|
|
تفكيك العقد الاجتماعي المهتز: نحو قراءة بنيوية لاستنزاف الطبقة المتوسطة في مصر في ظل إصلاحات صندوق النقد الدولي
محمد أحمد الصغير علي عيد
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 18:21
المحور:
قضايا ثقافية
الملخص
تتناول هذه الدراسة بالتحليل البنيوي ظاهرة تآكل الطبقة المتوسطة في مصر في سياق برامج الإصلاح الاقتصادي المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن استنزاف الطبقة المتوسطة ليس نتيجة عارضة لسوء إدارة مؤقت، بل هو نتاج منطقي لتفاعل ثلاثة متغيرات بنيوية: تشكل تاريخي للطبقة المتوسطة جعلها تابعة للدولة منذ نشأتها، سياسات تقشفية تحمّل الفئات غير الفقيرة أعباء الإصلاح دون شبكات أمان كافية، وهيكل حوكمة عالمي يُخضع السياسات الوطنية لشروط إقراض لا تراعي الخصوصيات الاجتماعية. تعتمد الدراسة منهجية تحليل النظم السياسية والاقتصادية، مستعينة بمراجعة الأدبيات الأكاديمية العربية والدولية والتقارير الصحفية والدراسات السابقة، لتخلص إلى أن استمرار هذا النموذج دون مراجعة جذرية سيؤدي إلى تعميق الأزمة الاجتماعية وتحويل الطبقة المتوسطة من ركيزة استقرار إلى أرض خصبة للاحتجاج الصامت أو الانفجار الاجتماعي.
الكلمات المفتاحية: الطبقة المتوسطة، العقد الاجتماعي، صندوق النقد الدولي، سياسات التقشف، مصر، عدم المساواة، الإصلاح الهيكلي.
---
أولاً: الإطار النظري والإشكالية البحثية
1.1 مقدمة
في خضم التحولات الاقتصادية المضطربة التي شهدتها مصر خلال العقد الأخير، تبرز ظاهرة استنزاف الطبقة المتوسطة كأحد أبرز التحديات البنيوية التي تهدد التماسك الاجتماعي. فمنذ عام 2016، ارتبطت الإصلاحات الاقتصادية المصرية عضويًا ببرامج قروض صندوق النقد الدولي، بدءًا من قرض الـ12 مليار دولار وصولاً إلى برنامج التمويل الموسع. وقد صاحب هذه الإصلاحات تحولات دراماتيكية في مستويات المعيشة، طالت بشكل خاص شريحة الطبقة المتوسطة التي وجدت نفسها في مواجهة موجة تضخمية غير مسبوقة، وتآكل مستمر في القوة الشرائية، واضطرار متزايد للتكيف مع واقع اقتصادي جديد يختلف جذريًا عن طموحاتها وتطلعاتها.
تشير الأدلة الإحصائية إلى أن الطبقة المتوسطة في مصر تقلصت بأكثر من 48% بين عامي 2000 و2015، لينخفض عددها من 5.7 مليون شخص بالغ إلى 2.9 مليون بالغ، لا يمثلون سوى 5% من إجمالي البالغين، وهو ما وثقه البنك الدولي باعتباره "أكبر تراجع لطبقة متوسطة على مستوى العالم" خلال تلك الفترة. هذا التحول الدراماتيكي يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الدولة والطبقة المتوسطة في مصر، ومدى قدرة هذا الفاعل الاجتماعي التاريخي على تحمل وطأة الإصلاحات، والأسباب البنيوية التي تجعل هذه الطبقة، رغم كونها الأكثر تضررًا، تظل صامتة أو غير قادرة على تحويل معاناتها إلى ضغط سياسي فعال.
1.2 الإشكالية البحثية
تتمثل الإشكالية المركزية لهذه الدراسة في السؤال المحوري التالي: كيف يمكن فهم الآليات البنيوية التي تجعل الطبقة المتوسطة المصرية رهينة للاستنزاف الممنهج في ظل إصلاحات صندوق النقد الدولي، ولماذا تعجز هذه الطبقة عن تحويل معاناتها الاقتصادية إلى قوة سياسية ضاغطة؟
وينبثق عن هذا السؤال المحوري مجموعة من الأسئلة الفرعية:
1. كيف يُفسر التشكل التاريخي للطبقة المتوسطة في مصر علاقتها التبعية بالدولة، وكيف يؤثر ذلك على استجابتها للأزمات الاقتصادية؟ 2. ما هي الآليات المحددة التي تنتقل من خلالها سياسات التقشف لتؤثر على مستويات معيشة الطبقة المتوسطة؟ 3. كيف يُعيد العقد الاجتماعي المصري، بطبقاته الرسمية وغير الرسمية، إنتاج حالة من العجز السياسي رغم التدهور الاقتصادي؟ 4. ما هو الدور الذي تلعبه المؤسسات المالية الدولية في إعادة تشكيل العقد الاجتماعي لصالح النخب المحلية المرتبطة بالسلطة؟
1.3 منهجية البحث
تعتمد هذه الدراسة منهجية تحليل النظم السياسية والاقتصادية، وهي منهجية تجمع بين:
· التحليل التاريخي البنيوي: لتتبع تشكل الطبقة المتوسطة وعلاقتها بالدولة عبر الزمن، مستعينًا بأعمال عبد الباسط عبد المعطي وعصام خفاجي وأحد طه. · تحليل السياسات الاقتصادية: لتفكيك آليات انتقال أثر سياسات التقشف إلى مستويات المعيشة، بالاعتماد على تقارير معهد بروكينغز والبنك الدولي. · تحليل الخطاب السياسي والمؤسسي: لفهم شبكات الأمان (أو غيابها) وآليات إعادة إنتاج التبعية، مستعينًا بدراسات Relli Shechter وMaha El-Kady. · المنهج المقارن: لمقارنة التجربة المصرية مع تجارب دول عربية أخرى في مواجهة برامج التقشف.
اعتمدت الدراسة على مراجعة نقدية للأدبيات الأكاديمية العربية والدولية، مع التركيز على أعمال الباحثين العرب في مجال علم الاجتماع السياسي والاقتصادي، وتحليل محتوى التقارير الصحفية والدراسات الميدانية التي تناولت تجارب الطبقة المتوسطة خلال فترات الإصلاح.
