محمد سعيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 20:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ 27 يوليوز 2026
عنوان الكتاب "نقد العقل العربي (3) : العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته" لمحمد عابد الجابري
الكتاب يتناول بالتحليل الكثير من الأحداث التاريخية والقضايا والمسائل الفكرية والسياسية التي قد تجر إلى البحث التفصيلي في المراجع التاريخية العربية والتيهان بين الروايات المتناقضة وكتب العقيدة المشفّرة، وربما الابتعاد عن الفكرة الأساسية للمؤلف. لذا ارتأيت أن أسجل بعض الملاحظات، من وجهة نظري، قد تساعد على فهم الكتاب و نقده أو إتمام ما تم إغفاله والتقصير فيه أو الدفاع عنه، بعيداً عن التوظيف السيئ أو التهجم المجاني.
ينقسم الكتاب إلى عشرة فصول مع مدخل عام وخاتمة. في هذه الفصول، تناول الجابري الفعل السياسي العربي من خلال تجارب سياسية يعتبرها مؤسسة لما أتى بعدها. وبخلاف الجزئين الأولين من "نقد العقل العربي"؛ حيث حدّد بداية تكوين العقل العربي النظري في بداية الدولة العباسية وانتشار التدوين، حدّد بداية تشكّل العقل السياسي (العملي) مع الدعوة المحمدية وتأسيس دولة الخلفاء الأربعة. وخصص القسم الأول من الكتاب لهذه المرحلة. أما القسم الثاني، فخصصه لدراسة تجربتي الدولة الأموية والعباسية والحركات المعارضة التي أثرت على الفكر السياسي العربي إلى اليوم (كالخوارج والمعتزلة والشيعة).
لم ينتظر الجابري حتى يتهمه أحد بالانحياز، فأقر بنفسه هذا:
"كل كتابة في السياسة هي كتابة سياسية متحيزة، ونحن متحيزون للديمقراطية. والتحيز للديمقراطية في الدراسات التراثية يمكن أن يتخذ إحدى سبيلين : إما إبراز " الوجوه المشرقة " والتنويه بها والعمل على تلميعها بمختلف الوسائل… و إما تعرية الاستبداد بالكشف عن مرتكزاته الإيديولوجية ( الاجتماعية واللاهوتية والفلسفية). واخترنا هذه السبيل الأخيرة لأنها أكثر جدوى. إن الوعي بضرورة الديمقراطية يجب أن يمر عبر الوعي بأصول الاستبداد ومرتكزاته." (ص365)
أما عن تهمة إهمال بعض التجارب السياسية العربية الأخرى، فأجاب في نفس الكتاب بأن بحثه غير شامل لتاريخ الأفكار والحركات السياسية العربية، و أنه اكتفى فقط بالتجارب التي كان لها التأثير الأكبر في تشكل العقل السياسي العربي:
"وغنيّ عن البيان القول إننا نتحدث عن المسار العام الذي بقي سائداً، والذي طبع التاريخ العربي بطابعه. أما المحاولات المعارضة والمضادة ، سواء منها العملية..، أو النظرية الفلسفية و الفقهية .. فقد سكتنا عنها لأنها بقيت مقموعة معزولة أو هامشية ، وبالتالي لم يكن لها أي حضور حقيقي في عملية تكوين العقل السياسي العربي، …" (ص 365)
مراحل تشكل " العقل السياسي العربي " (أو تشكل نموذج دولة "الاستبداد السياسي"):
ولأن "مسألة الاستبداد" هي التي شغلت بحث الجابري في هذا الكتاب، نرى أهمية ذكر خلاصة دراسته لهذه المسألة في كل واحدة من المراحل التاريخية الكبرى:
مرحلة الدعوة المحمدية والخلفاء الأربعة: تميزت بما سماه الجابري "الفراغ الدستوري" :
".. وإذا نحن أردنا الآن أن نستخلص الدروس السياسية من أحداث "الفتنة" وجب القول إن ما حدث كان تعبيراً عن فراغ دستوري كبير في نظام الحكم الذي قام بعد وفاة النبي." (ص 368).
وعن هذا الفراغ يضيف الجابري متحدثاً عن آراء الفقهاء والمتكلمين في "مسألة الحكم"، التي يجعلها البعض جزءاً من الدين :
" إنها لا تمثل " رأي الإسلام " لسبب بسيط هو أنه ليس هناك نص تشريعي من القرآن أو السنة ينظم مسألة الحكم، بل المسألة مسألة اجتهادية يجب أن تخضع لظروف كل عصر ومتطلبات تحقيق الشورى فيه".
هذا الفراغ، سينتج عنه الاستيلاء على السلطة واحتكارها بالاحتكام إلى القوة العسكرية والاقتصادية للقبيلة. لهذا حسمت قريش "المعركة" الأولى ضد قبيلتي الأنصار ( الأوس والخزرج) بالاحتكام إلى عددها وقابلية باقي العرب للخضوع لسلطتها. ومع اندلاع ما سمي ب "حروب الردة" بدأ بنو أمية ( من داخل قريش) السيطرة على الولايات والعمالات وقيادة الجيوش استناداً لقوّتهم الاقتصادية (كانوا الأكثر غنى في مكة مقارنة بباقي القبائل). واستفحل نفوذهم مع عهد عثمان بن عفان، فعزلوا وأبعدوا الصحابة من القيادات وإن كانوا من قريش واستبدلوهم بشباب بني أمية. هذه الحالة التي وصل إليها حكم المسلمين لم تمر بدون احتجاج وإنكار، فمن الصحابة من أنكر بقوة ومنهم نصح وبرزت عدة أسماء من الغاضبين بالمدينة كطلحة والزبير وعمار بن ياسر وعلي بن أبي طالب، ومحمد بن أبي بكر،إلخ. هذا الصراع بقي يتطور حتى وصل المجتمع إلى ماسمي ب "الفتنة الكبرى " مع مقتل عثمان والاقتتال الدموي بين جيش معاوية وجيش علي.
