محمد سعيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 19:58
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ملاحظات حول منهج الكتاب:
القبيلة :
أوضح المؤلف بأنه لن يلتزم بمنهج واحد في الكتاب، بل سيستفيد من جميع المناهج الدراسية. ذكر :
"والجهاز المفاهيمي الذي سنوظفه في هذه الدراسة يتألف من صنفين من المفاهيم: صنف نستعيره من الفكر العلمي الاجتماعي والسياسي المعاصر، وصنف نستمده من تراثنا العربي الإسلامي." (ص 8)
ومن المفاهيم التي أستمدها من التراث العربي الإسلامي: القبيلة، الغنيمة والعقيدة، التي جعلها محددات الفعل السياسي العربي. في نظر الجابري، هكذا سيتحرر من مفاهيم صاغها علم الاجتماع الغربي والمادية التاريخية، والتي تصبح، كما يرى، عوائقاً إذا طبقناها على مجتمعات ما قبل الرأسمالية. يقول:
"لنتحرر إذن من سلطة مقولات الإيديولوجيات والعلوم الاجتماعية الخاصة بالمجتمعات الغربية الرأسمالية المتطورة، ولنعتبرها مجرد مقولات نسبية.. " (ص 34)
وكما ذكر الجابري، فقد استفاد من عدد من الدراسات التي قام بها مفكرون غربيون حول المجتمعات ما قبل الرأسمالية، وعلاقة الفكر بالواقع ، وعلاقة البنية التحتية والبنية الفوقية، وهاجم ما سماه "دوغمائية المادية التاريخية الرسمية " التي "تجعل الإيديولوجيا هكذا جملة وتفصيلا، مجرد انعكاس أو تعبير عن الوضع الطبقي." ) ص 39)
وقدم ما اعتبره مفيداً لدراسة " العقل السياسي العربي " و يؤيد منهجه التحليلي واختياراته المفاهيمية. ولخصها كما يلي:
" إذا نحن أردنا أن نوجز في كلمات مجمل النتائج التي يمكن استخلاصها من الاجتهادات الغربية المعاصرة في موضوع العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية، وبالتالي بين الفكر والواقع، في المجتمعات التي تعيش أوضاع ما قبل الرأسمالية، أمكن القول إن هناك ثلاث أفكار رئيسية أكدتها تلك الاجتهادات ب "الإجماع ":
الأولى هي القول بوحدة البنيتين التحتية والفوقية في هذه المجتمعات…
الثانية هي التأكيد على دور "القرابة " في هذه المجتمعات…
أما الثالثة فهي التأكيد على دور الدين كعقيدة وكتنظيم اجتماعي سياسي يحمل مضموناً سياسيا صريحاً أو ضمنياً…" (ص 43)
في هذا المدخل العام، لا يجد القارئ أي عناء في ملاحظة أن الجابري خص الماركسيين العرب بهجوم كبير، ووجه لهم اتهاماً صريحاً ب "الجمود" احيانا ، وأحيانا على لسان مقتطفات من كتب مفكرين غربيين. فاتهمهم بالأخذ بالتسلسل التاريخي لأنماط الإنتاج التي عرفتها أوربا: العبودية، والإقطاع و الرأسمالية. قد يتبادر إلى ذهن القارئ، أن المؤلف سيقدّم بديلاً لما سمّاه "الجمود" في تحليل نمط الإنتاج الذي سادت "بلاد الدولة العربية الإسلامية ". لكن، هذا لم يحصل، بل اكتفى الجابري بمفهوم الغنيمة كما عرفه في كتابه. وهذا المفهوم