|
|
أفق النهضة: مشروع إعادة تخيل مصر في زمن التفكك دراسة في بناء البدائل واستعادة الإرادة الجماعية
محمد أحمد الصغير على عيد
الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 20:47
المحور:
قضايا ثقافية
أفق النهضة: مشروع إعادة تخيل مصر في زمن التفكك
دراسة في بناء البدائل واستعادة الإرادة الجماعية
---
تأليف: الأستاذ محمد أحمد الصغير على عيد باحث مصري مستقل
---
المقدمة: لماذا النهضة الآن؟
ليس هناك وقت أكثر ملاءمة من الآن للحديث عن النهضة. ليس لأن الظروف مواتية، بل لأنها على العكس من ذلك، بالغة السوء. النهضة ليست رفاهية فكرية، وليست حلماً طوباوياً، وليست مشروعاً نخبوياً منعزلاً. النهضة هي ضرورة وجودية، هي مسألة حياة أو موت لأمة تتفكك، ولدولة تترنح، ولمجتمع يفقد تماسكه. النهضة ليست خياراً، بل هي المصير الوحيد الذي يمكن أن يخرج مصر من نفقها المظلم.
هذه الدراسة ليست امتداداً للدراسات السابقة في مشروعنا، بل هي قفزة إلى الأمام. ليست تحليلاً لما هو كائن، بل تخيلاً لما يمكن أن يكون. ليست تشريحاً للمرض، بل وصفة للشفاء، لكنها وصفة قاسية، تبدأ بالاعتراف بخطورة المرض قبل محاولة علاجه.
إن الحديث عن نهضة مصر في زمن التفكك هو أشبه بالحديث عن بناء بيت أثناء الزلزال، أو عن زراعة بستان في صحراء قاحلة. لكن هذه هي طبيعة النهضة الحقيقية: أن تبدأ حيث ينتهي الأمل، وأن تزرع حيث لا أرض، وأن تبني حيث لا حجر. ومصر، بتاريخها العريق، لم تكن يوماً أرضاً مستوية، بل كانت دائماً أرضاً تعيد بناء نفسها من تحت الأنقاض.
---
الفصل الأول: في نقد اليأس – لماذا لا يمكن الاستسلام؟
اليأس ليس واقعاً بل قراراً
اليأس، في عمقه النفسي والوجودي، ليس انعكاساً موضوعياً للواقع بقدر ما هو قرار يتخذه الفرد أو الجماعة. إنه موقف من الوجود، واختيار للاستسلام، وتبرير للتقاعس. الواقع دائماً يحتمل أكثر من قراءة، وحتى في أحلك اللحظات التاريخية، نجد بذور الأمل وإمكانيات الفعل. فالشعوب التي استسلمت لليأس في لحظات الضعف لم تمت، بل اختارت أن تظل أسيرة لواقعها، بينما الشعوب التي اختارت المقاومة وإعادة البناء تمكنت من تجاوز محنها.
التاريخ يعلمنا أن كل العصور الصعبة حملت في طياتها إمكانيات التحول، وأن اللحظات التي بدت فيها الأمور بائسة كانت غالباً البوابة لعصر جديد. مصر عبر تاريخها الطويل مرت بانهيارات كبرى، لكنها في كل مرة أعادت بناء نفسها من جديد. المماليك، والفاطميون، والأيوبيون، وحتى الاحتلال العثماني والاستعمار البريطاني، كلها لحظات بدت فيها النهاية قريبة، لكن النهضة كانت دائماً في الأفق، لأن هناك من اختار أن لا يستسلم.
اليأس أداة للنظام وليس رد فعل طبيعي
من المفارقات العميقة أن اليأس، الذي يبدو كرد فعل طبيعي على واقع قمعي، هو في الحقيقة أداة من أدوات النظام نفسه. فالنظام الرمادي، الذي يسيطر عبر شبكات غير مرئية، يحتاج إلى مواطنين يائسين، غير قادرين على التخيل، غير مؤمنين بالتغيير، غير مستعدين للمخاطرة. اليأس هو سور النظام الأخير، وهو أقوى من جميع الجدران والأسوار، لأنه يقع داخل العقول والقلوب.
النظام يعرف أن المواطن اليائس هو مواطن آمن، لا يهدد، لا يخطط، لا يحلم، لا يبني بديلاً. لذلك يعمل النظام على تغذية اليأس بطرق متعددة: عبر تكرار الإحباط، وإغلاق آفاق الأمل، وإضفاء الشرعية على الفشل، وتشويه صورة النماذج الناجحة، وتقديم التغيير كمستحيل، والمقاومة كمغامرة عقيمة. عندما يستسلم المواطن لليأس، يكون قد منح النظام ما يريده منه دون أن يستخدم النظام قوته القمعية. هذه هي أعلى درجات السيطرة: أن يجعل المقهور شريكاً في قمعه.
النهضة كموقف وجودي قبل أن تكون مشروعاً
النهضة، قبل أن تكون خطة اقتصادية أو برنامجاً سياسياً، هي موقف وجودي، هي اختيار للإرادة على اليأس، وللأمل على القنوط، وللفعل على السكون، وللبناء على التدمير. إنها قرار بأن الحياة تستحق أن تُعاش، وأن الوطن يستحق أن يُبنى، وأن الإنسان قادر على تغيير واقعه، وأن المستقبل ليس محكوماً بما مضى. هذا الموقف الوجودي هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية، لأنه يخلق القوة الدافعة التي تغذي كل المشاريع والخطط.
النهضة تبدأ في اللحظة التي يقول فيها إنسان ما: "لا، هذا ليس كل شيء، هناك شيء آخر يمكن أن يكون". في اللحظة التي يرفض فيها الواقع كقدر محتوم، ويبدأ في تخيل بديل. في اللحظة التي يستعيد فيها إحساسه بالقدرة على الفعل، رغم كل القيود. هذه اللحظة هي لحظة الميلاد الحقيقي للنهضة، وهي لحظة شخصية وفردية قبل أن تكون جماعية.