1.4 فروض الدراسة
1. الفرضية الأولى (التشكل التاريخي): الطبقة المتوسطة في مصر هي نتاج الدولة الحديثة، وقد تشكلت كطبقة تابعة منذ نشأتها، مما جعلها أقل قدرة على التمرد ضد سياسات الدولة حتى عندما تضررت منها. 2. الفرضية الثانية (الاستنزاف الممنهج): برامج الإصلاح المرتبطة بصندوق النقد الدولي تُصمم بطريقة تحمّل الفئات غير الفقيرة (الطبقة المتوسطة) أعباءً غير متناسبة مع قدراتها، في غياب شبكات أمان اجتماعي فعالة. 3. الفرضية الثالثة (العجز السياسي): تفاعل إرث التبعية مع القمع الأمني وانشغال البقاء اليومي يخلق حالة من العجز السياسي لدى الطبقة المتوسطة، تمنعها من تحويل معاناتها الاقتصادية إلى ضغط سياسي فعال. 4. الفرضية الرابعة (استمرارية الهيمنة): المؤسسات المالية الدولية تعيد إنتاج أنماط الهيمنة الاستعمارية بأدوات جديدة، من خلال فرض سياسات تحمي مصالح النخب المحلية المرتبطة بالسلطة على حساب الطبقات المتوسطة والدنيا.
---
ثانيًا: التشكل التاريخي للطبقة المتوسطة – في نقد "الإفندية" التابعين
2.1 الجذور التاريخية: طبقة خُلقت من أعلى
يمكن فهم العلاقة الإشكالية بين الدولة المصرية والطبقة المتوسطة من خلال استقراء نشأة هذه الطبقة وتطورها تاريخيًا. ففي نموذج مناقض للتحديث الأوروبي، حيث نشأت الطبقات قبل الدولة وصاغت حقوقها الأساسية، فإن الدولة المصرية الحديثة -كما يوضح الباحث المصري أحد طه- "خلقت طبقتها الوسطى خلقًا" منذ عهد محمد علي.
هذه الحقيقة التاريخية تشكل جوهر إشكالية الطبقة المتوسطة في مصر. ففي أوروبا، تشكلت الطبقة البرجوازية الصناعية والتجارية وصاغت حقوقها الأساسية كضمان الحرية الفردية وحق التملك والتعبير والتنظيم السياسي، ثم جاءت الدولة لاحقًا لضمان تلك الحقوق وحمايتها. أما في مصر، فقد قامت الدولة الحديثة على يد محمد علي لمواجهة المجتمع التقليدي وتفكيك بنياته الاجتماعية، وخلقت منه طبقاتها الخاصة من العسكريين والتكنوقراط والإداريين.
وقد مثّل نظام التعليم الحديث الذي أنشأه محمد علي "معمل التفريخ الأساسي لموظفي الجهاز الإداري للدولة، مكونًا الشريحة الرئيسية للطبقة المتوسطة التي اتسمت بالولاء الكامل للدولة كونها تعلمت في مدارسها، وتوظفت في دواوينها". وبموجب نظام الاحتكار الذي أنشأه محمد علي، صارت الدولة الزارع الأول والصانع الأول والتاجر الأول، فأحكمت سيطرتها على المجتمع ولم تترك له مساحة للحركة الذاتية.
ولعل أبرز تعبير عن وعي هذه الطبقة لذاتها يتجسد في شعار "عبيد إحسانات أفندينا"، الذي يعكس عمق التبعية وهيمنة النخبة على هذه الفئة الاجتماعية. فلم تكن الطبقة المتوسطة تملك وعيًا بذاتها كقوة اجتماعية مستقلة، بل كانت تنظر إلى نفسها كامتداد للسلطة الحاكمة، وكجزء من منظومتها.
2.2 العقد الناصري وإعادة هندسة الطبقة المتوسطة
في العهد الناصري، أعيد تشكيل العقد الاجتماعي ليكون قائمًا على "عدالة اجتماعية" من أعلى، حيث وفرت الدولة فرص العمل والتعليم والخدمات الأساسية مقابل ولاء سياسي من "الإفندية" الجدد. قام النظام الناصري بعملية هندسة اجتماعية واسعة للمجتمع المصري، صفى من خلالها الطبقة الأرستقراطية الزراعية سياسيًا واقتصاديًا عبر قانون الإصلاح الزراعي، وأعاد تشكيل الطبقة المتوسطة المصرية من جديد عبر إجراءات متكاملة:
· التأميم: نقل ملكية وسائل الإنتاج الرئيسية إلى الدولة، مما جعلها المالك الأول والأخير. · توسيع البيروقراطية: خلق مئات الآلاف من الوظائف الحكومية التي استوعبت خريجي الجامعات. · مجانية التعليم: فتح أبواب الجامعات لأبناء الفلاحين والعمال، مما خلق طبقة متوسطة جديدة ذات أصول شعبية. · تحديد إيجارات المساكن: حماية الطبقة المتوسطة من جشع الملاك، وضمان سكن كريم بأسعار معقولة. · التزام الدولة بتعيين خريجي الجامعات: ضمان وظيفة لكل خريج، مما خلق شعورًا بالأمان الوظيفي. · شبكة الدعم الاجتماعي الواسعة: دعم السلع الأساسية (الخبز، السكر، الزيت)، وتوفير الرعاية الصحية المجانية.
هذا التشكل جعل الطبقة المتوسطة تنظر إلى نفسها كامتداد للدولة، وكجزء من منظومتها، مما أكسبها شعورًا بالامتياز وفي نفس الوقت بالتبعية. وهذا الإرث من التبعية يفسر لماذا تتآكل الطبقة المتوسطة بصمت، فموقفها من الدولة ليس موقف الخصم، بل موقف "الابن العاق" الذي لا يزال يرجو عودة الأب الراشد.
2.3 العقد الاجتماعي كآلية إدامة للتبعية
يصف الباحث Relli Shechter في كتابه "The Egyptian Social Contract" العقد الاجتماعي المصري بأنه "تاريخ من التبادلات بين الدولة والطبقة المتوسطة". هذا العقد لم يكن مجرد اتفاق سياسي، بل كان بنية متكاملة من التشريعات والقوانين التي نظمت علاقة الموظف العام بالدولة، وخطاب عام أعاد إنتاج شرعية دور الدولة كراعٍ وحيد، وتوزيع مؤسسي حيث خصصت الدولة موارد كبيرة لتوظيف الخريجين ودعم الخدمات.