وحده قاصر على تحليل نمط الإنتاج، لأنه يتضمن فقط الضرائب التي كانت كانت تفرضها الدولة في الأراضي التي تغزوها (الجزية على الأشخاص والخراج على الأراضي وتوزيع العطاءات ). وهذه الأمور تمس إعادة توزيع الثروة، بينما نمط الإنتاج يمس إنتاج الثروة نفسه؛ أي وسائل الإنتاج (أرض، آلات، عبيد، إلخ)، المنتجون (قوة العمل)، وعلاقات الإنتاج (ملكية عامة أم خاصة، وعلاقة المنتجين وغير المنتجين). وجزء من الإجابة على التساؤلات يوجد في كتب الفقه "الإسلامي" الذي طبقته الدول المتعاقبة خاصة في أبواب المعاملات (مثلا الأبواب التي عالجت مسائل العبيد كثروة تباع وتشترى في الأسواق، وكوسائل إنتاج في الحقول والمنازل). نسجل هذه الملاحظة للتأثير المهم لنمط الإنتاج في النظام السياسي السائد وليس دفاعاً عن أي خلاصات مسبقة أو دفاعا عن أي تسلسل لأنماط الإنتاج بدون تحليل مادي للمعطيات التاريخية الخاصة ب "المجتمعات العربية الإسلامية ". و رغم أن المؤلف قال بأنه لم يستعمل مصطلحات اقتصادية لأنه يناقش الجانب السياسي، إلا التوظيف الملتبس لمفهوم الغنيمة قاده إلى توصية تناقض هذا المنطلق؛ أي تحويل اقتصاد الغنيمة إلى اقتصاد إنتاج! هذه التوصية تظهر تجاهل المؤلف لجانب مهم في الواقع الذي ناقشه، وهو أن الدولة لا تستطيع أن تجبي ضريبة إذا لم يكن هناك إنتاج، وأن الخراج مثلاً يعد ضريبة تتناسب مع اقتصاد زراعي كان سائدا في مختلف أقاليم الدولة "العربية الإسلامية " ( العراق، مصر، الشام، إلخ)، وبالتالي لا يجب إنكار وجود اقتصاد إنتاجي زراعي في المراحل التي تناولها الجابري. وقد تكون التوصية مبنية على واقع اليوم في البلدان "العربية" والذي يشار إليه بالاقتصاد "الريعي"!؛ وهو واقع البلدان التي تكتفي فيها الدولة بعقد اتفاقيات مع شركات أجنبية لاستغلال مواردها الطبيعية و تحصيل نسبة من الأرباح. لكن المفروض أن التوصية لها علاقة بما ناقش الكتاب، وإذا تجاوزنا عن هذا، فحتى في هذه الحالة، يجب التأكيد على وجود اقتصاد إنتاج، واستعمال المفاهيم المناسبة لتعرية واقع سيطرة الإمبريالية على هذا الإنتاج و ليس الرأسمال الوطني ولا الشعوب "العربية".
الجابري أخذ بمفهوم القبيلة (سماه أحيانا القرابة)، لتفسير الصراع في مجتمعات ما قبل الرأسمالية، و من خلال نصوص مفكرين غربيين، انتقد من يقولون بالصراع الطبقي في هذه المجتمعات. مع أن الجابري خلُص إلى وحدة البنيتين الفوقية والتحتية في هذه المجتمعات، ويقصد الصعوبة في التمييز بينهما. لكن صعوبة التمييز عند هؤلاء المفكرين لم تأتي بصعوبة في الإلمام بالواقع (تاريخ المجتمع المراد تحليله)، وهذا قد يكون مبرراً مقبولا، لكن الصعوبة تأتيهم بتعمد الخلط بين المفاهيم نفسها، والسعي لإسقاط مفهوم الصراع الطبقي وتعويضه بمفاهيم أخرى كالصراع "القبلي" وغيره.
