محمد أحمد الصغير علي عيد
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 17:24
المحور:
قضايا ثقافية
العقد الاجتماعي المنكسر: نحو فهم بنيوي لاستنزاف الطبقة الوسطى في مصر في ضوء إصلاحات صندوق النقد الدولي
بقلم الأستاذ: محمد أحمد الصغير على عيد
باحث مستقل
---
الملخص
تتناول هذه الدراسة بالتحليل البنيوي ظاهرة تآكل الطبقة الوسطى في مصر في سياق برامج الإصلاح الاقتصادي المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن استنزاف الطبقة الوسطى ليس نتيجة عارضة لسوء إدارة مؤقت، بل هو نتاج منطقي لتفاعل ثلاثة متغيرات بنيوية: تشكل تاريخي للطبقة الوسطى جعلها تابعة للدولة منذ نشأتها، سياسات تقشفية تحمّل الفئات غير الفقيرة أعباء الإصلاح دون شبكات أمان كافية، وهيكل حوكمة عالمي يُخضع السياسات الوطنية لشروط إقراض لا تراعي الخصوصيات الاجتماعية. تعتمد الدراسة منهجية تحليل النظم السياسية والاقتصادية، مستعينة بمراجعة الأدبيات الأكاديمية العربية والدولية والتقارير الصحفية والدراسات السابقة، لتخلص إلى أن استمرار هذا النموذج دون مراجعة جذرية سيؤدي إلى تعميق الأزمة الاجتماعية وتحويل الطبقة الوسطى من ركيزة استقرار إلى أرض خصبة للاحتجاج الصامت أو الانفجار الاجتماعي.
الكلمات المفتاحية: الطبقة الوسطى، العقد الاجتماعي، صندوق النقد الدولي، سياسات التقشف، مصر، عدم المساواة، الإصلاح الهيكلي.
---
أولاً: الإطار النظري والإشكالية البحثية
1.1 مقدمة
شهدت مصر في العقد الأخير موجات متلاحقة من الإصلاحات الاقتصادية التي ارتبطت عضوياً ببرامج قروض صندوق النقد الدولي، بدءاً من قرض الـ12 مليار دولار عام 2016 وصولاً إلى برنامج التمويل الموسع. وقد صاحب هذه الإصلاحات تحولات دراماتيكية في مستويات المعيشة، طالت بشكل خاص شريحة الطبقة الوسطى التي وجدت نفسها في مواجهة موجة تضخمية غير مسبوقة، وتآكل مستمر في القوة الشرائية، واضطرار متزايد للتكيف مع واقع اقتصادي جديد.
وتشير البيانات إلى أن الطبقة المتوسطة في مصر تقلصت بأكثر من 48% بين عامي 2000 و2015، لينخفض عددها من 5.7 مليون شخص بالغ إلى 2.9 مليون بالغ، لا يمثلون سوى 5% من إجمالي البالغين، وهو ما وثقه البنك الدولي باعتباره "أكبر تراجع لطبقة متوسطة على مستوى العالم" خلال تلك الفترة . هذه الظاهرة تثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الدولة والطبقة الوسطى في مصر، ومدى قدرة هذا الفاعل الاجتماعي التاريخي على تحمل وطأة الإصلاحات، والأسباب البنيوية التي تجعل هذه الطبقة، على الرغم من كونها الأكثر تضرراً في سياقات عدة، تظل صامتة أو غير قادرة على تحويل معاناتها إلى ضغط سياسي فعال.
1.2 الإشكالية البحثية
تتمثل الإشكالية المركزية لهذه الدراسة في السؤال التالي: لماذا تؤدي سياسات الإصلاح الاقتصادي المرتبطة بصندوق النقد الدولي في مصر إلى استنزاف منهجي للطبقة الوسطى، وما هي الآليات البنيوية التي تفسر استمرار هذه الظاهرة دون ردود فعل سياسية حاسمة؟
وينبثق عن هذا السؤال المحوري مجموعة من الأسئلة الفرعية:
· كيف يُفسر التشكل التاريخي للطبقة الوسطى في مصر علاقتها التبعية بالدولة، وكيف يؤثر ذلك على استجابتها للأزمات الاقتصادية؟
· ما هي الآليات المحددة التي تنتقل من خلالها سياسات التقشف لتؤثر على مستويات معيشة الطبقة الوسطى؟
· كيف يُعيد العقد الاجتماعي المصري، بطبقاته الرسمية وغير الرسمية، إنتاج حالة من العجز السياسي رغم التدهور الاقتصادي؟
1.3 منهجية البحث
تعتمد هذه الدراسة منهجية تحليل النظم السياسية والاقتصادية، وهي منهجية تجمع بين:
· التحليل التاريخي البنيوي: لتتبع تشكل الطبقة الوسطى وعلاقتها بالدولة عبر الزمن، مستعيناً بالدراسات العربية التي تناولت هذه القضية، كأعمال عبد الباسط عبد المعطي وعصام خفاجي.
