أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد أحمد الصغير على عيد - العقل المنتصر : رواية















المزيد.....



العقل المنتصر : رواية


محمد أحمد الصغير على عيد

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 08:22
المحور: الادب والفن
    


الطبعة الأولى


الإهداء

إلى أسرتي التي كانت نوري في العتمة.
إلى أمي التي دعت لي في جوف الليل، ولم تنم حتى سمعت صوتي.
إلى زوجتي التي انتظرتني أربعة عشر عاماً دون أن تمل، وكان صبرها معجزة لا تليق بزمن خَـلُق من السراب.
إلى أطفالي الذين كانوا حلم العودة الذي لا يخبو، وعدتهم أن أعود، وقد عدتُ.
إلى أصدقائي الذين صدقوني عندما شكَّ فيَّ الجميع، ووقفوا معي عندما خانتني الأرض التي وطئتها.
إلى زملائي في معهد السينما الذين علموني أن الكاميرا يمكن أن تكون سلاحاً، وأن الصورة الصادقة أقوى من ألف خطاب.
إلى كل غريب في كل مكان:
يسمع أصواتاً ولا يصدقه أحد.
يَشُمُّ غازات ولا يجد مصدراً.
يكتب ولا يقرأ له أحد.
يَغرس فسيلة في آخر الزمان.
هذه الرواية لكم.
والله من وراء القصد.
والحمد لله رب العالمين.


تمهيد

هذه ليست رواية عادية. ليست سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، وليست قصة بوليسية، وليست عملًا سياسياً بحتاً. هذه شهادة. توثيق. صرخة مكتوبة بدل الصراخ المسموع.

هذه الرواية تحكي قصة يحيى، شاب من صعيد مصر، هاجر إلى أمريكا بحثاً عن حلم، فوجد نفسه فجأة في عالم لا يفهمه. عالم يصدر أصواتاً لا يسمعها غيره، ويضخ غازات في غرفته لا يجد مصدرها، وينشر عنه فيديوهات مزيفة تدمر سمعته قبل أن يبنيها.

الأطباء النفسيون قالوا "فصام". المجتمع قال "مجنون". لكن يحيى رفض أن يكون مجنوناً.

قرر أن يكتب. كتب كل شيء. الأصوات، الغازات، الخيانة، الحب، الصداقة، المقهى الصغير الذي أصبح وطناً، الأصدقاء الذين أصبحوا عائلة، والأم التي دعت له في جوف الليل لأربعة عشر عاماً.

هذه الرواية ليست عن أمريكا. ليست عن مصر. ليست عن الإرهاب أو الحرب عليه. هذه الرواية عن إنسان وجد نفسه فجأة في المكان الخطأ، في الزمان الخطأ، بلون بشرة خطأ، واسم خطأ، وحلم خطأ. ثم قرر ألا يموت. قرر أن يكتب. قرر أن ينتصر. ليس بالعنف. ليس بالكراهية. بالعقل المنتصر.

والآن، لنبدأ.


القصة الكاملة (النسخة الروائية)

يحيى ولد في قرية أبشوايا بمصر. توفي أبوه وهو صغير، فربته أمه وحده تقريباً، وأخوه الأصغر أحمد كان طفلاً لا يفهم كثيراً. في صباح 11 سبتمبر 2001، كان يحيى في التاسعة عشرة، جالساً أمام تلفزيون صغير بالأبيض والأسود، يشاهد البرجين ينهاران. لم يكن يعرف أن هذا اليوم سيغير حياته وحياة كل مسلم في العالم.

تخرج يحيى من الجامعة، وأصدر كتابه الأول، وخطب فتاة أحلامه نورا. لكنه كان فقيراً. لم يستطع الزواج. قرر الهجرة إلى أمريكا. هبط في مطار هيوستن بتكساس عام 2012، يحمل حقيبة سوداء رخيصة، ونسخة من كتابه، وأحلاماً كثيرة.

لم تكن أمريكا التي رآها من نافذة سيارة الكفيل هي أمريكا التي حلم بها. كانت أمريكا الباردة، الخائفة بعد 11 سبتمبر، التي تنظر إلى العربي المسلم كعدو محتمل. سكن يحيى في غرفة صغيرة خلف مكتب "مركز خدمة الطالب". لا نافذة تطل على الخارج. فقط سرير حديدي، ومرتبة بالية، وكرسي بلاستيكي.

بدأت الأعراض بعد عام: طنين في رأسه لا يتوقف، شعور بغازات في غرفته، أصوات تهمس له، آلام في جسده، إرهاق لا يزول. ذهب إلى أطباء نفسيين. قالوا فصام. وصفوا له أدوية. لكن الأعراض لم تتوقف.

في مقهى صغير اسمه "أبو عرب"، وجد يحيى عائلته الثانية. هناك تعرف على مصطفى (سائق التاكسي المصري الحزين)، وسمير (البقال السوري الساخر)، وبشار (الأمريكي المسلم الذي اعتقلته السلطات بتهم ملفقة)، ورامي (المهندس الفلسطيني الساخر والمر)، وأبو عرب (الفلسطيني صاحب المقهى الذي كان أباً للجميع). هناك رأى كيف كانت الجالية تعاني بعد 11 سبتمبر. رأى بشار يعتقل ويخرج منهكاً. رأى مصطفى يخسر زبائنه. رأى سمير يخفي هويته. رأى رامي يرتدي قناعاً في عمله ويكتب مقالات ضد النظام ليلاً.

ثم دخلت سارة. امرأة أمريكية شابة جميلة مهتمة، قالت إنها باحثة تدرس تأثيرات الهجرة. بدت متفهمة. بدت مصدقة. أحبها يحيى. أو هكذا ظن. بعد عام، اكتشف أنها عميلة. كانت تجمع معلومات عنه وعن الجالية.

انهار يحيى. خبط رأسه في الحائط. سجد طويلاً في صلاته. ثم قرر: لن يموت. لن يفقد عقله. سيكتب. سيشهد.

في نفس الفترة، كان يحيى يعاني من هوس بسيط: متابعة قصص بن لادن وتفجيرات البرجين. كان يشاهد الوثائقيات، يقرأ الكتب، يكتب في دفاتره. لم يكن يعرف لماذا. ربما كان يحاول فهم كيف يتحول الإنسان إلى وحش. ربما كان يخاف أن يصبح مثله.

أحمد، أخوه الأصغر في مصر، كان يتصل به باستمرار. لم يقل له "أنت مجنون". قال له "أنت بتحلل". أرسل له جهاز كشف غازات ليتأكد. ساعده في البحث عن الحقيقة.

نورا، خطيبته، كانت لا تزال تنتظره. ترسل له رسائل حب. ترتدي القلادة التي أرسلها لها. تزور أمه المريضة. تصنع له هدايا صغيرة. لا تشتكي. فقط تقول "أنا هنا".

ليندا، صحفية أمريكية مستقلة، دخلت حياته متأخرة. كانت قد قرأت بعض كتاباته على الإنترنت. آمنت بقصته. ساعدته في جمع تبرعات للعودة. نشرت مقالات عنه. كانت مختلفة عن سارة: حقيقية، واقعية، لا تقدم وعوداً لا تستطيع تنفيذها.

بعد 14 سنة، قرر يحيى العودة. أنهى إقامته طواعية. ودع أصدقاءه. صعد إلى الطائرة.

عاد إلى مصر. رأى أمه على كرسي متحرك. رأى نورا تبتسم وتبكي. رأى أحمد ودعاء. احتضنهم جميعاً.

في منزل العائلة في أبشوايا، زرع يحيى وأحمد فسيلتي زيتون. زرعهما جنباً إلى جنب، مثلهما. نورا ودعاء سقيتاهما. الأم دعت لهما.

في المشهد الأخير، جلس يحيى في الفناء، دخن سيجارته، وكتب في دفتره الأسود: "لن يحزن على حزنك أحد. العالم مليء بمقهورين مثلك. فتوقف عن البكاء. اقلب حزنك إلى كتاب. إلى شهادة. إلى فسيلة. هذا هو العقل المنتصر. ليس كبيراً. لكنه يكفي".

أغلق الدفتر. وضعه في جيبه. دخل إلى البيت. نورا تنتظره. ابتسم. ابتسمت.

النهاية.


المعالجة الأدبية للرواية

المقدمة: لماذا رواية وليس سيناريو فقط؟

السيناريو الذي كتبناه معاً هو الهيكل العظمي لهذه القصة. لكن الرواية ستكون الجسد كاملاً، بالدماء والأعصاب والذكريات والأفكار التي لا تستطيع الكاميرا تصويرها. الرواية تسمح لنا بالدخول إلى عقل يحيى عندما يكون وحيداً، وقلب نورا عندما تبكي في غرفتها، وعيون أحمد عندما يتصل بأخيه ويخاف ألا يرد.

الرواية تسمح لنا بفهم "الطنين" ليس كصوت مزعج فقط، بل كحالة وجودية. وتسمح لنا بالشعور بـ"الغازات" ليس كأداة اضطهاد مادية فقط، بل كاستعارة للخنق اليومي الذي يعيشه الغريب في بلاد ليست بلاده.

بنية الرواية

الرواية مقسمة إلى خمسة أجزاء رئيسية، تتناغم مع رحلة يحيى الزمنية والنفسية:

الجزء الأول: البذرة (2001-2012)
يركز على طفولة يحيى، علاقته بأمه وأخيه، حبه لنورا، حلم الهجرة، ومشاهدة 11 سبتمبر كنقطة تحول نفسية صامتة.

الجزء الثاني: الغربة (2012-2016)
يركز على سنوات يحيى الأولى في أمريكا، العمل الشاق، ظهور الأعراض (الأصوات، الغازات، الطنين)، التعرف على الجالية في مقهى "أبو عرب"، اعتقال بشار، وبداية علاقته بسارة.

الجزء الثالث: الخيانة والهوس (2016-2018)
يركز على تطور علاقة يحيى بسارة ثم انكشاف حقيقتها، الانهيار الكبير، هوسه المتزايد بقصة بن لادن، وبداية تحوله إلى الكتابة كسلاح وحيد.

الجزء الرابع: الكتابة والخلاص (2018-2026)
يركز على سنوات الكتابة المكثفة، رسائل نورا وأحمد، ظهور ليندا ودورها في جمع التبرعات، وقرار العودة إلى مصر.

الجزء الخامس: العودة والفسيلة (2026-2030)
يركز على لقاء العائلة في مصر، معاناة يحيى في التأقلم، رحيل الأم، زرع الفسائل، ولادة الأمل من جديد.

الشخصيات في الرواية (توسيع وتبيئة)

يحيى: في الرواية، سنتعرف على يحيى ليس فقط كضحية، بل كمفكر، ككاتب يعاني من شكٍ وجودي: "هل أنا مجنون حقاً، أم أن العالم الذي هاجرت إليه هو المجنون؟". سنعرف سبب خوفه من المرتفعات، وحكاية ندبة جبينه التي ستظهر لاحقاً.

نورا: في الرواية، نورا ليست مجرد خطيبة تنتظر. سنعيش معها سنوات الانتظار. سنرى دفترها الوردي المليء بالرسائل التي لم ترسل. سنرى كيف كانت تقضي أيامها، كيف كانت تزور أم يحيى، كيف كانت تبكي في الليل دون أن يراها أحد.

أحمد: في الرواية، أحمد ليس مجرد صوت في الهاتف. سنعرف طفولته مع يحيى، كيف كان يقلده، كيف كان يدافع عنه في المدرسة، كيف تحول من طفل صغير إلى مهندس يحاول فهم ما يحدث لأخيه بطريقته الهندسية المنطقية.

دعاء: في الرواية، دعاء ستكون الصوت الآخر. صوت المرح، الضحكة في الأوقات الصعبة، الصديقة التي تمسح دموع نورا وتقول لها "هيرجع، والله هيرجع".

الأم: في الرواية، الأم ليست مجرد شخصية جانبية. سنعرف حياتها كأرملة، كيف ربّت يحيى وأحمد بعد وفاة زوجها، كيف كانت تدعو ليحيى في كل صلاة، كيف كانت تكتم ألمها حتى لا تثقل على أبنائها.

