محمد أحمد الصغير على عيد
الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 08:02
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تأليف: محمد أحمد الصغير علي عيد
باحث مستقل – كاتب سيناريو – خريج المعهد العالي للسينما
---
مقدمة
هذه الكتابة ليست بحثاً أكاديمياً بالمعنى التقليدي، ولا مقالاً صحفياً عابراً، ولا مذكرات شخصية حميمية. إنها محاولة لفهم "الجنون" كحالة إنسانية خلاقة، وكأداة للمعرفة، وكطريق للتحرر من قوالب العقل السائد. إنها تأمل في تاريخ الفلسفة من زاوية "المجانين" الذين غيروا مجرى الفكر البشري، والذين دفعوا ثمناً باهظاً لجرأتهم على رؤية ما لا يراه الآخرون، وقول ما لا يجرؤ الحكماء على قوله، وعيش ما لا يجرؤ العاديون حتى على تخيله.
لطالما تأملت في سيرة الفلاسفة الذين عاشوا على هامش مجتمعاتهم، أو طُردوا منها، أو أُعدموا، أو انتهى بهم الأمر في مصحات عقلية. لم يكونوا مرضى بالمعنى السريري (مع استثناءات)، بل كانوا "مزعجين" بالمعنى الاجتماعي والسياسي. كانوا يطرحون أسئلة لا يريد أحد سماعها. كانوا يعيشون حياة لا تتفق مع "الأخلاق السائدة". كانوا يكتبون نصوصاً تفكك ما يعتبره مجتمعهم "مقدسات".
لماذا كانوا مجانين؟ ولماذا نحتاج إلى جنونهم اليوم؟ هذه الأسئلة هي محور هذه الكتابة.
---
الجزء الأول: سقراط – جنون السؤال
في متاهة الأجوبة الجاهزة
سقراط (470-399 قبل الميلاد) لم يكتب سطراً واحداً. كل ما نعرفه عنه جاء من تلاميذه: أفلاطون، زينوفون، أرسطو (بشكل غير مباشر). هذا الرفض للكتابة هو أول علامات جنونه. في عصر كان الفيلسوف فيه كاتباً، اختار سقراط أن يكون متحدثاً. في عصر كان "العلم" يُدوَّن، اختار أن يكون "حواراً" حياً. في عصر كان الناس يبحثون عن أجوبة يقينية، اختار أن يطرح أسئلة مقلقة.
كان سقراط يسير في أسواق أثينا، في صالات الألعاب الرياضية، في ورش الصناع، في موانئ السفن، ويتوقف عند أي شخص يبدو واثقاً من معرفته. ثم يبدأ بسؤاله الشهير: "ما هو الفضيلة؟"، "ما هو العدل؟"، "ما هو الحب؟"، "ما هو الجمال؟". السائل (الضحية) يقدم تعريفاً، فيرد سقراط: "لكنك قلت قبل قليل كذا، والآن تقول كذا، كيف توفق بينهما؟" ثم يُظهر تناقضات التعريف الأول، فيعدله السائل، ثم يُظهر تناقضات التعريف الجديد، وهكذا دواليك. في النهاية، يصل السائل إلى نتيجة محبطة: "إذن، أنا لا أعرف شيئاً". وهنا يبتسم سقراط ويقول عبارته الخالدة: "أنا أعرف أني لا أعرف شيئاً". هذا هو "الجنون السقراطي": الادعاء بالجهل كمدخل للمعرفة، وتفكيك اليقينات الساذجة كطريق إلى الحقيقة.
لماذا اتهموه بالجنون؟
في عام 399 قبل الميلاد، حوكم سقراط بتهمتين: إفساد الشباب، وإدخال آلهة جديدة. خلف هاتين التهمتين، كانت هناك حقيقة واحدة: سقراط كان مزعجاً. مزعجاً لأنه كان يكشف أن "العقلاء" (القادة، السياسيون، الشعراء، الكهنة، رجال الأعمال، الحرفيون، الجنرالات) لا يعرفون ما يقولون. كان يفضح أن "المعرفة" التي يتباهون بها هي مجرد "ظنون" و"أهواء" و"تقاليد موروثة" و"سلطة لا تخضع للنقد". كان يقلب الطاولة على المجتمع الأثيني بأكمله.
