محمد سعيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 20:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
علاقة الفكر بالواقع:
الجابري لم يتنصل بشكل صريح من التحليل المادي التاريخي، لكنه في سياق تحليله للتجارب السياسية التي اعتبرها مهمة في التاريخ "العربي الإسلامي " خلط منهج المادية التاريخية بمناهج أخرى، وهذا زاد غموضاً في توظيف المفاهيم، و ساهم في إخراج توصيات تتجاهل الصراع الطبقي في الداخل ومع الخارج . فالمؤلف يرى بأن الاستبداد السياسي الذي يعيشه العالم "العربي الإسلامي " يجد جذوره في التجارب المؤسسة (دولة الصحابة، والأمويين، والعباسيين، والفرق الإسلامية الكبرى)، وبهذا يربط الظاهرة بصيرورة تاريخية. و يسجل بأن مقولات المادية التاريخية صالحة لتفسير الرأسمالية في أوروبا. لكنه يعترض على مقولة الصراع الطبقي في مجتمعات ما قبل الرأسمالية لأسباب منها غياب الوعي الطبقي، ويعترض على مقولة أن البنية الفوقية هي انعكاس للبنية التحتية، وعوض أن تكون القبيلة (التنظيم الذي يعني زعامة معترف بها وهياكل لقيادة الحرب وحل النزاعات، الخ)، إطارا لخدمة المصالح الاقتصادية، أصبحت عاملا مستقلاً للفعل السياسي. وعوض أن تكون الإيديولوجيا (استعمل "العقيدة " مكانها) مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الاقتصادية، أصبحت عند المؤلف عاملا مستقلا (أحد المحددات الثلاثة للفعل السياسي).
الجابري ينفي الصراع الطبقي ويعوضه بالصراع القبلي أحيانا، وبالصراع المذهبي أو الطائفي أحياناً ، وبالصراع حول المصالح الاقتصادية أحيانا أخرى، وبهذا يكمل محددات الفعل السياسي العربي الثلاثة (القبيلة، العقيدة، الغنيمة). و لتداخل هذه المحددات، فالجابري يسجل صعوبة التمييز بين ما هو قاعدة وما هو انعكاس! في إطار ردّه على من سماهم الماركسيين العرب.
وهذا النقاش كما صنفه الجابري يندرج ضمن علاقة الفكر بالواقع التي ناقشها الفلاسفة في القرون الماضية بشكل كبير سواء ماديون أو مثاليون. والماركسيون خصوصا قالوا بأن الفكر هو انعكاس للواقع المادي. أما في الجانب المناقض تماما ، فقال فلاسفة مثاليون بأن الواقع المادي غير موجود خارج عقولنا! فالألوان، والأجسام التى نقول عنها الواقع المادي، ليست إلا انطباعات في عقولنا، والقياسات و الأحجام تتغير حسب زاوية النظر والقرب والبعد وما إلى ذلك، والجسم الذي يبدو كبيراً، يصغر تدريجياً مع بعدنا إلى أن يختفي تماما، وساقوا تبريرات أخرى للتشكيك في واقع خارجي (أي خارج عقل الإنسان). وليس للإنسان وسيلة للتحقق من وجود عالم مادي، كل ما لديه هو الانطباعات التي في عقله. وينفون السببية التي تقوم عليها العلوم التجريبية الحديثة، بدعوى أن ما اصطلح عليه بقوانين الطبيعة هو فقط عادات، لكن لا أحد يضمن بأنها تتكرر للأبد. فالشجرة التي تظهر أمامك، قد تختفي فجأة وبدون سابق إنذار! ولتحقيق توازن نسبي في نظريتهم، فهم يدخلون "عقلاً كلياً" هو الذي أوجد هذه الانطباعات في العقول الفردية ( أي لكل إنسان) وهو الذي يحافظ على استمراريتها في غياب الإنسان أو بعد موته. هؤلاء الفلاسفة إذا قالوا إن الواقع هو انعكاس للعقل، فهذا ينسجم مع منطلقاتهم، أما الجابري فلا ينتمي إلى هؤلاء المثاليين الذين يلغون مبدإ السببية. و إذا اكتفينا بهذا الكتاب الذي نناقش، فهو قدم محاولة لفهم تطور الاستبداد في "البلاد العربية الإسلامية " وبحث الأسباب لنشوء الدول وزوالها بعيداً عن التفسيرات الخرافية وخوارق العادات، مع العلم أنه قد يغفل بعض الأسباب الموضوعية. وحتى المقترحات العامة التي قدمها في آخر كتابه تعبر عن قناعة في الأخذ بالأسباب (بغضّ النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معه حولها) لإصلاح واقعنا السياسي والاقتصادي والفكري بعيداً عن التعويل على خوارق العادات.