أبو عرب ومصطفى وسمير وبشار ورامي: في الرواية، كل واحد منهم سيأخذ مساحة أكبر. سنعرف لماذا هاجروا، ماذا تركوا وراءهم، وكيف يعيشون صراع الهوية اليومي في أمريكا.

سارة: في الرواية، سنتساءل مع يحيى: هل أحبته حقاً أم كانت تمثل طوال الوقت؟ سنترك الإجابة غامضة، كما هي غامضة في ذهنه.

ليندا: في الرواية، سنعرف قصة أختها مارغريت بالتفصيل. سنرى كيف تحول ألم ليندا الشخصي إلى مهمة إنسانية لمساعدة ضحايا النظام.

المؤثرات الصوتية والبصرية (في الرواية): الطنين سيكون شخصية قائمة بذاتها تقريباً. سنصفه في كل مرة بشكل مختلف: أحياناً كنبض، أحياناً كصوت بعوضة عملاقة، أحياناً كصوت محرك لا يتوقف. الغازات ستكون حاضرة ليس فقط في مشاهد أمريكا، بل في ذاكرة يحيى حتى بعد عودته.

اللغة والأسلوب

سأكتب الرواية بلغة عربية فصيحة واضحة، لكنها ليست جامدة. سأستخدم الحوارات العامية (المصرية والأمريكية أحياناً) لإضفاء الواقعية. سأمزج السرد الموضوعي مع الدخول إلى أعماق الشخصيات (تيار الوعي). سأحرص على أن تكون الجمل قصيرة في مشاهد التوتر، وأطول في مشاهد التأمل والذكريات.

أمثلة على الأسلوب:

في مشاهد التوتر: "الطنين. دائماً الطنين. لا يتوقف. لا يهدأ. لا يرحم."

في مشاهد الذاكرة: "تذكر يحيى ذلك الصباح في القاهرة، حين كان التلفزيون الصغير يعرض البرجين وهما ينهاران. تذكر رائحة الشاي الذي برد في كأسه، ورائحة قطعة الجبن التي لم يأكلها. تذكر أنه بكى ذلك اليوم بكاء الأطفال، قبل أن يتعلم أن يبكي بصمت."

في مشاهد الحوار:
"إنت مش مجنون يا يحيى." (صوت أحمد في الهاتف، واضحاً، حاداً، كالمهندس الذي يحلل مشكلة). "إنت بتحلل. واللي بيحلل كتير بيلاقي حاجات مزعجة."


نص الرواية

الجزء الأول: البذرة

الفصل الأول: ذلك الصباح

في صباح يوم لم يكن مختلفاً عن سابقه في الظاهر، كان يحيى جالساً على الأرض في شقته الصغيرة بحي شعبي في القاهرة. تلفزيون صغير بالأبيض والأسود يوضع على طاولة خشبية مهترئة، يذيع برنامجاً دينياً هادئاً. كان عمره تسعة عشر عاماً، لكن عينيه كانتا تحملان شيئاً من التعب المبكر، تعب من قرأ كثيراً قبل أن يجرب الحياة.

بجانبه كوب شاي نصف ممتلئ، برد بالفعل، وقطعة جبن بيضاء على طبق بلاستيكي. كان صباحاً عادياً. لا شيء يوحي بأن العالم سينقلب بعد دقائق.

لم يتذكر يحيى لاحقاً ماذا كان يفكر قبل أن يقطع المذيع برنامجه. ربما كان يفكر في الجامعة، في الامتحانات، في الكتاب الذي كان يقرأه هذه الأيام. ربما كان يفكر في المستقبل الغامض الذي يراه كضباب خفيف على بعد خطوات. لكنه تذكر جيداً صوت المذيع وهو يصرخ، أو يكاد يصرخ:

"نقلًا عن وكالات الأنباء... اصطدام طائرة ركاب بأحد برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك... التفاصيل قادمة."

توقف يحيى عن المضغ. رفع عينيه إلى الشاشة. رأى برجين طويلين، وأحدهما يخرج منه دخان كثيف. لم يفهم ما يحدث. ظن أنها مجرد حادثة عرضية، طائرة صغيرة أخطأت مسارها، شيء يحدث في مكان بعيد لا يعنيه.

لكنه شعر بشيء غريب في صدره. ضيق خفيف. تنفس عميقاً، ثم اقترب من التلفزيون حتى كادت جبهته تلامس الزجاج البارد.

"طائرة ثانية... يا إلهي... طائرة ثانية تصطدم بالبرج الآخر."

شاهد البرجين وهما يشتعلان معاً. شاهد الدخان الأسود يملأ الشاشة الصغيرة. شاهد الناس يركضون في الشوارع، وجوههم مذعورة، أفواههم مفتوحة على صراخ لا يصل إليه.

لم يتحرك. لم يغمض عينيه. فقط شاهد.

وبعد لحظات، انقطعت الصورة. أصبحت الشاشة ثلجاً، أزيزاً أبيض مزعجاً. لكن يحيى ظل واقفاً، لا يتحرك.

ثم سمع الهمس.

لم يأتِ الهمس من التلفزيون، ولا من الشارع، ولا من الجيران. جاء من الداخل، من دماغه، من صدره، من روحه. همس خافت، مبحوح، كأنه قادم من زمن بعيد أو من مستقبل لا يريد أن يأتي:

"ستتغير حياتك."

التفت يحيى خلفه بسرعة. الغرفة فارغة. الستائر تتحرك من الهواء القادم من نافذة صغيرة تطل على شارع ضيق. لا أحد.

عاد الهمس، أقوى قليلاً هذه المرة:

"ستتغير حياة كل مسلم."

لم يتحرك يحيى. لم يبح بكلمة. ظل واقفاً ينظر إلى الشاشة السوداء التي تعكس الآن وجهه المتجمد.

ثم جلس على الأرض فجأة، ظهره إلى الحائط. أحس بشيء ينهار في داخله، ليس البرجين، بل شيء آخر، شيء لم يعرف له اسماً بعد. بكى بصمت. لم يخرج صوتاً، لكن الدموع نزلت على خديه بحرية، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.

بكى طويلاً. بكى حتى جفت الدموع وحل محلها فراغ غريب.

لم يكن يعلم أن هذه الدموع ستكون الأولى في بحر دموع لن ينضب. لم يكن يعلم أن أمريكا التي سيهاجر إليها بعد سنوات ليست أمريكا التي حلم بها. لم يكن يعلم أن ذلك الهمس الذي سمعه كان صادقاً: ستتغير حياته، وستتغير حياة كل مسلم، لكنه لم يخبره كيف.

ربما كان الهمس نفسه لا يعلم.


الفصل الثاني: النعناع في الفناء

كانت أم يحيى تحب النعناع. تزرعه في أصيص فخاري كبير في فناء منزلهم الريفي بأبشوايا، وتسقيه كل صباح قبل شروق الشمس. كانت تقول إن النعناع يحتاج إلى صبر. تسقيه قليلاً قليلاً، يومياً، ولا تنتظر أن يكبر بين ليلة وضحاها. "زي النعناع كده، يا ولدي، الصبر حلو، والأيام بتمر، وإنت مش حاسس، وفجأة تلاقي الزرع كبر وأوراقه اتمدت".

كان يحيى طفلاً حين زرعت أمه النعناع أول مرة. كان عمره ربما ست سنوات، يتذكر يدها المرتجفة قليلاً (كانت حتى في ذلك الوقت ترتجف يدها، عادة من السكري الذي لم يكتشف بعد)، وهي تضع البذور في التراب الأسود الرطب. كان يقف بجانبها، ينظر بدهشة إلى تلك الحبيبات الصغيرة التي ستتحول إلى نبات بعد أسابيع.

"هتخرج من التراب دي؟" سألها.

"هتخرج، إن شاء الله. كل حاجة بتخرج من التراب، يا ولدي. احنا كمان طالعين من تراب."

لم يفهم معنى كلامها حينها. لكنه فهمه بعد سنين طويلة، بعد أن طار في طائرة فوق المحيط، بعد أن نزل في مطار هيوستن، بعد أن رأى أمريكا الباردة لأول مرة. أمريكا التي لا ريح فيها ولا نعناع ولا تراب يذكر بالجذور.

كانت أمه في ذلك الوقت قد كبرت. مرضت بالقلب وارتفاع الضغط. لم تعد تستطيع السير دون مساعدة. كان النعناع لا يزال هناك، في الفناء، يكبر كل عام ويمتد، وكأنه يقول: "أنا هنا. الجذور هنا. لا تنسَ".

لم ينسَ يحيى. كان يتصل بأمه كل أسبوع، حتى في أصعب أيامه في أمريكا. كان يسمع صوتها المتعب يقول: "ربنا يسترك، يا ولدي. متنساش إن إنت ليك جذور هنا". وكان يبكي بعد المكالمة، ثم يمسح دموعه، ويعود إلى غرفته الصغيرة التي لا نافذة فيها، إلى الطنين الذي لا يتوقف، إلى الغازات التي لا يراها أحد لكنه يشعر بها في صدره.

كان يحلم بالفناء. بالتراب. برائحة النعناع بعد المطر. كان يحلم بيوم يعود فيه ويزرع شيئاً بجانب النعناع. شجرة. أي شجرة. حتى لو فسيلة صغيرة، أغصانها ضعيفة، لكنها حية. زيتون. زيتون كما تزرعه الفلاحين في بلاده. زيتون يظلل أحفاده بعد أن يموت.

لم يكن يعلم أن هذا الحلم الصغير سيكون هو الخيط الذي يمسك به لئلا يسقط في الهاوية. لم يكن يعلم أن الفسيلة ستصبح رمزاً لكل شيء: للصبر، للعودة، للانتصار الذي لا يحتاج إلى أسلحة.

لكنه كان يعلم شيئاً واحداً: أنه سيعود. لا يعلم متى، ولا يعلم كيف، لكنه سيعود. إلى أمه، إلى النعناع، إلى نورا التي تنتظره، إلى التراب الذي يعرف اسمه.



الجزء الأول: البذرة (2001-2012)

الفصل الثالث: حفلة الزفاف

في ربيع عام 2004، كان يحيى في الثانية والعشرين. كان لا يزال طالباً جامعياً في كلية الآداب، قسم الفلسفة. كان شعره أسود كثيفاً، وعيناه حالمتين، لكن فيهما قليلاً من الجدية التي ظهرت بعد أن قرأ نيتشه وكامو ونجيب محفوظ. كان يظن أن الدنيا بسيطة، وأن الحب هو أهم شيء فيها.

دُعي إلى حفل زفاف ابن عم والده في قرية مجاورة. لم يكن يريد الذهاب في البداية. كان مشغولاً بامتحانات نصف السنة، وكانت فلسفة كانط تثقل عليه. لكن أمه أصرت.

"روح يا يحيى. تشم الهوا شوية. القعدة على الكتب بتعجن المخ."

ذهب. لم يكن يعرف أن ذلك الحفل سيغير حياته.

كانت الساحة مضاءة بأضواء ملونة معلقة بين الأشجار. الرجال والنساء يفترقون في حلقات منفصلة، كل حسب تقاليدهم. فرقة شعبية تعزف المزمار والطبلة بصوت عالٍ يجعل الأرض تهتز. أجساد ترقص، أقدام تدوس التراب، زغاريد تتصاعد من حلق النساء.

وقف يحيى في طرف حلقة الرجال، يشارك أحياناً في التصفيق، ويبتسم أحياناً للمزاح، لكن عينيه كانتا تبحثان عن شيء لم يكن يعرف وصفه بعد.

ثم رآها.

نورا كانت تجلس بين النسوة، في الجهة المقابلة. كانت ترتدي فستاناً وردياً بسيطاً من قماش قطني، وشعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها. كانت تبتسم بخجل، تنظر بين الحين والآخر إلى جانب الرجال، ثم تخفض عينيها بسرعة كأنها تخاف أن يرها أحد.

لم يكن يحيى يعرفها. لم يسبق له أن رآها من قبل. لكنه شعر فجأة بشيء غريب. كأن قلبه توقف للحظة، ثم عاد يدق أسرع. كأن الهواء أصبح أخف. كأن المزمار لم يعد صاخباً، بل يعزف لحناً خاصاً بهما فقط.