حُكم على سقراط بالإعدام بشرب السم. وفي سجنه، رفض تلاميذه الذين عرضوا عليه الهروب. قال لهم: "لا يصح أن أهرب من القانون، لأني لو فعلت، كنت أقر بأن القانون ليس ملزماً، وبأني فوق المجتمع. أنا لست فوق المجتمع، أنا جزء منه. القانون قد أخطأ في حقي، لكن واجبي أن أطيعه. هذا هو العدل". شرب السم ومات. بكى تلاميذه. بكى أهل أثينا (بعد موته). لكن سقراط لم يبكِ. كان يبتسم.
دروس سقراطية
من سقراط نتعلم أن الجنون قد يكون فضيلة، إذا كان معناه الشجاعة على مواجهة الجمهور وفضح تناقضاته. نتعلم أن "أنا أعرف أني لا أعرف شيئاً" هي بداية الحكمة، وليست نهاية الجهل. نتعلم أن السؤال أهم من الجواب، وأن الذين يمتلكون أجوبة يقينية هم غالباً الأكثر جهلاً والأقل شجاعة. نتعلم أن الفلسفة ليست مهنة، بل هي "أسلوب حياة": تسأل، تشك، تبحث، تموت من أجل ما تؤمن به.
---
الجزء الثاني: ديوجين الكلبي – جنون الفعل
عيش الحقيقة، لا قولها
إذا كان سقراط مجنون السؤال، فديوجين الكلبي (412-323 قبل الميلاد) هو مجنون الفعل. تلميذ لأنتيسثينس (تلميذ سقراط نفسه)، رفض ديوجين كل ما يعتبره "تزييفاً" في الحضارة الإنسانية: المال، الشهرة، السلطة، النسب، المجد، الأثاث الفاخر، الملابس الأنيقة، الأكل المطبوخ، المسكن الدافئ، الزواج، الأسرة، الجنسية، القبيلة، الوطنية. عاش في برميل في سوق كورينث، ينام على الأرض، يأكل ما ترميه الكلاب، يلبس عباءة بالية، ويمارس حاجاته الطبيعية أمام الناس (دون خجل أو مواربة). أطلقوا عليه "الكلبي" (Cynic، من الكلمة اليونانية "Kynikos" أي شبيه بالكلب)، لأنه كان يعيش كالكلب: بلا زيف، بلا تزييف، بلا خوف، بلا رغبة في إرضاء أحد.
مواجهته مع الإسكندر الأكبر
أشهر حكايات ديوجين، وأكثرها جنوناً، لقاؤه مع الإسكندر الأكبر. كان الإسكندر قد غزا اليونان، وأراد أن يزور الفيلسوف الشهير الذي يعيش في برميل. ذهب إليه، ووقف أمامه، وقال له: "سلني أي شيء، وسأعطيك إياه. أنا قادر على كل شيء". نظر ديوجين إلى الإسكندر (الذي كان يحلم بغزو العالم)، وقال له ببرود: "تقدم قليلاً عن الشمس. أنت تحجب عني ضوءها". دهش الإسكندر، ولم يغضب. ثم قال لحاشيته: "لولا أني الإسكندر، لوددت أن أكون ديوجين".
ماذا حدث هنا؟ الرجل الأقوى في العالم قيل له "ابتعد عن الشمس" من قبل رجل يملك لا شيء. ولم يستطع الإسكندر أن يفعل شيئاً. لأنه شعر، للحظة، أن "القوة الحقيقية" ليست في غزو الممالك، بل في القدرة على الاكتفاء بالحد الأدنى. في القدرة على قول "لا" لكل ما يزينه المجتمع. في القدرة على العيش "ككلب" حر، لا يربطه شيء، لا يخاف من شيء، لا يرغب في شيء.
دروس ديوجينية
من ديوجين نتعلم أن الجنون قد يكون ثورة، إذا كان معناه رفض كل ما هو زائف في الحضارة. نتعلم أن "الاكتفاء بالقليل" هو أغنى أنواع الغنى، وأن "امتلاك كل شيء" هو أفقر أنواع الفقر. نتعلم أن الفعل أهم من القول، وأن الفلسفة ليست نصوصاً تُكتب، بل حياة تُعاش. نتعلم أن المواجهة المباشرة (حتى لو كانت بالوقوف أمام الشمس) قد تكون أبلغ من آلاف المحاضرات والكتب.