---
الفصل الثاني: إعادة تعريف النهضة – ما الذي نريده بالضبط؟
النهضة ليست استعادة للماضي
أحد الأخطاء الأكثر شيوعاً في الخطاب النهضوي المصري هو النظر إلى النهضة كاستعادة لعصر ذهبي مفقود. هذا النهج، سواء كان يستحضر عصر الفراعنة، أو العصر الإسلامي الوسيط، أو عصر محمد علي، أو عصر عبد الناصر، هو نهج رجعي في جوهره، لأنه ينظر إلى الوراء بدلاً من الأمام، ويبحث عن نماذج جاهزة بدلاً من بناء نماذج جديدة، ويستحضر مجداً قديماً بدلاً من خلق مجد جديد. النهضة الحقيقية ليست استعادة، بل اختراع. ليست عودة إلى الوراء، بل قفزة إلى الأمام. ليست تكراراً للماضي، بل تجاوزاً له نحو مستقبل مختلف.
مصر اليوم ليست مصر الأمس، والعالم اليوم ليس عالم الأمس. الظروف تغيرت، والتحديات تغيرت، والأدوات تغيرت، والإنسان تغير. العودة إلى أي نموذج سابق، مهما كان عظيماً في وقته، هو شكل من أشكال الهروب من مسؤولية اللحظة الراهنة. النهضة المطلوبة اليوم هي نهضة تتوافق مع عصرها، وتستجيب لتحدياتها، وتستخدم أدواتها، وتخاطب إنسانها، وتتطلع إلى مستقبلها الخاص.
النهضة ليست مشروعاً نخبوياً
خطأ آخر يرتكبه العديد من المثقفين والسياسيين، وهو النظر إلى النهضة كمشروع نخبوي يقوده المثقفون والسياسيون والاقتصاديون، بينما يكون الجمهور مجرد متلقين أو منفذين. هذه الرؤية لا تتعارض فقط مع مبادئ الديمقراطية والمواطنة، بل هي أيضاً غير عملية وفاشلة في جوهرها. النهضة الحقيقية هي مشروع جماعي، يشارك فيه كل المصريين بغض النظر عن طبقاتهم أو مستوياتهم التعليمية أو انتماءاتهم. هي مشروع يستمد قوته من الشعب، ويعكس إرادته، ويخدم مصالحه، ويشركه في صنعه.
عندما تكون النهضة نخبوية، تصبح هشة وسهلة الاختراق، لأنها لا تمتلك جذوراً في المجتمع، ولا تحظى بدعم واسع، ولا تستطيع الصمود في وجه التحديات. أما عندما تكون النهضة جماعية، فإنها تصبح أقوى وأكثر استدامة، لأنها تمتلك قاعدة شعبية عريضة، وتستمد طاقتها من إرادة الملايين، وتصبح جزءاً من ثقافة المجتمع وتاريخه.
النهضة كرؤية شاملة متكاملة
النهضة ليست مجرد تنمية اقتصادية، أو إصلاح سياسي، أو تقدم علمي، أو نهضة ثقافية. هي كل هذه الأشياء معاً، وأكثر من ذلك. هي تحول شامل في كل جوانب الحياة: الاقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة والتعليم والقيم والعلاقات الإنسانية. هي تغيير في طريقة التفكير قبل تغيير في طريقة الإنتاج، وتغيير في القيم قبل تغيير في المؤسسات، وتغيير في العلاقات الاجتماعية قبل تغيير في البنية الاقتصادية.
هذه الرؤية الشاملة تتطلب مقاربة متكاملة لا تتعامل مع كل جانب بمعزل عن الآخرين، بل ترى الترابط العميق بينهم. فلا تنمية اقتصادية حقيقية دون عدالة اجتماعية، ولا عدالة اجتماعية دون ديمقراطية سياسية، ولا ديمقراطية سياسية دون تنوير ثقافي، ولا تنوير ثقافي دون تعليم جيد، ولا تعليم جيد دون استثمار حقيقي في البشر، ولا استثمار في البشر دون إرادة سياسية وإرادة شعبية مشتركة.
---
الفصل الثالث: إعادة بناء الدولة – نحو نموذج جديد للسلطة
تجاوز الدولة اللامرئية
أحد التحديات الكبرى التي تواجه مشروع النهضة هو مواجهة الدولة اللامرئية، التي تعمل في الظل وتتحكم في الموارد والقرارات دون مساءلة. هذه الدولة ليست مجرد مجموعة من الأفراد الفاسدين، بل هي نظام كامل من العلاقات والامتيازات والمصالح المتشابكة، والتي تجعل الإصلاح الحقيقي شبه مستحيل دون مواجهة هذا النظام جذرياً. النهضة لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرار الدولة اللامرئية، لأن هذه الدولة تعمل عكس كل أهداف النهضة: فهي تعيد إنتاج التفاوت، وتكرس المحسوبية، وتقتل الإبداع، وتثبط المبادرة، وتستنزف الموارد، وتبقي المجتمع في حالة من التبعية.
مواجهة الدولة اللامرئية تتطلب استراتيجية متعددة المستويات. على المستوى السياسي، تحتاج إلى إصلاح مؤسسي جذري يكشف آليات عمل هذه الدولة ويفكك شبكاتها. على المستوى الاقتصادي، تحتاج إلى شفافية في الميزانيات والعقود والخصخصة، وإلى محاكمة الفاسدين، واستعادة الأموال المنهوبة. على المستوى الاجتماعي، تحتاج إلى بناء وعي شعبي بآليات الدولة اللامرئية، وكشف أسماء الفاعلين فيها، وفضح ممارساتهم. على المستوى الثقافي، تحتاج إلى تغيير القيم التي تجعل المحسوبية والوساطة مقبولة، وتجعل المواطن يقبل بالذل مقابل منفعة صغيرة.
بناء دولة القانون والمؤسسات
في مقابل الدولة اللامرئية، تحتاج مصر إلى دولة القانون والمؤسسات. دولة تكون القوانين فيها واضحة ومطبقة على الجميع، والمؤسسات فيها مستقلة وفعالة، والمواطنون فيها متساوون أمام القانون، والحقوق فيها مصانة، والواجبات فيها محددة. هذه الدولة لا تقوم على العلاقات الشخصية، بل على القواعد العامة، ولا تعتمد على المحسوبية، بل على الكفاءة والجدارة، ولا تعمل عبر شبكات سرية، بل عبر مؤسسات شفافة ومسؤولة.
