أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد أحمد الصغير على عيد - متخلفون في زمن التسارع: لماذا لا يزال العرب يبحثون عن -مُلك الحقيقة- بينما العالم يغزو الفضاء؟ مقال في نقد الأولويات العربية















المزيد.....


متخلفون في زمن التسارع: لماذا لا يزال العرب يبحثون عن -مُلك الحقيقة- بينما العالم يغزو الفضاء؟ مقال في نقد الأولويات العربية


محمد أحمد الصغير على عيد

الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 10:39
المحور: قضايا ثقافية
    


مقدمة: سؤال يوجع

بينما تتصارع الصين والولايات المتحدة على هيمنة أشباه الموصلات، وتغوص مركبات "تشانغ آه-6" الصينية في الجانب المظلم من القمر، ويطلق "سبيس إكس" آلاف الأقمار الصناعية لتوفير الإنترنت لسكان الأرض، ويجرب الأوروبيون واليابانيون الحوسبة الكمومية التي قد تنهي عصر الحواسيب الرقمية كما نعرفه – في خضم هذا كله، ما زلنا نحن العرب ننشغل بـ"من يملك الحقيقة المطلقة". ما زلنا نتأرجح بين تجنيد قسري باسم الأمن، واستقطاب حاد باسم الدين، واستقطاب حزبي باسم الثورة أو ضدها، واستقطاب يساري باسم الطبقة، واستقطاب قومي باسم الأمة. نبحث عن "توبة قسرية" لأناس وُلِدوا للتو في بلاد يُرفض فيها حتى حقهم في الشك واللامنتماء.

هذا المقال ليس مجرد رثاء للحال، بل محاولة لفهم الجذور، وتشريح العلاقة بين "التخلف" المعرفي و"هوس الاستقطاب" بكل أنواعه، ثم الخروج بتساؤلات لا مفر منها: هل يمكن لعالم متخلف – يصر على احتكار الحقيقة وإذلال أضعفه وأولئك الذين يرفضون الانتماء القسري – أن ينافس في سباق الفضاء والتكنولوجيا والثورات العلمية؟

---

أولاً: المشهد العالمي: سباق لا يعرف التخلف

في اللحظة التي تكتب فيها هذه السطور، هناك فريق صيني يعد لإنزال بشري على القمر بحلول عام 2030، وفريق أمريكي يطور ذكاءً اصطناعيًا عامًا (AGI) قد يكون آخر اختراع بشري، لأن الاختراعات اللاحقة ستكون من صنع الآلة نفسها. وفي مكان آخر، تحقق الحوسبة الكمومية قفزات نوعية: حاسوب "سيكامور" من جوجل أنجز في 200 ثانية ما كان سيستغرق أقوى حواسيب العالم التقليدية 10 آلاف عام. وفي الصين، حاسوب "جوشنغ" الكمومي فاق التوقعات جميعها.

هذا ليس تفاخرًا تقنيًا فحسب، بل هو تحول وجودي. ما كان يُعتبر خيالًا علميًا قبل عقدين صار واقعًا يوميًا. تقنيات تحرير الجينات (CRISPR) تعيد كتابة الشيفرة البشرية. والطائرات المسيرة تغير مفهوم الحرب. والعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) تستعد لإعادة تعريف النقود نفسها. والمدن الذكية مثل "نيوم" في السعودية و"سيتي أوف تيرا" في كوريا الجنوبية تجرب أشكالًا جديدة من الحوكمة والمعيشة.

في هذا الزمن، لا توجد دولة متقدمة واحدة تشغل نفسها بأسئلة من قبيل: "من يملك الحقيقة المطلقة؟" هذه الأسئلة ماتت في أوروبا بعد حروب الدين (القرن السابع عشر) وحروب الأيديولوجيا (القرن العشرين). وماتت في أمريكا بعد ثورتها الثقافية في ستينيات القرن الماضي ونهاية الحرب الباردة. وماتت حتى في الصين – التي لا يزال الحزب الشيوعي يمسك بزمام السلطة – لأن الصين فهمت أن الصراع على الحقيقة لا يوصل إلى القمر، بل يبقي المرء حبيس الأرض. حتى كوريا الشمالية، في عز عزلة وجوعها، تطلق صواريخ نحو الفضاء. أما نحن فما زلنا نطلق الاتهامات.