---
الجزء الثالث: العصور الوسطى – الجنون المُؤدب
من جنون الإبداع إلى جنون المرض
مع سقوط الإمبراطورية الرومانية وصعود المسيحية كدين مهيمن في أوروبا، تغير تعريف الجنون بشكل جذري. لم يعد الجنون "فضول معرفي" (كما عند سقراط)، ولا "تمرداً أخلاقياً" (كما عند ديوجين). أصبح الجنون "مرضاً روحياً"، قد يكون عقاباً إلهياً، أو مساً شيطانياً، أو نقصاً في الإيمان، أو اختباراً للصبر والتقوى.
الكنيسة لم تكن تعرف كيف تتعامل مع المجانين (الحقيقيين) ولا مع المتمردين (المزعجين). صنفتهم تحت مسمى واحد: "المجانين". البعض تم حبسهم في أقبية الأديرة، والبعض طُرد من المدن، والبعض اتُهم بالسحر والهرطقة وأُحرق على المحك، والبعض نُسبت إليه "كرامات" واعتُبر "قديساً" بعد وفاته (إذا وافق خط الكنيسة). لم يكن هناك "علم نفس" ولا "طب نفسي". كان هناك فقط "سلطة دينية" تحدد من "مجنون" ومن "عاقل".
الاستثناءات المؤلمة
في هذه الفترة المظلمة، ظهرت استثناءات مؤلمة: راهب يشك في وجود الله، راهبة ترى رؤى لا تتطابق مع عقيدة الكنيسة، فيلسوف مسلم أو يهودي يناقش حرية الإرادة والقدر والعقل والوحي. بعضهم هربوا من السلطة، وبعضهم قتلوا، وبعضهم تظاهروا بالجنون لينجو بحياتهم. "الجنون" أصبح "قناعاً" ترتديه لتختبئ من سلطة لا تحتمل الصراحة.
في العالم الإسلامي، كانت الحال ليست أفضل كثيراً. الفلاسفة مثل ابن رشد (1126-1198) اتُهموا بالكفر والإلحاد، ونُفوا من قرطبة إلى مراكش. المتصوفة مثل الحلاج (858-922) اتُهموا بالزندقة وقُتلوا صلباً بتهمة "أنا الحق". المفكرون الأحرار اضطروا إلى ممارسة "التقية الفكرية": يقولون شيئاً ويعنون شيئاً آخر، يكتبون بالرموز، يخفون آراءهم الحقيقية خلف طبقات من التأويل والتمويه والإبهام.
دروس من العصور الوسطى
من هذه الفترة نتعلم أن السلطة (أياً كانت) تخاف من الجنون، وتريد "تأديبه" وتصنيفه وحبسه. نتعلم أن "العقل السليم" هو عقل من يطيع السلطة، وليس عقل من يبحث عن الحقيقة. نتعلم أن الجنون أحياناً يكون "قناعاً" نرتديه لننجو بأنفسنا، وهذا ليس جبناً، بل هو "حكمة البقاء" في مجتمعات لا تحتمل الاختلاف.
---
الجزء الرابع: عصر النهضة – عودة الجنون المبدع
إيراسموس و"مديح الجنون"
في عام 1511، نشر المفكر الهولندي ديزيديريوس إيراسموس (1466-1536) كتيباً صغيراً ساخراً بعنوان "مديح الجنون" (Moriae Encomium). على لسان السيدة "الجنون" نفسها، يهاجم إيراسموس كل مؤسسات عصره: الكنيسة، الجامعات، البلاطات الملكية، الجيوش، القوانين، التقاليد الاجتماعية، والمعتقدات الدينية (التي لا تتطابق مع الإنجيل الأصلي).
"الجنون" عند إيراسموس ليست مرضاً، بل هي شرط للسعادة البشرية. بفضل الجنون، نحب (وهذا غير عقلاني). بفضل الجنون، نؤمن بالله (وهذا يتجاوز العقل). بفضل الجنون، نبدع في الفن والعلم والسياسة. بفضل الجنون، نتحمل آلام الحياة ونستمتع بلذاتها. المجتمع "العاقل" (الذي يقمع الجنون) هو مجتمع بلا حب، بلا إيمان، بلا إبداع، بلا متعة. إنه مجتمع ميت، أو على وشك الموت.