تذكر يحيى بعد ذلك اليوم تفاصيل كثيرة. لكنه تذكر دائماً تلك النظرة الأولى، كيف تاهت عيناه في عينيها البنيتين الواسعتين، وكيف اختفى كل شيء من حوله: الزحام، الضوضاء، الدخان، كل شيء.

بعد ساعات، حين هدأت الحفلة قليلاً وخف الزحام، وجد يحيى نفسه واقفاً خارج قاعة الأفراح، تحت شجرة كبيرة. السمادير تتدلى من أغصانها، والنجوم تظهر من بين الأوراق. لم يكن يعرف كيف خرج، لكنه وجد نفسه هناك.

ونورا كانت هناك أيضاً.

وقفت أمامه، تخفض رأسها، تلعب بطرف حزامها. كانت تبتسم لكنها تخفي ابتسامتها. كان يحيى يحاول أن يبتسم لكن صوته كان يرتجف قليلاً.

"أنا يحيى."

"أنا نورا." كاد صوتها لا يُسمع من الخجل.

"عجبني اسمك."

رفعت عينيها للحظة، ثم خفضتهما بسرعة. "عجبني... عجبني قميصك." ثم ضحكت.

ضحك يحيى أيضاً. ضحكة حقيقية، من القلب، لم يشعر بها منذ زمن.

لم يتحدثا كثيراً في تلك الليلة. قليل من الكلمات، وكثير من النظرات الخجولة. لكنهما تبادلا أرقام الهواتف (كان يحيى لا يزال يستخدم هاتفاً نوكيا قديماً، وكانت نورا تفخر بهاتفها الصغير الجديد). ثم تفرقا مع وعد بالاتصال.

في الطريق إلى المنزل، كان يحيى صامتاً. كانت أمه بجانبه في السيارة، تحدثته، لكنه لم يكن يسمع. كان يرى عيون نورا البنية أمامه، ويسمع ضحكتها الخجولة.

"إيه يا يحيى؟ نايم ولا إيه؟" سألته أمه.

ابتسم. "ولا حاجة يا أمي. أنا تمام."

لكنه لم يكن تماماً. لقد تغير شيء في داخله. شيء جميل. شيء اسمه نورا.

---

الفصل الرابع: ست سنوات من الانتظار

لم تكن خطوبتهما تقليدية. لم يذهب والد نورا ليطلب يدها من أبيها (كان والد نورا متوفياً منذ سنين، وكان عمها هو ولي أمرها). لكن يحيى ذهب إلى عمها، وجلس أمامه في غرفة المعيشة البسيطة، وقال: "أريد أن أتزوج نورا".

نظر إليه عمها طويلاً. كان رجلاً صارماً، وجهه قاسٍ، لكن عينيه كانتا فيهما شيء من الحنو. قال له: "وإيه اللي معاك؟ شقة؟ عفش؟ مؤهل؟ فلوس؟"

لم يكن مع يحيى شيء. كان لا يزال طالباً، يعيش مع أمه وأخيه في بيت العائلة. لم يكن يملك نقوداً، ولا شقة، ولا عفشاً. لكنه كان يملك شيئاً واحداً: قلبه.

قال له: "أنا بحب نورا. وحأشتغل وأجيب فلوس وأتزوجها. بس محتاج وقت."

قال له عمها: "الوقت ده قد إيه؟ ست سنين ولا سبعين سنة؟"

ضحك يحيى من داخل الحرج. قال: "سنتين. تلات سنين كحد أقصى."

وافقت العائلة. خطب يحيى نورا في حفل بسيط، حضرته العائلتان فقط. قدم لها خاتماً فضياً بسيطاً (لم يكن يملك الذهب)، ووعدها بأكثر مما يستطيع أن يقدم.

مرت السنوات. سنة، ثم اثنتان، ثم ثلاث، ثم ست. كان يحيى يعمل هنا وهناك، يحاول أن يجمع المال، لكن الظروف كانت صعبة. كان ينشر أبحاثاً في مجلات ثقافية صغيرة، ويحضر مؤتمرات، ويكتب روايته الأولى التي لم تنشر قط. كان يحلم بالهجرة إلى أمريكا. كان يظن أن أمريكا هي الحل، أن أمريكا ستمنحه المال والعمل والكرامة، وأنه سيعود بعد عام أو عامين ليتزوج نورا ويحقق حلمه.

لكن نورا ظلت تنتظر. لم تشتكِ يوماً. كانت تكتب له رسائل حب طويلة، وتقرأها عليه عبر الهاتف في الليل، وكان يسمع صوتها الدافئ، وكانت دموعه تنزل دون أن يشعر.

كانت تقول له: "أنا مستنياك يا يحيى. مش مهم الفلوس. ولا العفش. ولا الشقة. المهم إنك ترجع."

وكان يعدها: "قريباً. والله قريباً. بعد ما أوصل أمريكا وأشتغل شوية، هارجع وهنتجوز وهنفتح بيت زي الفل."

لم تكن تعلم نورا أن أمريكا لن تكون كما يتخيل. لم تكن تعلم أن يحيى سيبقى هناك أربعة عشر عاماً، وأنها ستظل تنتظر كل هذه السنوات، وحدها، في غرفتها، تبكي في الليل وتضحك في النهار كي لا يراه أحد.

لم يكن يحيى يعلم هو الآخر. كان يظن أن الحياة بسيطة، وأن الحلم قريب، وأن أمريكا هي أرض الفرص. كان يحمل في حقيبته كتابه الأول "عقلانية الحداثة المؤيدة"، وكان يحلم بأن يصبح كاتباً مشهوراً، وأن يقرأ اسمه في الصحف، وأن تراه نورا على التلفزيون وتقول لأمها: "هذا زوجي".

لكن الأحلام لا تتحقق دائماً بالطريقة التي نتوقعها. أحياناً تتحقق بعد أن تحترق، ثم تنمو من رمادها كفسيلة زيتون غرست في أرض قاحلة، ثم كبرت رغم الجفاف.

---

الفصل الخامس: الحقيبة السوداء

في صيف 2012، حزم يحيى حقيبته السوداء. كانت حقيبة رخيصة اشتراها من سوق الجمعة في أبشوايا بخمسين جنيهاً. سحابها كان عسراً بعض الشيء، وعجلتها اليمنى تصدر صريراً منذ اليوم الأول.

وضع فيها ملابسه المتواضعة (كلها كانت متسخة تقريباً، ولم يكن يملك غيرها). صابونة ديتول اشتريها من مصر، ظن أن رائحتها ستحميه من كل شيء. فرشاة أسنان ومعجون رخيصين. ونسخة من كتابه الأول "عقلانية الحداثة المؤيدة". كان الكتاب قد نشر في الأردن قبل عامين، وغلافه الأبيض بات متسخاً قليلاً من كثرة التقليب. كان يحيى يمسكه كتعويذة، كدليل على أنه ليس مجرد عامل بسيط، بل باحث ومفكر وكاتب.

في الليلة الأخيرة قبل السفر، جلست أمه بجانبه على سريره. كانت تبكي بصمت. لم تكن تريد أن يراها، لكنه كان يسمع شهقاتها الخفيفة.

"أمي، ماتخافيش. أنا هارجع بسرعة."

"عيني عليك يا يحيى. إنت ولدي الغالي. ربنا يسترك ويحميك."

"بإذن الله يا أمي. هبعتلك فلوس كل شهر. هتاخدين علاجك بانتظام. وهنبقى على تواصل كل يوم."

كانت تعلم أنها لن تستطيع منعه. كان حلمه كبيراً، وكان يقف في عينيه ذلك البريق الذي لا يخبو. تركته يذهب.

في الصباح، كانت السيارة القديمة تنتظر أمام الباب. كان السائق (جارهم أبو زيد) ينتظر بفارغ الصبر ليقبض أجر الرحلة الطويلة إلى المطار. ودّع يحيى أمه، ودّع نورا (التي أتت خصيصاً لتودعه، وعيناها منتفختان من البكاء)، ودّع أخاه أحمد الذي كان يمسك حقيبته الثانية ويبتسم رغم حزنه.

"أنا جاي، يا نورا. والله جاي. سنة أو سنتين بالكتير."

ابتسمت نورا. "أنا مستنياك. حتى لو أربعين سنة."

صعد إلى السيارة. تحركت. نظر من النافذة الخلفية إلى أمه ونورا وأحمد وهم يتقلصون في الغبار.

تذكر حديث النبي: "لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فليغرسها". لم يكن يعرف لماذا تذكره الآن. لكنه تذكره. ربما لأن قلبه كان يعرف ما لا يعرفه عقله.

---

الفصل السادس: نافذة على لا شيء

في مطار هيوستن، تكساس، شعر يحيى بالفرق في الضغط الجوي قبل أن يشعر بالفرق في الهواء. كان الحر رطباً، لزجاً، يلتصق بالجلد كطبقة ثانية غير مرئية. مشى في الممر الطويل، يحمل حقيبته السوداء على كتفه الأيمن، وانتظر في صالة الوصول مع مئات الوجوه المتعبة، كلها غريبة، كلها لا تنظر إليه.

الكفيل كان رجلاً في الخمسينيات، بديناً، وجهه أحمر من الشمس وكثرة الأكل، يرتدي بدلة غير رسمية لا تناسبه. لم يصافح يحيى، ولم يبتسم، ولم يقل "أهلاً بك في أمريكا". قال فقط: "أنت يحيى؟ تفضل. في انتظارك".

كانت هذه أول كلمة يسمعها يحيى في أمريكا. "تفضل". ليست "مرحباً". ليست "أهلاً وسهلاً". فقط "تفضل". كأنه جاء لموعد عمل، لا ليبدأ حياة جديدة.

في السيارة، لم يتحدث الكفيل كثيراً. كان الراديو يذيع أخباراً عن أسعار البترول، ويحيى لم يكن يفهم نصف الكلمات. نظر من النافذة، فرأى ناطحات سحاب زجاجية تشرق في الضوء، وبحراً أزرق يمتد على جانب الطريق، ثم فجأة تحول المشهد إلى صحراء قاحلة، أكوام حجارة، أسلاك كهربائية متدلية من أعمدة صدئة، ومبانٍ متواضعة كأنها من عالم آخر.

"أمريكا التي رأيتها من نافذة السيارة ليست أمريكا التي حلمت بها. كانت أمريكا التي تريد أن تنسى أنك موجود، وأنت تذكرها كل يوم بوجودك."

لم يقل يحيى هذه الجملة بصوت عالٍ، لكنه كان يفكر فيها. كان يفكر في أن الحلم أصبح حقيقة، وأن الحقيقة كانت قاسية.

وصلوا إلى "ميدلاند"، مدينة نفطية صغيرة، متوسطة الحجم، لا تختلف عن مدن تكساس الأخرى: مباني منخفضة، شاحنات نفط تمر في كل اتجاه، حرارة، غبار، أعلام أمريكية على أعمدة الكهرباء، وناس لا تنظر إلى بعضها.

توقف الكفيل أمام مبنى صغير من طابقين. قال: "هنا. ده مكان شغلك. وده سكنك." وأشار إلى باب في نهاية الممر.

دخل يحيى. الغرفة صغيرة جداً. لا نافذة تطل على الخارج، فقط نافذة صغيرة (عشرون في عشرين سنتيمتراً) تطل على المكتب العام. في الغرفة: سرير حديدي صدئ، مرتبة بالية تظهر منها زنبركات، وسادة قديمة لونها تحول إلى الأصفر، وغطاء متسخ. لا خزانة، لا كرسي، لا منضدة. فقط السرير.

وضع حقيبته على السرير. جلس على حافة السرير. نظر حوله. كانت رائحة الغبار والرطوبة والعفن تملأ المكان. شعر بغصة في حلقه، لكنه لم يبكي. كان قد تعلم ألا يبكي بسهولة.

أخرج هاتفه القديم، وتصل بأمه. سمع صوتها المتعب يقول: "ألو؟". قال: "أمي، أنا وصلت". بكى بعد أن أغلق الخط.

في تلك الليلة، نام يحيى على السرير الحديدي، ونظر إلى السقف المتشقق، وبدأ يعد الشقوق: واحد، اثنان، ثلاثة... لم يكمل العد. نام قبل أن يصل إلى العشرة. نام للأول مرة في أمريكا، والطنين لم يبدأ بعد.