المفارقة التي يبرزها Shechter أن استمرار هذا العقد أصبح عقبة أمام أي إصلاح جذري، لأن الإصلاح الحقيقي كان سيتطلب تحدي المصالح الراسخة لكل من النخبة الحاكمة والطبقة المتوسطة نفسها التي اعتادت على موقعها في منظومة الدولة. وتتوافق هذه الرؤية مع ما تؤكده الدراسات العربية حول "تحولات الطبقة المتوسطة في الوطن العربي"، حيث يشير الباحث أحمد موسى بدوي إلى أن الطبقات المتوسطة العربية، وعلى اختلاف أوضاعها، ظلت مرتبطة عضوياً بالدولة منذ نشأتها، مما جعلها رهينة للتقلبات السياسية والاقتصادية التي تتعرض لها الدولة.
2.4 مراجعة نقدية لمفهوم الطبقة المتوسطة
في سياق الدراسة الحالية، من المهم تجاوز التعريفات التقليدية للطبقة المتوسطة القائمة على الدخل أو المهنة، نحو فهم أكثر عمقًا لهذه الفئة كظاهرة اجتماعية-سياسية-نفسية. فالطبقة المتوسطة المصرية ليست مجرد شريحة بدخل متوسط، بل هي:
· نتاج ثقافي وسياسي: وليست مجرد فئة اقتصادية. · حامل لوعي تابع: حيث تتصور نفسها كجزء من الدولة وليس كقوة موازية لها. · وسيط بين النخبة والجماهير: مما يمنحها دورًا سياسيًا محوريًا في أي تحول اجتماعي. · مهددة بالزوال: نتيجة الاستنزاف الممنهج الذي تتعرض له من قبل الدولة والسوق معًا.
---
ثالثًا: سياسات التقشف وآليات استنزاف الطبقة المتوسطة
3.1 حزمة الإصلاحات: بين الضرورة المالية والتكاليف الاجتماعية
منذ عام 2016، التزمت مصر بتنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية كشرط للحصول على قروض صندوق النقد الدولي. وقد تضمنت نقاط الضعف التي استهدفها البرنامج، وفقًا لتقييم معهد بروكينغز، "سعر صرف مبالغ في قيمته (مع ارتفاع مقابل لسعر الصرف في السوق السوداء) وشح العملات الأجنبية في السوق الذي أدى إلى تقويض نشاط القطاع الخاص بشكل كبير، وانخفاضًا حادًا في احتياطي العملات الأجنبية، وعجزًا مالياً كبيرًا، ومعدلاً مرتفعًا في الدين العام".
بناءً على ذلك، شملت النقاط الأساسية في برنامج "تسهيل الصندوق الممدد" الذي قدمه صندوق النقد الدولي: تحرير نظام سعر الصرف (أي تعويم الجنيه المصري)، وضبط أوضاع المالية العامة لخفض نفقات الموازنة وزيادة الضرائب، وإجراء إصلاحات هيكلية عميقة، وإلغاء تنظيمات مرتبطة بشركات الأعمال لتحفيز النمو الاقتصادي.
وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن هذه السياسات -رغم فوائدها التقنية- تواجه تحديات سياسية خطيرة. ففي الفترة من 1996 إلى 2009، تراوحت نسبة النمو الاقتصادي السنوي الحقيقي بين 2.8 و6.4% في مصر، لكن الإنتاجية لم ترتفع سوى بنسبة متوسطة بين 0.3 و3.7%، وبقيت نسبة البطالة تقارب 10% مع ارتفاعها أكثر في صفوف النساء والشباب. وبالتالي، على الرغم من أن الاقتصاد المصري بدا أنه ينمو في الظاهر، كانت حالات الفقر وعدم التكافؤ تتزايد.
3.2 آليات الاستنزاف: من الإنفاق إلى البقاء
تكشف الدراسات الميدانية والتقارير الصحفية عن آليات دقيقة لاستنزاف الطبقة المتوسطة، يمكن رصدها في أربعة مستويات متشابكة:
أولاً: تآكل الدخل الحقيقي وتحويل الأساسيات إلى كماليات
توثق التقارير أن الأسر المصرية من الطبقة المتوسطة اضطرت إلى إعادة تعريف مفهوم "الاحتياجات الأساسية"، حيث باتت تتردد قبل شراء سلع كانت تعتبر بديهية كاللحوم والملابس. هذا التحول في نمط الاستهلاك يعكس تحولاً جذريًا في وضع الطبقة المتوسطة التي لم تعد قادرة على الحفاظ على مستوى معيشتها المعتاد. وقد وصف أحد أصحاب الأعمال الصغيرة الوضع بأن الطبقة المتوسطة "انقرضت"، مضيفًا أنه "لا توجد أسرة في مصر لم تتأثر بانخفاض قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار".
ثانيًا: استراتيجيات البقاء والتكيف الفردي
رصدت دراسة ميدانية للباحثة Maha El-Kady (2022) حول تمكين المرأة في الأسر الحضرية من الطبقة المتوسطة بعد إجراءات التقشف لعام 2016، أن النساء طورن استراتيجيات مالية مكثفة للحفاظ على وضع أسرتهن، مثل: العمل من المنزل، وإدارة الميزانية بحرفية عالية، واللجوء إلى المدخرات القديمة. لكن هذا "التمكين المالي" لم يقترن بتمكين اجتماعي، بل ظلت الأعراف الاجتماعية تحد من قدرتهن على تحويل هذا النشاط الاقتصادي إلى قوة تفاوضية حقيقية. هذا يشير إلى أن الاستنزاف لا يخلق فقط فقرًا ماديًا، بل يعيد إنتاج هشاشة اجتماعية وسياسية.
ثالثًا: استنزاف الادخار والمدخرات
تشير التقارير إلى أن الحفاظ على مظهر الانتماء للطبقة المتوسطة دفع العديد من الأسر إلى سحب مدخراتها، واللجوء إلى الأقارب، أو تأجيل مشتريات كبرى كالسيارات والسكن. وقد أدى هذا الاستنزاف للمدخرات إلى تآكل شبكة الأمان المالي للطبقة المتوسطة، وجعلها أكثر هشاشة في مواجهة أي صدمة مستقبلية.