"مديح الجنون" كان من أكثر الكتب مبيعاً في القرن السادس عشر، وأكثرها إثارة للجدل. الكنيسة هاجمته بشدة، لكنها لم تستطع حظره بالكامل (لشهرة إيراسموس وعلاقاته القوية بالملوك والنبلاء). إيراسموس لم يُعدم، ولم يُسجن، بل عاش ومات في سريره. لكنه أظهر للعالم أن "مدح الجنون" هو في الحقيقة "نقد العقل السليم" و"فضح تناقضات السلطة".
دروس من إيراسموس
من إيراسموس نتعلم أن الجنون يمكن أن يكون "سلاحاً" ساخراً لمهاجمة المقدسات دون خسارة الرأس. نتعلم أن "مدح الجنون" قد يكون أعمق من "رثاء العقل". نتعلم أن الفيلسوف لا يحتاج دائماً إلى "الموت على المحك" أو "البرميل". يمكنه أن يكتب كتيباً ساخراً، وينتشر بين الناس، ويحدث تغييراً بطيئاً لكنه عميق. هذا النوع من الجنون (الجنون الساخر) هو ما افتقدناه في ثقافتنا العربية المعاصرة، حيث إما "خطاب جدي" (ممل) أو "صمت خائف" (جبان).
---
الجزء الخامس: رينيه ديكارت – جنون العقل نفسه
"أنا أفكر، إذن أنا موجود" وماذا عن "أنا أجن"؟
رينيه ديكارت (1596-1650)، "أبو الفلسفة الحديثة"، أسس مشروعه الفلسفي على الشك المنهجي. شك في كل شيء: الحواس تخدعنا، العالم الخارجي قد يكون حلماً، بل قد يكون هناك "شيطان خبيث" يضللنا (ديكارت، "تأملات في الفلسفة الأولى"، 1641، التأمل الأول). لكنه وصل إلى حقيقة يقينية واحدة: "أنا أفكر، إذن أنا موجود" (Cogito, ergo sum). العقل (الشك، التفكير) هو أساس الوجود الإنساني، وهو ما يميز الإنسان عن الحيوان وعن الآلة (ديكارت، "مقال في المنهج"، 1637، الجزء الرابع).
في مشروع ديكارت، لا مكان للجنون. إذا كنت "أجن" (غير عاقل)، فأنت لا تفكر تفكيراً سليماً، إذن أنت لا توجد وجوداً يقينياً. المجنون ليس إنساناً بالمعنى الديكارتي، بل هو "جسم" فقط (مادي، غير عاقل، غير مفكر، غير موجود وجوداً حقيقياً). هذا الموقف الديكارتي (ازدراء الجنون، اعتبار العقل هو الكرامة الإنسانية الوحيدة) هو ما برر لقرون طويلة معاملة المجانين كـ"حيوانات"، أو كـ"أطفال"، أو كـ"مجرمين".
لكن المفارقة أن "الشك الديكارتي" نفسه (التشكيك في كل شيء، حتى في وجود العالم) هو "جنون منهجي". إنه جنون مؤقت، مُصطنع، يُمارس من أجل الوصول إلى اليقين. ديكارت لم يكن مجنوناً حقيقياً، لكنه تظاهر بالجنون ليعيد بناء الفلسفة من الصفر. هذا "الجنون المؤقت" هو ما سمح له بتجاوز قرون من الجمود الفكري. لولا جرأته على "الشك في كل شيء" (وهو جنون في نظر معاصريه)، لما استطاع تأسيس العقلانية الحديثة.
دروس من ديكارت
من ديكارت نتعلم أن الجنون قد يكون "منهجاً" وليس "مرضاً". نتعلم أن الشك هو بداية الحكمة، وأن اليقين هو نهاية التفكير. نتعلم أن الذي لا يجرؤ على "الجنون" لفترة قصيرة (أي تعليق أحكامه المسبقة، التشكيك في قناعاته الراسخة) لن يصل أبداً إلى معرفة حقيقية. هذا النوع من الجنون (الجنون المنهجي) هو ما يحتاجه الباحثون والكتاب والمفكرون في كل زمان ومكان.