---

ثانيًا: المشهد العربي: أين نقف؟

مقابل هذا التسارع، يظل المشهد العربي محاصرًا في دائرة مغلقة من الاستقطابات المتعددة. ليست المشكلة في الاستقطاب الديني وحده، بل في الاستقطاب كظاهرة شاملة تلتهم كل علاقة اجتماعية وسياسية.

2.1 الاستقطاب الديني

هو الأكثر ظهورًا والأكثر دراسة. جماعات متطرفة تحتكر التفسير وتكفر المخالف. ودول تتصدى لها لكنها تتبنى أحيانًا نفس الآلية: تحتكر الحقيقة الدينية الرسمية، وتصنف أي قراءة مختلفة كـ"بدعة" أو "تطرف". النتيجة: فضاء ديني مغلق، لا يتسع لاجتهادات متعددة، ولا يسمح بفكرة أن "الدين واحد والفهم متعدد".

2.2 الاستقطاب الأمني

الجهاز الأمني يملك الحقيقة الأمنية المطلقة. من هو إرهابي؟ من هو خطر على الأمن القومي؟ من يمكن تجنيده قسرًا أو استقطابه استقطابًا حادًا؟ هذه الأسئلة لا تخضع لنقاش عام ولا لرقابة قضائية مستقلة. المواطن في مواجهة هذا المالك لا يملك سوى الاستئذان: هل أنا آمن؟ هل ملفي نظيف؟ هذا الاستقطاب الأمني ينتج مجتمعًا مرعوبًا، يراقب نفسه قبل أن تراقبه السلطة.

2.3 الاستقطاب الحزبي

الثورات العربية لم تخرجنا إلى التعددية الديمقراطية، بل إلى استقطاب حزبي حاد لا يقل إغلاقًا عن الاستقطاب الديني أو الأمني. الأحزاب (إسلامية، يسارية، ليبرالية، قومية) تعاني من ظاهرة "احتكار الحقيقة" ذاتها. كل حزب يمتلك "البرنامج الصحيح"، وكل حزب يرى الآخرين إما خونة أو سذجًا أو عملاء. الحوار الحزبي في العالم العربي ليس حوارًا بقدر ما هو شحن واتهام وتكفير سياسي. الناقد داخل الحزب يُطرد. والمختلف يُصنف كـ"عميل" أو "انتهازي". النتيجة: يسار عربي يقتل يسارًا عربيًا (كما حدث في ليبيا وسوريا)، وليبراليون يتهمون بعضهم بالعمالة، وإسلاميون يفتتون بعضهم البعض إلى جماعات وجماعات فرعية.

2.4 الاستقطاب اليساري

واليسار العربي نموذج خاص ومؤلم. أحزاب وحركات تدعي أنها تمثل "العدالة الاجتماعية" و"حقوق المستضعفين"، لكنها تعيد إنتاج آليات الاستقطاب الحاد بعنف لا يقل عن خصومها. في اليسار العربي، ثمة "حقيقة ثورية" لا تقبل النقاش. ثمة "قراءة صحيحة" لماركس أو لنظرية التبعية أو لقضية فلسطين. من يخرج عنها يُتَّهم بـ"الانحراف"، أو "التسوية مع الرأسمالية"، أو "الليبرالية الجديدة". النقاشات العقائدية بين الفصائل اليسارية أكثر شراسة من نقاشاتهم مع اليمين. يساريو مصر يتهمون يساريي تونس بالخيانة. ومثقفو اليسار اللبناني لا يحضرون ندوات بعضهم البعض. هذه الظاهرة ليست جديدة؛ لقد لاحظها منذ عقود المفكرون العرب مثل ميشال عفلق الذي انشغل بتوحيد "البعث" على حساب بناء فكر نقدي حقيقي. والنقد الأخير لليسار العربي (مثل كتاب "محنة اليسار العربي" لعزمي بشارة) يشير إلى أن اليسار وقع في نفس فخ "ملكية الحقيقة" الذي وقع فيه خصومه.