لكنه كان قادماً. لم يكن يعلم أن الطنين سيصبح رفيقه الدائم لأربعة عشر عاماً.



الجزء الأول: البذرة (2001-2012)

الفصل الثالث: حفلة الزفاف

في ربيع عام 2004، كان يحيى في الثانية والعشرين. كان لا يزال طالباً جامعياً في كلية الآداب، قسم الفلسفة. كان شعره أسود كثيفاً، وعيناه حالمتين، لكن فيهما قليلاً من الجدية التي ظهرت بعد أن قرأ نيتشه وكامو ونجيب محفوظ. كان يظن أن الدنيا بسيطة، وأن الحب هو أهم شيء فيها.

دُعي إلى حفل زفاف ابن عم والده في قرية مجاورة. لم يكن يريد الذهاب في البداية. كان مشغولاً بامتحانات نصف السنة، وكانت فلسفة كانط تثقل عليه. لكن أمه أصرت.

"روح يا يحيى. تشم الهوا شوية. القعدة على الكتب بتعجن المخ."

ذهب. لم يكن يعرف أن ذلك الحفل سيغير حياته.

كانت الساحة مضاءة بأضواء ملونة معلقة بين الأشجار. الرجال والنساء يفترقون في حلقات منفصلة، كل حسب تقاليدهم. فرقة شعبية تعزف المزمار والطبلة بصوت عالٍ يجعل الأرض تهتز. أجساد ترقص، أقدام تدوس التراب، زغاريد تتصاعد من حلق النساء.

وقف يحيى في طرف حلقة الرجال، يشارك أحياناً في التصفيق، ويبتسم أحياناً للمزاح، لكن عينيه كانتا تبحثان عن شيء لم يكن يعرف وصفه بعد.

ثم رآها.

نورا كانت تجلس بين النسوة، في الجهة المقابلة. كانت ترتدي فستاناً وردياً بسيطاً من قماش قطني، وشعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها. كانت تبتسم بخجل، تنظر بين الحين والآخر إلى جانب الرجال، ثم تخفض عينيها بسرعة كأنها تخاف أن يرها أحد.

لم يكن يحيى يعرفها. لم يسبق له أن رآها من قبل. لكنه شعر فجأة بشيء غريب. كأن قلبه توقف للحظة، ثم عاد يدق أسرع. كأن الهواء أصبح أخف. كأن المزمار لم يعد صاخباً، بل يعزف لحناً خاصاً بهما فقط.

تذكر يحيى بعد ذلك اليوم تفاصيل كثيرة. لكنه تذكر دائماً تلك النظرة الأولى، كيف تاهت عيناه في عينيها البنيتين الواسعتين، وكيف اختفى كل شيء من حوله: الزحام، الضوضاء، الدخان، كل شيء.

بعد ساعات، حين هدأت الحفلة قليلاً وخف الزحام، وجد يحيى نفسه واقفاً خارج قاعة الأفراح، تحت شجرة كبيرة. السمادير تتدلى من أغصانها، والنجوم تظهر من بين الأوراق. لم يكن يعرف كيف خرج، لكنه وجد نفسه هناك.

ونورا كانت هناك أيضاً.

وقفت أمامه، تخفض رأسها، تلعب بطرف حزامها. كانت تبتسم لكنها تخفي ابتسامتها. كان يحيى يحاول أن يبتسم لكن صوته كان يرتجف قليلاً.

"أنا يحيى."

"أنا نورا." كاد صوتها لا يُسمع من الخجل.

"عجبني اسمك."

رفعت عينيها للحظة، ثم خفضتهما بسرعة. "عجبني... عجبني قميصك." ثم ضحكت.

ضحك يحيى أيضاً. ضحكة حقيقية، من القلب، لم يشعر بها منذ زمن.

لم يتحدثا كثيراً في تلك الليلة. قليل من الكلمات، وكثير من النظرات الخجولة. لكنهما تبادلا أرقام الهواتف (كان يحيى لا يزال يستخدم هاتفاً نوكيا قديماً، وكانت نورا تفخر بهاتفها الصغير الجديد). ثم تفرقا مع وعد بالاتصال.

في الطريق إلى المنزل، كان يحيى صامتاً. كانت أمه بجانبه في السيارة، تحدثته، لكنه لم يكن يسمع. كان يرى عيون نورا البنية أمامه، ويسمع ضحكتها الخجولة.

"إيه يا يحيى؟ نايم ولا إيه؟" سألته أمه.

ابتسم. "ولا حاجة يا أمي. أنا تمام."

لكنه لم يكن تماماً. لقد تغير شيء في داخله. شيء جميل. شيء اسمه نورا.


الفصل الرابع: ست سنوات من الانتظار

لم تكن خطوبتهما تقليدية. لم يذهب والد نورا ليطلب يدها من أبيها (كان والد نورا متوفياً منذ سنين، وكان عمها هو ولي أمرها). لكن يحيى ذهب إلى عمها، وجلس أمامه في غرفة المعيشة البسيطة، وقال: "أريد أن أتزوج نورا".

نظر إليه عمها طويلاً. كان رجلاً صارماً، وجهه قاسٍ، لكن عينيه كانتا فيهما شيء من الحنو. قال له: "وإيه اللي معاك؟ شقة؟ عفش؟ مؤهل؟ فلوس؟"

لم يكن مع يحيى شيء. كان لا يزال طالباً، يعيش مع أمه وأخيه في بيت العائلة. لم يكن يملك نقوداً، ولا شقة، ولا عفشاً. لكنه كان يملك شيئاً واحداً: قلبه.

قال له: "أنا بحب نورا. وحأشتغل وأجيب فلوس وأتزوجها. بس محتاج وقت."

قال له عمها: "الوقت ده قد إيه؟ ست سنين ولا سبعين سنة؟"

ضحك يحيى من داخل الحرج. قال: "سنتين. تلات سنين كحد أقصى."

وافقت العائلة. خطب يحيى نورا في حفل بسيط، حضرته العائلتان فقط. قدم لها خاتماً فضياً بسيطاً (لم يكن يملك الذهب)، ووعدها بأكثر مما يستطيع أن يقدم.

مرت السنوات. سنة، ثم اثنتان، ثم ثلاث، ثم ست. كان يحيى يعمل هنا وهناك، يحاول أن يجمع المال، لكن الظروف كانت صعبة. كان ينشر أبحاثاً في مجلات ثقافية صغيرة، ويحضر مؤتمرات، ويكتب روايته الأولى التي لم تنشر قط. كان يحلم بالهجرة إلى أمريكا. كان يظن أن أمريكا هي الحل، أن أمريكا ستمنحه المال والعمل والكرامة، وأنه سيعود بعد عام أو عامين ليتزوج نورا ويحقق حلمه.

لكن نورا ظلت تنتظر. لم تشتكِ يوماً. كانت تكتب له رسائل حب طويلة، وتقرأها عليه عبر الهاتف في الليل، وكان يسمع صوتها الدافئ، وكانت دموعه تنزل دون أن يشعر.

كانت تقول له: "أنا مستنياك يا يحيى. مش مهم الفلوس. ولا العفش. ولا الشقة. المهم إنك ترجع."

وكان يعدها: "قريباً. والله قريباً. بعد ما أوصل أمريكا وأشتغل شوية، هارجع وهنتجوز وهنفتح بيت زي الفل."

لم تكن تعلم نورا أن أمريكا لن تكون كما يتخيل. لم تكن تعلم أن يحيى سيبقى هناك أربعة عشر عاماً، وأنها ستظل تنتظر كل هذه السنوات، وحدها، في غرفتها، تبكي في الليل وتضحك في النهار كي لا يراه أحد.

لم يكن يحيى يعلم هو الآخر. كان يظن أن الحياة بسيطة، وأن الحلم قريب، وأن أمريكا هي أرض الفرص. كان يحمل في حقيبته كتابه الأول "عقلانية الحداثة المؤيدة"، وكان يحلم بأن يصبح كاتباً مشهوراً، وأن يقرأ اسمه في الصحف، وأن تراه نورا على التلفزيون وتقول لأمها: "هذا زوجي".

لكن الأحلام لا تتحقق دائماً بالطريقة التي نتوقعها. أحياناً تتحقق بعد أن تحترق، ثم تنمو من رمادها كفسيلة زيتون غرست في أرض قاحلة، ثم كبرت رغم الجفاف.


الفصل الخامس: الحقيبة السوداء

في صيف 2012، حزم يحيى حقيبته السوداء. كانت حقيبة رخيصة اشتراها من سوق الجمعة في أبشوايا بخمسين جنيهاً. سحابها كان عسراً بعض الشيء، وعجلتها اليمنى تصدر صريراً منذ اليوم الأول.

وضع فيها ملابسه المتواضعة (كلها كانت متسخة تقريباً، ولم يكن يملك غيرها). صابونة ديتول اشتريها من مصر، ظن أن رائحتها ستحميه من كل شيء. فرشاة أسنان ومعجون رخيصين. ونسخة من كتابه الأول "عقلانية الحداثة المؤيدة". كان الكتاب قد نشر في الأردن قبل عامين، وغلافه الأبيض بات متسخاً قليلاً من كثرة التقليب. كان يحيى يمسكه كتعويذة، كدليل على أنه ليس مجرد عامل بسيط، بل باحث ومفكر وكاتب.

في الليلة الأخيرة قبل السفر، جلست أمه بجانبه على سريره. كانت تبكي بصمت. لم تكن تريد أن يراها، لكنه كان يسمع شهقاتها الخفيفة.

"أمي، ماتخافيش. أنا هارجع بسرعة."

"عيني عليك يا يحيى. إنت ولدي الغالي. ربنا يسترك ويحميك."

"بإذن الله يا أمي. هبعتلك فلوس كل شهر. هتاخدين علاجك بانتظام. وهنبقى على تواصل كل يوم."

كانت تعلم أنها لن تستطيع منعه. كان حلمه كبيراً، وكان يقف في عينيه ذلك البريق الذي لا يخبو. تركته يذهب.

في الصباح، كانت السيارة القديمة تنتظر أمام الباب. كان السائق (جارهم أبو زيد) ينتظر بفارغ الصبر ليقبض أجر الرحلة الطويلة إلى المطار. ودّع يحيى أمه، ودّع نورا (التي أتت خصيصاً لتودعه، وعيناها منتفختان من البكاء)، ودّع أخاه أحمد الذي كان يمسك حقيبته الثانية ويبتسم رغم حزنه.

"أنا جاي، يا نورا. والله جاي. سنة أو سنتين بالكتير."

ابتسمت نورا. "أنا مستنياك. حتى لو أربعين سنة."

صعد إلى السيارة. تحركت. نظر من النافذة الخلفية إلى أمه ونورا وأحمد وهم يتقلصون في الغبار.

تذكر حديث النبي: "لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فليغرسها". لم يكن يعرف لماذا تذكره الآن. لكنه تذكره. ربما لأن قلبه كان يعرف ما لا يعرفه عقله.


الفصل السادس: نافذة على لا شيء

في مطار هيوستن، تكساس، شعر يحيى بالفرق في الضغط الجوي قبل أن يشعر بالفرق في الهواء. كان الحر رطباً، لزجاً، يلتصق بالجلد كطبقة ثانية غير مرئية. مشى في الممر الطويل، يحمل حقيبته السوداء على كتفه الأيمن، وانتظر في صالة الوصول مع مئات الوجوه المتعبة، كلها غريبة، كلها لا تنظر إليه.

الكفيل كان رجلاً في الخمسينيات، بديناً، وجهه أحمر من الشمس وكثرة الأكل، يرتدي بدلة غير رسمية لا تناسبه. لم يصافح يحيى، ولم يبتسم، ولم يقل "أهلاً بك في أمريكا". قال فقط: "أنت يحيى؟ تفضل. في انتظارك".

كانت هذه أول كلمة يسمعها يحيى في أمريكا. "تفضل". ليست "مرحباً". ليست "أهلاً وسهلاً". فقط "تفضل". كأنه جاء لموعد عمل، لا ليبدأ حياة جديدة.