---
الجزء السادس: إيمانويل كانط – الجنون كخروج عن القانون
العقل النقدي واستبعاد الجنون
إيمانويل كانط (1724-1804)، أعظم فلاسفة عصر التنوير الألماني، جعل "العقل" هو محور مشروعه الفلسفي بأكمله. في "نقد العقل الخالص" (1781)، حاول أن يحدد "حدود" العقل: ما يمكن للعقل أن يعرفه (الظواهر)، وما لا يمكنه أن يعرفه (الشيء في ذاته، الله، الحرية، الخلود). في "نقد العقل العملي" (1788)، جعل "العقل" هو أساس الأخلاق: القانون الأخلاقي هو نتاج العقل، وليس نتاج الوحي أو المشاعر أو العادات أو التقاليد. في "نقد ملكة الحكم" (1790)، جعل "العقل" هو وسيلة الحكم على الجمال والغائية.
في مشروع كانط، الجنون هو "الخروج عن سلطة العقل" (إما المعرفي أو العملي أو الجمالي). المجنون هو من لا يطيع "قوانين العقل" (المنطق، الأخلاق، الذوق العام). ولأن كانط يعتبر "الحرية" هي القدرة على إعطاء القانون لنفسك، فإن المجنون (الذي لا يملك هذه القدرة) هو "غير حر" و"غير مسؤول" و"غير أخلاقي". لذلك، يجب "تأديبه" و"تهذيبه" و"علاجه" (أو حبسه) حتى "يعود إلى رشده".
لكن كانط نفسه، في كتاباته عن "التنوير"، يعتبر أن "الخروج من حالة القصور" (التي يتحمل الإنسان مسؤوليتها) هو واجب أخلاقي وعقلاني. "القصور" (Unmündigkeit) هو عدم القدرة على استخدام عقلك دون توجيه من آخر. والتنوير هو "الجرأة على المعرفة" (Sapere aude). هذا يعني أن كانط يشجع على "عصيان السلطة" (العقلية والأخلاقية والسياسية) باسم "العقل". وهذا "العصيان" هو، في نظر المجتمع التقليدي، "جنون" آخر.
دروس من كانط
من كانط نتعلم أن "الجنون" قد يكون مرادفاً لـ"الخروج عن القطيع". نتعلم أن "العقل" ليس محايداً، بل هو أداة للسلطة (تحدد من "عاقل" ومن "مجنون"، ومن "مستنير" ومن "متخلف"). نتعلم أن كل ثورة (فكرية أو سياسية) تبدأ بـ"جنون" العصيان، وهذا "الجنون" هو شرط التقدم.
---
الجزء السابع: فريدريك نيتشه – جنون المطرقة
تفكيك كل القيم
فريدريك نيتشه (1844-1900) هو أشهر مجنون في تاريخ الفلسفة. ليس لأنه انتهى به الأمر في مصح عقلي (بعد انهياره العصبي عام 1889)، بل لأن فلسفته كلها كانت "مجنونة" بمعايير عصره. نيتشه لم يطرح أسئلة فقط (مثل سقراط)، ولم يعيش في برميل (مثل ديوجين)، ولم يمدح الجنون بسخرية (مثل إيراسموس)، ولم يشك مؤقتاً (مثل ديكارت). بل هاجم بعنف كل ما هو "مقدس" في الحضارة الغربية.
في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" (1883-1885)، يعلن شخصية "المجنون" (أو "النبي") أن "الإله مات". في كتابه "جينالوجيا الأخلاق" (1887)، يصف الأخلاق المسيحية بأنها "أخلاق العبيد" التي تغذي الضعف والحسد والانتقام المتخفي. في كتابه "إرادة القوة" (مخطوطات بعد وفاته، 1888)، يصف "الإرادة إلى القوة" بأنها جوهر كل شيء (الحياة، الطبيعة، الإنسان، العقل، الروح).