· تحليل السياسات الاقتصادية: لتفكيك آليات انتقال أثر سياسات التقشف إلى مستويات المعيشة، بالاعتماد على تقارير مراكز الأبحاث العربية والدولية.
· تحليل الخطاب السياسي والمؤسسي: لفهم شبكات الأمان (أو غيابها) وآليات إعادة إنتاج التبعية.
اعتمدت الدراسة على مراجعة نقدية للأدبيات الأكاديمية العربية، مع التركيز على أعمال الباحثين العرب في مجال علم الاجتماع السياسي والاقتصادي، وتحليل محتوى التقارير الصحفية والدراسات الميدانية التي تناولت تجارب الطبقة الوسطى خلال فترات الإصلاح.
---
ثانياً: التشكل التاريخي للطبقة الوسطى: "الإفندية" التابعون
2.1 الجذور التاريخية: طبقة خُلقت من أعلى
يمكن فهم العلاقة الإشكالية بين الدولة المصرية والطبقة الوسطى من خلال استقراء نشأة هذه الطبقة وتطورها تاريخياً. ففي نموذج مناقض للتحديث الأوروبي، حيث نشأت الطبقات قبل الدولة وصاغت حقوقها الأساسية، فإن الدولة المصرية الحديثة -كما يوضح الباحث المصري أحد طه- "خلقت طبقتها الوسطى خلقاً" منذ عهد محمد علي .
هذه الحقيقة التاريخية تشكل جوهر إشكالية الطبقة الوسطى في مصر. ففي أوروبا، تشكلت الطبقة البرجوازية الصناعية والتجارية وصاغت حقوقها الأساسية كضمان الحرية الفردية وحق التملك والتعبير والتنظيم السياسي، ثم جاءت الدولة لاحقاً لضمان تلك الحقوق وحمايتها. أما في مصر، فقد قامت الدولة الحديثة على يد محمد علي لمواجهة المجتمع التقليدي وتفكيك بنياته الاجتماعية، وخلقت منه طبقاتها الخاصة من العسكريين والتكنوقراط والإداريين .
وقد مثّل نظام التعليم الحديث الذي أنشأه محمد علي "معمل التفريخ الأساسي لموظفي الجهاز الإداري للدولة، مكوناً الشريحة الرئيسية للطبقة الوسطى التي اتسمت بالولاء الكامل للدولة كونها تعلمت في مدارسها، وتوظفت في دواوينها" . وبموجب نظام الاحتكار الذي أنشأه محمد علي، صارت الدولة الزارع الأول والصانع الأول والتاجر الأول، فأحكمت سيطرتها على المجتمع ولم تترك له مساحة للحركة الذاتية. ويمكن تلخيص رؤية تلك الطبقة لذاتها في شعار "عبيد إحسانات أفندينا" .
وفي العهد الناصري، أعيد تشكيل العقد الاجتماعي ليكون قائماً على "عدالة اجتماعية" من أعلى، حيث وفرت الدولة فرص العمل والتعليم والخدمات الأساسية مقابل ولاء سياسي من "الإفندية" الجدد. قام النظام الناصري بعملية هندسة اجتماعية واسعة للمجتمع المصري، صفى من خلالها الطبقة الأرستقراطية الزراعية سياسياً واقتصادياً عبر قانون الإصلاح الزراعي، وأعاد تشكيل الطبقة الوسطى المصرية من جديد عبر إجراءات التأميم، وتوسيع البيروقراطية، ومجانية التعليم، وتحديد إيجارات المساكن، والتزام الدولة بتعيين خريجي الجامعات، وشبكة الدعم الاجتماعي الواسعة التي أنشأها النظام لدعم قطاعات الصحة والغذاء .
