعار والتمثيلات فى رسائله ، حتى أنه وصل الى تضمين بعض من أشعاره داخل رسائله .

2- حافظ شيرازى :
هو خواجه شمس الدين محمد حافظ الشيرازى المولود فى عام 725 هجريا , " و الملقب بـ ( خواجه حافظ شيرازى ) و الشهير ب ( لسان العرب ) و ( لسان الغيب ) , هو من أشهر الشعراء الايرانيين و نجم ساطع فى سماء العلم و الأدب فى ايران , و يعد من أشهر شعراء الفرس الغنائيين بدون منازع " .
ولد شمس الدين محمد حافظ الشيرازى و مات فى ( شيراز ) , لقب ب ( حافظ القران الكريم ), نظرا لالمامه بالقراءات الأربع عشرة للقران , و كان من شيعة الاثنى عشرية , و له اشعار بالفارسية و العربية , ترجمت اشعاره الى اللغات العالمية , تعلم و درس على يد قوام الدين عبد الله و أخذ عنه الكثير , وصل شهرة قصائده خارج ايران ووصلت الى الهند , عاش ( شيرازى) ما يقارب 67 سنة ترك ورائه من الابداعات الأدبية و الشعرية لانزال تحفظ اسمه بين أدباء العرب و الفرس , توفى في شيراز عام 792 هجريا .
يؤكد الكثير من الدارسين ان حافظ الشيرازى و عبيد الزاكانى يجتمعان فى كثير من نقاط الاتفاق كونهما من الشعراء الذين توج الهجاء و السخرية و الفكاهة اعمالهما و فى ذلك يقول ( شبه الدكتور عبد المحسن زرين كوب ) انهما ينطبق عليهما القول ان كل منهما محتال و مفكر و حر و عارف ينظر الى كل الاشياء بعدم اهتمام و اعتناء " .
استلهم حافظ روحه الكبيرة و فكره السامى من ذوقه الصوفى الذى بلغ به منزلة رفيعة , فإن الافكار الصوفية التى سلكها ( سنائى و العطار و جلال الدين و السعدى ) , قد كان يؤديها كل واحد منهم , بلغته الخاصة فى محيطه الخاص الذى كان فيه , اما حافظ فإنه سما الى منزلة عالية و مكانة رفيعة فقد ادى المعانى التى طرقها السابقون – مفصلة – فى قصائد و غزليات قصيرة , احسن اداء , وهكذا بلغ – من حيث التعمق فى التصوف – حدا جعله يستخدم فى كل قصيدة من قصائده , او غزلية من غزلياته , فى اى موضوع من موضوعاتها – بيتا او ابياتا – صوفية يوردها ضمن ابياتها ", و قد تميز اعماله خاصة الديوان الذى احتوى قصائد و غزليات و قطع و مثنويات و رباعيات , غير أنه اشتهر بالغزل الصوفى , حيث تجلت روحه الصوفية فى اشعاره كما انها بلغت ذروة الفصاحة و البلاغة .
شاعت اشعار حافظ الشيرازى على ألسنة معاصريه امثال " الكرمانى و الساوجى , فليس لمقامه الصوفى و عظمته الروحية فحسب , بل اكتسب شهرته ايضا من الحانة اللطيفة و نظمه العذب".
إن الفترة التى عاشها حافظ فى شبابه كان لها اكبر الاثر فيما وصل إليه تباعا , حيث ان ضعف السلسلة الاتابكية و سيطرت ( ال اينجو) الايلخانيين المغول على المنطقة , وقد حاز حافظ اهتمامهم , و نال منصبا كبيرا فى اثناء حكم الملك جمال الدين ابى اسحاق التى اتسمت باستتاب العدل و الانصاف و كان هذا الملك يحب العلماء و الادباء لذلك نال حافظ الشيرازى احتراما و تقديرا منه " .
يعد الشاعر حافظ الشيرازى من الشعراء الفرس الذين يتضح فى شعرهم الأثر العربي , ومدى تأثر الشعر الفارسي بالشعر العربي و صوره و افكاره و الذى يقرأ اشعار حافظ شيرازى يرى الأثر العربي جليا و طاغيا عليه حتى ظهرت طائفة من الشعراء تسمى ( ذات اللسانين ) , لأنهم كتبوا الشعر بالعربية و الفارسية , وقد انقسموا الى نوعين :
النوع الأول : وهو ان يجعل الشاعر البيت الأول منظومته باللغة الفارسية و البيت الثانى باللغة العربية و يستمر على هذا المنوال حتى أخر منظومته .
النوع الثانى : وهو ان يجعل الشاعر الشطر الأول من منظومته بالفارسية و الثانى باللغة العربية ثم يجعل الثالث بالعربية و الرابع بالفارسية و هكذا حتى اخر منظومته .
اجمع كل من أرخ للأدب الفارسى على ان غزليات حافظ الشيرازى من أعظم ما نظم فى الأدب الفارسي من غزليات , و لم يأت بعده من تفوق عليه فى هذا الفن المعروف باسم ( الغزل ) , و لقد لقبه معاصروه بلسان الغيب – كما سبق ان ذكرنا – و ترجمان الاسرار بسبب اشعاره الغنائية التى وجدوها معجزة , ذلك انها تحمل من المعانى العاطفية و الاحاسيس الوجدانية , هذا الى جانب انه " ضمن غزلياته الكثير من آرائه الخاصة بالنيل من المتكبرين و الاستهزاء بالمخادعين , اضف الى ذلك ان غزليات حافظ لم تجر على منوال واحد , و لم تصاغ على نمط واحد , بل كل واحدة من غزلياته لها مضمون مستقل و تعالج موضوع من الموضوعات كالشراب و التصوف و ووصف الأحبة و الشباب و المشيب و آلام الحياة و غيرها " .
تأثر عبيد زاكانى بحافظ الشيرازى ، حيث عاشا الأثنين فى ظروف مجتمعية وثقافية مشتركة واحدة ، ووقع اهتمامهما على القضايا التى عاشها المجتمع فى ذلك الوقت ، ذلك أنهما توجها ، بعد ان تأثر بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، نحو تحليل كافة جوانب قضايا المجتمع من خلال اعمالهما ، حيث ناقش قضايا الظلم والنفاق والرياء والفساد ، ذلك انهما تشابها فى افكارهما التى تمثلت فى :
1- اغتنام الفرصة والاستفادة من الدنيا وملاذتها.
2- شرب الخمر ، فالافكار المشتركة بين حافظ وعبيد أنه قد نظم اعمال مشتركة تتحدث عن الخمر.
3- الجابرية ( الأشاعرة) وهى من أهم معتقداتهم وكان لها مكانة مهمة فى فكر كلا من حافظ وعبيد.
4- تأثير الأفلاك والطالع على الحياة وقد شوهد ذلك عند كليهما.
5- الدين والمقدسات الدينية حيث كانوا ينقذوا رجال الدين وريائهم ، وتحدث كلاهما عن مقدسات مثل السجادة والتسبيح والصلاة والصوم والمسجد والخانقاه والشخصيات الدينية.
6- العشق حيث أن نظرتهم للعشق هى ممارسة العشق فى اضطراب وشوق وألم.
7- الفخر والاعتزاز بالنفس حيث اختلفا فى أسلوب البيان بينهم واستخدام كلمات لبيان هدفهم من أجل توضيح المقصود من الكلام
وتأسيسا على ما سبق ترى الباحثة أن أعمال سعدى وحافظ شيرازى من شعراء الفرس وتأثر عبيد زامانى بكل من ابن الشمقمق والجاحظ وابن دانيال من الكتاب العرب ، حيث انعكست كافة المؤثرات الفنية التى تجلت فى اعمالهم وتحقق كثير فيها فى اعمال عبيد زاكانى مما جعله استمرار وتطور لمسيرة الفكاهة والسخرية والهجاء للأدباء فى بلاد فارس ، وهو ما تأكد أنه على الرغم من جل هذه المؤثرات إلا أنه تمكن من تقديم اعمال نثرية أكدت تملكه لادواته الإبداعي . دكتورة ريوان أحمد صقر






