أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد أحمد الصغير على عيد - مُلَّاك الحقيقة المطلقة: تفكيك الآلية المزدوجة لاستباحة العقل العربي دراسة في النقد الثقافي والفلسفة السياسية















المزيد.....


مُلَّاك الحقيقة المطلقة: تفكيك الآلية المزدوجة لاستباحة العقل العربي دراسة في النقد الثقافي والفلسفة السياسية


محمد أحمد الصغير على عيد

الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 10:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المقدمة: من نزع الملكية المعرفية إلى استباحة العقل

لا تعني عبارة "مُلَّاك الحقيقة المطلقة" – بضم الميم وتشديد اللام – أي إحالة إلى كائنات ميتافيزيقية. فالمصطلح، كما صاغه الفيلسوف المصري مراد وهبة، يحيل إلى جماعات أو أفراد يزعمون احتكار الحقيقة بوصفها ملكية خاصة قابلة للتصرف والإرث. هذا الادعاء بالاحتكار، كما يرى وهبة، لا يفضي إلى التنوير أو الاستقرار، بل إلى صراع الأصوليات حيث يصطدم مالك الحقيقة بمالك آخر، وكل طرف يرى في الآخر تهديدًا وجوديًا يستوجب الإقصاء أو التكفير أو العنف.

غير أن تحليل وهبة – رغم دقته – ظل محصورًا في نقد الأصوليات الدينية. الهدف من هذه الدراسة هو توسيع الدائرة: فـ"مُلَّاك الحقيقة" في السياق العربي المعاصر ليسوا الجماعات الدينية المتطرفة وحدهم، بل الأجهزة الأمنية والبوليسية أيضًا، التي تمتلك "حقيقة أمنية" مطلقة (تصنيف الإرهابي، تحديد الخطر، رسم حدود الممنوع والمسموح)، وتتصرف بناءً على هذه الملكية المعرفية.

في هذا الإطار، يعاد إنتاج العقل العربي باعتباره "عقلًا مستباحًا" – أي عقلًا سلبت منه قدرته على التملك الذاتي للحقيقة، وصار مباحًا للغير، يُتصرَّف فيه كما تُلعب الكرة بين يدي من يملكون الحقيقة. فكرة "الكورة" هنا ليست ترفًا بلاغيًا، بل استعارة بنيوية: الكرة لا تملك قرار اتجاهها، بل تتلقى الركلات من كل الجهات. وكذلك العقل المستباح: يُركل بين تجنيد قسري باسم الأمن، واستقطاب حاد باسم الدين، دون أن يكون له صوت في تحديد وجهته.

تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك هذه الآلية المزدوجة، عبر ثلاثة محاور: أولاً، تثبيت المفهوم في الأدبيات العربية والغربية. ثانيًا، تفصيل آليات الاستباحة لدى كلا النوعين من المالكين. ثالثًا، الكشف عن التطابق البنيوي بينهما، والخروج بآفاق نقدية لاسترداد العقل من مالكيه المزعومين.

---

أولاً: أصل المفهوم: "مُلَّاك الحقيقة المطلقة" بين مراد وهبة ونقاد التنوير الغربيين

1.1 مراد وهبة: نقد صراع المطلقات

يعود الفضل في صياغة المصطلح إلى المفكر المصري مراد وهبة (1926-2020)، الذي كرّس جزءًا من مشروعه النقدي لتفكيك "العقل الأصولي". في إحدى محاضراته، يوضح وهبة أن المشكلة لا تكمن في تعدد التيارات الفكرية، بل في أن كل تيار يزعم أنه يملك الحقيقة المطلقة، وعندما يتعدد المالكون، يحدث صراع في المجتمع. هذا الصراع ليس صراعًا على الحقيقة في حد ذاتها (لأن الحقيقة المطلقة واحدة بطبيعتها)، بل هو صراع على ملكية الحقيقة – على حق الحديث باسم المطلق.