في السيارة، لم يتحدث الكفيل كثيراً. كان الراديو يذيع أخباراً عن أسعار البترول، ويحيى لم يكن يفهم نصف الكلمات. نظر من النافذة، فرأى ناطحات سحاب زجاجية تشرق في الضوء، وبحراً أزرق يمتد على جانب الطريق، ثم فجأة تحول المشهد إلى صحراء قاحلة، أكوام حجارة، أسلاك كهربائية متدلية من أعمدة صدئة، ومبانٍ متواضعة كأنها من عالم آخر.

"أمريكا التي رأيتها من نافذة السيارة ليست أمريكا التي حلمت بها. كانت أمريكا التي تريد أن تنسى أنك موجود، وأنت تذكرها كل يوم بوجودك."

لم يقل يحيى هذه الجملة بصوت عالٍ، لكنه كان يفكر فيها. كان يفكر في أن الحلم أصبح حقيقة، وأن الحقيقة كانت قاسية.

وصلوا إلى "ميدلاند"، مدينة نفطية صغيرة، متوسطة الحجم، لا تختلف عن مدن تكساس الأخرى: مباني منخفضة، شاحنات نفط تمر في كل اتجاه، حرارة، غبار، أعلام أمريكية على أعمدة الكهرباء، وناس لا تنظر إلى بعضها.

توقف الكفيل أمام مبنى صغير من طابقين. قال: "هنا. ده مكان شغلك. وده سكنك." وأشار إلى باب في نهاية الممر.

دخل يحيى. الغرفة صغيرة جداً. لا نافذة تطل على الخارج، فقط نافذة صغيرة (عشرون في عشرين سنتيمتراً) تطل على المكتب العام. في الغرفة: سرير حديدي صدئ، مرتبة بالية تظهر منها زنبركات، وسادة قديمة لونها تحول إلى الأصفر، وغطاء متسخ. لا خزانة، لا كرسي، لا منضدة. فقط السرير.

وضع حقيبته على السرير. جلس على حافة السرير. نظر حوله. كانت رائحة الغبار والرطوبة والعفن تملأ المكان. شعر بغصة في حلقه، لكنه لم يبكي. كان قد تعلم ألا يبكي بسهولة.

أخرج هاتفه القديم، وتصل بأمه. سمع صوتها المتعب يقول: "ألو؟". قال: "أمي، أنا وصلت". بكى بعد أن أغلق الخط.

في تلك الليلة، نام يحيى على السرير الحديدي، ونظر إلى السقف المتشقق، وبدأ يعد الشقوق: واحد، اثنان، ثلاثة... لم يكمل العد. نام قبل أن يصل إلى العشرة. نام للأول مرة في أمريكا، والطنين لم يبدأ بعد.

لكنه كان قادماً. لم يكن يعلم أن الطنين سيصبح رفيقه الدائم لأربعة عشر عاماً.


الفصل السابع: أول يوم عمل

في صباح اليوم التالي، أيقظه صوت المفاتيح في قفل الباب. كان الكفيل يقف في الإطار، وجهه الأحمر لا يزال كما هو، لم يتغير. قال: "إنت صاحي؟ تمام. تعالى معايا. هوريك شغلك قبل ما تبدأ".

تبعه يحيى إلى المكتب. كان مكاناً ضيقاً، مليئاً بالطابعات القديمة والأوراق المبعثرة وهاتف لا يتوقف عن الرنين. أشار الكفيل إلى طابعة: "دي طابعة الأبحاث". وإلى أخرى: "دي طابعة العقود". وإلى جهاز كمبيوتر قديم: "ده الكمبيوتر اللي هتشتغل عليه".

كان يحيى ينظر إلى كل شيء بصمت، يحاول أن يتذكر، أن يفهم، أن يمتص المعلومات.

ثم اقترب الكفيل منه، خفض صوته كأنه يهمس بسر: "عندك ثلاثة شهور تثبت إنك بتعرف تشتغل. لو ما عجبتني، هسفرك. وبلاش تتعب حالك. المحامي غالي. ومحدش هيساعدك."

ابتلع يحيى ريقه. لم يرد. فقط أومأ برأسه.

في تلك الأيام الأولى، كان يحيى يعمل اثنتي عشرة ساعة يومياً. كان يدخل البيانات، يرتب الأوراق، يرد على الزبائن، وينظف المكتب في نهاية اليوم. كان يأكل رغيفاً يابساً وعلبة سردين من حين لآخر. كان يرسل معظم راتبه لأمه ونورا، ويبقي لنفسه القليل.

كان التعب ينهكه. كان جسده يوجعه. لكنه كان يخفي كل شيء.

في الليل، في غرفته الصغيرة، كان يكتب في دفتره الأسود (الذي اشتراه من مكتبة صغيرة في اليوم الثالث). كان يكتب ملاحظات عن يومه، عن مشاعره، عن الخوف الذي بدأ ينمو في صدره.

ولم يكن يعلم بعد أن تلك الكتابة الصغيرة ستكون بداية شيء أكبر.


الفصل الثامن: الطنين يبدأ

بعد عام تقريباً، بدأت تظهر الأعراض.

كان الطنين أولها. لم يأتِ فجأة، بل تدريجياً، كصوت بعوضة في أذن لا تستطيع قتلها. كان خافتاً في البداية، يكاد لا يُسمع، لكنه كان هناك.

اعتقد يحيى أنه مجرد تعب، أو ضغط نفسي، أو أثر جانبي لدواء لم يتناوله بانتظام. لكن الطنين لم يتوقف. أصبح أقوى. أصبح جزءاً من صمته.

في الليل، كان ينام على السرير الحديدي، والطنين يملأ رأسه. كان يضع وسادته على أذنه، لكنه لم يجد جدوى. كان الطنين قادماً من الداخل، لا من الخارج.

ثم جاءت الغازات.

كان يشعر فجأة بضيق في التنفس. بحرقان في حلقه. بدموع تنزل من عينيه دون سبب. كان يشم رائحة غريبة، كأنها فلفل حار ممزوج بمطهر، لكنه لا يرى مصدرها. كان ينظر حوله، يتأكد من التهوية، لكنه لا يجد شيئاً.

ثم جاءت الأصوات.

همسات. خافتة. متقطعة. كأنها تأتي من جدران الغرفة أو من رأسه.

"انتبه." "لا تثق بهم." "سيرحلونك." "لن تعود."

كان يحيى يخاف. كان يظن أنه يفقد عقله. كان يظن أن هناك مؤامرة ضده، نظاماً سرياً يستخدم ضده أسلحة لا يفهمها.

ذهب إلى طبيب نفسي. جلس في عيادة الدكتور ريتشاردز، وهو رجل في الخمسينيات، وجهه متعب، لكن عينيه كانتا حنونتين.

"ماذا تشعر؟" سأله الطبيب.

"طنين. غازات. أصوات."

دوّن الطبيب ملاحظاته. قال: "قد تكون مصاباً بالفصام. أو اضطراب وهامي. سأصف لك أدوية. تعال بعد شهر."

خرج يحيى من العيادة وهو يحمل روشتة الدواء. نظر إليها. لم يكن يفهم الإنجليزية جيداً. لكنه كان يفهم كلمة واحدة: "Schizophrenia".

"فصام." كلمة ثقيلة. كلمة جاهزة لقتل أي حلم.

في الليل، فتح علبة الديباكين. أخرج حبة صغيرة. نظر إليها طويلاً. كيف لشيء بهذا الحجم أن يقف بينه وبين الجنون؟

ابتلع الحبة. نام. لكن الطنين لم يتوقف. كان هناك، ينتظره، كصديق مزعج لا يغادر.

لم يكن يحيى يعلم بعد أن الطنين سيصبح جزءاً من هويته. جزءاً من صراعه. جزءاً من قصته. وأنه سيكتب عنه يوماً ما في سطور لا تموت.



الجزء الثاني: الغربة (2012-2016)

الفصل التاسع: مقهى أبو عرب

في أحد أيام 2014، كان يحيى يمشي في شوارع ميدلاند بحثاً عن مكان يشعر فيه بالدفء. لم يكن يعرف بالضبط ما الذي كان يبحث عنه. ربما كان يبحث عن رائحة القهوة التركي، أو عن صوت أم كلثوم، أو عن وجوه تشبه وجهه.

وجد المقهى بالصدفة. كان مبنى صغيراً، واجهته صفراء باهتة، ونافذته مغبرة. فوق الباب لافتة مكتوب عليها: "مقهى أبو عرب". سمع من الداخل صوت أم كلثوم تغني "الأطلال"، فشم رائحة القهوة والشيشة، فدخل دون تردد.

كانت الجدران صفراء باهتة، وعليها صور: أهرامات الجيزة، مسجد قباء، برج خليفة، قبة الصخرة. في الزاوية مذياع صغير يذيع أغاني الزمن الجميل. وفي الوسط طاولات بلاستيكية وكراسي متواضعة.

أبو عرب كان يقف خلف الكاونتر. كان رجلاً فلسطينياً في الخامسة والخمسين، بديناً قليلاً، يرتدي سروالاً واسعاً وقميصاً أبيض نصف مكوي. كانت عيناه حنونتان لكنهما متعبتان، ويداه ترتجفان قليلاً حين يصب القهوة.

رأى يحيى، فابتسم ابتسامة دافئة، وقال: "أهلاً وسهلاً. مصري؟"

"أيوه مصري."

"إحنا كلنا مصريين هنا. حتى أنا الفلسطيني." ضحك. "تفضل. القهوة على حسابي. أول مرة ببلاش. وبعد كده ببلاش برضه... على مهلك."

جلس يحيى على طاولة في الزاوية. شعر للحظة أن هذا المكان يمكن أن يكون وطناً بديلاً.

في الأيام التالية، تعرف يحيى على رواد المقهى.

مصطفى كان مصرياً في الأربعين، سائق تاكسي. كان وجهه أسمر متعباً، وعيناه حزينتان لا تبتسمان. كان يدخن سيجارة تلو الأخرى، ولا يتكلم كثيراً. في أحد الأيام، قال ليحيى: "من مصر؟ أبشوايا؟ أنا من الإسكندرية. هتتعب. بس هتتعود. الكل بيتعود."

سمير كان سورياً في الخامسة والثلاثين، يعمل في محل بقالة. كان نحيلاً، يرتدي سروالاً جينزاً قديماً، ويضحك ضحكة غريبة جافة. قال ليحيى في أول لقاء: "شكلك لسه جديد. عينك لسه فيها بريق." قال يحيى: "بريق إيه؟ أنا تعبان." قال سمير: "التعب ده اسمه أمريكا. هتتعود عليه. لحد ما يبقى أنت."

بشار كان أمريكياً من أصل أفريقي في الثامنة والعشرين. كان أسمر داكن اللون، عيناه سريعتان وعصبيتان، يرتدي زياً أزرق شبه عسكري (كان يعمل في الأمن). كان يحيى يخافه في البداية، لكنه اكتشف أنه طيب القلب.

رامي كان فلسطينياً أمريكياً في الثلاثين. كان شعره أسود كثيفاً، ونظارته طبية سميكة، ويرتدي قميصاً رسمياً لكن غير مكوي. كان ساخراً، مراً، لا يثق بأحد. قال ليحيى مرة: "إنتوا عايزين تعيطوا؟ تعالى اشتغل في شركة اسمها جهاد ولا فتح ... هاتعرف معنى الإرهاب الحقيقي."

كانوا خمسة رجال مختلفين، جمعتهم الغربة والوجع والحلم الضائع.

في أحد الأيام، دخل بشار إلى المقهى بوجه متحفز. جلس دون أن يتكلم. أبو عرب أحضر له قهوة دون أن يطلبها. نظر بشار إلى وجوههم واحداً واحداً، ثم همس:

"شباب. فيه خبر وحش. ناس اتعرفت عليهم... اتقبض عليهم. من زمان من أسبوعين. اكتشفت دلوقتي. اتقبض عليهم عشان كانوا بيتكلموا عربي في التليفون."

صمتت القاعة. حتى أم كلثوم بدت وكأنها تخفت. مصطفى أطفأ سيجارته نصف المنتهية وسأل: "إيه الجريمة؟" قال بشار: "الجريمة إنهم عرب."