بناء هذه الدولة ليس بالأمر السهل، وهو يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً. لكنه ضروري لأي نهضة حقيقية. الدولة القوية ليست الدولة التي تسيطر على كل شيء، بل الدولة التي تحمي حقوق مواطنيها وتوفر لهم الخدمات الأساسية وتضمن عدالة التعامل بينهم. الدولة القوية هي التي تجعل المواطن يشعر بالأمان والكرامة، وليس بالخوف والذل.
اللامركزية كأداة للتمكين
أحد المفاتيح المهمة لإعادة بناء الدولة هو اللامركزية. فتركيز السلطة في المركز، وفي القاهرة تحديداً، هو أحد أسباب ضعف الدولة وفشلها في تلبية احتياجات المواطنين. اللامركزية تعني نقل السلطات والموارد والمسؤوليات إلى المستويات المحلية، لإعطاء المواطنين فرصة المشاركة في إدارة شؤونهم، وخلق كوادر محلية قادرة على التصدي للتحديات المحلية، وتخفيف الضغط على المركز، وإعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل أكثر عدالة.
اللامركزية ليست مجرد إجراء إداري، بل هي فلسفة سياسية تعكس احترام التنوع المحلي، والإيمان بقدرات المواطنين، والثقة في المؤسسات المحلية. في ظل اللامركزية، تتحول المحافظات والمدن والقرى إلى مراكز للنشاط والإنتاج والإبداع، بدلاً من أن تكون مجرد متلقية للأوامر من العاصمة. وهذا يخلق ديناميكية جديدة في المجتمع، ويحفز المبادرة الفردية والجماعية، ويجعل التنمية أكثر قدرة على تلبية الاحتياجات المحلية.
---
الفصل الرابع: إعادة بناء الاقتصاد – نحو نموذج تنموي عادل
تجاوز نموذج الريع والتبعية
الاقتصاد المصري يعاني من أزمات بنيوية عميقة، أبرزها الاعتماد على الريع والتبعية. فالإيرادات الرئيسية للدولة تأتي من قناة السويس، وتحويلات المصريين في الخارج، والسياحة، والغاز الطبيعي، والمعونات الخارجية. هذه الإيرادات كلها مصادر ريعية غير منتجة، تعتمد على عوامل خارجية لا تسيطر عليها مصر، وتجعل الاقتصاد هشاً وضعيفاً، وعرضة للصدمات الخارجية. النهضة الاقتصادية تحتاج إلى تحول جذري من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، يعتمد على الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات المتطورة، ويخلق قيمة مضافة حقيقية، ويوفر فرص عمل لائقة للملايين، ويقلل من الاعتماد على الخارج.
هذا التحول يتطلب استراتيجية صناعية طويلة الأمد، تستهدف بناء صناعات وطنية قادرة على المنافسة، وتطوير الزراعة لتكون أكثر إنتاجية واستدامة، والاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي، وتطوير الخدمات لتكون أكثر جودة وتنوعاً. هذا التحول لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل والاستثمار الكبير والإصلاحات الجريئة.
العدالة الاجتماعية كأساس للتنمية
لا يمكن أن تكون هناك نهضة اقتصادية حقيقية دون عدالة اجتماعية. التفاوت الصارخ في توزيع الثروة والدخل هو أحد الأسباب الرئيسية لضعف الاقتصاد المصري، لأنه يخلق مجتمعاً منقسماً، ويضعف الطلب المحلي، ويقلل من الاستثمار في البشر، ويخلق حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي. العدالة الاجتماعية تعني توزيعاً أكثر عدالة للثروة والدخل، وضرائب تصاعدية على الأثرياء، وإنفاقاً حكومياً موجهاً نحو الفقراء والطبقات المتوسطة، وخدمات عامة مجانية وعالية الجودة، وفرص عمل لائقة للجميع، وحماية اجتماعية للفئات الأكثر ضعفاً.
العدالة الاجتماعية ليست مجرد إنصاف أخلاقي، بل هي شرط أساسي للتنمية الاقتصادية المستدامة. فالمجتمع العادل هو المجتمع الذي يستطيع أفراده المشاركة في الإنتاج والاستهلاك، والذي يستثمر في قدرات جميع مواطنيه، والذي يحفز الإبداع والمبادرة، والذي يتمتع بالاستقرار الاجتماعي الذي يشجع على الاستثمار طويل الأمد.
الاقتصاد المنتج مقابل اقتصاد الحماية
أحد التحديات الكبرى في التحول الاقتصادي هو الانتقال من اقتصاد الحماية إلى اقتصاد الإنتاج. اقتصاد الحماية يعتمد على توزيع الامتيازات والإعفاءات والتسهيلات على فئات معينة مقابل ولائها، مما يخلق اقتصاداً غير فعال وغير عادل وغير منتج. أما اقتصاد الإنتاج فيعتمد على الكفاءة والجدارة والمنافسة، ويشجع على الابتكار والإبداع، ويكافئ المجتهدين والمبدعين، ويحقق نمواً حقيقياً ومستداماً.
هذا الانتقال يتطلب كسر شبكات المحسوبية والفساد، وفتح المجال أمام المنافسة الحقيقية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع ريادة الأعمال، وتطوير البنية التحتية، وتحسين بيئة الأعمال، وجذب الاستثمارات الإنتاجية بدلاً من الاستثمارات الريعية.
---
الفصل الخامس: إعادة بناء المجتمع – نحو تماسك اجتماعي جديد
تجاوز الانقسامات الطبقية والدينية والجهوية
المجتمع المصري يعاني من انقسامات عميقة، طبقية ودينية وجهوية، تضعف تماسكه وتعيق نهضته. النهضة تحتاج إلى مجتمع متحد، يتجاوز هذه الانقسامات إلى رؤية وطنية جامعة. هذا التجاوز لا يعني إنكار الاختلافات أو طمس الهويات، بل يعني بناء إطار وطني يستوعب هذه الاختلافات، ويحترم التنوع، ويوفر مساحة مشتركة للتعايش والتعاون.