رابعًا: تحول العقد النفسي
لم تقتصر آثار الاستنزاف على الجانب المادي، بل امتدت إلى الجانب النفسي. فقد لاحظت الدراسات أن أفراد الطبقة المتوسطة بدأوا يعانون من:
· القلق المزمن: من عدم القدرة على الحفاظ على مستوى معيشتهم. · الإحباط: من الشعور بأنهم يعملون بجد دون تحقيق تقدم. · فقدان الأمل: في أن يورثوا أبناءهم وضعًا أفضل مما كانوا عليه. · العار الاجتماعي: من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم الاجتماعية كالأفراح والمناسبات. · الغضب المكبوت: الذي قد ينفجر في أي لحظة.
3.3 غياب شبكات الأمان الفعالة
رغم أن الحكومة المصرية أقرت برامج حماية اجتماعية، تشير الأدلة إلى أنها لم تكن كافية لتعويض فقدان الدخل الحقيقي للطبقة المتوسطة، لأن هذه البرامج كانت تستهدف الفقراء بمعايير محددة، بينما الطبقة المتوسطة، رغم تدهور أوضاعها، تظل فوق عتبة الفقر الرسمية، وبالتالي خارج نطاق الحماية المباشرة.
ويوضح تحليل صادر عن شبكة "روابط" أن الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة، وهي الأقرب إلى السلطة وصانع القرار، لا يتدهور وضعها غالبًا بشكل كبير بتأثير سياسات التقشف، بل قد تنجح في تحقيق مكاسب من تلك السياسات. أما الشريحة المتوسطة والدنيا التي يعيش أفرادها على الدخول الثابتة، فتكون من أكثر الفئات تضررًا نتيجة لتراجع الدعم السلعي وارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى الآثار السلبية المرتبطة بتباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الفئات الأكثر تعليمًا في ضوء تجميد التوظيف الحكومي.
هذا الخروج من شبكة الحماية، بالتزامن مع الهبوط نحو خط الفقر، يخلق حالة من الهشاشة الفريدة حيث يفقد الفرد مظلة الحماية دون أن يكتسب موقع الفقراء في خطاب الحقوق الاجتماعية. فالطبقة المتوسطة تصبح "فقيرة جديدة" لكنها تفتقر إلى وعي الفقراء التقليدي، وإلى الدعم المؤسسي الموجه للفقراء.
3.4 صندوق النقد الدولي وإعادة إنتاج التبعية
في سياق تحليل سياسات صندوق النقد الدولي، يطرح الباحث شريف المصري رؤية نقدية عميقة، حيث يرى أن قروض الصندوق أصبحت "أداةً للهيمنة الإمبريالية ووسيلةً خفية لوضع اليد على السياسات الاقتصادية والخارجية في البلدان النامية". ويشير إلى استمرارية واضحة بين "السياسات التاريخية لقوى الاستعمار وممارسات المؤسسات المالية الدولية الحديثة".
هذه الرؤية تتوافق مع ما وثقه البنك الدولي من تراجع دراماتيكي للطبقة المتوسطة في مصر، حيث تقلصت بأكثر من 48% بين 2000 و2015. وهذا التراجع لم يكن نتيجة حتمية للعولمة، بل كان نتيجة لسياسات اقتصادية اختارت تحميل الطبقة المتوسطة أعباء الإصلاح دون حماية كافية، بينما ظلت النخب المرتبطة بالسلطة محمية أو مستفيدة من تلك السياسات.
يمكن تتبع خمس آليات أساسية تعيد من خلالها برامج صندوق النقد الدولي إنتاج التبعية وإضعاف الطبقة المتوسطة:
1. الإملاء الشرطي: فرض سياسات اقتصادية محددة كشرط للقرض، دون مراعاة للخصوصية الاجتماعية المصرية. 2. تحميل التكلفة على الفئات الوسطى: من خلال خفض الدعم ورفع الضرائب، بينما تبقى النخب محمية. 3. تفكيك الدولة الاجتماعية: تقليص دور الدولة في توفير الخدمات الأساسية، مما يضعف الطبقة المتوسطة التي كانت تعتمد على هذه الخدمات. 4. إعادة توزيع الثروة لصالح النخب: من خلال الخصخصة التي تنقل ملكية أصول الدولة إلى أيادٍ خاصة مرتبطة بالسلطة. 5. إضعاف القدرة التفاوضية للدولة: جعلها في موقف الضعيف الذي يقبل بشروط الصندوق دون مناقشة جدية.
---
رابعًا: العجز السياسي أو "غيبوبة الطبقة المتوسطة"
4.1 إعادة إنتاج العجز: بين الخوف والتبعية
تتشكل حالة العجز السياسي للطبقة المتوسطة من تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية متشابكة:
أولاً: إرث التبعية التاريخية
كما أشرنا، الطبقة المتوسطة المصرية لم تنشأ كقوة ضاغطة على الدولة، بل كجزء من آلياتها. هذا الإرث يخلق استعدادًا نفسيًا وثقافيًا للصبر على سياسات الدولة، واللجوء إلى استراتيجيات التكيف الفردي بدلاً من الاحتجاج الجماعي. وقد تجسد هذا الاستعداد في دعم الطبقة المتوسطة للانقلاب العسكري عام 2013، حيث قدّمت -بوعي أو بغير وعي- غطاء شعبياً للقضاء على الحياة السياسية في مصر، وأعادت المجتمع والطبقة المتوسطة إلى وضعية أسوأ مما كانت عليه قبل بداية الحراك السياسي عام 2005.
هذا الدعم للسلطة العسكرية رغم إدراك الطبقة المتوسطة أن سياساتها ستؤدي إلى إضعافها وتحطيمها بوتيرة أسرع مما فعلته كل الحكومات السابقة، يعكس عمق "الهزيمة الذاتية" التي تعاني منها هذه الطبقة. إنها تبحث عن الأمن في مقابل الحرية، ثم تكتشف أن الأمن الاقتصادي أيضًا يتبخر.