هذا التشكل جعل الطبقة الوسطى تنظر إلى نفسها كامتداد للدولة، وكجزء من منظومتها، مما أكسبها شعوراً بالامتياز وفي نفس الوقت بالتبعية. وهذا الإرث من التبعية يفسر لماذا تتآكل الطبقة الوسطى بصمت، فموقفها من الدولة ليس موقف الخصم، بل موقف "الابن العاق" الذي لا يزال يرجو عودة الأب الراشد.
2.2 العقد الاجتماعي كآلية إدامة للتبعية
يصف الباحث Relli Shechter في كتابه "The Egyptian Social Contract" العقد الاجتماعي المصري بأنه "تاريخ من التبادلات بين الدولة والطبقة الوسطى". هذا العقد لم يكن مجرد اتفاق سياسي، بل كان بنية متكاملة من التشريعات والقوانين التي نظمت علاقة الموظف العام بالدولة، وخطاب عام أعاد إنتاج شرعية دور الدولة كراعٍ وحيد، وتوزيع مؤسسي حيث خصصت الدولة موارد كبيرة لتوظيف الخريجين ودعم الخدمات.
المفارقة التي يبرزها Shechter أن استمرار هذا العقد أصبح عقبة أمام أي إصلاح جذري، لأن الإصلاح الحقيقي كان سيتطلب تحدي المصالح الراسخة لكل من النخبة الحاكمة والطبقة الوسطى نفسها التي اعتادت على موقعها في منظومة الدولة. وتتوافق هذه الرؤية مع ما تؤكده الدراسات العربية حول "تحولات الطبقة الوسطى في الوطن العربي"، حيث يشير الباحث أحمد موسى بدوي إلى أن الطبقات الوسطى العربية، وعلى اختلاف أوضاعها، ظلت مرتبطة عضوياً بالدولة منذ نشأتها، مما جعلها رهينة للتقلبات السياسية والاقتصادية التي تتعرض لها الدولة .
---
ثالثاً: سياسات التقشف وآليات استنزاف الطبقة الوسطى
3.1 حزمة الإصلاحات: بين الضرورة المالية والتكاليف الاجتماعية
منذ عام 2016، التزمت مصر بتنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية كشرط للحصول على قروض صندوق النقد الدولي. وقد تضمنت نقاط الضعف التي استهدفها البرنامج، وفقاً لتقييم معهد بروكينغز، "سعر صرف مبالغ في قيمته (مع ارتفاع مقابل لسعر الصرف في السوق السوداء) وشح العملات الأجنبية في السوق الذي أدى إلى تقويض نشاط القطاع الخاص بشكل كبير، وانخفاضاً حاداً في احتياطي العملات الأجنبية، وعجزاً مالياً كبيراً، ومعدلاً مرتفعاً في الدين العام" .
بناءً على ذلك، شملت النقاط الأساسية في برنامج "تسهيل الصندوق الممدد" الذي قدمه صندوق النقد الدولي: تحرير نظام سعر الصرف (أي تعويم الجنيه المصري)، وضبط أوضاع المالية العامة لخفض نفقات الموازنة وزيادة الضرائب، وإجراء إصلاحات هيكلية عميقة، وإلغاء تنظيمات مرتبطة بشركات الأعمال لتحفيز النمو الاقتصادي .
وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن هذه السياسات -رغم فوائدها التقنية- تواجه تحديات سياسية خطيرة. ففي الفترة من 1996 إلى 2009، تراوحت نسبة النمو الاقتصادي السنوي الحقيقي بين 2.8 و6.4% في مصر، لكن الإنتاجية لم ترتفع سوى بنسبة متوسطة بين 0.3 و3.7%، وبقيت نسبة البطالة تقارب 10% مع ارتفاعها أكثر في صفوف النساء والشباب. وبالتالي، على الرغم من أن الاقتصاد المصري بدا أنه ينمو في الظاهر، كانت حالات الفقر وعدم التكافؤ تتزايد .