نيتشه كتب بطريقة صاعقة، تشبه نوبات الجنون. لم يكتب "فصولاً" و"أبواباً" و"مقدمات" و"خواتيم". كتب "أفوريزمات" (جمل قصيرة صاعقة)، وأشعاراً نثرية، وروايات رمزية، وإعلانات حرب. كان يوقع كتبه بـ"نيتشه، قاذف القنابل". وكان يصف فلسفته بأنها "تفكير بالمطرقة": الفلسفة التي لا تبني، بل تحطم. تكسر الأصنام. تفضح الأوهام. تحرر العقل من كل القيود.
لماذا جنّ نيتشه؟
في يناير 1889، في شوارع تورينو، انهار نيتشه. شاهده أحد الجيران وهو يعانق حصاناً يضربه سائق عربة، ويبكي. ثم أرسل رسائل جنونية إلى أصدقائه: "أنا ضمير أوروبا"، "أنا شيطان كنت يوماً الله"، "أنا كل الأسماء في التاريخ". قضى السنوات الأحد عشر الأخيرة من حياته في مصح عقلي، تحت رعاية أمه أولاً ثم أخته، عاجزاً عن الكلام أو الحركة أو الكتابة. مات عام 1900.
تفسيرات انهياره كثيرة: مرض عضوي (الزهري، ورم في المخ، مرض وراثي)، ضغط نفسي (عزلة، فقر، رفض كتبه، وحدة، هجر أصدقائه، فقدان حبه)، إرهاق فكري، أو ببساطة: "لقد جنّ لأنه فكّر كثيراً". لأنه حفر في أعماق العقل البشري حتى وصل إلى ما لا يطاق. لأنه شكك في كل شيء، حتى في شكه. لأنه أراد أن يكون "ما وراء الإنسان" (Übermensch)، لكنه ظل إنساناً، والإنسان له حدود. تجاوز الحدود، فدفع الثمن.
دروس من نيتشه
من نيتشه نتعلم أن الجنون قد يكون "تكلفة المعرفة" العميقة. نتعلم أن الذي يجرؤ على "تفكيك كل القيم" (بما فيها "قيمة العقل نفسه") قد يدفع حياته ثمناً. نتعلم أن "المطرقة" قد تحطم الأصنام، لكنها قد تحطم أيدينا أيضاً. نتعلم أن الفلسفة ليست مهنة، بل هي "مخاطرة" و"مغامرة" و"تضحية". نيتشه ضحى بعقله من أجل أن نراهن نحن (من بعده) على "عقل جديد"، "أخلاق جديدة"، "إنسان جديد". هل نحن مستعدون لهذه الرهان؟
---
الجزء الثامن: ميشيل فوكو – تاريخ الجنون كتاريخ السلطة
كيف يُنتج "العقل" "الجنون" كآخر له؟
ميشيل فوكو (1926-1984)، الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي، هو أول مفكر حاول "تفكيك" مفهوم "الجنون" كبناء اجتماعي وتاريخي وسياسي. في كتابه الرائد "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" (1961)، يتتبع فوكو كيف تعامل المجتمع الأوروبي مع "المجانين" من العصور الوسطى حتى القرن التاسع عشر.
خلص فوكو إلى أن "الجنون" ليس "مرضاً" طبياً موضوعياً، بل هو "تصنيف" اجتماعي تفرضه "سلطة العقل" على كل من يخرج عن "معاييرها" (الطبيعية، الأخلاقية، القانونية، الاقتصادية، الدينية، الثقافية). في العصور الوسطى، كان "المجنون" شخصية مقبولة في المجتمع، بل وكان يُعتبر أحياناً "يحمل حكمة إلهية". لكن في عصر الكلاسيكية (القرن السابع عشر)، بدأت أوروبا في حبس "المجانين" مع "العاطلين عن العمل" و"المتشردين" و"المجرمين" و"أعداء المجتمع". لم يكن هذا "عالماً طبياً"، بل كان "إجراءً سياسياً" و"اقتصادياً" و"اجتماعياً" لإزالة كل من يعوق "النظام الجديد" (الرأسمالي، البرجوازي، العلماني، العقلاني).