في تحليله للتاريخ الفكري، يذهب وهبة إلى أبعد من ذلك، فيرى أن علم اللاهوت وعلم الكلام مارسا وظيفة التكفير عبر العصور. فكُفِّر جاليليو وقُتل جيوردانو برونو، وكُفِّر ابن رشد، وقُتل الحلاج. بل إن المذاهب في المسيحية كفرت بعضها البعض، وكذلك فعلت الفرق الإسلامية. هذا التقليد الدوجماطيقي، بحسب وهبة، هو العدو الأول للعقل، لأنه يجعل الحقيقة شيئًا يُورَّث لا يُنتَج، ويُحتكر لا يُشارَك.

المفارقة المركزية التي سعى وهبة إلى كشفها أن المطلق لا يتعدد، ولكن تعددية المطلقات هي تعددية زائفة – أي أن كل جماعة تدعي أنها المالكة الوحيدة للحقيقة تنتج في الواقع نسختها الخاصة من المطلق، وتتصادم مع النسخ الأخرى. هذا الصراع هو الذي يفسر ظواهر العنف السياسي والديني في المجتمعات العربية.

1.2 في الأدبيات الغربية: احتكار الحقيقة كنقد للسلطة

لم يغب هذا النقد عن الفلسفة الغربية، وإن اختلفت المصطلحات. عمانوئيل كانط في مقالته "ما التنوير؟" (1784) أسس لنقد احتكار الحقيقة عبر ربطه بمفهوم "الاستخدام العام للعقل". كانط يميز بين "الاستخدام الخاص للعقل" (في إطار الوظيفة المدنية، حيث يُفترض الطاعة) و"الاستخدام العام للعقل" (باعتباره عالمًا يخاطب جمهور المتعلمين). جوهر التنوير، حسب كانط، هو التوسع في "الاستخدام العام للعقل" ضد كل من يحتكر الحقيقة باسم الوظيفة أو التقليد أو السلطة. شعاره "سابير أودي" (كن جريئًا في إعمال عقلك) هو نقيض مباشر لمنطق المالك الوحيد للحقيقة.

أما كارل شميت، ففي كتابه "اللاهوت السياسي" (1922)، يقدم تحليلًا يفسر كيف يُنتج احتكار الحقيقة مؤسسيًا. فحين يمتلك جهاز (أمير، مجلس، دولة) القدرة على تعريف "حالة الاستثناء" وتحديد "العدو"، فإنه يمتلك الحقيقة السياسية المطلقة. وهذه الحقيقة – بحسب شميت – لا تخضع للنقاش ولا للمساءلة، لأنها تأسس نفسه بوصفه "قرارًا خالصًا". هذا التحليل، رغم كونه وصفًا لا نقدًا، يفسر آلية عمل كل من الجماعات المتطرفة والأجهزة الأمنية.

أما جورج أغامبن، تلميذ شميت الناقد، في كتابه "الملكوت والمجد" (2011)، فيفكك الآلية البيروقراطية التي تنتج المطلق. يرى أغامبن أن "الحوكمة" لا تعمل عبر القرار المباشر فقط، بل عبر آليات غير شخصية (ملفات، تصنيفات، إجراءات) تنتج "حقيقة إجرائية" لا يمكن الطعن فيها. هذا التحليل ينطبق تمامًا على الأجهزة الأمنية: فـ"الحقيقة الأمنية" لا تصدر بقرار خطابي، بل بتدفق الإجراءات والتصنيفات التي يعاد إنتاجها يوميًا.