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تناص ليالي الف ليلة لنجيب محفوظ مع الف ليلة ولية الفارسية ( ...
- من آليات المثاقفة ...الترجمة ونظرياتها وارتباطها بالعولمة
- التلاقح الثقافي في حكايات ألف ليلة وليلة الفارسية
- المثاقفة ..المصطلح والمفاهيم والتعريفات


المزيد.....




- مصر.. فرقة -كايروكي- تصدر ألبومها الجديد -سوبر نوفا-
- ليبيا: انطلاق الدورة الثالثة عشرة لمهرجان موسيقى المالوف وال ...
- إيليا موروميتس.. من فتى مقعد إلى أعظم فرسان روسيا
- نجوم الفن والإعلام يتنافسون في سباق مونت كارلو الشراعي بموسك ...
- المخرج السوري الليث حجو يرد على أزمة الآلات الموسيقية بـ-بقع ...
- مهرجان -نافذة على أوروبا- يفتتح دورته الـ34 في فيبورغ بعشرة ...
- ليلة الوداع-.. حين تتحول الذاكرة إلى خشبة والمسرح إلى محاكمة ...
- وثيقة عربية مخبأة داخل غلاف مخطوطة تكشف أسرار حكم خان القرم ...
- روسيا تطلق سلسلة روايات تستند إلى ملفات رُفعت عنها السرية لج ...
- معماريون ماليزيون يجسدون أفكارهم بالفن.. إيحاءات فلسطين والن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ريوان أحمد صقر - الكاتب الكوميدي الإيراني الساخر - عبيد زاكاني - عصره وحياته وأعماله