أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عادل كوننار - بحثا عن الوطن المفقود














المزيد.....

بحثا عن الوطن المفقود


عادل كوننار
(Adil Gonanar)


الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 15:37
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


لو استعرنا مع تصرف بسيط العنوان الذي وضعه المبدع مارسيل بروست، لرائعته الأدبية "بحثا عن الزمن المفقود" ستسعفنا عبارة "بحثا عن الوطن المفقود" في إعطاء عنوان لما شهدته مدينة سبتة، هذا الأسبوع من موجة نزوح جماعي لآلاف المغاربة، ممن ضاقت بهم سبل الوطن فتداعوا من كل فج عميق، على مدينة سبتة جاعلين من هذا النزوح سبيلا لإيجاد وطن بديل يوفر لهم ما لم يجدوه في وطن مجاف لهم، و غير مكترث باحتياجاتهم.

لقد شكل الحدث بالنظر إلى الحجم الضخم و غير المسبوق للمشاركين فيه ترند عالميا تداوله العالم بالمشاهدة و التعليق، في وقت و بمنتهى التعنت و الاستعلاء تجاهل النظام المغربي و آلته الإعلامية ما جرى و كأن شيئا لم يجري. و لعل هذا المعطى لوحده يعطي تفسيرا لما وقع، حين ينقطع التواصل بين من يحكم و المحكومين، تغيب الثقة في أي سياسات عمومية مزعومة، طالما ما يتم الترويج له من سياسات لا يصغي لمتطلبات الناس و لا يستجيب لتطلعاتهم، بل هدفه فقط تجميل واجهات الواقع، تجميل يمكن أن ينجح لبعض الوقت لكنه بالتأكيد لن ينجح طيلة الوقت في إخفاء بشاعة طال الزمن أو قصر، سينتهي بها المطاف الى الانكشاف بشكل أبشع و أبشع.

و ذلك تحديدا هو ما حدث برسم هذه المناسبة الفرارية التي أبهرت العالم، و كم يبدو الأمر مثيرا للسخرية أن نتحدث عن حالة "إبهار" للعالم في سياق حدث محزن كهذا، في الوقت الذي يقال لنا فيه من قبل النظام و إعلامه أن المغرب يبهر العالم حقا، لكن بحسب زعمهم من خلال تنظيمه لملتقيات رياضية أو مهرجانات راقصة، أو من خلال مشروع هنا أو هناك من مشاريع البنية التحتية، إنه تسويق رسمي لسردية إبهار هشة تتكسر اليوم على صخر شطئان سبتة، التي احتضنت آمال آلاف اللاجئين الفارين من رواية الدولة المضللة.

إن حدث اليوم يؤكد أن أية مشاريع تنموية ستبقى ليس فقط غير ناجعة، بل غير جادة من الأساس، ما لم تتم في إطار مشروع مجتمعي، يراعي العدالة الاجتماعية و الكرامة الإنسانية لكل أبنائه، دون ذلك ستظل تلك المشاريع نخبوية، تخص الماسكين بالسلطة و ثلة من المنتفعين الدائرين في فلك السلطة.

لا يهمنا في خضم ما حدث الجهة التي وقفت وراء إرخاء اليقظة الأمنية على الحدود، أيا كانت هذه الجهة، و أيا كانت الحسابات و الأهداف السياسية لتلك الجهة، الأهم بالنسبة لنا هنا، هو حجم الجموع التي انتهزتها فرصة، رأت فيها مناسبة لمغادرة هذا البلد بأسرع ما يمكن، بل و أيضا نوعية تلك الجموع التي ضمت بين ظهرانيها شتى الفئات، شيبا و شبابا، ذكورا و إناثا، بل و حتى أسرا بأطفالها في مشهد "أبوكاليبتي" صادم، عكس توقا حارا إلى خلاص عز انتظاره، و الأدهى و الأمر أن الحدث كان مفتوحا على مشاهد أكثر درامية، لو تم السماح للراغبين في المشاركة في "موسم الهجرة إلى الشمال" هذا أن يلتحقوا بتخوم سبتة من شتى مناطق البلاد.