3.2 آليات الاستنزاف: من الإنفاق إلى البقاء
تكشف الدراسات الميدانية والتقارير الصحفية عن آليات دقيقة لاستنزاف الطبقة الوسطى، يمكن رصدها في ثلاثة مستويات:
أولاً: تآكل الدخل الحقيقي وتحويل الأساسيات إلى كماليات
توثق التقارير أن الأسر المصرية من الطبقة الوسطى اضطرت إلى إعادة تعريف مفهوم "الاحتياجات الأساسية"، حيث باتت تتردد قبل شراء سلع كانت تعتبر بديهية كاللحوم والملابس. هذا التحول في نمط الاستهلاك يعكس تحولاً جذرياً في وضع الطبقة الوسطى التي لم تعد قادرة على الحفاظ على مستوى معيشتها المعتاد.
ثانياً: استراتيجيات البقاء والتكيف الفردي
رصدت دراسة ميدانية للباحثة Maha El-Kady (2022) حول تمكين المرأة في الأسر الحضرية من الطبقة الوسطى بعد إجراءات التقشف لعام 2016، أن النساء طورن استراتيجيات مالية مكثفة للحفاظ على وضع أسرتهن، لكن هذا "التمكين المالي" لم يقترن بتمكين اجتماعي، بل ظلت الأعراف الاجتماعية تحد من قدرتهن على تحويل هذا النشاط الاقتصادي إلى قوة تفاوضية حقيقية. هذا يشير إلى أن الاستنزاف لا يخلق فقط فقراً مادياً، بل يعيد إنتاج هشاشة اجتماعية وسياسية.
ثالثاً: استنزاف الادخار والمدخرات
تشير التقارير إلى أن الحفاظ على مظهر الانتماء للطبقة الوسطى دفع العديد من الأسر إلى سحب مدخراتها، واللجوء إلى الأقارب، أو تأجيل مشتريات كبرى كالسيارات والسكن. وقد وصف أحد أصحاب الأعمال الصغيرة الوضع بأن الطبقة الوسطى "انقرضت"، مضيفاً أنه "لا توجد أسرة في مصر لم تتأثر بانخفاض قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار" .
3.3 غياب شبكات الأمان الفعالة
رغم أن الحكومة المصرية أقرت برامج حماية اجتماعية، تشير الأدلة إلى أنها لم تكن كافية لتعويض فقدان الدخل الحقيقي للطبقة الوسطى، لأن هذه البرامج كانت تستهدف الفقراء بمعايير محددة، بينما الطبقة الوسطى، رغم تدهور أوضاعها، تظل فوق عتبة الفقر الرسمية، وبالتالي خارج نطاق الحماية المباشرة.
ويوضح تحليل صادر عن شبكة "روابط" أن الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة، وهي الأقرب إلى السلطة وصانع القرار، لا يتدهور وضعها غالباً بشكل كبير بتأثير سياسات التقشف، بل قد تنجح في تحقيق مكاسب من تلك السياسات. أما الشريحة المتوسطة والدنيا التي يعيش أفرادها على الدخول الثابتة، فتكون من أكثر الفئات تضرراً نتيجة لتراجع الدعم السلعي وارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى الآثار السلبية المرتبطة بتباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الفئات الأكثر تعليماً في ضوء تجميد التوظيف الحكومي . هذا الخروج من شبكة الحماية، بالتزامن مع الهبوط نحو خط الفقر، يخلق حالة من الهشاشة الفريدة حيث يفقد الفرد مظلة الحماية دون أن يكتسب موقع الفقراء في خطاب الحقوق الاجتماعية.
---
رابعاً: العجز السياسي أو "غيبوبة الطبقة الوسطى"
4.1 إعادة إنتاج العجز: بين الخوف والتبعية
تتشكل حالة العجز السياسي للطبقة الوسطى من تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية:
أولاً: إرث التبعية التاريخية
كما أشرنا، الطبقة الوسطى المصرية لم تنشأ كقوة ضاغطة على الدولة، بل كجزء من آلياتها. هذا الإرث يخلق استعداداً نفسياً وثقافياً للصبر على سياسات الدولة، واللجوء إلى استراتيجيات التكيف الفردي بدلاً من الاحتجاج الجماعي. وقد تجسد هذا الاستعداد في دعم الطبقة الوسطى للانقلاب العسكري عام 2013، حيث قدّمت -بوعي أو بغير وعي- غطاء شعبياً للقضاء على الحياة السياسية في مصر، وأعادت المجتمع والطبقة الوسطى إلى وضعية أسوأ مما كانت عليه قبل بداية الحراك السياسي عام 2005 .