تجاوز الانقسامات الطبقية يتطلب سياسات اقتصادية واجتماعية تعيد توزيع الثروة والسلطة، وتخلق فرصاً متكافئة للجميع، وتحد من التفاوت الصارخ. تجاوز الانقسامات الدينية يتطلب دولة مدنية تحترم جميع الأديان، وتضمن حرية المعتقد، وتفصل بين الدين والسياسة، وتكافح التطرف بكل أشكاله. تجاوز الانقسامات الجهوية يتطلب تنمية متوازنة لجميع المناطق، ولامركزية حقيقية، واحترام للثقافات المحلية.
بناء الرأسمال الاجتماعي
الرأسمال الاجتماعي، أي شبكات الثقة والتعاون بين الأفراد والجماعات، هو أحد أهم مقومات النهضة. فالمجتمعات التي تمتلك رأسمالاً اجتماعياً عالياً تكون أكثر قدرة على العمل الجماعي، وحل المشكلات، ومواجهة التحديات، وتحقيق التنمية. أما المجتمعات التي تفتقر إلى الرأسمال الاجتماعي، فتكون مشلولة، غير قادرة على التعاون، ضعيفة في مواجهة الصعاب.
بناء الرأسمال الاجتماعي في مصر يتطلب جهوداً متعددة: تعزيز الثقة بين المواطنين والدولة عبر الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، وتشجيع العمل التطوعي والمجتمع المدني، وتقوية الروابط الأسرية والجوارية، وخلق مساحات للحوار والتواصل بين مختلف الفئات، وتعزيز ثقافة التضامن والتعاون.
دور الأسرة والتربية في بناء المجتمع
الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع، والتربية هي الأداة الأساسية لتشكيل الوعي والقيم والسلوك. النهضة لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح جذري في الأسرة والتربية. إصلاح الأسرة يعني تحسين أوضاعها الاقتصادية، ودعم استقرارها، وتوفير الرعاية الصحية والنفسية لأفرادها، وتوعيتها بأهمية التنشئة السليمة. إصلاح التربية يعني تطوير المناهج التعليمية لتكون أكثر تنويراً وإبداعاً ونقداً، وتدريب المعلمين على أساليب تعليمية حديثة، وتوفير بيئة مدرسية محفزة وآمنة، وربط التعليم بسوق العمل وباحتياجات المجتمع.
الأسرة والتربية هما أساس بناء الإنسان المصري الجديد، القادر على التفكير النقدي، والإبداع، والمبادرة، والمواطنة الفاعلة. بدون إصلاح الأسرة والتربية، تظل كل جهود النهضة هشة وسطحية.
---
الفصل السادس: النهضة الثقافية – نحو وعي جمعي جديد
التنوير كأساس للنهضة
النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون تنوير ثقافي، أي تغيير في طريقة التفكير والقيم والتصورات التي تسود المجتمع. التنوير يعني تبني العقلانية والنقد كأدوات لفهم العالم، واحترام العلم والمعرفة، وتقدير الإبداع والابتكار، ورفض الخرافة والتطرف والجهل، واعتماد التسامح والانفتاح كقيم أساسية.
التنوير في السياق المصري يتطلب مواجهة التيارات الظلامية التي تسيطر على جزء كبير من الفضاء الثقافي والديني، وتقديم بديل تنويري جذاب ومقنع، واستخدام وسائل الإعلام والتعليم والفنون لنشر قيم التنوير، وبناء مؤسسات ثقافية مستقلة تدعم الإبداع والفكر النقدي.
إعادة كتابة التاريخ
التاريخ ليس مجرد سرد للماضي، بل هو أداة لتشكيل الوعي الجمعي وبناء الهوية. النهضة تحتاج إلى إعادة كتابة التاريخ المصري، ليس لتزوير الماضي، بل لتقديم رواية أكثر نضجاً ووعياً، تعترف بإنجازات الماضي دون إضفاء المثالية عليها، وتعترف بأخطائه دون تضخيمها، وتستخلص دروساً للمستقبل، وتقدم نماذج إيجابية يمكن الاقتداء بها.
إعادة كتابة التاريخ تعني تجاوز الرواية الرسمية المملة أو المزيفة، والروايات الطائفية أو العنصرية، إلى رواية وطنية جامعة تعكس تنوع وثراء التجربة المصرية، وتحتفي بالمواطنين العاديين بقدر احتفائها بالفراعنة والملوك والقادة، وتقدم رؤية نقدية بناءة للماضي تمهد لمستقبل أفضل.
دور الفن والأدب في النهضة
الفن والأدب ليسا مجرد ترفيه، بل هما أدوات قوية لتشكيل الوعي ونقل القيم وإلهام التغيير. في لحظات النهضة، يلعب الفنانون والأدباء دوراً محورياً في التعبير عن روح العصر، وتقديم رؤى جديدة، ونقد الواقع، وتحفيز الخيال، وإلهام الجماهير.
النهضة المصرية تحتاج إلى فن وأدب يعبران عن هموم وتطلعات المصريين، وينقدان الواقع بجرأة وإبداع، ويقدمان نماذج إيجابية وأملاً بالمستقبل، ويعمقان الوعي الوطني والقيم الإنسانية، ويواجهان التطرف والجهل والفساد. هذا يتطلب حرية إبداعية كاملة، ودعماً للفنون والثقافة، وتشجيعاً للمواهب الشابة، وربطاً بين الإبداع الثقافي وقضايا المجتمع.
---
الفصل السابع: التعليم كأداة للتحول
أزمة التعليم المصري
التعليم في مصر يعيش أزمة خانقة، تجعله عائقاً للنهضة بدلاً من أن يكون دافعاً لها. المناهج قديمة وغير ملائمة، وطرق التدريس تقليدية ومملة، والمعلمون يعانون من تدني الأجور وضعف التدريب، والمدارس تعاني من نقص الموارد والاكتظاظ، والامتحانات تشجع على الحفظ والتلقين بدلاً من الفهم والإبداع، والمخرجات لا تتناسب مع احتياجات سوق العمل والمجتمع.