وفي الفلسفة المادية، وخاصة الماركسية، كل ما يوجد خارج عقل الإنسان، ينتمي إلى المادة، بما في ذلك جسم الإنسان. الهواء، الغازات، الأجسام، المجال المغناطيسي، الإلكترونات، الموجات، إلخ، كل هذا ينتمي إلى المادة. والواقع المادي هو وجود مستقل عن فكرنا. وهذا لا يعني أن الإنسان لا يؤثر في هذا الواقع، بل يؤثر فيه ولهذا يردد الماركسيون مقولة "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية ". لكن هذا التأثير لا يكون بمجرد الوقوف أمام الواقع والتفكير فيه، بل التأثير الملموس يكون من خلال الإنسان كقوة مادية تعمل بمختلف الجوارح المادية التي يملكها، بالآلات التي يوظفها، بالتظاهرات، بالثورات، إلخ. ففعل الإنسان فيه ما هو فكري وما هو عملي. الفكر حين يتحول إلى عمل إنساني يصير قوة مادية تؤثر في الواقع المادي سلباً وإيجاباً. أما مسألة الانعكاس، فلا يجب فهمها بشكل تبسيطي وميكانيكي، فالإنسان يفكر في الواقع من خلال صور تنعكس في عقله، ويعطي للأشياء الموجودة أسماء لتسهيل التواصل مع الآخرين، وبترتيب هذه الصور يجمع أنواعا من الموجودات ويعطيها أسماء كالحيوان، والأشجار وغيرهما، ويعطي لأوضاعها أسماء (مثال تحت ، فوق..)، ولحركتها أسماء أفعال ( نمو، أكل ، شرب)، و لفهم علاقاتها وتفاعلاتها يصيغ قوانين. ويمكن أن نجمل هذا في تصورات الإنسان عن المادة . وهذه التصورات تتطور مع تطور العلوم، وقد يخطئ العلماء في بعضها ، وقد يعجز بعضهم عن التفسير العلمي لبعض الظواهر، لكن هذا لا يمس بمبادئ المادية الجدلية. والانعكاس الجدلي يعني أن التصورات تحصل بجميع الناقضات الممكنة للواقع بما في ذلك النظرة المستقبلية. أما من يعتقد بوجود الواقع المادي ويتساءل عن انعكاس الفكر/ الواقع، فإنما يعبر عن التباس في التفكير، وليس عن قانون قابل للبرهان. فالإنسان سليم الرؤية إذا وقف أمام شجرة، فهذه الأخيرة لا تستشيره قبل أن تنعكس كصورة في ذهنه، بينما العكس لا يحصل! فلو فكر الإنسان في شجرة ما، فهي لا تنعكس في الواقع بمجرد تفكيره، بل يستلزم وجودها عمل مادي من قبيل زراعة بذرة وسقي وعناية وتربة وجو ملائمين إلى أن تكبر!
هذا عن علاقة الفكر بالواقع المادي والتي يصح فيها الكلام عن مفهوم الانعكاس. أما الكلام عن هذا المفهوم في علاقة البنيتين التحتية والفوقية فلا يكون إلا تجاوزاً. كما أن ماركس لم يتحدث عن علاقة البنيتين بهذه الصيغة في كتابه "مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي-1859م"، بل ذكر بأن علاقات الإنتاج في مجتمع ما تشكل البنية التحتية، أي البنية الحقيقية التي تشيد عليها بنية فوقية قانونية وسياسية تتناسب مع أشكال محددة من الوعي الاجتماعي. عند الحديث عن بنية المجتمع الإنساني التحتية أو الفوقية، لا بد من الأخذ بعين الإعتبار أن زاوية النظر تتميز عن نظيرتها عند الحديث عن علاقة الفكر/الواقع. فالبنية اصطلاح يعبّر عن مؤسسات، وعلاقات، و أفكار. وكما أن الإنسان - كقوة مادية- يوجد في البنية التحتية كقوة إنتاج (مثلاً كعبد، كعامل أو كفلاح قنّ)، يوجد أيضاً في البنية الفوقية بأدوار مختلفة كقوة إنفاذ القوانين مثلاً (قاضي، شرطي، إلخ). و رغم أن استقراء تاريخ الإنسان يظهر أن التجمعات الكبيرة كانت دائما بغاية الإنتاج الاقتصادي ( مثال التجمعات حول الأنهار في المجتمعات الزراعية، والتجمعات حول المناجم، وحول سواحل سهلة لإنشاء موانئ عليها)، لكن