ثانياً: القمع وتراجع المساحة السياسية
تشير التقارير إلى تراجع كبير في المساحة السياسية المتاحة للتعبير، وقوانين تقيد الاحتجاج، وحملات ضد النشطاء والمعارضين. هذا المشهد الأمني المشدد يرفع تكاليف أي احتجاج جماعي، مما يجعل خيار الصبر الفردي هو الأكثر عقلانية في نظر الكثيرين.
ثالثاً: انشغال البقاء واستنزاف الطاقة السياسية
يؤدي الانشغال اليومي بالبحث عن لقمة العيش، وإدارة الديون، وتدبر أمر المصاريف المتزايدة، إلى استنزاف الطاقة الذهنية والسياسية للأفراد، مما يجعلهم أقل قدرة على المشاركة في عمل جماعي منظم. كما أن التشرذم الناتج عن التفاوت داخل الطبقة الوسطى نفسها -بين شرائحها العليا والدنيا- يحد من قدرتها على تشكيل وعي طبقي موحد يترجم إلى عمل سياسي .
4.2 "الفقاهة" كشكل من أشكال المقاومة الخفية
إذا كان الاحتجاج الصريح مكلفاً وخطيراً، فإن الطبقة الوسطى طورت أشكالاً من "المقاومة الخفية": الانسحاب من المشاركة السياسية، والنقد الخاص في الدوائر الضيقة، والتركيز على استراتيجيات بقاء فردية وعائلية. هذا النمط من السلوك لا يشكل تهديداً مباشراً للنظام، لكنه قد يؤدي إلى تآكل شرعيته على المدى الطويل.
وقد أشار الباحث المصري أحد طه إلى أن الطبقة الوسطى "هزمت نفسها" عندما اختارت الانحياز للحكم العسكري رغم إدراكها أن سياساته ستؤدي إلى إضعافها وتحطيمها بوتيرة أسرع مما فعلته كل الحكومات السابقة . هذا "الهزيمة الذاتية" تعكس عمق الإرث التاريخي للتبعية، حيث تظل الطبقة الوسطى تبحث عن "الأب الراعي" حتى لو كان هذا الأب هو الذي يستنزفها. ومع تراكم الضغوط الاقتصادية، قد تتحول هذه "الفقاهة" الصامتة إلى فورة احتجاجية، خصوصاً إذا وجدت الطبقة الوسطى نفسها غير قادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من كرامتها المعيشية.
---
خامساً: النتائج والتوصيات
5.1 النتائج الرئيسية
1. استنزاف الطبقة الوسطى في مصر نتيجة بنيوية وليست عارضة، تعود إلى تشكل تاريخي جعلها تابعة للدولة منذ نشأتها، وسياسات اقتصادية تحمّلها أعباء الإصلاح دون حماية كافية، وهيكل حوكمة عالمي يقيد الخيارات الوطنية.
2. سياسات التقشف المرتبطة بصندوق النقد الدولي هي المحفز المباشر للتدهور المعيشي للطبقة الوسطى، حيث أدت إلى تآكل الدخل الحقيقي وتحويل أساسيات كانت تعتبر بديهية إلى كماليات يصعب تحقيقها. وقد وثق البنك الدولي أن الطبقة المتوسطة في مصر تقلصت بأكثر من 48% بين 2000 و2015 .
3. غياب شبكات أمان اجتماعي مناسبة يترك الطبقة الوسطى في منطقة رمادية بين الفقر والاكتفاء، مما يمنعها من الحصول على الدعم الحكومي دون أن يحميها من التدهور، خاصة أن الشريحة الدنيا والمتوسطة من الطبقة الوسطى هي الأكثر تضرراً .
4. استمرار منطق العقد الاجتماعي القديم يعيد إنتاج حالة من العجز السياسي، حيث تفضل الطبقة الوسطى التكيف الفردي والصبر على الأزمة بدلاً من الاحتجاج الجماعي، مستندة إلى إرث من التبعية وخوف من القمع وإرهاق من معاناة البقاء اليومية. وقد تجسد هذا العجز في دعم الطبقة الوسطى للانقلاب العسكري رغم إدراكها أن سياساته ستؤدي إلى إضعافها .