هذه الأزمة ليست نتيجة سوء إدارة فقط، بل هي نتيجة سياسات متعمدة تبقي التعليم ضعيفاً، لأن التعليم الجيد ينتج عقولاً ناقدة ومستقلة، تشكل تهديداً للأنظمة الاستبدادية. لكن النهضة تتطلب تعليماً قوياً، ينتج مواطنين متعلمين ومبدعين وناقدين، قادرين على بناء المستقبل.
رؤية جديدة للتعليم
النهضة تحتاج إلى رؤية جديدة للتعليم، تتجاوز النموذج التقليدي القائم على التلقين والحفظ، إلى نموذج قائم على التفكير النقدي وحل المشكلات والإبداع والتعلم المستدام. التعليم الجديد يجب أن يكون:
· تعليماً شاملاً يغطي جميع جوانب الشخصية، المعرفية والعاطفية والجسدية والاجتماعية. · تعليماً متكاملاً يربط بين المواد المختلفة، وبين المدرسة والمجتمع، وبين التعليم والحياة. · تعليماً نقدياً يشجع الطلاب على التساؤل والتحليل والنقد، ولا يفرض عليهم إجابات جاهزة. · تعليماً إبداعياً يشجع على الابتكار والتجريب والمخاطرة، ويكافئ الأفكار الجديدة. · تعليماً عملياً يربط بين المعرفة والتطبيق، ويزود الطلاب بمهارات عملية وقابلة للحياة. · تعليماً عادلاً يوفر فرصاً متكافئة للجميع، بغض النظر عن طبقتهم أو جنسهم أو منطقتهم.
دور المعلم في النهضة
المعلم هو الركيزة الأساسية لأي إصلاح تعليمي. لا يمكن أن يكون هناك تعليم جيد بدون معلمين مؤهلين ومتحمسين ومحترمين. النهضة تحتاج إلى إعادة تأهيل مهنة التعليم، عبر تحسين أوضاع المعلمين مادياً ومعنوياً، وتدريبهم على أساليب تعليمية حديثة، وإشراكهم في صنع القرار التعليمي، وتقييمهم بشكل عادل وموضوعي، وتوفير بيئة عمل محفزة وآمنة.
المعلم الجيد هو الذي يلهم طلابه، ويشعل فضولهم، وينمي قدراتهم، ويساعدهم على اكتشاف مواهبهم، ويكون قدوة لهم في النزاهة والالتزام والحب للمعرفة. الاستثمار في المعلمين هو أفضل استثمار يمكن أن تقوم به مصر لمستقبلها.
---
الفصل الثامن: الشباب وقوة التغيير
الشباب ثورة غير مستغلة
مصر دولة شابة، حيث يشكل الشباب نسبة كبيرة من السكان. هذه التركيبة السكانية الفتية هي ثروة هائلة، لكنها ثروة غير مستغلة، بل هي مهمشة ومكبوتة ومستنزفة. الشباب يعانون من البطالة، وضعف التعليم، وغياب الفرص، وانعدام الأفق، والمراقبة المشددة، والقمع السياسي. هذه الأوضاع تحول الشباب من قوة دافعة للنهضة إلى قنبلة موقوتة تهدد بالانفجار.
النهضة تحتاج إلى تحويل هذه الثروة البشرية الشابة إلى قوة منتجة ومبدعة. هذا يتطلب استثماراً ضخماً في التعليم والتدريب والصحة، وتوفير فرص عمل لائقة، ودعم ريادة الأعمال والابتكار، وإشراك الشباب في صنع القرار، وإطلاق طاقاتهم الإبداعية، ومنحهم الأمل في مستقبل أفضل.
الشباب كقوة تغيير سياسي
التاريخ يعلمنا أن الشباب هم دائماً في طليعة حركات التغيير والثورات. من ثورات 1848 في أوروبا، إلى ثورات 1968 في العالم، إلى ثورات الربيع العربي في 2011، كان الشباب هم المحرك الأساسي للتغيير. مصر ليست استثناء، فقد كان الشباب في طليعة ثورة 2011، وهم الذين دفعوا الثمن الأكبر.
النهضة تحتاج إلى شباب واعٍ ومنظم وقادر على الضغط من أجل التغيير. هذا يتطلب تنظيمات شبابية مستقلة، ومساحات للحوار والنقاش، وقنوات للتعبير عن المطالب، وتدريب على المهارات القيادية والسياسية، وتواصل بين الشباب في مختلف المناطق والطبقات. الشباب الواعي هو الضمانة الحقيقية ضد عودة الاستبداد، وهو الرافعة الأساسية لأي نهضة حقيقية.
تمكين الشباب اقتصادياً
التمكين الاقتصادي للشباب هو شرط أساسي لأي نهضة. فالشباب العاطل عن العمل، أو العامل في وظيفة هامشية، أو الغارق في الديون، لا يمكن أن يكون قوة تغيير أو بناء. التمكين الاقتصادي يعني توفير فرص عمل لائقة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير التمويل والتدريب، وتشجيع ريادة الأعمال والابتكار، وربط التعليم بسوق العمل، وتوفير شبكات حماية اجتماعية.
التمكين الاقتصادي للشباب ليس مجرد إجراء إنساني، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل مصر. فالشباب المنتج والمبدع هو الذي سيخلق الثروة، ويوفر فرص العمل، ويحقق التنمية، ويبني المستقبل.
---
الفصل التاسع: المرأة والنهضة – نصف المجتمع وعموده الفقري
تحرير المرأة شرط للنهضة
لا يمكن أن تكون هناك نهضة حقيقية في مجتمع يهمش نصف أفراده. المرأة المصرية تعاني من تمييز متعدد: قانوني، واجتماعي، واقتصادي، وثقافي. هذا التمييز يحرم المجتمع من طاقات نصف أفراده، ويضعف قدرته على التنافس والإبداع، ويعيد إنتاج علاقات القمع والهيمنة. تحرير المرأة ليس مجرد قضية حقوقية، بل هو شرط أساسي للنهضة الشاملة.