ثانيًا: القمع وتراجع المساحة السياسية
تشير التقارير إلى تراجع كبير في المساحة السياسية المتاحة للتعبير، وقوانين تقيد الاحتجاج، وحملات ضد النشطاء والمعارضين. هذا المشهد الأمني المشدد يرفع تكاليف أي احتجاج جماعي، مما يجعل خيار الصبر الفردي هو الأكثر عقلانية في نظر الكثيرين.
تقوم منظومة القمع على عدة مستويات:
· قوانين تقيد الحريات: مثل قانون تنظيم الحق في التظاهر، وقانون مكافحة الإرهاب، وقانون تنظيم عمل الجمعيات الأهلية. · الرقابة على الإعلام: السيطرة على وسائل الإعلام التقليدية والرقمية. · ملاحقة النشطاء: الاعتقالات والمحاكمات العسكرية للمعارضين. · الترهيب: خلق مناخ من الخوف يمنع أي محاولة للتنظيم أو الاحتجاج.
ثالثًا: انشغال البقاء واستنزاف الطاقة السياسية
يؤدي الانشغال اليومي بالبحث عن لقمة العيش، وإدارة الديون، وتدبر أمر المصاريف المتزايدة، إلى استنزاف الطاقة الذهنية والسياسية للأفراد، مما يجعلهم أقل قدرة على المشاركة في عمل جماعي منظم. كما أن التشرذم الناتج عن التفاوت داخل الطبقة المتوسطة نفسها -بين شرائحها العليا والدنيا- يحد من قدرتها على تشكيل وعي طبقي موحد يترجم إلى عمل سياسي.
4.2 "الفقاهة" كشكل من أشكال المقاومة الخفية
إذا كان الاحتجاج الصريح مكلفًا وخطيرًا، فإن الطبقة المتوسطة طورت أشكالاً من "المقاومة الخفية":
· الانسحاب من المشاركة السياسية: العزوف عن الانتخابات، وعدم الانتماء للأحزاب. · النقد الخاص في الدوائر الضيقة: التعبير عن السخط في جلسات الأصدقاء والعائلة، دون تحويله إلى عمل جماعي. · التركيز على استراتيجيات بقاء فردية وعائلية: الهجرة، التعليم الخاص للأبناء، البحث عن فرص عمل إضافية. · السخرية والفكاهة: كوسيلة للتعامل مع الضغط النفسي والتعبير عن الاحتجاج بطريقة غير مباشرة. · المقاطعة الاقتصادية الصامتة: كمقاطعة السلع مرتفعة الأسعار، وشراء البدائل الأرخص.
هذا النمط من السلوك لا يشكل تهديدًا مباشرًا للنظام، لكنه قد يؤدي إلى تآكل شرعيته على المدى الطويل، ويخلق أرضًا خصبة لانفجار مفاجئ حين تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة.
4.3 الطبقة المتوسطة بين الاحتجاج والرضوخ: قراءة مقارنة
عند مقارنة الطبقة المتوسطة المصرية بنظيراتها في دول عربية أخرى، نجد أن أنماط استجابتها للأزمات الاقتصادية تختلف باختلاف السياق السياسي والثقافي:
الدولة السياق التاريخي نمط استجابة الطبقة المتوسطة تونس طبقة وسطى مستقلة نسبيًا، بتاريخ نقابي قوي قادت الاحتجاجات وشاركت في ثورة 2011 الجزائر طبقة وسطى تعاني من البطالة لكن لها تاريخ نضالي شاركت في الحراك الشعبي 2019 رغم غياب القيادة مصر طبقة وسطى تابعة للدولة، مرت بثلاثة عقود من الإضعاف دعمت الانقلاب العسكري 2013 ثم صمتت رغم التدهور لبنان طبقة وسطى متعددة الطوائف، مرت بحرب أهلية انقسمت بين المشاركة في الاحتجاجات والانسحاب بسبب الخوف من الفوضى
هذا التباين يعكس خصوصية التشكل التاريخي للطبقة المتوسطة المصرية، حيث التبعية للدولة أعمق، والعلاقة مع المؤسسة العسكرية أكثر تعقيدًا، والخوف من الفوضى أكثر رسوخًا.
---
خامسًا: نحو قراءة تركيبية لظاهرة الاستنزاف
5.1 النموذج البنيوي المقترح لفهم استنزاف الطبقة المتوسطة
انطلاقًا من التحليل السابق، يمكن اقتراح نموذج بنيوي لفهم استنزاف الطبقة المتوسطة المصرية، يتكون من ثلاث حلقات متشابكة تشكل "دائرة الاستنزاف":
الحلقة الأولى: الإرث التاريخي (التبعية)
· الآلية: خلق الدولة للطبقة المتوسطة من أعلى. · النتيجة: وعي تابع، وعدم قدرة على التمرد. · المؤشر: دعم الطبقة المتوسطة للانقلاب العسكري رغم إدراكها لعواقبه.
الحلقة الثانية: السياسات الاقتصادية (الإفقار)
· الآلية: برامج التقشف المرتبطة بصندوق النقد الدولي. · النتيجة: تآكل الدخل الحقيقي، واستنزاف المدخرات، وتراجع الخدمات. · المؤشر: انكماش الطبقة المتوسطة بنسبة 48% بين 2000 و2015.
الحلقة الثالثة: المناخ السياسي (القمع والتشتيت)
· الآلية: قوانين تقيد الحريات، وقمع المعارضين، وإشغال المواطن بالبقاء. · النتيجة: عجز سياسي، وتفكك التضامن الطبقي. · المؤشر: غياب الطبقة المتوسطة عن المشهد الاحتجاجي رغم التدهور.
تفاعل الحلقات: تتغذى كل حلقة على الأخرى، مما يخلق دائرة مغلقة يصعب كسرها. فالتبعية التاريخية تجعل الطبقة المتوسطة تقبل بالسياسات الاقتصادية دون احتجاج، والسياسات الاقتصادية تضعفها وتجعلها أقل قدرة على المقاومة، والمناخ السياسي القمعي يمنعها من التنظيم، فيستمر الاستنزاف دون ردود فعل حاسمة.