مرحلة دولة بني أمية: تميزت بتأسيس دولة "الملك السياسي" على يد معاوية بن أبي سفيان القائمة على التوريث داخل العائلة الحاكمة، مستغلاً نفوذ بني أمية الذي تقوّى خلال المرحلة السابقة وقوة وانسجام جيشه الذي بناه ونظمه خلال سنوات ولايته الطويلة على الشام. معاوية قدم هذا الحكم كبديل "عملي" ل "الفراغ الدستوري" وبديل ل "الفتنة الكبرى " بشكل خاصّ، التي سالت بسببها دماء كثيرة من المسلمين وتركت بصمتها في مخيال "الناجين " وتطلعاتهم. معاوية لم يكن يشعر أنه بحاجة ل "الشرعية البشرية"، بل خرج منتصرا عسكريا من حربه مع جيش علي و أسقط الدولة التي حاول هذا الأخير إنشاءها في العراق، وأصبح بإمكانه مخاطبة معارضيه من موقع القوة مخيراً إياهم بين الخضوع والعيش بسلام أو السيف. يقول الجابري:
"..عندما تطورت الدولة العربية الإسلامية مع الفتوحات والغنائم و انتشار رقعة الإسلام بات نموذج "أمير الحرب" غير قادر على استيعاب التطورات الاجتماعية والحضارية التي حصلت فبرز فراغ دستوري … وبما أن المسألة لم تعالج معالجة فقهية سلمية فقد بقي القول الفصل للسيف. وهكذا انتزع معاوية "الأمر" بقوة السلاح وفرض نفسه "خليفة "." (ص 371)
معاوية لم يعتمد فقط على السيف، بل كان يشتري الولاء بالمال. فأجزى العطاء مثلاً لأبناء علي خاصة الحسن من أجل تنازله على الخلافة، وأعطى لعبد الله بن العباس الذي استولى على بيت مال المسلمين في العراق وهرب إلى المدينة بعد تضييق علي عليه، وأقره معاوية بعد الحادث على هذا المال. وكان من أمثلة "سخاء" معاوية أن أعطى لعمرو بن العاص واليه على مصر الحق في كل المال الذي يجبى من مصر كجزية وخراج إلى أن مات.
مرحلة دولة بني العباس: حسب الجابري، لم يحصل في هذه المرحلة تراجعاً عن الاستبداد بالسلطة. فالخليفة الذي كان يحكم بإسم "العقيدة الجبرية" في دولة بني أمية، أصبح يحكم بإسم "مشيئة وإرادة الله". يقول:
" .. وسيأتي العباسيون لينقلوا -كما رأينا- هذه "الشرعية الإلهية" المزعومة من ميدان "القضاء والقدر" إلى ميدان "الإرادة الإلهية"، فأصبح الخليفة العباسيّ يحكم لا بسبب "سابق علم الله "، بل بمشيئته وإرادته (=الله)، وبالتالي صارت إرادة الخليفة من إرادة الله. " (ص 371)
وتميزت الدولة في المرحلة العباسية بازدواجية في بنيتها: البنية العميقة التي بقيت محكومة بالمحددات الثلاثة (القبيلة، الغنيمة ، والعقيدة)، والبنية السطحية والتي بناء عليها يقسم المجتمع إلى ثلاث منازل. يقول:
" لقد كانت هناك مع انتصار الثورة العباسية ثلاث منازل واضحة ومتمايزة: منزلة الخليفة، منزلة الأمراء من أهل بيته والوزراء وكبار أهل دولته من العلماء والفقهاء ورؤساء القبائل وكبار التجار، وهؤلاء يشكلون "الخاصة " يأتي بعد ذلك بقية الناس وهم "العامة "." (ص 332)
وهنا لا بد من التوضيح أن الجابري لا يقصد الخاصة التي تحيط بالحاكم بمعناها اللغوي فقط. فخاصة الناس وعامتهم كانت موجود أيضاً في المرحلتين السابقتين، بل يقصد أن العامة والخاصة أصبحا مصطلحين سياسيين متداولين في المجتمع على عهد العباسيين.
ويرى الجابري أهمية التمييز بين "دولة المركز" و "دولة الأطراف" التي تتميز بنوع من الاستقلالية، لدراسة هذه المرحلة.
ويرى الجابري أن نموذج الدولة العباسية الذي اكتمل مع نهاية العهد الأول ( القرن الثالث الهجري)، هو الذي استمر في العصور التالية دون حصول أي تغييرات كبرى. ولو أردنا أن نجمل نظرة المؤلف، يمكن أن نقول أنه لا يرى أي دولة في المراحل الثلاثة تشكل نموذجا يحتذى أو يستحق الإشادة. فالانتقال الذي حصل كان تطورا من "الفراغ الدستوري" إلى الاستبداد السياسي الذي طوّر إيديولوجيا (عقيدة ) تدافع عنه.
يتبع…
#محمد_سعيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