تحرير المرأة يعني المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، والقضاء على كل أشكال التمييز، وتوفير فرص متكافئة في التعليم والعمل والسياسة، وحماية المرأة من العنف والتحرش، وتغيير الثقافة السائدة التي تنظر إلى المرأة ككائن أدنى أو تابع، وتمكين المرأة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.
دور المرأة في النهضة
المرأة المصرية، رغم كل التحديات، لعبت أدواراً بطولية في تاريخ مصر، من الملكات الفرعونيات إلى رائدات النهضة الحديثة. المرأة هي عمود الأسرة الفقري، وهي المعلمة الأولى للأجيال، وهي شريكة الرجل في الإنتاج، وهي ناشطة سياسية واجتماعية. النهضة تحتاج إلى تعزيز هذه الأدوار، وتمكين المرأة من القيام بها بشكل كامل وفعال.
دور المرأة في النهضة يتطلب تمكينها من المشاركة الفاعلة في كل مجالات الحياة: التعليم، والعمل، والسياسة، والثقافة، والإبداع. كما يتطلب الاعتراف بمساهماتها وإنجازاتها، وتقديم نماذج نسائية ملهمة، وتشجيع الفتيات على الطموح والإنجاز، وتغيير الصور النمطية التي تحد من طموحات النساء.
الأسرة كشراكة متساوية
النهضة في الأسرة تبدأ بعلاقة متساوية بين الرجل والمرأة، تقوم على الاحترام المتبادل، والمشاركة في المسؤوليات، والتعاون في تربية الأبناء، وتوزيع عادل للأعمال المنزلية. الأسرة المتساوية هي الأساس لمجتمع متساوٍ، ولأطفال ينشأون على قيم العدل والمساواة والكرامة.
تغيير العلاقة داخل الأسرة يتطلب جهوداً ثقافية وتشريعية: قوانين تحمي حقوق المرأة داخل الأسرة، وتوعية مجتمعية بأهمية المساواة، ودعم نفسي وقانوني للنساء المعنفات، وتغيير في المناهج التعليمية والمواد الإعلامية التي تعزز الصور النمطية.
---
الفصل العاشر: دور الدين في النهضة – بين الإلهام والإعاقة
الدين بين التحرير والتسخير
الدين في مصر يمكن أن يكون قوة دافعة للنهضة، أو عائقاً كبيراً أمامها. ذلك يتوقف على كيف يُفهم ويُمارَس. الدين الذي يُفهم كدعوة للعدل والمساواة والكرامة الإنسانية، والذي يُمارس كرؤية روحية وأخلاقية تلهم الإنسان وتدفعه للتغيير، يمكن أن يكون قوة هائلة للنهضة. أما الدين الذي يُفهم كمجرد طقوس وشعائر، أو كأداة للسيطرة والتهميش، أو كخطاب متطرف يرفض العلم والتطور والتسامح، فإنه يصبح عائقاً كبيراً.
النهضة تحتاج إلى خطاب ديني تنويري، يؤمن بالحرية والعدل والتسامح، ويحترم العلم والعقل، ويكافح التطرف والخرافة، ويدعو إلى المشاركة الإيجابية في بناء المجتمع، ويتعاون مع الآخرين من مختلف الأديان والتيارات. هذا الخطاب ليس غائباً تماماً في مصر، لكنه يحتاج إلى دعم وتشجيع وإبراز.
مواجهة التطرف الديني
التطرف الديني هو أحد أخطر التحديات التي تواجه النهضة المصرية. التطرف ليس مجرد تيار ديني هامشي، بل هو مشروع سياسي واجتماعي يهدف إلى السيطرة على المجتمع وتوجيهه وفق رؤية مغلقة. التطرف يرفض التنوع والتعدد، ويكفر المخالفين، ويروج للعنف، ويكبت المرأة، ويعيق العلم والإبداع، ويربط الدين بالسياسة بشكل يلوثهما معاً.
مواجهة التطرف تتطلب استراتيجية متعددة المستويات: أمنية لمواجهة العنف، وفكرية لتفكيك الخطاب المتطرف، وثقافية لتقديم بديل تنويري، واقتصادية لمعالجة الأسباب الاجتماعية للتطرف، وتعليمية لتربية الأجيال على قيم التسامح والتنوع. هذه المواجهة ليست مسؤولية الدولة فقط، بل هي مسؤولية المجتمع بأسره، وخاصة المثقفين والدعاة والأسر.
بناء خطاب ديني تنويري
النهضة تحتاج إلى بناء خطاب ديني تنويري، يكون بديلاً جذاباً للخطاب المتطرف. هذا الخطاب يجب أن يقوم على أسس متينة: النصوص الدينية تُقرأ بمنهج نقدي تاريخي، وليس حرفي ظاهري، والعقل يُعتبر مصدراً للمعرفة إلى جانب النقل، والعلم يُحترم ويُشجع، والتسامح والتعايش مع الآخرين يُعتبران قيمة دينية، والمرأة تُعامل كشريك كامل، والدولة تكون مدنية لا دينية.
هذا الخطاب يحتاج إلى دعاة ومفكرين متخصصين، وإعلام يروج له، ومؤسسات تدعمه، ومناهج تعليمية تعتمده. وهو يحتاج أيضاً إلى أن يكون قريباً من الناس، بلغتهم البسيطة، وفي مساجدهم ومدارسهم وشوارعهم، ليكون منافساً حقيقياً للخطاب المتطرف.
---
الفصل الحادي عشر: العلاقات الخارجية – مصر في عالم متغير
إعادة تعريف المصالح الوطنية
السياسة الخارجية المصرية تحتاج إلى إعادة تعريف جذرية لمفهوم المصالح الوطنية. في العقود الأخيرة، أصبحت السياسة الخارجية المصرية تابعة إلى حد كبير للمحاور الإقليمية، خاصة المحور الخليجي، على حساب المصالح الوطنية الحقيقية. إعادة تعريف المصالح الوطنية يعني وضع مصلحة المواطن المصري أولاً، ومصلحة الأمة المصرية ثانياً، ثم التعامل مع القوى الخارجية على هذا الأساس.