5.2 آليات المقاومة الخفية في مواجهة الاستنزاف
رغم العجز السياسي الظاهر، تطور الطبقة المتوسطة آليات مقاومة خفية، يمكن تصنيفها في ثلاثة مستويات:
المستوى الفردي:
· التكيف المالي: إدارة الميزانية بحرفية، البحث عن مصادر دخل إضافية. · الانسحاب الاستراتيجي: تقليل الاستهلاك، تأجيل المشتريات الكبرى. · التعليم الذاتي: تطوير المهارات لزيادة فرص العمل.
المستوى الأسري:
· التضامن العائلي: الاعتماد على الأقارب في الأزمات المالية. · إعادة توزيع الأدوار: مشاركة النساء في العمل الإنتاجي. · تربية الأبناء: على الصبر والتكيف مع الظروف الصعبة.
المستوى المجتمعي:
· الجوار كشبكة أمان: التعاون بين الجيران في مواجهة الغلاء. · المبادرات المحلية: مجموعات الشراء الجماعي، التعاونيات الصغيرة. · المقاومة الثقافية: الفنون والكتابة كشكل من أشكال التعبير عن السخط.
5.3 استشراف المستقبل: سيناريوهات محتملة
استنادًا إلى التحليل السابق، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الطبقة المتوسطة في مصر:
السيناريو الأول: الاستمرار في التآكل البطيء
· الافتراض: استمرار السياسات الحالية دون تغيير جذري. · النتيجة: استمرار انكماش الطبقة المتوسطة، وتحولها إلى طبقة فقيرة أو هامشية. · المخاطر: تآكل التماسك الاجتماعي، وزيادة الهجرة، وتنامي الإحباط الجماعي.
السيناريو الثاني: الانفجار الاجتماعي
· الافتراض: وصول الطبقة المتوسطة إلى عتبة لا تطاق من التآكل المعيشي. · النتيجة: اندلاع احتجاجات شعبية قد تكون عنيفة أو سلمية، وقد تجمع بين الطبقات المتوسطة والدنيا. · المخاطر: عدم استقرار سياسي، قمع أمني، فقدان السيطرة.
السيناريو الثالث: الإصلاح الجذري
· الافتراض: مراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية والعقد الاجتماعي. · النتيجة: إعادة بناء الطبقة المتوسطة، وتحقيق نمو شامل، واستعادة التماسك الاجتماعي. · المتطلبات: إرادة سياسية للإصلاح، ومراجعة شروط صندوق النقد الدولي، وفتح مساحة للحوار الوطني.
---
سادسًا: النتائج والتوصيات
6.1 النتائج الرئيسية
توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الرئيسية:
1. استنزاف الطبقة المتوسطة في مصر نتيجة بنيوية وليست عارضة، تعود إلى تشكل تاريخي جعلها تابعة للدولة منذ نشأتها، وسياسات اقتصادية تحمّلها أعباء الإصلاح دون حماية كافية، وهيكل حوكمة عالمي يقيد الخيارات الوطنية. 2. سياسات التقشف المرتبطة بصندوق النقد الدولي هي المحفز المباشر للتدهور المعيشي للطبقة المتوسطة، حيث أدت إلى تآكل الدخل الحقيقي وتحويل أساسيات كانت تعتبر بديهية إلى كماليات يصعب تحقيقها. وقد وثق البنك الدولي أن الطبقة المتوسطة في مصر تقلصت بأكثر من 48% بين 2000 و2015. 3. غياب شبكات أمان اجتماعي مناسبة يترك الطبقة المتوسطة في منطقة رمادية بين الفقر والاكتفاء، مما يمنعها من الحصول على الدعم الحكومي دون أن يحميها من التدهور، خاصة أن الشريحة الدنيا والمتوسطة من الطبقة المتوسطة هي الأكثر تضررًا. 4. استمرار منطق العقد الاجتماعي القديم يعيد إنتاج حالة من العجز السياسي، حيث تفضل الطبقة المتوسطة التكيف الفردي والصبر على الأزمة بدلاً من الاحتجاج الجماعي، مستندة إلى إرث من التبعية وخوف من القمع وإرهاق من معاناة البقاء اليومية. وقد تجسد هذا العجز في دعم الطبقة المتوسطة للانقلاب العسكري رغم إدراكها أن سياساته ستؤدي إلى إضعافها. 5. استمرار هذا النموذج دون مراجعة قد يحوّل الطبقة المتوسطة من ركيزة استقرار اجتماعي إلى قنبلة موقوتة، حين تصل إلى عتبة لا تطاق من التآكل المعيشي، خاصة مع تراجع دور الدولة في توفير الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة. 6. صندوق النقد الدولي يلعب دورًا في إعادة إنتاج التبعية، حيث تشير الدراسات النقدية إلى أن قروض الصندوق أصبحت أداة للهيمنة على السياسات الاقتصادية للدول النامية، مما يعيد إنتاج أنماط الاستغلال الاستعماري القديم بأدوات جديدة. 7. الطبقة المتوسطة المصرية تعاني من أزمة هوية ووعي، فهي ليست طبقة برجوازية مستقلة، ولا طبقة فقيرة تقليدية، بل هي "طبقة هجينة" تعيش بين الانتماء للدولة والرفض لسياساتها، مما يخلق حالة من التمزق النفسي والسياسي.
6.2 التوصيات
بناءً على النتائج السابقة، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات:
أولاً: إعادة النظر في وتيرة الإصلاحات الاقتصادية
تدعو الدراسات الاقتصادية إلى تطبيق سياسات التقشف على مدى أطول وبوتيرة أكثر تدريجية، مع تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية لتشمل الطبقة المتوسطة التي تضررت بشدة، بدلاً من حصرها بالفقراء المدقعين. ويتطلب ذلك:
· تمديد فترة تنفيذ الإصلاحات: لتخفيف وطأتها على الفئات المتوسطة. · مراجعة الأولويات: التركيز على الإصلاحات التي تحفز النمو وتخلق فرص عمل، بدلاً من التركيز فقط على خفض العجز. · إنشاء صندوق دعم للطبقة المتوسطة: لتخفيف أعباء الغلاء على هذه الفئة.