حين قال ابن خلدون أن الظلم مؤذن بخراب العمران لم تكن تلك، عبارة للتعبير الأدبي أو الإنشائي، و إنما شكلت قانونا في العلوم السياسية و حكم الدول، فحين تشتد قبضة السلطوية و الاستبداد، و تحرم الناس لا من حقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية فحسب، بل حتى من حقوقهم المعنوية كالحق في التعبير، عبر فرض الرأي الواحد و منع كل أشكال المعارضة و الاحتجاج السلمي، فإنها بذلك تخلق قطيعا من الخرفان المضطهدين و المرعوبين، الذين ينتظرون أدنى فرصة للفرار، و ذلك فعلا ما حدث في اليومين الأخيرين، إنه قياس مع غياب الفارق للأسف.

و ما لا تعيه سلطة بهكذا شكل، هو أن خراب العمران قد يأتي بأشكال أكثر مأساوية، إذا ما لم تتخذ العبر، و ليس كل مرة تسلم الجرة.

و إذ أننا نمني أنفسنا بأن تتسم الدولة بشيء من الحكمة، و بأن تسير في اتجاه أخذ العبر و تفادي الأسوء، إلا أن كل المؤشرات في الوقت الراهن تكذب أمانينا، و لا أدل على ذلك من التعاطي الرسمي مع ما جرى، حالة من التجاهل التام بما يعكس أسلوب حكم مبني على الترفع عن عامة الشعب، و كأن في مخاطبة العوام إنقاص لما يعتبرونه هيبة للدولة، و الحال أن ذلك الحرص على تلك الهيبة، هو في الحقيقة حرص على احتقار هؤلاء الرعايا كي لا تستثار جرأتهم، و كيما يظلوا مثلما كانوا دوما "أوفياء"، غير أنه شتان ما بين الوفاء القسري و الوفاء الاختياري.

كلنا نعرف قصة ماري أنطوانيت، زوجة الملك لويس السادس عشر، عندما علمت غداة الثورة الفرنسية، أن الفلاحين لا يجدون خبزا، فقالت عبارتها الشهيرة "دعهم يأكلون الكرواسون أو الكعك" اليوم إعلام الدولة يقوم بالشيء نفسه، يدعو هذا الإعلام و من يقفون خلفه الناس إلى التهليل لمنجزات هي في الحقيقة كعكة مصنوعة من الريع، يلتهمها أصحاب السلطة، و لا يتركون لعامة الشعب سوى الكثير من التصفيق و القليل الفتات، ربما تقف الآن هذه الجهات و معها بعض محدودي الوعي، ممن يصدقون أسطوانتها، مشدوهين أمام مشهد الجموع المتقاطرة على سبتة، و ربما يرددون في الآن نفسه، ما يشبه عبارة ماري انطوانيت "يا الله.. مالي بكم ذهبتم و تركتم خلفكم نعمة الفرجة و التصفيق على حسن جمال الكعكة"



#عادل_كوننار (هاشتاغ)       Adil_Gonanar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يا أيها الإنسان المعاصر، يها الإنسان الشيء.. ما أتعسك؟!
- ذواتنا المغتربة
- الإنسان، بين المثالية و الواقعية
- التحديث بين الغائية و بين الكيفية
- في التضامن، في اللا تضامن و في ما يمكن أن يكون بينهما
- في الحب و في بعض من ملابساته
- الإنسان بين حب البقاء و الرغبة في التميز
- الواقع و المثال، أية علاقة؟
- رمضان بين العادة و العبادة


المزيد.....




- في الأمازون.. علماء آثار يكتشفون 400 منشأة ترابية أثرية تحت ...
- اعتراف رسمي أمريكي: بركة لينكولن كانت تعاني عيوبًا إنشائية ق ...
- الاتحاد الأوروبي يعلن عبور سفينة تجارية بأمان في البحر الأحم ...
- قناة السويس: الأزمة التي مثّلت نهاية بريطانيا العظمى وفرنسا ...
- -تعثّرتُ في الدراسة الجامعية، لكنني نجحت في بناء خمس شركات ك ...
- المجد للشهيد ستار خضير الحيدر
- سوريا.. إصابة 6 أشخاص بهجوم مسلح في مخيم العائدين بمدينة حمص ...
- مودي يعارض ملاحقة متظاهري حركة -الصراصير-
- سوريا.. تشكيل لجنة تحقيق خاصة في جريمة الاعتداء على طفلة بمح ...
- توغل إسرائيلي جديد في قرى وبلدات جنوب سوريا


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عادل كوننار - بحثا عن الوطن المفقود