المصالح الوطنية المصرية الحقيقية تشمل: الأمن القومي بالمعنى الشامل، والتنمية الاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والحفاظ على السيادة والاستقلال، ودعم القضايا العادلة، وبناء علاقات متوازنة مع جميع القوى الدولية والإقليمية.
استعادة الدور الإقليمي
مصر، بتاريخها ووزنها وإمكانياتها، يمكنها أن تلعب دوراً قيادياً في المنطقة. لكن هذا الدور تراجع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بسبب التراجع الداخلي والتبعية الخارجية. استعادة الدور الإقليمي تتطلب أولاً نهضة داخلية تعيد لمصر قوتها وثقتها، ثم سياسة خارجية مستقلة ونشطة، تبني تحالفات متوازنة، وتدعم القضايا العادلة، وتلعب دوراً إيجابياً في حل النزاعات الإقليمية، وتقدم نموذجاً تنموياً وحضارياً للآخرين.
الدور الإقليمي المصري يجب أن يكون دوراً بناءً، يقوم على التعاون والجوار، وليس على الهيمنة والتدخل. مصر يمكنها أن تكون جسراً بين الشرق والغرب، وبين العرب وأفريقيا، وبين الإسلام والغرب، وبين القوى الإقليمية المختلفة. لكن هذا الدور يتطلب إرادة سياسية وقدرات مادية ومعنوية.
التعاون جنوب – جنوب كبديل
في عالم يتجه نحو التكتلات الإقليمية والصراعات الكبرى، يمكن لمصر أن تبني استراتيجية تعاون مع دول الجنوب، خاصة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. هذا التعاون يمكن أن يكون بديلاً عن التبعية للغرب أو الخليج، ويمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للتنمية والتعاون والتكامل.
التعاون جنوب – جنوب يمكن أن يشمل تبادل الخبرات، والاستثمارات المشتركة، والتعاون العلمي والتكنولوجي، والدعم السياسي المتبادل، وبناء تحالفات استراتيجية. مصر، بموقعها وتاريخها وإمكانياتها، يمكنها أن تلعب دوراً محورياً في هذا التعاون، وأن تكون جسراً بين العالم العربي وأفريقيا وبقية الجنوب.
---
الفصل الثاني عشر: آليات التحول – كيف نبدأ؟
بناء الوعي كأول خطوة
أول خطوة في أي مشروع نهضوي هي بناء الوعي. قبل أن نغير المؤسسات، أو نصلح الاقتصاد، أو نطور التعليم، نحتاج إلى تغيير في العقول والقلوب. الوعي الجديد هو الذي سيدفع الناس للمطالبة بالتغيير، والمشاركة في بنائه، والدفاع عنه. بناء الوعي يعني نشر قيم النهضة، وتوعية الناس بحقوقهم وواجباتهم، وكشف آليات الاستبداد والفساد، وتقديم رؤية بديلة للمستقبل.
بناء الوعي يتطلب جهوداً متعددة: الإعلام، والتعليم، والثقافة، والفنون، والخطاب الديني، والنشاط الاجتماعي. كل هذه الأدوات يجب أن تستخدم لنشر قيم التنوير والمواطنة والعدالة والحرية، ولخلق حالة من الوعي الجماعي بأن التغيير ممكن وضروري.
بناء المؤسسات البديلة
بالتوازي مع بناء الوعي، تحتاج النهضة إلى بناء مؤسسات بديلة، تعمل في الفجوات التي يتركها النظام، وتقدم نماذج عملية للتغيير. هذه المؤسسات يمكن أن تكون تعاونيات، وجمعيات أهلية، ونقابات، ومراكز بحثية، ومدارس بديلة، ووسائل إعلام مستقلة، ومنصات رقمية، وشبكات تضامن.
بناء المؤسسات البديلة ليس سهلاً، وهو يتطلب جهوداً كبيرة، ويواجه تحديات وعقبات. لكنه ضروري لأي تحول حقيقي، لأنه يخلق القاعدة الاجتماعية والمؤسسية للتغيير، ويقدم نماذج عملية لما يمكن أن تكون عليه مصر الجديدة.
التحرك في الفجوات
النظام الرمادي، رغم قوته وانتشاره، يترك فجوات وثغرات يمكن التحرك من خلالها. هذه الفجوات هي مساحات الحرية النسبية، التي يمكن فيها تنظيم النشاط، وبناء البدائل، ونشر الوعي. التحرك في الفجوات يتطلب استراتيجية ذكية، تعرف أين ومتى وكيف تتحرك، وتستفيد من تناقضات النظام، وتتجنب المواجهة المباشرة غير المجدية.
التحرك في الفجوات يعني استغلال القنوات القانونية المتاحة، والعمل في المناطق الرمادية، والاستفادة من الانقسامات داخل النخبة، والتحرك في أوقات الانشغال، وبناء تحالفات غير متوقعة، والتواصل مع القوى الإقليمية والدولية الداعمة.
الصبر الاستراتيجي والرؤية الطويلة الأمد
النهضة ليست مشروعاً قصير الأمد، بل هي عملية طويلة ومعقدة، تحتاج إلى صبر استراتيجي ورؤية طويلة الأمد. التحول الحقيقي لا يحدث بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى سنوات وعقود من العمل المتواصل. الصبر هنا ليس سلبياً أو استسلاماً، بل هو استراتيجية ذكية تعرف متى تتحرك ومتى تتراجع، ومتى تواجه ومتى تتفادى، ومتى تهاجم ومتى تترسخ.
الرؤية الطويلة الأمد تعني التركيز على التغيير البنيوي العميق، وليس على المكاسب السريعة، وبناء القدرات والمؤسسات، وتربية الأجيال، وتغيير الثقافة، وخلق زخم تراكمي يؤدي في النهاية إلى تحول جذري. هذه الرؤية تحتاج إلى أهداف واضحة، واستراتيجيات مرنة، وتقييم مستمر، وتعاون واسع.