ثانيًا: مراجعة شروط صندوق النقد الدولي
ضرورة التفاوض على برامج إقراض تراعي الخصوصيات الاجتماعية المصرية، وتخفف من التكاليف الاجتماعية الحادة، بما يمنع تحويل قروض الصندوق إلى أداة للهيمنة على السياسات الاقتصادية الوطنية. ويتطلب ذلك:
· إشراك خبراء مصريين مستقلين: في مفاوضات الصندوق لضمان مراعاة البعد الاجتماعي. · طلب فترات سماح أطول: لتنفيذ الإصلاحات دون ضغط على المواطنين. · ربط القروض بمؤشرات تنموية: لا بمؤشرات مالية فقط، مثل خفض البطالة والفقر.
ثالثًا: إعادة بناء العقد الاجتماعي
الدعوة إلى عقد اجتماعي جديد لا يقوم على التبعية والولاء مقابل الخدمات، بل على المواطنة المتساوية والشفافية والعدالة الضريبية والمساءلة. وهذا يتطلب:
· إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية: بما يضمن مشاركة حقيقية في صنع القرار. · فصل الاقتصاد عن السياسة: بمعنى أن السياسات الاقتصادية يجب أن تخضع للنقاش العام، لا أن تُفرض من أعلى. · ضمان حرية التعبير والتنظيم: كشرط أساسي لوجود عقد اجتماعي حقيقي.
رابعًا: تعزيز الحماية الاجتماعية للطبقة المتوسطة
تطوير برامج حماية لا تستهدف الفقراء فقط، بل تمتد لتشمل الفئات المهددة بالسقوط تحت خط الفقر، مثل تخفيف الأعباء الضريبية ودعم الخدمات الأساسية، مع التركيز على الشريحة الدنيا والمتوسطة من الطبقة المتوسطة التي تعاني أكثر من غيرها. ويتطلب ذلك:
· إعادة هيكلة الدعم: بحيث يصل إلى مستحقيه من الطبقة المتوسطة أيضًا. · تخفيض الضرائب على الدخول المتوسطة: لتخفيف الأعباء المعيشية. · دعم التعليم والصحة: كخدمات أساسية تحمي الطبقة المتوسطة من التدهور.
خامسًا: فتح مساحة للحوار السياسي والاجتماعي
بدون مساحة آمنة للتعبير عن التذمر الاقتصادي وتحويله إلى مطالب سياسية منظمة، سيظل الغضب كامنًا وقد ينفجر بطرق غير متوقعة. وهذا يتطلب:
· إعادة النظر في القوانين المقيدة للحقوق السياسية: مثل قانون التظاهر وقانون الجمعيات الأهلية. · السماح بظهور نقابات وجمعيات أهلية: تمثل مصالح الطبقة المتوسطة. · توفير منصات للحوار الوطني: حول السياسات الاقتصادية ومستقبل البلاد.
سادسًا: تعزيز الوعي النقدي والثقافة السياسية
لا يمكن كسر دائرة التبعية دون وعي نقدي بقدرة الطبقة المتوسطة على لعب دور فاعل في صنع مستقبلها. ويتطلب ذلك:
· تطوير مناهج تعليمية نقدية: تعزز التفكير النقدي والمواطنة الفاعلة. · دعم الإعلام المستقل: لتوفير روايات بديلة عن الواقع. · تشجيع البحث الأكاديمي: حول قضايا الطبقة المتوسطة والعدالة الاجتماعية.
سابعًا: تعزيز التضامن الطبقي
إن استمرار الطبقة المتوسطة في موقف المتفرج على معاناة الطبقات الدنيا، أو التنافس معها على موارد محدودة، هو أحد أسباب عجزها السياسي. ويتطلب تعزيز التضامن الطبقي:
· بناء جسور بين الطبقات: من خلال المبادرات المشتركة والنقابات الجامعة. · الوعي بالمصالح المشتركة: أن استمرار استنزاف الطبقات الدنيا سيؤدي في النهاية إلى استنزاف الطبقة المتوسطة نفسها. · رفض خطاب التفريق: الذي يزرع العداء بين الطبقات ويخدم مصالح النخبة.
---
الخاتمة: نحو أفق جديد للطبقة المتوسطة المصرية
من خلال التحليل البنيوي الذي قدمناه، نخلص إلى أن استنزاف الطبقة المتوسطة في مصر ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو نتاج منطقي لتفاعل ثلاثة متغيرات عميقة: تشكل تاريخي جعل الطبقة المتوسطة تابعة للدولة، وسياسات تقشفية حملتها أعباء الإصلاح دون حماية، وهيكل حوكمة عالمي يقيد الخيارات الوطنية.
تكمن المفارقة المركزية في أن الطبقة المتوسطة التي كانت في الماضي ركيزة الاستقرار الاجتماعي وضامن الاستمرارية، أصبحت اليوم أضعف حلقة في النظام. إن استمرار استنزافها دون ردود فعل سياسية حاسمة ليس دليلاً على رضاها، بل دليل على نجاح آليات القمع والإرهاق في إخماد صوتها. لكن هذا الصمت لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
إن تفكيك العقد الاجتماعي المهتز يحتاج إلى إعادة بناء جذرية، تتجاوز إصلاحات هامشية إلى تغيير بنيوي في علاقة الدولة بالمجتمع. وهذا يتطلب وعيًا تاريخيًا نقديًا، وإرادة سياسية للإصلاح الهيكلي، وحراكًا اجتماعيًا حقيقيًا، وتفكيكًا للهيمنة الثقافية التي تعيد إنتاج التبعية.
تبقى المفارقة الأعمق أن الطبقة المتوسطة المصرية التي دعمت الانقلاب العسكري بحثًا عن الأمن، وجدت نفسها تفقد الأمن الاقتصادي أيضًا. الطبقة التي راهنت على الاستقرار مقابل الحرية، اكتشفت أن الاستقرار كان وهميًا، والحرية قد ضاعت، والكرامة في مهب الريح. الطبقة التي ظنت أنها تحمي مصالحها بالوقوف مع السلطة، وجدت أن السلطة تستنزفها ببطء وبشكل ممنهج.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ستظل الطبقة المتوسطة المصرية أسيرة إرثها التاريخي من التبعية، أم ستجد طريقها إلى استعادة دورها كقوة ضاغطة من أجل التغيير؟ الإجابة على هذا السؤال تتوقف على قدرة هذه الطبقة على تجاوز "الغيبوبة" السياسية، وإدراك أن مصلحتها الحقيقية ليست في الولاء للسلطة التي تستنزفها، بل في المطالبة بعقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
وإذا كانت الطبقة المتوسطة قد هزمت نفسها في 2013 بدعمها للانقلاب العسكري، فإن فرصتها في إعادة اكتشاف ذاتها لا تزال قائمة، لكنها تتطلب:
1. وعيًا تاريخيًا: بإرث التبعية وآليات إعادة إنتاجها. 2. شجاعة سياسية: لتجاوز الخوف ومواجهة القمع. 3. تضامنًا طبقيًا: مع الطبقات الدنيا التي تعاني من نفس الاستنزاف. 4. رؤية مستقبلية: تتجاوز منطق الصبر الفردي إلى العمل الجماعي.