تذكر يحيى ذلك اليوم جيداً. تذكر كيف شعر بالخوف يتسلل إلى قلبه. تذكر كيف نظر إلى الرجال الخمسة حوله ورأى في عيونهم نفس الخوف.

في ذلك اليوم، فهم يحيى أن أمريكا التي هاجر إليها ليست أمريكا التي قرأ عنها في الكتب. كانت أمريكا الخائفة. أمريكا الغاضبة. أمريكا التي تبحث عن عدو.

وكان هو العدو المثالي.

---

الفصل العاشر: بشار في السجن

بعد أسابيع من ذلك اليوم، اختفى بشار. لم يأتِ إلى المقهى. لم يرد على الهاتف. لم يعد إلى بيته.

كانت زوجته تقف أمام مبنى الاحتجاز الرمادي، تبكي بصوت مكتوم. كانت ترتدي عباءة سوداء وشعرها مغطى بطرحة سوداء (كانت أمريكية بيضاء أسلمت بعد زواجها من بشار). كانت عيناها حمراوان، ووجهها شاحباً.

وقفت بجانبها حائرة. لم تكن تعرف ماذا تفعل. ثم جاء يحيى.

وقف بجانبها، وقال: "هحاول أجمع فلوس من الجالية. هنتحرك. مش هنسبه."

نظرت إليه، وقالت: "إنت ليه بتعمل كده؟ إنت لسه جديد هنا. إنت ما تعرفناش حتى."

قال: "لأن بشار صاحبي. وانتوا أهلي هنا."

في تلك اللحظة، شعر يحيى بشيء غريب. كأن الهمس الذي كان يطارده منذ سنوات قد عاد: "أنت التالي."

التفت يحيى. لم ير أحداً.

بعد ثلاثة أشهر، أطلق سراح بشار. خرج من الباب الحديدي الثقيل، وقد تغير. لحيته طويلة غير مهذبة، عيناه غائرتان جداً، وملابسه متسخة ممزقة.

ركضت زوجته إليه، واحتضنته، وبكت. وقف أصدقاء المقهى على بعد: يحيى، أبو عرب، مصطفى، سمير، رامي. كلهم حضروا.

اقتربوا منه. قال بشار بصوت مكسور أجش: "إنتوا جيتوا؟"

قال أبو عرب: "إحنا معاك يا ولدي. طول الوقت. كلنا هنا."

انهار بشار. بكى كطفل صغير، بصوت مرتفع، وكتفاه تهتزان. قال: "ظننت إنكم نسيتوني. ظننت إن محدش هيتذكرني."

احتضنه يحيى. قال: "نسيتك؟ إنت واحد مننا. إنت أخويا."

في ذلك اليوم، فهم يحيى معنى جديداً للعائلة. لم تكن العائلة مجرد دم. كانت العائلة هي من يقف بجانبك عندما يخونك الجميع.

---

الفصل الحادي عشر: الهمس يعلو

في الليل، في غرفته الصغيرة، كان يحيى يسمع الأصوات.

لم تكن الأصوات تأتي من الخارج، بل من الداخل. كانت تهمس له بكلمات متقطعة، تارة بالعربية وتارة بالإنكليزية.

"انتبه. لا تثق بهم. سيرحلونك. أنت التالي."

كان يظن أن هذه الأصوات هي بداية الجنون. كان يظن أنه يحتاج إلى جرعات أكبر من الدواء. لكن الدواء لم يكن يوقف الأصوات. كان فقط يجعلها أقل وضوحاً.

في بعض الليالي، كان يرى المنطاد الأحمر.

كان يظهر في السماء، بعيداً، كعين حمراء تراقبه. كان يتحرك ببطء، يتوقف، ثم يتحرك مجدداً. كان يحيى متأكداً أن ذلك المنطاد يتبعه.

كان يخرج من غرفته في半夜، ويقف أمام المبنى، وينظر إلى السماء. كان المنطاد هناك، ثابتاً، ينظر إليه. كان يشعر برعشة برد تسري في جسده، ويعود إلى غرفته، ويغلق الباب، ويجلس في الظلام.

كان يكتب في دفتره الأسود:

"المنطاد الأحمر. لماذا يتبعني؟ من أرسله؟ ماذا يريد مني؟"

لم يكن يعرف الجواب. لكنه كان متأكداً من شيء واحد: لم يكن وحده في هذه المعركة. كان هناك من يراقبه. كان هناك من يخطط ضده.

أم أنه كان يفقد عقله؟

لم يكن يعرف. وكان هذا الجهل هو أشد أنواع العذاب.

---

الفصل الثاني عشر: سارة

في عام 2016، دخلت سارة حياة يحيى.

كانت امرأة أمريكية شابة، في أواخر العشرين، بشعر أشقر طويل وعيون زرقاء نافذة. كانت ترتدي فساتين بسيطة وجذابة، وتبتسم ابتسامة دافئة، لكن عينيها كانتا تحللان كل شيء حولها.

التقت بيحيى في المقهى. كانت المرة الأولى التي تجلس فيها امرأة أمريكية بمفردها بجانبه. قال لها بحذر: "من أنت؟" قالت: "أنا سارة. أعمل في مركز أبحاث. ندرس التأثيرات النفسية للهجرة على الشباب العربي."

كان يحيى متشككاً. لكن سارة كانت تعرف كيف تكسب ثقته. كانت تستمع له باهتمام، وتطرح أسئلة ذكية، وتبدو متفهمة.

في البداية، كان يحيى حذراً. لكن مع الوقت، بدأ يذوب. كانت سارة أول شخص في أمريكا يفهمه. كانت أول شخص يصدق قصته.

في أحد الأيام، قالت له: "أنا أحبك يا يحيى."

شعر يحيى بالارتباك. قال: "أنا مرتبط يا سارة. في نورا. خطيبتي في مصر. بتستنى مني من سنين."

قالت: "أنا لا أريد أن أسرقك. أريد فقط أن أكون معك الآن. هنا."

لم يستطع المقاومة. شعر بالحب. شعر بالرغبة. شعر بأنه ليس وحيداً.

لكن هذا الشعور لم يدم طويلاً.

بعد عام، اكتشف الحقيقة.

تم استدعاؤه إلى مكتب حكومي. جلس أمام ضابطين يرتديان بدلات زرقاء داكنة، وجوههما حجرية. قال أحدهما: "السيد يحيى، هل تعرف السيدة سارة كولينز؟"

"نعم."

"السيدة سارة تعمل لدى إحدى الجهات الحكومية. مهمتها كانت جمع معلومات عن جاليات عربية وإسلامية في المنطقة. وأنت كنت أحد أهدافها."

شعر يحيى كأن الأرض تسحب من تحت قدميه. سأل: "هل... هل مشاعرها كانت حقيقية؟" لم يجبه أحد.

خرج من المبنى. مشى في الشارع كالزومبي. ثم توقف أمام جدار أسمنتي رمادي، وبدأ يخبط رأسه فيه.

مرة. مرتين. ثلاث مرات. نزل الدم من جبينه. لكنه لم يشعر بالألم.

كان يشعر بالغباء. بالخيانة. بالفضيحة.

ظن أنه وجد الحب. كان يظن أنه ليس وحيداً. لكنه كان وحيداً أكثر من أي وقت مضى.

في تلك الليلة، سجد يحيى في صلاته سجوداً طويلاً. بكى. ودعا. ثم قرر: لن يموت. لن يفقد عقله. سيكتب. سيشهد.

فتح الحاسوب القديم. فتح ملفاً جديداً. كتب عنواناً:

"العقل المنتصر."

بدأ يكتب. لم يتوقف حتى الصباح.

في ذلك اليوم، بدأ يحيى يتحول من ضحية إلى شاهد.

---

الفصل الثالث عشر: المقهى بعد 11 سبتمبر

كان مقهى أبو عرب مكاناً خاصاً. لم يكن مجرد مقهى، بل كان ملاذاً. كان مكاناً يشعر فيه العرب والأمريكيون المسلمون بالأمان.

لكن بعد 11 سبتمبر، تغير كل شيء.

كان الزبائن الأمريكيون يغادرون بسرعة. كان الجيران ينظرون إليهم بارتياب. كان بعض المتطرفين يلوحون لهم بإشارات تهديد.

في أحد الأيام، وضع أحد الجيران لافتة على بابه: "هذا المقهى مملوك لفلسطيني. قاطعوه." جاء أبو عرب وخلع اللافتة، لكن الأذى كان قد وقع.

في الليل، كان يحيى يجلس في المقهى مع أصدقائه، يتحدثون عن الخوف، عن المستقبل، عن الحلم الضائع.

كان مصطفى يقول: "أنا النهاردة وقفت عربية أمريكي. أول ما شاف وشي قال لي: إنت من وين؟ قلت له: مصر. قال لي: الحمد لله إنك مش سعودي. سكت. ما عرفش أرد."

كان سمير يضحك بمرارة ويقول: "أنا بطلت أقول إني سوري. بقول إني لبناني. أهون شوية."

كان بشار يقول: "إنتوا لسه بتشتغلوا. أنا اللي بشوف الناس بتغير الطريق لما يشوفوا وشي الأسود وقفتي عليَّ."

كان رامي يسخر ويقول: "إنتوا عايزين تعيطوا؟ تعالى اشتغل في شركة اسمها جهاد ولا فتح ... هاتعرف معنى الإرهاب الحقيقي."

كانوا يضحكون. لكن ضحكاتهم كانت مرة.

في تلك الليالي، كان يحيى يشعر بأنه ليس وحيداً. كان يشعر بأنه جزء من عائلة. عائلة من الغرباء.

كانوا يسمعون أصواتاً في رؤوسهم. لكنهم لم يكونوا مجانين. كانوا مجرد بشر يحاولون العيش في بلاد لا تريدهم.



الجزء الثالث: الخيانة والهوس (2016-2018)

الفصل الرابع عشر: انهيار

بعد أن اكتشف يحيى حقيقة سارة، لم يعد كما كان.

كان يجلس في غرفته الصغيرة لساعات، لا يتحرك، لا يأكل، لا يتحدث. كان الطنين في رأسه يصبح أعلى كل يوم. كان الغازات تملأ غرفته كل ليلة. كان الأصوات تهمس له بكلمات قاسية: "أنت غبي. كيف وقعت في الفخ؟ أنها لا تحبك. هي عميلة. هي عميلة. هي عميلة."

لم يعد يثق بأحد. كان يظن أن كل أمريكي يقابله هو عميل. كان يظن أن كل امرأة تبتسم له هي سارة جديدة.

في أحد الأيام، خبط رأسه في الحائط. مرة. مرتين. ثلاث مرات. نزل الدم من جبينه. لكنه لم يشعر بالألم. كان يشعر بالغباء. بالخيانة. بالفضيحة.

في تلك الليلة، سجد في صلاته سجوداً طويلاً. بكى. ودعا. ثم قرر: لن يموت. لن يفقد عقله. سيكتب. سيشهد.

فتح الحاسوب القديم. فتح ملفاً جديداً. كتب عنواناً: "العقل المنتصر."

بدأ يكتب. لم يتوقف حتى الصباح.

كتب عن الأصوات. عن الغازات. عن سارة. عن بشار. عن المقهى. عن نورا. عن أمه. عن كل شيء.

كان يكتب بشراهة، كأنه يخاف أن يموت قبل أن ينتهي.

في تلك الأيام، كان أحمد يتصل به كل يوم. كان يطمئن عليه، ويشجعه، ويساعده في البحث عن الحقيقة.

"إنت مش مجنون يا يحيى. إنت بتحلل. واللي بيحلل كتير بيلاقي حاجات مزعجة."

كانت كلمات أحمد هي الدواء الحقيقي الذي يحتاجه يحيى. كانت تجعله يشعر بأنه ليس وحيداً. بأن هناك من يفهمه. بأن هناك من يحبه.

---

الفصل الخامس عشر: نورا تنتظر

في مصر، كانت نورا تنتظر.

كانت تجلس في غرفتها كل ليلة، تحدق في القلادة الفضية التي أرسلها يحيى من أمريكا. كانت تقلبها بين أصابعها، وتتذكر الأيام الجميلة التي قضتها معه قبل السفر.