---

ثانيًا: المالك الأول – الجماعات الدينية المتطرفة وإنتاج المطلق التفسيري

2.1 آلية نزع الملكية المعرفية

تنتج الجماعات المتطرفة "الحقيقة المملوكة" عبر ثلاث آليات متكاملة، وثَّقها الباحث أوليفييه روا في كتابه "الجهاد والموت" (2017). الآلية الأولى هي نزع الملكية المعرفية: إذ يُقنَع الفرد بأن عقله الخاص غير مؤهل لفهم النص الديني أو الواقع السياسي، وأن الحقيقة محصورة لدى "أولي الأمر" داخل الجماعة. هذا يخلق علاقة "تبعية معرفية" – الفرد لا يملك الحقيقة، بل يُملَّك عليها عبر وسيط مقدس.

الآلية الثانية هي الاحتكار التفسيري: يُمنع أي نقاش داخلي حول التأويل، ويُعتبر الخروج عن التفسير الرسمي خروجًا عن الدين نفسه. في وثائق تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) التي صودرت في الموصل عام 2015، ترد عبارات صريحة: "اعلم أنك لست تملك حقيقة هذا الدين، إنما الدين يملكك، وأنت عبد لأولي الأمر من المجاهدين". هذه العبارة تحوّل العقل من منتج للحقيقة إلى وعاء سلبي يتلقاها.

الآلية الثالثة هي إنتاج العدو كمبرر للملكية: كما لاحظ مراد وهبة، لا يمكن تأكيد ملكية الحقيقة دون وجود من يُستبعد منها. العدو (الكافر، المرتد، العميل) ليس مجرد خصم عسكري، بل هو شرط وجودي للمالك – الحاجة إلى طرد "الآخر" هي ما تؤكد حدود الملكية المعرفية. وكلما هددت الجماعة بالانقسام أو الضعف، جرى تكثيف خطاب العدو.

2.2 من يمتلك الحقيقة؟ نقد التسلسل الهرمي للمعرفة

في تحليل يرجع إلى فلسفة ميشال فوكو، يمكن القول إن الجماعات المتطرفة تنتج "نظامًا للحقيقة" يقوم على مبدأ أن الحقيقة تأتي من الأعلى. النص المقدس في قمة الهرم، ثم تفسير النص (الذي يحتكره العلماء)، ثم فتوى العالم، ثم أمر الأمير. المواطن العادي في أسفل الهرم، وظيفته السماع والطاعة، لا التفكير والمساءلة. هذا التسلسل الهرمي يكرس "العقل المستباح" باعتباره عقلًا مستعدًا للتضحية بكل شيء، بما في ذلك قدرته على الشك، لأن الشك نفسه يُصنف كخروج عن الحقيقة المملوكة.

---

ثالثًا: المالك الثاني – الأجهزة الأمنية واستباحة العقل عبر التجنيد القسري والاستقطاب الحاد

3.1 "كورة العقل": أين موقع الفرد؟

استعارة "الكورة" ليست مجرد تشبيه جمالي، بل تشخيص لعلاقة قوى. فكرة "اللعب بالعقل" كالكرة توحي بحركة دائرية مغلقة: الفرد لا يقرر اتجاه وعيه، بل يُحرَّك من جهات متعددة. في السياق الأمني العربي، تظهر هذه الحركة في ثنائية التجنيد القسري والاستقطاب الحاد.

التجنيد القسري هو تحويل الفرد إلى أداة عبر التهديد أو الابتزاز. يُواجه الشخص (خاصة في سياقات النشاط السياسي أو الصحافة أو الحقوق) بخيارين: إما السجن والتعذيب أو بتهم ملفقة، وإما العمل كمخبر أو عميل للجهاز الأمني. في هذه الحالة، يمتلك الجهاز الأمني حقيقة هذا الشخص – ملفًا كاملاً عن حياته، عائلته، ضعفاته – ويستخدم هذه الملكية المعرفية لاستباحة عقله وإرادته.