2.5 الاستقطاب القومي

القومية العربية، التي كان يمكن أن تكون أيديولوجيا جامعة للطاقات، تحولت إلى أداة استقطاب أخرى. القوميون يتحدثون باسم "الأمة"، ويحتكرون تعريف "الولاء القومي". من يختلف معهم يُتَّهم بـ"العداء للأمة"، أو "التخلي عن القضية المركزية"، أو "الانبطاح للغرب". في بعض البلدان العربية، القومية صارت مرادفًا للتبعية لنظام سياسي معين (البعث في سوريا والعراق سابقًا، الناصرية في مصر سابقًا)، حيث يصبح الانتماء للقومية يعني الانتماء للحزب الحاكم، والخروج عنها يعني الخروج عن الأمة. هذا الاستقطاب يقتل أي مشروع قومي حقيقي قائم على التنوع والاجتهاد، ويستبدله بـ"طوطم" يُقدس ويُمنع نقده.

2.6 فكرة "اللامنتمي": جريمة لا تُغتفر

ربما كانت هذه هي القضية الأكثر إيلامًا في المشهد العربي المعاصر: فكرة "اللامنتمي" لم تعد مفهومة. المجتمع العربي (وسياساته وأحزابه وجماعاته وخطاباته) لا يستوعب أن إنسانًا يمكنه ألا ينتمي إلى أي تيار. أن يكون فوق الاستقطابات. أن يرفض أن يُصنَّف كـ"إسلامي" أو "علماني" أو "يساري" أو "قومي" أو "ليبرالي". اللامنتمي، في هذا السياق، يُقرأ دائمًا كخائن: إما أنه "عميل" في الخفاء، أو أنه "جبان" لا يريد أن يعلن ولاءه، أو أنه "متخاذل" في معركة الحق ضد الباطل.

هذه الظاهرة وثّقها علماء الاجتماع العرب مثل هشام شرابي في مفهوم "المجتمع الأبوي"، وسعد الدين إبراهيم في دراسات المجتمع المدني. فاللامنتمي يهدد وجود المالك: إذا كان هناك إنسان يرفض الانتماء، فهذا يعني أن "ملكية الحقيقة" ليست ضرورية، وأن الإنسان يمكنه أن يكون حرًا دون وسيط. هذا يفسر العنف الرمزي (وأحيانًا المادي) الذي يواجهه اللامنتمون في المجتمعات العربية.

2.7 التوبة القسرية وإذلال الضعفاء

هذه الاستقطابات كلها تتقاطع عند نقطة واحدة: التوبة القسرية. التوبة ليست ندمًا حقيقيًا، بل طقس إذلال علني. يُجبر "الخاطئ" (بالمعنى الديني أو الأمني أو الحزبي أو القومي أو اليساري) على "التراجع" و"البراءة من أفكاره السابقة". وأحيانًا يُطلب منه أن يندد بمن كانوا رفاق دربه. هذه التوبة لا تؤدي إلى تصحيح فكري، بل إلى إنتاج جيل من المنافقين المرعوبين الذين يعرفون أن الحقيقة لا قيمة لها بقدر ما قيمة البقاء. التوبة القسرية تقتل الجرأة الفكرية، وتقتل أي إمكانية لخطأ يعقبه تعلم.

ولاحظ كيف أن هذا الإذلال لا يمارس أبدًا على الأقوياء. لا يُطلب من رجل أعمال كبير أو وزير سابق أو ضابط رفيع أن يتوب علنًا. الضعفاء وحدهم من يُسحقون. النشطاء، الصحفيون، الأكاديميون المستقلون، الطلاب – هم من يُصفعون. المجتمع العربي يمارس إذلال أفراده الأضعف، ثم يتساءل لماذا لا ينتج عباقرة أو قادة أو مخترعين.

---

ثالثًا: لماذا التخلف؟ سبعة جذور بنيوية

ليس التخلف قدرًا، بل هو نتاج بنى قابلة للتغيير – لو أراد من يملكون القوة تغييرها.