"التفاوت ليس قدراً، بل هو خيار سياسي واستراتيجي لإدارة الندرة. والمجتمعات التي اختارت طريق العدالة التوزيعية، كانت أكثر استقراراً وإنتاجية على المدى البعيد. أما المجتمعات التي أصرت على استنزاف طبقاتها المتوسطة، فقد زرعت بذور انهيارها بنفسها."
---
قائمة المراجع
المراجع العربية
· بدوي، أحمد موسى. "تحولات الطبقة المتوسطة في الوطن العربي." المستقبل العربي، العدد 415، أيلول/سبتمبر 2013. مركز دراسات الوحدة العربية. · المصري، شريف. "سياسات صندوق النقد الدولي وآثارها على مصر والدول العربية." الاتحاد الدولي للخدمات العامة. · "ثمن التقشف: مخاطر الإفقار المتزايد لـ الطبقة المتوسطة في المنطقة العربية." شبكة روابط، 6 ديسمبر 2016. · "نهاية الخبز والسياسة.. كيف هزمت الطبقة المتوسطة المصرية نفسها؟" الجزيرة نت، 6 أغسطس 2021. · عبد المعطي، عبد الباسط. الطبقة المتوسطة المصرية من التقصير إلى التحرير. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005. · خفاجي، عصام. ولادات متعسرة: العبور إلى الحداثة في الشرق والغرب. · طه، أحد. "الطبقة الوسطى المصرية من الدعم للانقلاب إلى غيبوبة الاستنزاف." مدونات أحد طه، 2021.
المراجع الأجنبية
· Shechter, Relli. The Egyptian Social Contract: A History of State-Middle Class Relations. Edinburgh University Press, 2023. · El-Kady, Maha. Women Economic and Social Empowerment in Urban Middle Class Egyptian Households post 2016 Austerity Measures. MA Thesis, American University in Cairo, 2022. · "برنامج صندوق النقد الدولي في مصر: تقييم تحديات الاقتصاد السياسي." معهد بروكينغز، 2016. · تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. · التقرير الاقتصادي العربي الموحد.
---
انتهت الدراسة
#محمد_أحمد_الصغير_علي_عيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العقد الاجتماعي المنكسر: نحو فهم بنيوي لاستنزاف الطبقة الوسط
...
-
صناعة الهشاشة الاجتماعية الدولة والمجتمع وإعادة إنتاج الضعف
...
-
الدولة الوظيفية: البيروقراطية وإعادة إنتاج التبعية في المجتم
...
-
دراسة في تاريخ ونظرية العُقَد النفسية -من الفكرة الثابتة إلى
...
-
العُقدة الرقمية: نحو نموذج تفسيري للاضطرابات النفسية في عصر
...
-
نقد -الروح البروتستانتية- من منظور مادي تاريخي: فيبر ضد مارك
...
-
الاقتصاد الرمزي للانتماء دراسة سوسيولوجية في تحولات الهوية و
...
-
الهيمنة المُعاد إنتاجها نموذج تركيبي لفهم إنتاج الاستضعاف ال
...
-
اقتلاع الجذور: آليات التفكيك المكاني والاجتماعي والنفسي في س
...
-
هندسة الإذلال النفسي : نموذج تفسيري للهشاشة المؤسسية وإنتاج
...
-
دراسة وتحليل ظاهرة السيطرة الخوارزمية وشبكات القوة العلمية-ا
...
-
العقل المنتصر : رواية
-
العقل المنتصر : تأمل في مصير الوعي الفردي في مواجهة العالم
-
الفقر والهشاشة البنيوية وإعادة إنتاج العنف دراسة في آليات ال
...
-
صائدو الدبابات والبطولات الفردية في حرب أكتوبر 1973م: دراسة
...
-
الفقر والهجرة وأنظمة الاستنزاف دراسة في الإخضاع الاقتصادي وا
...
-
الفقر بوصفه آلية بنيوية لإنتاج الهجرة القسرية الاقتصادية نحو
...
-
الفقر بوصفه آلية بنيوية لإنتاج الهجرة القسرية في ظل أنظمة ال
...
-
الثروة الحضارية المنسية : لماذا لم يدرك المسلمون حجم قوتهم ب
...
-
الهيمنة الثقافية الغربية وإعادة اختراع التراث الإسلامي: دراس
...
المزيد.....
-
إسبانيا في سباق مع الزمن لاحتواء حرائق الغابات بعد إعلان حال
...
-
ولادة فرخ نادر مهدد بالانقراض.. بارقة أمل جديدة لجهود الحفاظ
...
-
فيديو مزعوم لـ-إسقاط مقاتلة سعودية بنيران حوثية فوق الحديدة-
...
-
إجلاء عشرات الآلاف جراء الحرائق المستعرة في إسبانيا وفرنسا
-
متحديًا التعديل الدستوري الثاني والعشرين.. ترامب: سأترشح لول
...
-
بعد غارات التحالف على الحديدة.. منظومة دفاع جوي يونانية في ا
...
-
طائرات أف-35 في قلب صراع المنطقة.. رسالة أمريكية جديدة تبعد
...
-
بريطانيا.. حريق ضخم في مجمع صناعي في مقاطعة إسيكس
-
الدفاع الروسية تنشر مشاهد لتدمير سفن شحن عسكرية في ميناء نيك
...
-
لقطات لتدخل مروحيات الجيش السوري لإجلاء مصابي حادث طريق دمشق
...
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|