في القرن التاسع عشر، ظهر "الطب النفسي" كتخصص مستقل. والمفارقة أن "الطب النفسي"، الذي كان يهدف إلى "علاج المجانين"، كان في الحقيقة "أداة" جديدة للسيطرة عليهم. بدلاً من السلاسل والسجون، استخدم الأطباء "العزل"، "العلاج بالصدمات"، "التنويم المغناطيسي"، "الأدوية المهدئة". ظل "المجنون" سجيناً، لكن السجن أصبح "مشفى"، والجلاد أصبح "طبيباً"، والعقاب أصبح "علاجاً". هذا هو "جنون العصر الحديث": تخفي السلطة تحت عباءة العلم، والإقصاء تحت عباءة الرحمة، والعنف تحت عباءة الشفاء.
دروس من فوكو
من فوكو نتعلم أن "الجنون" ليس حقيقة طبية، بل هو "تسمية سياسية". نتعلم أن "العقل" ليس فضيلة إنسانية، بل هو "أداة سلطة". نتعلم أن الثوريين والمبدعين والمختلفين هم "مجانين" في نظر المجتمع، إلى أن ينتصروا (أو يموتوا) فيتحولوا إلى "أنبياء" و"شهداء" و"قديسين". نتعلم أن تاريخ الفلسفة هو تاريخ "معركة بين العقل والجنون"، وأن هذه المعركة لم تنته بعد، بل ستستمر ما دامت هناك سلطة تحتاج إلى "آخر" تهدئ ضميرها وتبرر إجرامها وتمارس سلطتها.
---
الخاتمة: لماذا نحتاج إلى الجنون اليوم؟
بعد هذه الرحلة الطويلة من سقراط إلى نيتشه، فوكو وإيراسموس، ديوجين وديكارت وكانط، يمكننا أن نستخلص بعض الدروس لزماننا:
الدرس الأول: الجنون هو القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون. في زمن "العقل المُعزَّز" (الذكاء الاصطناعي، الخوارزميات، منصات البث، الإعلانات المستهدفة، الأخبار المزيفة، الدعاية السياسية، البروباغندا الدينية)، أصبحت "الرؤية" أندر من أي وقت مضى. نحن نرى ما تريد الخوارزميات أن نراه. نسمع ما تريد السلطة أن نسمعه. نعتقد ما تريد السوق أن نعتقده. المجنون (سقراط، ديوجين، نيتشه) هو الذي يجرؤ على "رؤية" ما وراء الشاشة، ما وراء الإعلان، ما وراء الخطاب الرسمي، ما وراء "الموضة السائدة". المجنون هو الذي يجرؤ على قول: "الملك عارٍ"، "الإله مات"، "أنتم لا تعرفون شيئاً"، "العقل السليم هو جنون مقنع".
الدرس الثاني: الجنون هو القدرة على العيش ضد التيار. في زمن الاستهلاك المفرط، والتنافس المحموم، والسعي الدائم وراء "العلامات التجارية" و"المظاهر الاجتماعية" و"قوة المنصب" و"شهرة الشاشة"، أصبح "العيش ضد التيار" أشبه بالانتحار الاجتماعي. ديوجين عاش في برميل وقال للإسكندر "ابتعد عن الشمس". نيتشه عاش فقيراً وحيداً مرفوضاً، ومات مجنوناً. فان جوخ رسم لوحاته وهو يبيع لوحة واحدة فقط في حياته، ومات فقيراً. كافكا نشر كتبه وهو على فراش الموت، ولم يرَ نجاحها. هؤلاء "المجانين" لم يهتموا بـ"ما سيقوله الناس". لم يهتموا بـ"بيعت أزيد ولا لأ". لم يهتموا بـ"جبت فلوس كتيرة ولا لأ". عاشوا كما أرادوا (أو كما أجبرهم جنونهم)، وماتوا. لكن أعمالهم بقيت، وألهمت الأجيال، وغيرت مسار التاريخ. من يتذكر "التجار الناجحين" في زمن نيتشه؟ لا أحد. ومن يتذكر "أغنى أغنياء أثينا" في زمن سقراط؟ لا أحد. لكن سقراط ونيتشه يقرأهما الملايين حتى اليوم. هذا هو "نجاح المجانين": لا يقاس بالفلوس، بل بالخلود.