الجذر الأول: بنية استخراجية لا إنتاجية. الاقتصاد العربي (باستثناء بعض النماذج الخليجية التي تعيش على الريع النفطي) اقتصاد مستهلك لا منتج. الإنفاق على التعليم والبحث العلمي في العالم العربي مجتمعًا لا يصل إلى ما تنفقه كوريا الجنوبية وحدها. الناتج المحلي العربي الضخم (أكثر من 3 تريليونات دولار) يذهب إلى الاستيراد والبناء العقاري والاستهلاك الفاخر، لا إلى المعامل والمختبرات والمراصد. لا يمكن بناء صاروخ بمال يُصرف على استيراد الأرز والملابس والسيارات الفارهة.

الجذر الثاني: بنية معرفية خاضعة. النظام التعليمي العربي، بمدارسه وجامعاته، لا ينتج باحثين مبدعين، بل ينتج موظفين مطيعين. التعليم قائم على الحفظ والإعادة، لا على التفكير النقدي والتجريب. و"اعتماد" الجامعات العربية في كثير من الأحيان هو وهم تختبئ خلفه جامعات تخرّج آلافًا لا يستطيعون قراءة ورقة علمية واحدة بالإنجليزية. وجامعات النخبة العربية تخرّج أطباء ومهندسين لا يملكون جرأة البحث والتجريب، لأن نظام التعليم نفسه يُعاقب التساؤل ويكافئ التكرار.

الجذر الثالث: بنية سلطوية تعادي الاختلاف. المجتمعات العربية مجتمعات "مُحاكمة" وليس مجتمعات "محاورة". الاختلاف ليس رحمة، بل هو جريمة. والسلطة (سياسية كانت أم دينية أم حزبية أم يسارية أم قومية) تحتكر الحقيقة. هذه البنية تجعل أي مشروع علمي كبير مستحيلًا – لأن العلم بأسره قائم على الاختلاف والنقد والمراجعة والتكذيب. لا يمكن لأمة تعتبر "المختلف" كافرًا أو عميلًا أو خائنًا أن تنتج علماء ينقضون أستاذتهم ويكتشفون أشياء جديدة.

الجذر الرابع: العقل المستباح نفسه. في دراستنا السابقة، حللنا كيف أن "مُلَّاك الحقيقة" يستبيحون العقول. العقل المستباح لا يمكنه – بحكم تعريفه – أن يكون مبدعًا. الإبداع يتطلب شجاعة معرفية، ويتطلب قدرة على المجازفة والخطأ، ويتطلب مساحة للعب والفضول. العقل المرعوب، المراقَب، الجبان، لا يخترع أقمارًا صناعية ولا يفك شيفرة الجينوم ولا يكتب خوارزميات ذكاء اصطناعي. العقل المستباح يبقى في مكانه، يدافع عن "مُلَّاكه"، وينتظر دوره في التوبة القسرية.

الجذر الخامس: ثقافة العيب والعار. في المجتمعات العربية، العيب والعار (شرف، عرض، سمعة) يلعبان دورًا مركزيًا في الضبط الاجتماعي. الخوف من العيب يجعل الناس يلتزمون بالاستقطاب السائد في محيطهم، ولا يجرؤون على اللامنتماء. هذا الخوف يُنتج مجتمعات متوافقة ظاهريًا، لكنها غائرة بالتناقضات والرغبات المكبوتة. والإبداع العلمي يحتاج إلى ثقافة تتجاوز الخوف من "العار" (أي المخاطرة بالخطأ أمام الآخرين)، بينما مجتمعاتنا تعاقب العار وتجعل التجريب جريمة.

الجذر السادس: غياب التراكم المعرفي. في الغرب والصين، العلم تراكمي: كل جيل يبني على ما قبله. في العالم العربي، العلم غير تراكمي بسبب الانقطاعات السياسية والحروب والثورات والتطهيرات. جيل كامل من الباحثين يُسجن أو يُهجر أو يُقتل، ويبدأ الجيل التالي من الصفر. جامعة بغداد كانت من أعظم الجامعات في الشرق الأوسط، ثم دمرتها الحروب والحصار. الجامعة الأمريكية في بيروت كانت منارة، ثم تراجعت بسبب الانهيار اللبناني. جامعة القاهرة كانت سباقة في المنطقة، ثم تدهورت بسبب الفساد والبيروقراطية. لا يمكن بناء برنامج فضائي بلا تراكم معرفي يمتد لأجيال.