كانت تكتب له رسائل طويلة، لا ترسلها كلها، بل تحتفظ بها في دفتر وردي.

"يحيى العزيز، اشتقت لك كثيراً. اليوم رأيت القمر كبيراً وجميلاً. تذكرت الليلة التي جلسنا فيها تحت الشجرة. كنت تحلم بمستقبل كبير. وأنا كنت أحلم بك. فقط بك."

كانت تزور أمه كل يوم خميس. كانت تحضر لها الدواء، وتطبخ لها الطعام، وتجلس بجانبها ساعات.

"نورا، إنت ست صبورة. ربنا يعوض صبرك."

"دعواتك يا أمي. دعواتك هي اللي بتخليني أقوى."

كانت تبكي في الليل، وحدها، حيث لا يراها أحد. لكنها كانت تبتسم في النهار، وتقول للجميع: "الحمد لله. يحيى بخير. سيعود قريباً."

كانت تؤمن بأنه سيعود. كانت تؤمن بأن الحب أقوى من المحيطات. كانت تؤمن بأن الصبر ينتصر في النهاية.

لكنها كانت تخاف. كانت تخاف من المجهول. كانت تخاف من أن يموت بعيداً عنها. كانت تخاف من أن تفقده إلى الأبد.

في تلك الليالي، كانت تغفو على صوت بكائها، وتستيقظ على صوت أذان الفجر، وتبدأ يوماً جديداً من الانتظار.

---

الفصل السادس عشر: أحمد المهندس

في مصر، كان أحمد يعيش حياة مزدحمة.

كان يعمل مهندساً في شركة مقاولات، وكانت ساعات عمله طويلة. لكنه كان يجعل الوقت متسعاً لأمه ولدعاء (خطيبته) وليحيى.

كان يتصل بيحيى كل مساء، ويسأله عن صحته، وعن أعراضه، وععن كتاباته.

"إيه الجديد يا يحيى؟ اكتبلي شوية. أقرأهم ولو ما فهمتش حاجة اسألك عليها."

كان يحيى يرسل له صفحات طويلة. كان أحمد يقرأها بتمعن، ثم يرد عليه بأسئلة ذكية:

"الأصوات دي بتسمعها في أوقات محددة؟ الغازات دي بتحس فيها في مكان معين؟ الفيديوهات المزيفة دي مين اللي بيعملها؟"

كان يحلل المشكلة كأنها مشكلة هندسية. يبحث عن الأسباب، ويحلل النتائج، ويقترح الحلول.

في أحد الأيام، بحث عن جهاز كشف غازات صغير على الإنترنت. اشتراه، وأرسله ليحيى مع رسالة:

"جرب الجهاز. لو رن، يبقى فيه غاز حقيقي. لو ما رنش، يبقى الإحساس من جواك. وده مش معناه إنك مجنون. ده معناه إن فيه مشكلة عضوية. هنتابع مع دكتور أعصاب."

كانت هذه الرسالة هي الدواء الحقيقي الذي كان يحيى يحتاجه. كان يحتاج إلى من يصدقه، وإلى من يفهمه، وإلى من يبحث عن الحقيقة معه.

كان أحمد هو ذلك الشخص.

في الليل، كان أحمد يجلس بجانب أمه، يمسك يدها المرتجفة، ويطمئنها على يحيى.

"يحيى بخير يا أمي. هيرجع قريباً. ادعي له."

كانت الأم ترفع يديها إلى السماء، وتهمس بدعاء طويل. كان أحمد يسمع الدعاء، وكانت عيناه تدمعان. لكنه لم يكن يبكي. كان يجب أن يكون قوياً لأجلهما.

---

الفصل السابع عشر: دعاء ونورا

في مصر، كانت دعاء (خطيبة أحمد) تقف بجانب نورا.

كانت تعرف نورا منذ الطفولة، وكانت تحبها كأخت. كانت تزورها كل يوم تقريباً، وتجلس معها ساعات، وتسمع قصصها عن يحيى.

"نورا، إنتي عارفة إن يحيى بيحبك. أنا شوفت عينيه لما كان بيبص لك. كان يحلم بيك. ما تيأسيش. هو هيرجع."

كانت تمسح دموعها، وتحضر لها كوباً من الشاي، وتسألها عن تفاصيل يومها.

في أحد الأيام، جاءت دعاء ومعه دفتر وردي.

"نورا، أنا عايزة أعملك مفاجأة. جهزي هدية ليحيى. حاجة تفرحه لما يرجع."

ضحكت نورا. "زي إيه؟"

"أنا عندي فكرة. تخيلي..."

كانت دعاء تحاول أن تخفف عن نورا، أن تجعلها تبتسم، أن تذكرها بأن الحياة لا تزال جميلة.

في تلك الليالي، كانت نورا ودعاء تجلسان على سطح المنزل، وتتأملان النجوم، وتتحدثان عن المستقبل.

"دعاء، إنتي حلمك إيه؟"

"أحمد. وإنجاب أولاد. وبيت صغير جنب النيل."

"جميل. أنا حلمي... يحيى. بس. يحيى."

كانتا تحلمان معاً. كانتا تبكيان معاً. كانتا تصليان معاً.

وكانت دعاء تقول لها دائماً: "ربنا معاكي يا نورا. وإنتي أقوى ما تتصوري."

---

الفصل الثامن عشر: ليندا

في عام 2023، دخلت ليندا حياة يحيى.

كانت صحفية أمريكية مستقلة، في الأربعينيات من عمرها، بشعر رمادي قصير ونظارة طبية سميكة. كانت عيناها حادتين، ووجهها متعباً، لكن صوتها كان هادئاً وواثقاً.

قرأت بعض كتابات يحيى على الإنترنت. تأثرت بقصته. شعرت بأنها تعرف هذا الألم. فقد كانت أختها، مارغريت، تعاني من نفس الأعراض.

اتصلت به.

"السيد يحيى؟ أنا ليندا ماثيوز. صحفية مستقلة. قرأت كتاباتك. أود مساعدتك في نشر قصتك."

شعر يحيى بالخوف. تذكر سارة. قال: "كيف حصلت على رقمي؟"

"عن طريق مجموعة دعم للمهاجرين. أختي كانت مثلك. سمعت أصواتاً. شمت غازات. قالوا مجنونة. ماتت قبل أن يصدقها أحد."

صمت يحيى. شعر بألمها.

"أختك؟"

"مارغريت. توفيت عام 2015. بعد سنوات من العذاب. لا أريد مساعدتك لأجل بحث أو شهرة. أريد مساعدتك لأني أعرف أنك تقول الحقيقة."

اتفقا على اللقاء في مقهى أبو عرب.

كانت ليندا مختلفة عن سارة. كانت حقيقية. لم تقدم وعوداً كاذبة. لم تتصنع المشاعر. كانت تريد فقط مساعدته، لأنه كان يعاني مثل أختها.

بدأت في تسجيل قصته. كانت تجلس معه ساعات، وتستمع إليه، وتدون ملاحظاتها.

كان يحيى يشعر بالراحة معها. كان يشعر بأنه ليس وحيداً. كان يشعر بأن هناك من يصدقه.

في أحد الأيام، قالت له: "يحيى، قصتك يمكن أن تغير حياة كثير من الناس. يمكن أن تنقذ ضحايا لا يعرفون أنهم ليسوا مجانين."

كان يحيى يسمع كلماتها، وكانت عيناه تدمعان.

لم يكن يريد الشهرة. لم يكن يريد المال. كان يريد فقط أن يعرف العالم الحقيقة. كان يريد فقط أن يشهد أحدهم بألمه.

---

الفصل التاسع عشر: جمع التبرعات

بعد أن أكملت ليندا توثيق قصته، قررت أن تساعده في العودة إلى مصر. لكن التذكرة كانت باهظة الثمن، ويحيى لم يكن يملك نقوداً.

بدأت حملة تبرعات صغيرة على الإنترنت. كتبت ليندا مقالاً مؤثراً عن معاناته. نشرته في موقع إخباري صغير.

تطوع أصدقاء المقهى للمساعدة. تبرع أبو عرب بخمسمئة دولار من مدخراته. قال: "خذ ده. مش هدية. دا دين في رقبتي ليك. ساعدتني كتير في المقهى وساعدت بشار. حقك علينا."

تبرع بشار بخمسين دولاراً. قال سمير بسخرية: "إنت اللي تقبض بالكفاف هتتبرع بكل ده؟ إنت مجنون!" قال بشار بجدية: "يحيى دفع أغلى من كده. دفع سنين من عمره عشان يفضل واقف جنبنا. أنا مش هبخل عليه بهدية بسيطة."

تبرع مصطفى وسمير ورامي أيضاً. تبرع أناس لا يعرفون يحيى من الجالية المصرية والعربية في أمريكا.

تراكمت التبرعات شيئاً فشيئاً، حتى اكتمل المبلغ.

في اليوم الذي اشترى فيه يحيى التذكرة، بكى. لم يكن يصدق أنه سيعود إلى بلده بعد كل هذه السنوات.

كان يشعر بالخوف، لكنه كان يشعر بالأمل أيضاً.

أمسك التذكرة بين يديه، وهمس: "انتهى. انتهى. انتهى."

كان الطنين في رأسه قد خفت فجأة، وكأنه يودعه.

---

الفصل العشرون: العودة

في مطار هيوستن، كانت ليندا تودع يحيى.

كان الجو مشمساً لكنه بارد. كان يحيى يحمل حقيبته السوداء الوحيدة. كانت ليندا تبتسم والدموع في عينيها.

"أنا فخورة بك يا يحيى. نادراً ما يخرج أحد من هذه اللعبة سالماً."

"ما كنت لأخرج بدونك يا ليندا. بدون دفتر مارغريت الذي لم يُكتب."

"مارغريت سعيدة اليوم. لأن صوتها عاش في قصتك."

احتضنا طويلاً. ثم دخل يحيى إلى بوابة الصعود.

في الطائرة، نظر من النافذة إلى أمريكا التي كانت تغادر خلفه. تذكر كل شيء. الألم، الوحدة، الخوف، الغازات، الأصوات، سارة، ليندا، أصدقاء المقهى.

كان يشعر بالحزن، لكنه كان يشعر بالفرح أيضاً.

كانت عيناه تدمعان، لكنه كان يبتسم.

نظر إلى السماء من نافذة الطائرة، ورأى الغيوم تتدلى تحته. كان يشعر بأنه يترك جزءاً من روحه في أمريكا، لكنه كان يشعر أيضاً بأنه يستعيد جزءاً آخر كان مفقوداً.

همس: "اللهم إني أسألك حسن الختام. اللهم اجعل عودتي إلى أهلي عودة خير وبركة. اللهم اغفر لي ذنوبي وتقبل توبتي."

نام يحيى قبل أن تصل الطائرة إلى القاهرة.

نام نوماً عميقاً، بلا طنين، بلا غازات، بلا أصوات. نام كطفل صغير في حضن أمه.

نام لأول مرة منذ أربعة عشر عاماً نوماً هادئاً.

---

الجزء الرابع: العودة (2026-2030)

الفصل الحادي والعشرون: اللقاء

في مطار القاهرة، كانوا ينتظرونه.

الأم كانت جالسة على كرسي متحرك. كان شعرها أبيض بالكامل، ووجهها متعباً، لكن عينيها كانتا تلمعان.

نورا كانت تقف خلف الكرسي، تمسك باقة ورد بسيطة. كانت تبتسم وتبكي في نفس الوقت. القلادة التي أرسلها يحيى كانت لا تزال على رقبتها، تلمع في الضوء.

أحمد كان يقف بجانبهما، يده على كتف أمه. كان وجهه قد نضج، لكن عينيه كانتا كما هما: عمليتان، حنونتان.

دعاء كانت بجانب نورا، تبتسم والدموع في عينيها.

نزل يحيى من الطائرة. مشى في الممر الطويل، يتذكر المرة الأولى التي سار فيها في هذا الممر قبل أربعة عشر عاماً. كان شاباً يافعاً، يحمل أحلاماً كبيرة. والآن عاد رجلاً في الرابعة والأربعين، يحمل ذكريات مؤلمة.

وصل إلى صالة الوصول. نظر بين الوجوه. ثم رآهم.