الدرس الثالث: الجنون هو القدرة على تحمل الوحدة والرفض والموت. سقراط قتلوه. نيتشه مات وحيداً في مصح. فان جوخ انتحر. كافكا مات قبل أن يشتهر. ديوجين عاش فقيراً مهمشاً. ليس هناك "طريق سهل" للجنون الإبداعي. ليس هناك "ضمانات" أو "تأمين صحي" أو "معاش تقاعدي" للمجانين الحكماء. الذي يختار هذا الطريق يجب أن يكون مستعداً لدفع الثمن. وحده. بدون شهود. بدون تصفيق. بدون جوائز. بدون وسام الجمهورية. هذا هو "جنون الحكيم": أن تعرف أنك قد لا تنجح، وأنك قد تموت قبل أن يراك أحد، ورغم ذلك تستمر.
الدرس الرابع: الجنون هو الحلم بعالم آخر ممكن. اليوتوبيا (المدينة الفاضلة) هي حلم مجنون. العقل السليم يقول: "استسلم للواقع، تأقلم، لا تحلم، لا تغامر، لا تخاطر، العب مع القطيع". المجنون الحكيم يقول: "لا، الواقع ليس عادلاً، الواقع ليس جميلاً، الواقع ليس مثالياً. يمكننا تغييره. يجب أن نغيره. سأحلم بعالم أفضل. سأكتب عنه. سأكافح من أجله. سأموت من أجله إن لزم الأمر". سقراط حلم بأثينا أفضل، فقتلوه. ديوجين حلم بحضارة أفضل (بدون زيف)، فعاش في برميل. نيتشه حلم بـ"ما وراء إنسان" أفضل، فجنّ. نحن، المجانين الأصغر، نحلم بمصر أفضل، بوطن أفضل، بحياة أفضل، بسينما أفضل، بفن أفضل، بفكر أفضل. قد ننجح، وقد نفشل. لكن الأكيد أننا لن نغفر لأنفسنا إذا لم نحاول.
ختاماً: إلى أي جنون أنتمي؟
بعد هذه الرحلة، يمكنني أن أقول أن جنوني الخاص هو مزيج من هذه الأنواع كلها. فيه شيء من جنون سقراط (السؤال الذي لا ينتهي، التشكيك في اليقينات، البحث عن الحقيقة). وفيه شيء من جنون ديوجين (رفض الزيف الاجتماعي، محاولة العيش ببساطة، ولو على هامش المجتمع). وفيه شيء من جنون نيتشه (محاولة تفكيك القيم السائدة، تحطيم الأصنام الفكرية، التمرد على التقاليد الجامدة). وفيه شيء من جنون فوكو (الوعي بأن "العقل" و"الجنون" هما تصنيفان اجتماعيان، أداتان للسلطة والإقصاء).
لكني لست نيتشه (لم أجنّ بعد)، ولست سقراط (لم يحاكموني)، ولست ديوجين (لا أستطيع العيش في برميل). أنا "حكيم هجين" في زمن تهجين كل شيء. أنا باحث يكتب سيناريوهات. كاتب سيناريو يكتب أبحاثاً. أخصائي نفسي يهتم بالفلسفة. مصري يعيش الغربة ويكتب عن الوطن. مسلم يشك في كل شيء، ويؤمن بشيء واحد: أن "الحقيقة" تستحق البحث. وأن "الجنون" (إذا كان ثمناً للحقيقة) فهو أرخص من "العقل السليم" الذي يرضى بالوهم ويخاف من السؤال.
هذا جنوني. متواضع لكنه صادق. هجين لكنه متماسك. مؤلم لكنه خلاق. فردي لكنه يبحث عن جماعة (القراء، المشاهدون، الباحثون، المجانين الآخرون). لا ينتمي إلى مدرسة فلسفية واحدة، ولا إلى تيار سينمائي واحد. إنه جنون الباحث عن الحقيقة في زمن الموضة العابرة والعقول المُعزَّزة والهويات المستعارة. وهذا الجنون، في رأيي المتواضع، هو الوحيد الذي يستحق العيش من أجله. والوحيد الذي يستحق الكتابة عنه. والوحيد الذي قد يبقى، بعد أن تندثر كل الأوهام.
---
محمد أحمد الصغير علي عيد
باحث مستقل – كاتب سيناريو – خريج المعهد العالي للسينما
القاهرة، 2026
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