الجذر السابع: غياب فكرة "العلم للعلم". في المجتمعات المتقدمة، جزء كبير من البحث العلمي يُنجز دون غرض تطبيقي فوري، بدافع الفضول الإنساني الخالص. في العالم العربي، العلم يُفهم فقط كأداة لحل مشكلة فورية أو لخدمة أيديولوجيا معينة. "ما فائدة دراسة الفيزياء الفلكية ونحن نعاني من الفقر والمرض؟" هذا السؤال الخاطئ يقتل العلم الأساسي الذي قد يقود، بعد عقود، إلى ثورات تكنولوجية. لا أحد سأل أينشتاين عن فائدة النسبية وهو يكتب معادلاته.

---

رابعًا: مقارنة مع الشرق والغرب

لنقارن بإيجاز شديد مسارات تطور المجتمعات التي غادرت "استقطاب الحقيقة" إلى "استقطاب التقدم".

أوروبا: بعد حروب الدين (1618-1648) التي قتلت ثلث سكان ألمانيا، أسست معاهدة "سلام وستفاليا" التي نصت على أن "لكل أمير أن يحدد دين دولته". لم تقل أوروبا: "الحقيقة المسيحية مطلقة"، بل قالت: "تعايشوا أو اقتتلوا إلى الأبد". من هذا السلام خرجت فكرة "العلمانية" كفضاء للتسامح والتبادل، وخرجت الثورة العلمية (جاليليو، نيوتن، كوبرنيكوس) والثورة الصناعية. العلمانية الأوروبية لم تكن عداءً للدين، بل كانت "وقف إطلاق نار" بين مالكي الحقيقة الدينية. ثم في القرن العشرين، بعد الحربين العالميتين والصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية، خرجت أوروبا بهياكل تكفل التعددية الحزبية دون إلغاء الآخر.

الولايات المتحدة: دستورها منع إقامة دين للدولة. قال واضعوه: "لا يمكن لامتحان ديني أن يكون شرطًا لأي مكتب عام". لم يقولوا إن الحقيقة غير موجودة، بل قالوا: "لا أحد يملكها بالنيابة عن الجميع". من هذه الفكرة خرجت وادي السيليكون ووادي الموت وحروب الفضاء. والأحزاب الأمريكية، رغم شراسة تنافسها، تعترف بشرعية الخصم، ولا تطلب منه "توبة" بعد كل انتخابات. اللامنتمي موجود وله حقوق، والانتماء للحزب ليس شرطًا للوجود الاجتماعي.

اليابان وكوريا الجنوبية: خرجتا من حرب مدمرة (الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية) بإرادة جماعية على تجاوز الأيديولوجيا والتركيز على "النهضة". اليابان أعادت بناء نفسها في جيل واحد عبر استيراد التكنولوجيا وتطويرها محليًا. كوريا الجنوبية كانت أفقر من السودان في ستينيات القرن الماضي، واليوم هي عملاق تقني. لم تشغل هاتان الدولتان نفسيهما بـ"من يملك الحقيقة" (وإن كان اليسار واليمين فيهما مستقطبين)، بل شغلتا نفسيهما بـ"كيف نصنع". التعليم كان محورهما، والصناعة كانت محورهما، والبحث العلمي كان محورهما. الاستقطاب الحزبي موجود لكنه لا يشل المجتمع.

الصين: القوة الشيوعية الواحدة التي ابتعدت كل البعد عن الجدل العقائدي الميتافيزيقي. استبدلت "الحقيقة المطلقة" (الماركسية اللينينية كحقيقة نهائية) بـ"النجاعة الاقتصادية والتقنية". قال دينج شياو بينغ: "لا يهم لون القطة، المهم أنها تصيد الفئران". ومن هذه المقولة – مهما كانت إشكاليتها الأخلاقية والسياسية في جوانب أخرى – خرجت ثورة اقتصادية وتقنية جعلت الصين تنافس أمريكا على القمر ورقائق السيليكون والذكاء الاصطناعي. الصين لا تسأل "من هو مالك الحقيقة المطلقة؟"، بل تسأل "من يملك أقوى حاسوب كمومي؟".