في المجتمعات الطبقية تبرز طبقة تملك وسائل الإنتاج وتستغل طبقة المنتجين بالسيطرة على إنتاجهم (بعد تأدية ما يسمح فقط باستمرارية حياة المنتجين وبالتالي استمرارية استغلالهم). و الطبقة المالكة التي نراها اليوم، تتحرك في إطار سياسي يسمى "الحزب" وتخوض الصراع ضد أحزاب أخرى، وتسيطر على الدولة وتخوض الصراع ضد دول أخرى من أجل مصالحها، كانت تتحرك ضمن إطار سياسي مختلف، وقد يكون هذا الإطار في المجتمعات التي درسها الجابري هو القبيلة. فحين تتحرك قبيلة للسيطرة على الدولة أو لإقامة دولة في بلد ما، فالذي يجب أن لا نغفله أن الطبقة المسيطرة في هذه القبيلة هي التي تتحرك سياسيا من أجل مصالحها، لكن تتحرك بإسم "القبيلة " لتعبئة كل المنتمين لهذه القبيلة لأنها لا تستطيع الاستغناء عنهم (كجنود ومصدر تمويل) في حروبها ضد القبائل الأخرى. فقريش لما حاربت الدعوة المحمدية ، حاربت باسم "القبيلة " (كجاه، وأمجاد، وسيادة، إلخ)، إذا نظرنا إلى الإطار التنظيمي السياسي، لكن من منظور طبقي، فالذي حارب هي طبقة التجار الكبار في مكة التي كانت ترى هذه الدعوة -في بدايتها- تهديدا لمصدر ثروتها (الأصنام التي كانت مزارات لقبائل شبه الجزيرة الأخرى ومنعشاً لأسواق قريش الكبرى و كانت قريش تتلقى على رعايتها الهدايا من القبائل الأخرى). وحتى وإن رفعت قريش شعارات تعبئ بها الجمهور خلفها، فالطبقة المسيطرة داخل القبيلة لم تكن دائما قادرة على إخفاء مصالحها الطبقية (مثلاً خلال الصراع حول السقاية والرفادة داخل مكة). وهذه المناورات (الدعاية المضلّلة) تشبه بوجه ما، ما تفعله الطبقة الرأسمالية في أمريكا التي ترفع شعارات مضللّة لتعبئة أوسع في الأوساط الشعبية، كالدفاع عن " المصالح الحيوية " لأمريكا، و"أمريكا أولاً "، لكن من منظور طبقي، نرى أنّ المصالح الحيوية التي من أجلها يخوض الجيش الأمريكى الحروب في العالم هي مصالح الطبقة الرأسمالية التي تسيطر على النظام المالي العالمي وتحاول السيطرة على ثروات العالم، وتجر معها الشعب الأمريكي إلى مستنقعها. والمصالح الطبقية التي يمثلها و يعبّر عنها زعيم القبيلة لا تكون حاضرة فقط وقت الحروب، بل أيضاً وقت الهدنة و وقت عقد التحالفات مع القبائل الأخرى لمعارضة السلطة القائمة، وللسعي إلى السلطة أو للحفاظ عليها. وهذه الأدوار التي كانت تقوم بها القبيلة- كإطار تنظيمي- ، هي الأدوار التي أصبحت تقوم بها الأحزاب السياسية، مع الأخذ بعين الإعتبار التطورات المجتمعية التي حصلت عند إعمال أي مقارنة . وفي مجتمع طبقي، لا يجب أن يحجب عنا الإطار التنظيمي المصالح الاقتصادية التي من أجلها تتحرك سياسيا الطبقة المهيمنة. فأبو سفيان مثلاً (زعيم قريش بعد مقتل أبي الحكم المعروف بأبي جهل) كان أحد كبار تجار قريش وحارب الدعوة المحمدية وصالحها من أجل مصالحه الاقتصادية ومصالح هذه الطبقة بالدرجة الأولى. ومن أجل بلوغ أهدافه كان يحتاج لتنظيم القوة البشرية المحاربة في إطار (هو القبيلة)، وكان يحتاج لفكرة تجمع هذه القوة وتحفزّها (كالدفاع عن أمجاد قريش والدفاع عن الأصنام التي تجلب لقريش العزة ). وأن تساوي بين زعماء القبيلة وبين مواليها وعبيدها والنساء ذوات الرايات ( لم يكنّ يملكن سوى اجسادهن للبيع) في المصالح، كأن تسمع التحليلات السياسية التي تتحدث عن مصالح الشركات الكبرى (كإطار قانوني وتنظيمي) ونفوذها في السياسة الأمريكية، فتحجب عنك الواقع المادي والانقسام الطبقي بين الرأسمالي مالك الشركة وأصغر عامل داخل هذه الشركة.
يتبع…
#محمد_سعيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