الاستقطاب الحاد هو تحويل الفرد إلى أداة دون تهديد، بل عبر استمالة عاطفية أو خطابية. يُستخدم الخطاب القومي (حماية الوطن من المخاطر الخارجية)، أو الديني (حماية المجتمع من الفساد والإلحاد)، أو الطبقي (حماية المصالح من أعداء الشعب) لاستقطاب المواطنين كـ"عيون" للنظام – ينقلون أخبار جيرانهم، يبلغون عن زملائهم، يشاركون في ثقافة الرصد الذاتي.

3.2 ملكية الحقيقة الأمنية: الملف والتعذيب والتصنيف

ما معنى أن يمتلك جهاز أمني "الحقيقة الأمنية المطلقة"؟ يعني أن هذا الجهاز يحتكر تعريف ما يلي: من هو "إرهابي" (دون حاجة إلى حكم قضائي مسبق)، وما هو "خطر على الأمن القومي" (دون حاجة إلى تعريف قانوني دقيق)، ومن يمكن تجنيده قسرًا (عبر قراءة ملفات شخصية واجتماعية)، وأي الخطابات محظورة وأيها مسموح (دون حاجة إلى نقاش عام).

هذا الاحتكار ليس مجرد "قوة"، بل هو "ملكية" بالمعنى الحقيقي: يملك الجهاز الحق في استخدام هذه الحقيقة، ومنعها عن الآخرين، وإنتاجها وإعادة إنتاجها كما يشاء. الفرد في مواجهة هذا المالك لا يملك سوى الاستئذان: هل هو آمن؟ هل ملفه نظيف؟ هل يُسمح له بالتحدث؟

في دراسات أنثروبولوجيا الدولة العربية، توصف العلاقة بين المواطن والجهاز الأمني بأنها علاقة "استئجار" (leasing) لا ملكية: المواطن لا يملك وعيه، بل يستأجره من الجهاز الأمني مقابل أمان ظرفي وهش، يمكن سحبه في أي لحظة بموجب "حقيقة أمنية" جديدة لم يكن طرفًا في إنتاجها (Wedeen, 2019).

---

رابعًا: الجدل البنيوي – التطابق بين المالكين رغم العداء المعلن

4.1 المقارنة التفصيلية

إذا تأملنا عناصر آلية الملكية المعرفية لدى كل من الجماعات المتطرفة والأجهزة الأمنية، نجد تطابقًا بنيويًا مذهلاً، يمكن تفصيله كالتالي:

فيما يتصل بكيان المالك: في الجماعات المتطرفة، المالك هو الأمير أو مجلس الشورى المنغلق أو هيئة كبار العلماء. في الأجهزة الأمنية، المالك هو رئيس الجهاز أو ضابط الأمن الوطني أو المخابرات العامة. في الحالتين، المالك غير منتخب ولا خاضع للمساءلة العامة.

فيما يتصل بطريقة إنتاج الحقيقة: الجماعات المتطرفة تنتج الحقيقة عبر تفسير مغلق للنص المقدس، حيث يُحظر الاجتهاد على العامة. الأجهزة الأمنية تنتج الحقيقة عبر تقارير استخباراتية وملفات شخصية لا تخضع للمراجعة القضائية أو الإعلامية.

فيما يتصل بمصدر شرعية الملكية: تستمد الجماعات المتطرفة شرعيتها من النص الإلهي والخليفة أو الإمام بوصفه ممثلًا للمطلق. تستمد الأجهزة الأمنية شرعيتها من القانون (في المعلن) ومن السيادة (في الممارسة الفعلية حيث القانون نفسه يُعلق باسم الأمن).

فيما يتصل بمصير من يخالف الحقيقة: الجماعات المتطرفة تكفر المخالف وتستبيح دمه وتعزله اجتماعيًا. الأجهزة الأمنية تصنف المخالف كـ"إرهابي" أو "خائن"، وتوقفه تعسفيًا، وقد تعذبه.

فيما يتعلق بآليات استباحة العقل: تستخدم الجماعات المتطرفة الاستقطاب الحاد عبر خطاب الجهاد والتضحية والفردوس. تستخدم الأجهزة الأمنية التجنيد القسري (عبر التهديد والابتزاز) إلى جانب الاستقطاب الحاد عبر الخطاب القومي أو الديني الرسمي.