العرب وحدهم – بحسب هذا التحليل المقارن – بقوا متشبثين بالأسئلة الخاطئة. الأسئلة التي تؤدي إلى مزيد من التخلف، لا إلى مزيد من التقدم. وفيما رحل الغرب والشرق من مرحلة "مالك الحقيقة" إلى مرحلة "صانع التقدم"، ظل العرب أسرى الاستقطابات القديمة، لكنها تتخذ أشكالًا جديدة: دينية، أمنية، حزبية، يسارية، قومية.

---

خامسًا: هل من مخرج؟ نحو تحول معرفي وليس خطابي

لا يمكن الخروج من هذا المأزق بخطابات عاطفية أو ندوات أو توصيات حكومية مرسومة مسبقًا. الخروج يتطلب تحولًا بنيويًا في أربع جبهات على الأقل.

الجبهة الأولى: إعادة تعريف "التخلف". التخلف ليس غياب الطائرات أو الصواريخ. التخلف هو غياب "الفضاء الذي يمكن للعقل أن يخطئ فيه دون أن يُقتل أو يُكفَّر أو يُتَّهم بالعمالة". غياب حرية البحث والتجريب والتساؤل. التخلف هو العقل المستباح، العقل الذي لا يملك نفسه، العقل الذي ينتظر دائمًا من يملك الحقيقة ليقول له ماذا يفكر. أي تطور تكنولوجي بدون تحرير العقل هو مجرد ديكور فوق أنقاض.

الجبهة الثانية: تفكيك "ملكية الحقيقة" بكل أشكالها. ليس فقط الحقيقة الدينية والأمنية. بل الحقيقة الحزبية (برنامج الحزب هو الحقيقة)، والحقيقة اليسارية (الطبقة العاملة هي صاحبة الحقيقة المطلقة)، والحقيقة القومية (القومية العربية هي الحقيقة التي لا تقبل النقاش). تفكيك الملكية يعني الإيمان بأن لا أحد يمتلك الحقيقة، وأن اللامنتمي ليس عميلًا بل يمكن أن يكون إنسانًا حرًا. هذا يتطلب ثقافة نقدية تتعامل مع الاختلاف كفرصة للتعلم، لا كجريمة تستوجب القصاص.

الجبهة الثالثة: بناء بنى بديلة في الهامش. لا يمكن هدم بنية "المُلَّاك" بين عشية وضحاها. فالنظام السياسي والأمني والديني قوي. لكن يمكن بناء بنى بديلة في الهامش: مختبرات مستقلة، منصات تعليمية مفتوحة، مجلات علمية غير خاضعة للرقابة الأمنية، برامج لتمويل البحث العلمي الحقيقي (ولو بميزانيات متواضعة)، مساحات للنقاش الحر حيث يمكن أن تكون "لامنتميًا" دون أن تُرجم. التغيير الحقيقي لا يأتي من المركز (حكومة أو حزب أو مؤسسة دينية)، بل من الأطراف التي تتهرب من احتكار الحقيقة. وكما أن الثورة الصناعية في أوروبا لم تأت من القصور الملكية، بل من ورش الحرفيين والمخترعين المستقلين.

الجبهة الرابعة: تربية جيل جديد – ليس على التكنولوجيا فحسب، بل على الفضول والتسامح مع الاختلاف. قبل أن نحتاج إلى مهندسي فضاء، نحتاج إلى أطفال يسألون "لماذا" دون أن يُصفعوا أو يُقال لهم "اسكت". نحتاج إلى أساتذة يقولون: "لا أعرف، فلنبحث معًا" بدلاً من "هذا خطأ وستسقط في الامتحان". نحتاج إلى قنوات إعلامية تخصص وقتًا للعلم وليس للاستقطاب، وتستضيف لامنتمين ونقادًا لا يمثلون أحدًا سوى أنفسهم. نحتاج إلى جامعات تعلم الطالب كيف يشك، وليس كيف يحفظ. هذا مشروع جيل كامل، وليس حملة انتخابية أو بيانًا وزاريًا. من المستحيل أن يتحقق بين يوم وليلة، لكن تأخير البدء فيه هو تأخير لأي نهضة حقيقية.

