|
|
ما هي العوامل والأسباب التي وأدت الحلم الكردي بولادة دولة كردستان؟!
بير رستم
كاتب
(Pir Rustem)
الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 16:44
المحور:
القضية الكردية
ربما هذا هو السؤال الأهم الذي شغل وما زال الكرد عموماً بنخبها الثقافية والسياسية وبعوامها من أبناء شعبنا بحيث باتت السؤال الأهم، كما أشرنا، والذي يؤرق المخيلة الجمعية الكردية، مما جعل الكثيرين يخوضون في متاهات التاريخ والبحث عن الأسباب والحيثيات التي جعلت كل الثورات الكردية تفشل في تحقيق ذاك الحلم الذي يشغل بال كل كردي، وربما بال العديد من المهتمين بالشأن الكردي، وإننا ومن خلال البحث في العديد من تلك الدراسات والأبحاث والشروحات نستخلص سببين رئيسيين يلخصان كل هذه الاجتهادات والأفكار والأبحاث التي ألمت بالقضية الكردية. ويتعلق أحدهما بالعامل الذاتي الداخلي للمجتمعات الكردستانية حيث عدم قدرة هذه المجتمعات على مواكبة التطورات التاريخية السياسية الحضارية وذلك نتيجة خضوعها للاستعباد الدولي -وليس الاستعمار الدولي، كما يسميها العالم الاجتماعي التركي؛ إسماعيل بيشكجي، كون الاستعمار وبالرغم من جانبه السلبي له جوانب إيجابية في التعمير، بينما الاحتلال في الحالة الكردية كان أسوأ حيث التخلف والقهر والإذلال النفسي والأخلاقي بحيث أذلت الشخصية الكردية ومسختها على طريقة التعامل قروسطياً مع جماعات العبيد، مما يجعلنا نوصف حالة الوجود الأجنبي (العربي والتركي والفارسي) بحالة الاستعباد للشخصية الكردية وليس "استعماراً" كما وصفها البيشكجي. وهكذا فإن حالة الاستعباد والإذلال للشخصية الكردية واحتلال جغرافيتهم وتحريمها من اللحاق بركب التطور الحضاري، كما حال المجتمعات المجاورة، جعلت البيئة المجتمعية الكردية غير قادرة على إنتاج نخبها الفكرية والثقافية والسياسية في وقت مبكر، كما أنتجتها المجتمعات والبيئات الأخرى العربية وغيرها ومن خلال متابعتنا لبعض المحطات التاريخية في تطور كل بيئة من هذه البيئات المجتمعية سوف ندرك هذه الحقيقة بوضوح تام؛ فمثلاً لو قارنا بين ولادة أول صحيفة كردية مع الصحف العربية لوجدنا ما يقارب القرن بين تجربتي الشعبين، ففي حين كانت جريدة كردستان والتي أصدرها مقداد مدحت بدرخان في القاهرة كأول جريدة كردية تصدر بتاريخ 22 نيسان 1898، كانت صحيفة "التنبيه" أول صحيفة عربية صدرت في عام 1799م. وهو كما أشرنا قرن كامل وينطبق هذه الفوارق على مختلف الجوانب الثقافية والسياسية الأخرى حيث استطاعت تلك المجتمعات على بلورة مشاريعها الثقافية قبل الكرد بأعوام عديدة نتيجة حالة الاستعباد والتخلف في المجتمعات الكردية. طبعاً ذاك لا ينفي وجود بعض الأشخاص وحتى الجماعات الكردية التي حاولت في وقت مبكر من خلق حالة ثقافية ونشر الوعي السياسي داخل المجتمعات الكردية، لكن حالة التخلف والقمع والقهر والاذلال للشخصية الكردية نتيجة واقع الاستعباد الدولي كانت تجعل هذه الحركات والأشخاص منبوذين داخل بيئاتهم الاجتماعية وحتى لفترات قريبة، وكلنا نحن أجيال الستينيات والسبعينيات، بل ربما لليوم نتذكر المقولة الشعبية؛ بأن فلان من الناس أحمق ولا يعرف مصلحته وذلك فقط لكونه كان يعمل بالسياسة مع أحد أطراف الحركة الوطنية الكردية.. وهكذا فإن اعامل الداخلي من تخلف وقهر وقمع وخوف أو جبن الشخصية الكردية التي تشكلت على قاعدة القهر والاستعباد جعلت المجتمعات الكردية غير قادرة على إنتاج ثوراتها وقياداتها