فيما يتعلق بقبول النقاش الداخلي: في كلا النموذجين، لا يُقبل النقاش الداخلي. الجماعات المتطرفة تعتبره "شركًا في الحكم" أو "خروجًا عن الجماعة". الأجهزة الأمنية تعتبره "تهديدًا للأمن القومي" أو "إفشاء للأسرار".

فيما يتعلق بالعلاقة بالعدو: يظهر التطابق الأكثر إثارة في وظيفة "العدو". فالعدو (الكافر، المرتد) ضروري للجماعات المتطرفة لتأكيد الهوية وشرعية العنف. والعدو (الإرهابي، العميل الخارجي) ضروري للأجهزة الأمنية لتبرير القبضة الأمنية وحالة الطوارئ الدائمة.

4.2 القرابة الخفيفة ووحدة النقيضين

ما يكشفه هذا التحليل المقارن هو أن الطرفين، رغم عدائهما العلني (الجماعات المتطرفة تقاتل الدولة، والدولة تلاحق تلك الجماعات)، يشتركان في بنية ذهنية واحدة: احتكار الحقيقة بوصفها ملكية. كليهما يرفض فكرة "الحقيقة المتعددة" أو "الحقيقة الموزعة" أو "الحقيقة كنتاج حوار". كليهما يرى أن الحقيقة تأتي من الأعلى وتُفرض على الأسفل، وأن من يعترض على المالك يستحق العقاب أو الإقصاء.

هذه القرابة الخفيفة تفسر ظاهرة غريبة: كثير من الشباب العربي ينتقل من التطرف الديني إلى التطرف الأمني (أي من الانضمام لجماعة متطرفة إلى العمل كعميل أو مخبر لتلك الجماعة أو لغيرها، أو العكس) دون أن يشعر بتحول جذري في بنيته العقلية. في الحالتين، يظل العقل مستباحًا – يُحرَّك بقوى خارجية تدعي أنها تملك الحقيقة نيابة عنه.

---

خامسًا: آفاق نقدية – استرداد العقل من مالكيه

5.1 نقد فكرة "ملكية الحقيقة"

إذا كان التحليل السابق صحيحًا، فإن العلاج لا يكمن في استبدال مالك بآخر – أي طرد الجماعات المتطرفة وتحل محلها أجهزة أمنية أكثر كفاءة، أو العكس – بل في تفكيك فكرة "ملكية الحقيقة" ذاتها. كما يقول الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في "نظرية الفعل التواصلي"، الحقيقة ليست شيئًا يملكه شخص ويفتقده آخر، بل هي نتاج فعل تواصلي بين أطراف متساوية في إطار من الحرية والشفافية.

هذا يعني، عمليًا، أن أي مشروع لتحرير العقل العربي يجب أن يتضمن ثلاثة أبعاد مترابطة.

البعد الأول: إلغاء احتكار التفسير الديني، وذلك بجعل الاجتهاد مفتوحًا للجميع، ونزع القداسة عن أي تفسير بشري، والفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. فطالما أن جماعة دينية تمتلك حق تفسير النص المقدس باسم الله، فإنها تمتلك حقيقة مطلقة لا يمكن الطعن فيها، وهذا هو عين ما يدعو إلى العنف.

البعد الثاني: إلغاء احتكار الحقيقة الأمنية، وذلك بإخضاع جميع قرارات التصنيف (إرهابي، خطر، معتقل) لرقابة قضائية مستقلة وشفافة، وإلغاء مفاهيم مثل "العدو الداخلي" و"الخائن" من الخطاب الرسمي، والفصل بين عمل الأمن وحماية الحقوق.