---

خاتمة: التخلف ليس قدرًا، لكن الاستمرار فيه خيار

ليس التخلف عيبًا أصليًا في العرب. هو نتيجة لتراكم تاريخي وسياسي واقتصادي معقد. لكن الإصرار على البقاء في هذا التخلف – مع تغيير الغلاف فقط – هو خيار. خيار تجديد عقود الاستقطاب (بكل ألوانه)، والتوبة القسرية، وإذلال الضعفاء، وتجريم اللامنتمين، بينما العالم كله يغادر هذه المرحلة الطفولية من الصراع على "من يملك الحقيقة".

نحن أمام لحظة فارقة في تاريخ البشرية. الثورات العلمية التي نشهدها اليوم (الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمومية، تحرير الجينات، استعمار الفضاء) قد تجعل الحضارة العربية – إذا لم تلتحق – مجرد فولكلور في متحف التاريخ، أو مجرد أرقام نازحين ولاجئين تُحسب في إحصائيات الفقر والجهل. أما إذا غيرنا الأسئلة: من الحقيقة إلى الابتكار، من المطلق إلى النسبي، من الإذلال إلى الكرامة، من الانتماء القسري إلى حرية اللامنتماء، من العقل المستباح إلى العقل المستفهم – فقد يكون هناك أمل. أمل ضئيل، لكنه أمل.

السؤال الأخير ليس: من يملك الحقيقة؟ لا دينيًا ولا أمنيًا ولا حزبيًا ولا يساريًا ولا قوميًا.

السؤال الأخير هو: كيف نصنع حقيقة جديدة تستحق أن نعيش لأجلها؟

وكيف ننتج جيلًا لا يحتاج إلى "مالك" يحنو عليه أو يخيفه، بل يقف على قدميه، يشك، يخطئ، يتعلم، ثم – ربما – يبني؟

---

هذا المقال لا يدعي تقديم حلول جاهزة، ولا يزعم أن التغيير وشيك. لكنه يصر على طرح السؤال الصحيح بدلاً من الأسئلة الخاطئة. وربما كان طرح السؤال الصحيح هو أول فعل تحرر من العقل المستباح.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مُلَّاك الحقيقة المطلقة: تفكيك الآلية المزدوجة لاستباحة العق ...
- التوأم الرقمي: الثورة القادمة بين هندسة الواقع ومستقبل السيط ...
- التوبة بين الجوهر والخطاب: دراسة تحليلية في تحولات المفهوم ا ...
- التوبة بين الجوهر والخطاب: دراسة أكاديمية في إشكاليات الاستي ...
- من جرة العقيق إلى وحش الطموح: كيف صاغ الأدب العالمي أزمة الإ ...
- ثقافة الإنجاز: كيف تحول النجاح من قيمة إنسانية إلى مرض اجتما ...
- اليسار العربي في زمن النيوليبرالية والانكسار: أزمة المشروع و ...
- إشكالية المواطنة في مجتمعات ما بعد الانتفاضات: بين الدولة ال ...
- لاهوت السوق: كيف استعارت النيوليبرالية بنى الخطاب الديني لتب ...


المزيد.....




- -خلافات حول كلمة أو جملة-.. هذا ما قاله روبيو حول المفاوضات ...
- قطر تنفي عرض 12 مليار دولار على إيران لضمان التوصل لاتفاق مع ...
- مع بزوغ الصباح.. الحجاج يتوافدون إلى صعيد عرفات
- الفرات يهدد مدن شرق سوريا.. إخلاءات وتحذيرات عاجلة للسكان
- إسبانيا: إصابة جديدة بفيروس هانتا مرتبطة بالسفينة الموبوءة
- لمواجهة المسيرات.. وسائل دفاع غير مألوفة شمالي إسرائيل
- صور مذهلة تكشف أحد أكبر الينابيع الساخنة في العالم
- بوتين يعفي المجندين الجدد بحرب أوكرانيا وعائلاتهم من الديون ...
- كاليفورنيا تتجنب -الكارثة- بعد قلق كبير.. وكشف التفاصيل
- -رؤية 2030-: كيف اصطدمت مشاريع السعودية العملاقة بحدود الواق ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد أحمد الصغير على عيد - متخلفون في زمن التسارع: لماذا لا يزال العرب يبحثون عن -مُلك الحقيقة- بينما العالم يغزو الفضاء؟ مقال في نقد الأولويات العربية