التاريخية، وما أنتجته كانت في أغلبها ذات طابع ديني إسلامي في مرحلة كان الغرب والاستعمار الأوربي قد أخذ على عاتقه تدمير آخر قلاع الدولة الدينية، ونقصد الإمبراطورية العثمانية في حين الكثير من القادة والثورات الكردية كانت تتبنى بعض تلك القيم والمفاهيم الدينية أو على الأقل هكذا توحي وذلك من خلال تزعمها رجالات دين؛ مثل ثورة الشيخ سعيد! أما العامل أو السبب الآخر فيتعلق بالخارج أو الجانب الدولي والإقليمي حيث من جهة مصالح هذه القوى الاستعمارية والاستعبادية في تقاسم النفوذ على كردستان وخيراتها من جهة ومن جهة أخرى حدوث متغيرات تاريخية في مسار بعض الشعوب والمجتمعات كلها ساهمت في وأد ذاك الحلم الكردي في ولادة كردستان وبهذا الخصوص فقد كتب الزميل والصديق؛ آزاد علي، مقالة تحت عنوان: "مستقبل فكرة نوئيل - كرزون لإعلان دولة كوردستان الحاجزة بين العرب والأتراك"، نشرها على موقع الحوار المتمدن، العدد 8071 _ 16/8/2024 وقد جاء فيه التالي: "يعد اللورد جورج ناثانيال كرزون George Nathaniel Curzon (1859 -1925) السياسي البريطاني الأكثر فعالية في الربع الأول من القرن العشرين، شغل منصب الحاكم العام للهند البريطانية في الفترة ما بين 1899 و 1905 ووزير خارجة بريطانيا خلال أعوام 1919 حتى 1924. كان خبيرا في الشؤن الآسيوية وكذلك الكوردية. ويعد صاحب فكرة دولة كردستان الكبرى التي كانت ستغير التوازنات وجغرافية الشرق الأوسط مطلع القرن العشرين، بحيث تكون الدولة الحاجزة بين تركيا وايران من جهة وبلاد العرب من جهة أخرى". ويضيف كذلك قائلاً؛ ((ساند فكرته عدد آخر من المسؤولين البريطانيين وخاصة الميجر نويل، وربما يكون نوئيل هو مبتكر تلك الفكرة الاستراتيجي، اذ كان يعد أبرز المتحمسين لفكرة كوردستان الكبرى، أو حتى لعدة دول كوردية عهدئذ، اذ "طرح نوئيل أول مشروع شامل لإقامة كردستان منفصلة تتمتع بحكم ذاتي. وطبقاً الى الخطوط العامة لهذا المشروع، ستكون هناك كونفدرالية كردية، تتألف من ثلاثة كيانات كردية خاضعة لإشراف بريطانيا وحمايتها، وتكون السليمانية مركزاً ادارياً لكردستان الجنوبية، في حين تكون الموصل ودياربكر مركزين اداريين لكردستان الغربية والمركزية بحسب الترتيب." (د. سعد بشير إسكندر، من التخطيط الى التجزئة... السليمانية، 2007، ص142)). طبعاً وللأسف لم تتبلور تلك الرؤى والأفكار والمشاريع على أرض الواقع وذلك لأسباب عدة يلخصها الأستاذ آزاد بما يلي: "لكن بريطانيا أرغمت على التخلي عن هذا المشروع تدريجياً نتيجة للانتصارات الكمالية التركية، وبسبب الدعم البلشفي لحكومة أنقرة الوليدة"، وهي الفكرة التي سبق وأشرنا إليها في عدد من قراءاتنا حول الموضوع؛ أي الدور السوفيتي في وأد مشروع ولادة دولة كردستان وذلك بعكس الفكر السائد؛ بأن الغرب وبريطانيا وراء عدم قيام كردستان، نعم بالتأكيد هم (أي الغرب عموماً وبريطانيا على وجه الخصوص) يتحملون الوزر الكبير في كارثة الكرد، لكن ذاك جاءت نتيجة عوامل ومتغيرات كبرى حصلت في مسار التاريخ والدول والحضارات حيث كانت الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918 بين دول المحور والحلفاء وبعد انتصار هؤلاء الأخيرين على دول المحور وانهيار الدولة العثمانية؛ حليفة ألمانيا، فقد عملت دول المحور على تقسيم مناطق النفوذ فيما بينها وكانت كردستان ولسوء حظنا من حصة روسيا القيصرية. لكن وقبيل انتهاء الحرب نجح لينين مع رفاقه الشيوعيين على الاطاحة