البعد الثالث: نزع القداسة عن كل سلطة، سواء كانت سلطة الأمير أو سلطة الضابط أو سلطة الحزب أو سلطة الإعلام. لا قداسة إلا للقانون عندما يكون عادلاً، وللإنسان عندما يكون حرًا، وللعقل عندما يكون ناقدًا.

5.2 "الملاك العاجز" كبديل فلسفي للمالك القاهر

بالعودة إلى والتر بنيامين، الذي حلل لوحة "ملاك التاريخ" لبول كلي، يمكن استلهام بديل فلسفي لـ"مالك الحقيقة" القاهر القادر. ملاك بنيامين لا يملك شيئًا، ولا يتحكم، ولا يوجه التاريخ. إنه ينظر إلى الوراء، يرى الخراب (الأنقاض التي تتراكم تحت قدميه)، ولا يستطيع لملمة الجراح أو إحياء الموتى. هذا العجز، في قراءة بنيامين، ليس ضعفًا، بل هو الاعتراف بأن الحقيقة أكبر من أي مالك، وأن التاريخ ليس ملكية لأحد، وأن محاولة تملكه هي أصل الكارثة.

في سياق هذه الدراسة، يمكن القول إن التحرر الحقيقي من "مُلَّاك الحقيقة" يبدأ من الاعتراف بأننا لا نملك الحقيقة المطلقة – لا كأفراد، ولا كجماعات، ولا كدول. أي ادعاء بالملكية هو مجرد اغتصاب معرفي، وأي محاولة لفرض هذه الملكية على الآخرين هي عنف رمزي قبل أن تكون عنفًا ماديًا. البديل هو "التواضع المعرفي": أن نعرف أننا نعرف جزئيًا، وأن الآخر قد يرى ما لا نرى، وأن الحقيقة تولد من الحوار لا من الإملاء.

5.3 نحو عقل لا يُستباح: استرداد الملكية الذاتية

العقل غير المستباح هو العقل الذي يستعيد ملكيته لنفسه – أي يقدر على أن يقول: "أنا أفكر، إذن أنا أملك حق التفكير". هذا الاسترداد لا يتم بخطاب ثوري واحد أو بيان عاطفي، بل بممارسات يومية متراكمة. من هذه الممارسات: القراءة النقدية لكل خطاب يدعي الاحتكار، التشكيك في كل تصنيف جاهز (إرهابي، خائن، مؤمن، كافر)، رفض الخضوع لأي سلطة لا تبرر قراراتها بعقلانية، بناء مساحات خاصة مستقلة للحوار والجدل (حتى لو كانت محدودة أو خيالية في سياقات القمع)، والانضمام إلى جماعات معرفية مفتوحة لا تملك الحقيقة بل تبحث عنها وتتقاسم الشك والأسئلة.

في النهاية، لا يمكن لأي دراسة أن تقدم "وصفة سحرية" لتحرير العقل المستباح، لأن الاستباحة نفسها هي التي تنتج اليقين الزائف والتبعية السهلة. لكن يمكن لهذه الدراسة أن تترك القارئ بسؤال واحد لا مفر منه: إذا كان العقل العربي يُلعب به كالكورة بين مالك ديني ومالك أمني، فمتى يقرر هذا العقل أن يصبح لاعبًا لا كرة؟ ومتى يدرك أن الحقيقة لا تُملَّك، بل تُنتَج جماعيًا في فضاء من الحرية والمساواة والاختلاف المشروع؟

---

خاتمة: استباحة العقل كأصل العنف

لقد حاولت هذه الدراسة تفكيك آلية "مُلَّاك الحقيقة المطلقة" في وجهيها: الديني المتطرف، والأمني البوليسي. لقد تبين أن كليهما يشتركان في بنية ذهنية واحدة: احتكار الحقيقة بوصفها ملكية خاصة، وإنتاج العدو كمبرر لهذا الاحتكار، واستباحة العقول عبر آليات التجنيد القسري (في النموذج الأمني) والاستقطاب الحاد (في كلا النموذجين). كما تبين أن هذه الآلية المزدوجة تنتج فضاءً عربيًا مغلقًا، حيث لا مكان للحقيقة النسبية أو الاختلاف المشروع، وحيث يظل العقل "كرة" تُركل بين هذا المالك وذاك.