---
الخاتمة: نحو مصر جديدة
النهضة كرحلة لا نهاية لها
النهضة ليست محطة نصل إليها ونستقر، بل هي رحلة مستمرة، وديناميكية لا تتوقف، وعملية متجددة. كل جيل يواجه تحدياته الخاصة، وكل عصر يتطلب رؤيته الخاصة، وكل نهضة تبني على ما سبقها وتتجاوزه. مصر التي نحلم بها ليست مصراً مثالية، بل هي مصر أفضل من الحالية، وأكثر قدرة على مواجهة تحدياتها، وأكثر استعداداً لبناء مستقبلها.
النهضة هي مشروع أبدي، يتجدد مع كل جيل، ويتكيف مع كل عصر، ويستفيد من كل إنجاز. هي التزام دائم بالتحسين، وإيمان دائم بالإمكان، وعمل دائم على البناء.
رسالة إلى جيل النهضة
أنتم، جيل النهضة، حملتم أمانة التاريخ، وتحدي الحاضر، ومسؤولية المستقبل. أنتم الذين ستكتبون الفصل الجديد من تاريخ مصر، وستبنون نموذجها الجديد، وستحققون حلم أجيال. الطريق طويل وصعب، لكنه ليس مستحيلاً. هناك نماذج كثيرة في التاريخ لشعوب تمكنت من النهوض من تحت الأنقاض، وإعادة بناء نفسها من جديد.
النهضة تحتاج إلى إرادة لا تلين، وصبر لا ينفد، وعمل لا يتوقف، وحلم لا يموت. هي تحتاج إلى كل واحد منكم، وإلى كل طاقة وإبداع وموهبة يمكن أن تقدمها. هي تحتاج إلى أن نؤمن بأنفسنا، وأن نثق بقدراتنا، وأن نعمل معاً من أجل مستقبل أفضل.
كلمة أخيرة
مصر تستحق النهضة، وشعبها يستحقها، وتاريخها يستحقها. الظروف صعبة، والتحديات كبيرة، والطريق طويل. لكن مصر، عبر تاريخها الطويل، كانت دائماً أرضاً تعيد بناء نفسها من تحت الأنقاض، وتنهض من جديد بعد كل سقوط. هذه المرة لن تكون مختلفة، لأن في كل مصري بذرة نهضة، وفي كل بيت مصري حلم نهضة، وفي كل قرية ومدينة مشروع نهضة.
النهضة ليست حلماً بعيداً، بل هي قاب قوسين أو أدنى، تحتاج فقط إلى من يصدق بها ويعمل من أجلها. وهي ليست مشروع فرد أو جماعة، بل هي مشروع أمة بأكملها، تحتاج إلى كل جهد وكل فكرة وكل طاقة. فلنبدأ الآن، ولنعمل معاً، ولنبني مصر الجديدة التي نستحقها.
---
✍️ تحرير: 30 يوليو 2026
هذه الدراسة هي جزء من مشروع نهضة مصر، وهي مهداة إلى كل مصري يحلم بمستقبل أفضل، وكل مثقف يكتب تحت الرماد، وكل شاب يرفض الاستسلام، وكل امرأة تصنع التغيير، وكل طفل يستحق الغد.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
القاهرة 2120: مشروع إعادة اختراع المستقبل دراسة استشرافية في
...
-
ثنائية الهامش والمركز: الهجرة القسرية والعمل العابر للحدود ف
...
-
مُلَّاك الحقيقة المطلقة: تفكيك الآلية المزدوجة لاستباحة العق
...
-
تشكيل العقل العربي المعاصر في الألفية الثالثة: مقاربة نقدية
...
-
تفكيك العقد الاجتماعي المهتز: نحو قراءة بنيوية لاستنزاف الطب
...
-
العقد الاجتماعي المنكسر: نحو فهم بنيوي لاستنزاف الطبقة الوسط
...
-
صناعة الهشاشة الاجتماعية الدولة والمجتمع وإعادة إنتاج الضعف
...
-
الدولة الوظيفية: البيروقراطية وإعادة إنتاج التبعية في المجتم
...
-
دراسة في تاريخ ونظرية العُقَد النفسية -من الفكرة الثابتة إلى
...
-
العُقدة الرقمية: نحو نموذج تفسيري للاضطرابات النفسية في عصر
...
-
نقد -الروح البروتستانتية- من منظور مادي تاريخي: فيبر ضد مارك
...
-
الاقتصاد الرمزي للانتماء دراسة سوسيولوجية في تحولات الهوية و
...
-
الهيمنة المُعاد إنتاجها نموذج تركيبي لفهم إنتاج الاستضعاف ال
...
-
اقتلاع الجذور: آليات التفكيك المكاني والاجتماعي والنفسي في س
...
-
هندسة الإذلال النفسي : نموذج تفسيري للهشاشة المؤسسية وإنتاج
...
-
دراسة وتحليل ظاهرة السيطرة الخوارزمية وشبكات القوة العلمية-ا
...
-
العقل المنتصر : رواية
-
العقل المنتصر : تأمل في مصير الوعي الفردي في مواجهة العالم
-
الفقر والهشاشة البنيوية وإعادة إنتاج العنف دراسة في آليات ال
...
-
صائدو الدبابات والبطولات الفردية في حرب أكتوبر 1973م: دراسة
...
المزيد.....
-
شاهد.. سكان سياتل يؤوون أشخاصًا وسط فرارهم من إطلاق نار جماع
...
-
رجل يقطع ست ساعات سيرًا على الأقدام وعصا مشي مغروسة بجسده
-
مذكرة إحضار ثم تأجيل الاستجواب.. ما آخر التطوات القضائية في
...
-
لقطات بطائرة مسيّرة ترصد حريقا هائلا في مقاطعة كاستيون بشرق
...
-
هل يشهد النظام الإيراني -انقلاباً ناعماً-؟ اتهامات تطال بزشك
...
-
خلاف يفجّر أزمة في لواء جفعاتي.. عشرات الجنود الاسرائيليين ي
...
-
تمرد في الجيش الإسرائيلي.. عشرات الجنود من لواء -جفعاتي- يغا
...
-
التكتل الأوروبي.. خلاف حول قروض التسليح
-
نقص الغاز يهدد أوروبا بشتاء بارد
-
الحوثيون يدينون استهداف الحشد الشعبي
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|