ركض نحوهم.

سجد على ركبتيه أمام أمه. وضع رأسه في حجرها. بكت أمه بصوت عالٍ، ومسحت شعره، وقالت:

"الحمد لله على السلامة يا ولدي. الحمد لله. الحمد لله."

بكى يحيى دون أن يستطيع الكلام. ثم قال: "أنا جيت يا أمي. أنا جيت. سامحيني عن السنين اللي ضاعت من عمري وانتظارك."

قالت الأم: "ما فيه حاجة تسامح عليها. إنت رزقنا. إنت حياتنا."

وقفت نورا بجانبه. نظر إليها. كانت لا تزال جميلة كما يتذكرها، بل أكثر. كانت عيناها لا تزالان براقتين، وابتسامتها لا تزال دافئة.

"أنا مستنياك يا يحيى. كل يوم أدعيلك. كل صلاة أدعيلك."

"انتهت الغربة يا نورا. انتهت. سامحيني على كل شيء."

لم ترد. فقط احتضنته طويلاً.

احتضن أحمد. لم يتكلما. كان العناق كافياً.

احتضن دعاء. قالت: "ألف مبروك العودة يا يحيى. نورا كانت بتعد الأيام."

نظر يحيى إلى نورا. لم يكن يعرف أنها تعد الأيام.

"أنا مش مستاهل كل ده يا نورا."

قالت: "إنت مستاهل كل حاجة وخمسين زيها. تعالا، العيلة كلها مستنياك في البيت."

خرجوا جميعاً من المطار، وهم يضحكون ويبكون في نفس الوقت.

كانت السماء زرقاء صافية، والشمس مشرقة، والهواء نضراً.

كانت مصر تستقبل ابنها العائد.

---

الفصل الثاني والعشرون: الفسيلة

في اليوم التالي لعودته، ذهب يحيى إلى مشتل صغير في القرية. اشترى فسيلة زيتون صغيرة. أغصانها ضعيفة، لكنها كانت حية.

عاد إلى المنزل. في الفناء، كان أحمد قد أعد حفرتين صغيرتين.

"واحدة ليك وواحدة ليّا. إحنا الاتنين هنزرعهن سوا."

نظر يحيى إلى أخيه. شعر بامتنان لا يوصف.

"إنت لسه مهندس. لازم تخطط لكل حاجة. حتى للزرع."

ضحك أحمد. "الزرع محتاج خطة. مش أي مكان تزرع، فيه تربة مناسبة، وفيه مناخ مناسب. ولو ما حطيتش خطة، تموت الفسيلة."

قال يحيى: "أنا كنت فسيلة غايب أربعة عشر سنة في تربة فاسدة. لسّه عايش. يمكن الزرع بعد الغربة أصلب من الزرع اللي ما سافرش."

صفع أحمد كتفه. "دي أحلى حاجة قلتها من لما رجعت."

حفر يحيى الحفرة الأولى بيديه. التراب كان أسود رطباً. غرس الفسيلة. سقاها نورا. سقت دعاء الفسيلة الثانية.

وقفت الأم على كرسيها المتحرك، وابتسمت.

"ربنا يبارك فيكم ويكتبها شجرة كبيرة تظللكم. تظلل أولادكم وأحفادكم."

جلس يحيى أمام الفسيلة. أشعل سيجارة. دخن ببطء. أخرج دفتره الأسود من جيبه. فتحه على آخر صفحة.

كتب سطراً واحداً:

"لن يحزن على حزنك أحد. العالم مليء بمقهورين مثلك. فتوقف عن البكاء. اقلب حزنك إلى كتاب، إلى شهادة، إلى فسيلة. هذا هو العقل المنتصر. ليس كبيراً. لكنه يكفي."

قرأ ما كتب. ابتسم. أغلق الدفتر.

في تلك اللحظة، اختفى الطنين الذي رافقه أربعة عشر عاماً.

كان صمتاً نقياً. صمتاً كان ينتظره طويلاً.

كان صمت العقل المنتصر.

---

الخاتمة

الفصل الثالث والعشرون: بعد سنوات

بعد سنوات، كبرت الفسيلتان. أصبحتا شجرتين كبيرتين، تظللان الفناء بظلهما الوارف.

كان يحيى يجلس تحتهما كل مساء، يشرب الشاي، ويدخن سيجارته، ويراقب أطفاله وهم يلعبون في التراب.

كان يكتب أحياناً. ينشر مقالات في الصحف. يتحدث عن تجربته في أمريكا. يحذر الشباب من الهجرة العشوائية.

كان يزور أمه كل يوم. كان يمسك يدها، ويقرأ لها من كتاباته، وكانت تبتسم وتقول: "إنت كاتب كبير يا يحيى. أمك فخورة بيك."

كان يحب نورا أكثر كل يوم. كان يشعر بأنه اكتشفها من جديد. كانت القلادة لا تزال على رقبتها، تذكرها بالسنوات الصعبة التي مرت بها.

كان يزور أصدقاءه في المقهى بين الحين والآخر (كانوا قد عادوا إلى مصر أيضاً، بعضهم).

كان يتصل بليندا كل أسبوع، ويطمئن عليها.

كان يتذكر أمريكا أحياناً. لكنها كانت ذكرى بعيدة، كحلم مزعج انتهى.

في أحد الأيام، كانت ابنته الصغيرة زينب تجلس بجانبه. كانت في الخامسة من عمرها.

"بابا، ليه سامي الشجرة دي باسمك والتانية باسم عمي أحمد؟"

"عشان نفتكر إحنا الاتنين قصة الحب اللي قدرت تنتصر. أخويا ساعدني أرجع من بعيد، وأنا ساعدت نفسي إني أتمسك بالأمل. الشجرتين زي قلوبنا. في منهم قلب يحيى وقلب أحمد."

سألته: "طب أعمل إيه عشان قلبي يكون كبير زيّك كده؟"

ضحك يحيى.

"تمسكي باللي بتحبيه. وما تستسلميش للصعاب. وخلّي عندك صبر. الصبر بيصنع المستحيل يا زينب. والصبر هو اللي خلاني أرجع لأمك وأرضعك."

نظرت نورا إلى يحيى وعيناها تدمعان.

قالت: "زينب، الشجرة دي شافت أبوكي وهو صغير زيك. لما كان لسه غصن رفيع معرض للسقوط. لكنه ثبت. ثبت بالعقل. العقل المنتصر يا حبيبتي. عقلك دايماً هو سلاحك. مهما كبرت الصعاب، افتكري إنك تقدر تنتصري بعقلك."

سألت زينب: "العقل المنتصر ده إيه؟"

ابتسم يحيى.

"العقل المنتصر هو أن تختار الحياة. أن تختار الحب. أن تختار الكتابة. أن تختار الغرس. أن تختار الأمل. حتى لو كان العالم كله ضدك. هذا هو العقل المنتصر يا زينب. ليس كبيراً. لكنه يكفي."

نظر يحيى إلى السماء. كانت زرقاء صافية، كيوم عودته إلى مصر.

همس لنفسه: "الحمد لله على كل شيء. الحمد لله على الألم الذي جعلني أقوى. الحمد لله على الغربة التي جعلتني أعرف قيمة الوطن. الحمد لله على العودة."

في تلك اللحظة، سكتت الريح. وصمتت العصافير. وشعر يحيى بسلام عميق يغمر قلبه.

كان السلام الذي طال انتظاره.

كان السلام الذي زرعه بيديه، في فناء منزله، تحت شجرة الزيتون.

---

خاتمة الرواية

هنا تنتهي رحلة يحيى. لكنها ليست نهاية القصة. القصة لا تنتهي أبداً. تنتقل من إنسان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، ومن فسيلة إلى شجرة، ومن شجرة إلى غابة.

هذه الرواية هي شهادتي. شهادة رجل عاش الجحيم وخرج منه سالماً. ليس منتصراً على أعدائه، بل منتصراً على نفسه. منتصراً على اليأس. منتصراً على الخوف. منتصراً على الظنون.

هذه الرواية هي فسيلتي. أزرعها في أرضك. أسقيها بدموعي. أدعو الله أن تنبت وتكبر وتظللك.

هذه الرواية هي العقل المنتصر.

والحمد لله رب العالمين.

---

إهداء ختامي

إلى أسرتي التي كانت نوري في العتمة.

إلى أمي التي دعت لي في جوف الليل، ولم تنم حتى سمعت صوتي.

إلى زوجتي التي انتظرتني أربعة عشر عاماً دون أن تمل.

إلى أطفالي الذين كانوا حلم العودة الذي لا يخبو.

إلى أصدقائي الذين صدقوني عندما شك فيّ الجميع.

إلى زملائي في معهد السينما الذين علموني أن الكلمة يمكن أن تكون سلاحاً.

إلى كل غريب في كل مكان يسمع أصواتاً ولا يصدقه أحد.

هذه الرواية لكم.

والله من وراء القصد.

والحمد لله رب العالمين.

---

نهاية الرواية

العقل المنتصر

رواية

تأليف: محمد أحمد الصغير علي عيد

الطبعة الأولى

2026






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العقل المنتصر : تأمل في مصير الوعي الفردي في مواجهة العالم
- الفقر والهشاشة البنيوية وإعادة إنتاج العنف دراسة في آليات ال ...
- صائدو الدبابات والبطولات الفردية في حرب أكتوبر 1973م: دراسة ...
- الفقر والهجرة وأنظمة الاستنزاف دراسة في الإخضاع الاقتصادي وا ...
- الفقر بوصفه آلية بنيوية لإنتاج الهجرة القسرية الاقتصادية نحو ...
- الفقر بوصفه آلية بنيوية لإنتاج الهجرة القسرية في ظل أنظمة ال ...
- الثروة الحضارية المنسية : لماذا لم يدرك المسلمون حجم قوتهم ب ...
- الهيمنة الثقافية الغربية وإعادة اختراع التراث الإسلامي: دراس ...
- هندسة السعادة: نحو نموذج تكاملي يجمع بين علم الأعصاب وعلم ال ...
- العوالم التي لا تلتقي تماماً : في حدود التأثير الإنساني وإمك ...
- موسوعة الحب الوجودي: دراسات بينية في فلسفة الحب وأنثروبولوجي ...
- الحب بوصفه خبرة وجودية: نحو نموذج تكاملي للمعنى والمقاومة وا ...
- الجذور النظرية لمفهوم -اضطهاد المنطقة الرمادية-: مراجعة الأد ...
- اضطهاد المنطقة الرمادية: نحو إطار نظري لفهم آليات السيطرة غي ...
- المهدي بوصفه نموذجًا اجتماعيًا للعدالة: دراسة تحليلية في الت ...
- الفلسفة المعاصرة: انكسار اليقين والبحث عن نماذج جديدة دراسة ...
- صراع المحاور وإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط 20 ...
- الجيل الضائع: تشريح نفسية الشباب العربي بين الأزمات المتتالي ...
- الجنون فلسفة: رحلة في جنون الحكماء من سقراط إلى نيتشه
- سوق الأوهام: كيف تُصنع الدول للخطيئة وتُدار الحروب تأملات في ...


المزيد.....




- من قال لا لفيلم -نعم-؟ انسحاب ناداف لابيد من مهرجان مرسيليا ...
- في مالمو / السويد تقيم معرض للفنان التشكيلي هادي الصكر
- -بعيون شابة-.. بغداد تحتفي بأفلام توثق قصص الأهوار والتغير ا ...
- كوثر بن هنية: السينما سياسة والغرب يستهلك مآسي الجنوب
- الملكة صوفيا تصنع التاريخ أمام ليون الرابع عشر باستعادة امتي ...
- تضارب في الروايات الإسرائيلية عقب عملية تسلل واشتباك على الح ...
- -دليل جرائم القتل من فتاة صالحة- 2.. موسم أكثر نضجا يعيد اكت ...
- -ليلة عسل-.. مصطفى غريب يقدم أولى بطولاته المسرحية في السعود ...
- موعد انطلاق عروض الفيلم الكوميدي الرومانسي -الكراش-
- نيللي كريم تبدأ تصوير دورها في فيلم -الفيل الأزرق 3-


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد أحمد الصغير على عيد - العقل المنتصر : رواية