ليس الخروج من هذا المأزق بالانحياز إلى مالك ضد آخر، بل بتفكيك فكرة الملكية ذاتها، واستعادة العقل باعتباره ملكية عامة غير قابلة للاحتكار، وباعتباره ممارسة نقدية لا تنتهي. هذا هو الطريق الوحيد لعقل عربي لا يُستباح بعد الآن.

---

المراجع

· وهبة، مراد – ملخصات فكرية (2013)؛ ومحاضرة في برنامج "نُطق فكراً" (قناة TeN).
· Kant, Immanuel – What is Enlightenment? (1784). ترجمات متعددة.
· Schmitt, Carl – Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty (1922/2005). University of Chicago Press.
· Agamben, Giorgio – The Kingdom and the Glory: For a Theological Genealogy of Economy and Government (2011). Stanford University Press.
· Habermas, Jürgen – The Theory of Communicative Action (1984). Beacon Press.
· Roy, Olivier – Jihad and Death: The Global Appeal of Islamic State (2017). Oxford University Press.
· Benjamin, W– Theses on the Philosophy of History (1940/1969). في Illuminations.
· Wedeen, Lisa – Authoritarian Apprehensions: Ideology, Judgment, and Mourning in Syria (2019). University of Chicago Press.
· Foucault, Michel – Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings (1980). Pantheon Books.
· وثائق تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) – الموصل، 2015. أرشيف معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التوأم الرقمي: الثورة القادمة بين هندسة الواقع ومستقبل السيط ...
- التوبة بين الجوهر والخطاب: دراسة تحليلية في تحولات المفهوم ا ...
- التوبة بين الجوهر والخطاب: دراسة أكاديمية في إشكاليات الاستي ...
- من جرة العقيق إلى وحش الطموح: كيف صاغ الأدب العالمي أزمة الإ ...
- ثقافة الإنجاز: كيف تحول النجاح من قيمة إنسانية إلى مرض اجتما ...
- اليسار العربي في زمن النيوليبرالية والانكسار: أزمة المشروع و ...
- إشكالية المواطنة في مجتمعات ما بعد الانتفاضات: بين الدولة ال ...
- لاهوت السوق: كيف استعارت النيوليبرالية بنى الخطاب الديني لتب ...


المزيد.....




- اللون الأزرق يجمع الملكة رانيا والأميرة رجوة في عيد الاستقلا ...
- النفط يعوض خسائره بعد ضربات أمريكية -دفاعية- في إيران.. والأ ...
- الحجاج يتوافدون إلى صعيد عرفات لأداء -الركن الأعظم-
- رغم المساعي لاحتواء المواجهة.. تصعيد أميركي في إيران وتوتر م ...
- نازحو غزة يستعدون لعيد أضحى قاتم وسط الحرب وارتفاع الأسعار
- بوتين يمنح جنوده امتيازات إضافية.. تحذير بإخلاء كييف وإدانة ...
- أضحى بلا أضاحٍ للعام الثالث.. كيف غيّرت الحرب طقوس العيد في ...
- تساؤلات حول ترتيبات ما بعد الحرب.. لقاء سري في الإمارات بين ...
- تقرير ألماني يتوقع نهاية وشيكة للحرب بين واشنطن وطهران
- نيران الحرب في أوكرانيا تشتعل من جديد وموسكو تحث الأجانب وال ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد أحمد الصغير على عيد - مُلَّاك الحقيقة المطلقة: تفكيك الآلية المزدوجة لاستباحة العقل العربي دراسة في النقد الثقافي والفلسفة السياسية