النقاش لا يجب أن يتحول إلى من الأول البيضة أم الدجاجة! فما يهمنا هو التأكيد على أن البنية الفوقية ينشئها الإنسان كحاجة لضمان الإنتاج الاقتصادي، وأن في كل المجتمعات الطبقية تكون المؤسسات والقوانين في خدمة طبقة ضد أخرى. وهذا لا يعني غياب مكاسب للطبقات المستغًَلة ( بفتح الغين)، فالقوانين مثلاً تخضع لمنطق الصراع و موازين القوى، فكلما كانت هذه القوى منظمة وتمتلك رؤية واضحة لمصالحها ولأساليب الضغط تستطيع أن تنتزع مكاسب حتى لو لم تكن قادرة على تحقيق النصر النهائي. فالقبيلة (كالدولة) ليست فوق الطبقات، خاصة أننّا نتحدث عن تجمع بشري يمارس السلطة أو الصراع السياسي للوصول إلى السلطة. قد يحدث أن تسيطر القبيلة على مجال جغرافي مستقل وتمارس نشاطا اقتصادياً واجتماعياً عليه. و للحفاظ على هذه الوضعية أو تطويرها تحتاج إلى تنظيم الدفاع عن المجال الجغرافي و حلّ النزاعات بين أفراد القبيلة وعقد تحالفات مع قبائل مجاورة وما شابه ذلك. وكل هذه الأدوار تمارس عبر أفراد يفرضون أنفسهم بمنطق القوة أو بنوع من المشورة بين من لهم "الأهلية " ( التي تكون غالباً مقرونة بالتأثير الاقتصادي) . وفي هذا السياق، فالقبيلة تلعب دور "دويلة صغيرة "، ونقصد السلطة السياسية التي تتخذ القرارات داخل القبيلة وتنفذها. وقد يحدث أن تصل القبيلة إلى قيادة دولة مركزية تسيطر على أكثر من قبيلة، و تتشكل من هذه القبيلة قيادات هياكل الدولة المركزية، وفي هذا المثال تكوّن القبيلة الأطر البشرية وتؤهلهم لتقلد المناصب القيادية بمنطق زمانها، كما تفعل الأحزاب السياسية اليوم. وكما يلاحظ التعصب القبلي للتمسك بالسلطة، قد يلاحظ التعصب الحزبي اليوم لاحتكار السلطة. وفي هذا المثال، القبيلة "الحاكمة " تضطر للتعاون مع قبائل أخرى عبر تعيين زعمائها (شيخ ، قائد ، أعيان، إلخ) في مناصب لممارسة السلطة وتمثيل الدولة محلياً. وقد تخرج قبيلة أو أكثر خاوية الوفاض، في التوزيع الذي سبق ذكره، لسبب ما. وهنا تلعب سياقات تاريخية دوراً في مآلاتها؛ إما أن تخضع لما يقرر لها، أو تتفكك بالقوة وتدخل في القبائل الأخرى كعبيد، أو تدخل اختياراً في قبائل أخرى كما حصل للقبيلة اليمنية قضاعة التي دخلت بعض بطونها في قريش. وقد تحافظ قبيلة على تنظيمها وزعاماتها وتدخل في معارضة الدولة المركزية عسكرياً وسياسياً. وفي كل الأمثلة المذكورة، فالقبيلة تتحرك سياسياً تحت قيادة زعاماتها التي أنتجتها صيرورة الصراع الطبقي محلياً، و تتفاعل مع محيطها (دولة مركزية، قبائل أخرى) بمنطق المصالح الطبقية التي تمثلها. وحين يبني الجابري تحليله ل "العقل السياسي العربي " على ثلاثة محددات، معنى ذلك أن "العربي" عبر تجاربه السياسية الكبرى كان يتحرك من أجل المصالح الاقتصادية (سماها الغنيمة)، وهذا لا اعتراض عليه في المجمل. وكان يتحرك من أجل القبيلة، وهذا يعني أن الزعامات القبلية التي كانت تخلق الفعل السياسي كانت تتخذ قرارات فوق طبقية، أي خالية من المصالح الاقتصادية في مجتمع طبقي . و إذا كانت هذه القرارات القبلية من أجل المصلحة الاقتصادية، فيجب رد دوافع الفعل السياسي إلى العامل الاقتصادي كما يفعل الماركسيون الذين لا تحجبهم مؤسسات البنية الفوقية عن رؤية المصالح الطبقية التي تمثلها. والأمر نفسه ينطبق على الإيديولوجيا ( التي سماها الجابري العقيدة).
يتبع…
#محمد_سعيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