5. استمرار هذا النموذج دون مراجعة قد يحوّل الطبقة الوسطى من ركيزة استقرار اجتماعي إلى قنبلة موقوتة، حين تصل إلى عتبة لا تطاق من التآكل المعيشي، خاصة مع تراجع دور الدولة في توفير الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة.
5.2 التوصيات
1. إعادة النظر في وتيرة الإصلاحات الاقتصادية: تدعو الدراسات الاقتصادية إلى تطبيق سياسات التقشف على مدى أطول وبوتيرة أكثر تدريجية، مع تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية لتشمل الطبقة الوسطى التي تضررت بشدة، بدلاً من حصرها بالفقراء المدقعين.
2. مراجعة شروط صندوق النقد الدولي: ضرورة التفاوض على برامج إقراض تراعي الخصوصيات الاجتماعية المصرية، وتخفف من التكاليف الاجتماعية الحادة، بما يمنع تحويل قروض الصندوق إلى أداة للهيمنة على السياسات الاقتصادية الوطنية .
3. إعادة بناء العقد الاجتماعي: الدعوة إلى عقد اجتماعي جديد لا يقوم على التبعية والولاء مقابل الخدمات، بل على المواطنة المتساوية والشفافية والعدالة الضريبية والمساءلة. وهذا يتطلب، كما تشير الدراسات العربية، إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية بما يضمن مشاركة حقيقية في صنع القرار .
4. تعزيز الحماية الاجتماعية للطبقة الوسطى: تطوير برامج حماية لا تستهدف الفقراء فقط، بل تمتد لتشمل الفئات المهددة بالسقوط تحت خط الفقر، مثل تخفيف الأعباء الضريبية ودعم الخدمات الأساسية، مع التركيز على الشريحة الدنيا والمتوسطة من الطبقة الوسطى التي تعاني أكثر من غيرها .
5. فتح مساحة للحوار السياسي والاجتماعي: بدون مساحة آمنة للتعبير عن التذمر الاقتصادي وتحويله إلى مطالب سياسية منظمة، سيظل الغضب كامناً وقد ينفجر بطرق غير متوقعة. وهذا يتطلب، كما يشير الباحثون العرب، إعادة النظر في القوانين المقيدة للحقوق السياسية والسماح بظهور نقابات وجمعيات أهلية تمثل مصالح الطبقة الوسطى .
---
قائمة المراجع
المراجع العربية:
· بدوي، أحمد موسى. "تحولات الطبقة الوسطى في الوطن العربي." المستقبل العربي، العدد 415، أيلول/سبتمبر 2013. مركز دراسات الوحدة العربية.
· المصري، شريف. "سياسات صندوق النقد الدولي وآثارها على مصر والدول العربية." الاتحاد الدولي للخدمات العامة.
· "ثمن التقشف: مخاطر الإفقار المتزايد لـ الطبقة المتوسطة في المنطقة العربية." شبكة روابط، 6 ديسمبر 2016.
· "نهاية الخبز والسياسة.. كيف هزمت الطبقة الوسطى المصرية نفسها؟" الجزيرة نت، 6 أغسطس 2021.
· عبد المعطي، عبد الباسط. الطبقة الوسطى المصرية من التقصير إلى التحرير. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005.
· خفاجي، عصام. ولادات متعسرة: العبور إلى الحداثة في الشرق والغرب.
· الأيوبي، نزيه. تاريخ الاقتصاد المصري.
المراجع الأجنبية:
· Shechter, Relli. The Egyptian Social Contract: A History of State-Middle Class Relations. Edinburgh University Press, 2023.
· El-Kady, Maha. Women Economic and Social Empowerment in Urban Middle Class Egyptian Households post 2016 Austerity Measures. MA Thesis, American University in Cairo, 2022.
· "برنامج صندوق النقد الدولي في مصر: تقييم تحديات الاقتصاد السياسي." معهد بروكينغز، 2016.
· تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
· التقرير الاقتصادي العربي الموحد.
#محمد_أحمد_الصغير_علي_عيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