بحكومة قيصر والاتيان بالمنظومة البلشفية لتقود السلطة في البلاد وهم من كشفوا اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور، بل والتخلي عن حصتهم من مناطق النفوذ ومنها كردستان بحيث بقيت تحت النفوذ التركي والفارسي وجزء منها تحت الاحتلالين الفرنسي (روجآفا - سوريا) والبريطاني (إقليم كردستان - العراق). وبالتأكيد السوفييت لم يتخلوا عن مناطق نفوذهم حباً بالأتراك والفرس ولا كرهاً بالكرد، وإنما كانت "الثورة البلشفية" في بداية عهدها ومحاربة من الدول الغربية الرأسمالية وبحاجة إلى أصدقاء أو أعداء أقل، وخاصةً من الدول المجاورة وقد وجدت في تركيا الكمالية هذا الجار المعين له حيث التجربتين في مهدهما وهما في صراع مع الدول الغربية الاستعمارية وبالتالي من الطبيعي أن يجد أحدهما في الآخر حليفاً وشريكاً له لمواجهة تلك التحديات. وهكذا دعم السوفييت الكماليين في مشروعه السياسي ببناء تركيا الحديثة كدولة قومية على ما تبقى من الجغرافيا التي تحتلها لشعوب أخرى؛ كردية، أرمنية ويونانية، وكرد للجميل من قبل أتاتورك للسوفيت فقد أمر بوضع شخصيتين سوفيتيتن في النصب التذكاري لقيام الجمهورية التركية والمقام في ساحة التقسيم باستانبول، وطبعاً لعب كمال أتاتورك وفريقه السياسي اللعبة بطريقة ذكية، إن كان مع السوفييت بالبداية ومن ثم الانقلاب على السوفيت والانضمام لحلف الناتو في 18 فبراير/شباط 1952 حيث تعهد أتاتورك بجعل تركيا تقطع جذورها التاريخية مع الثقافة العثمانية الإسلامية وتسير على المنهج الغربي العلماني وهو ما تم تجسيده من خلال جعل الحرف اللاتيني بدل العربي والبرنيطة الغربية بدل الطربوش العثماني مثلاً، بالإضافة للكثير من القوانين والإجراءات التي جعلت من تركيا تبدو بثقافة غربية لا إسلامية في حين بقي زعماء الكرد -بعض قادتهم على الأقل؛ الشيخ سعيد- متمسكين بعباء الخلافة الإسلامية، فكيف تريد من الغرب وبريطانيا دعم استقلال كردستان وأنت تطالب بإعادة الخلافة، بينما أبناء وورثة الخلافة أمثال أتاتورك ورفاقه يقطعون كل صلة بها ويريدون صبغ تركيا بالعلمانية الغربية. الخلاصة؛ للأسف نحن الكرد ضحايا تخلفنا الاجتماعي الحضاري الناتج بدوره عن حالة الاستعباد الدولي لكردستان من قبل الشعوب والحكومات العربية والفارسية والتركية وبموافقة دولية، هذه من جهة ومن جهة أخرى، ضحايا المصالح والمشاريع الدولية الاستعمارية حيث تلاقي العاملين جعلا من الحلم الكردي أن لا يرى النور وذلك بالرغم من كل تضحيات شعبنا وبالأخص في المراحل التاريخية المتأخرة؛ روجآفا مثالاً بحيث مصالح شركات الانتاج الحربي وسماسرة المال والسياسة والأعمال والذين وصلوا إلى قيادة هذه الدول وبالأخص أمريكا بنسختها الترامبية القذرة، جعلت الحلم الكردي يوأد مرة أخرى وبانتظار اللحظات التاريخية التي تفجر الإرادة الكردية مجدداً والتي لم ولن تموت وهذا ما يشهدع لنا التاريخ؛ بأن الشعب الكردي يملك من الإرادة على الاستمرار والبقاء حياً ما عجزت عنها الكثير من الشعوب والحضارات الأخرى والتي كانت في مرحلة ما تسود كل المنطقة، مثل حال الأخوة الآشوريين وحضارتهم التي أمتدت واحتلت كل هذه الجغرافيات في مرحلة تاريخية ما.. نعم إرادة شعبنا ما زالت حية وباقية وكردستان سوف تتحرر مستقبلاً غصباً عن كل الاستعباد الدولي.
#بير_رستم (هاشتاغ)
Pir_Rustem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل يمكن تسليم الراية للجيل الجديد؟!
-
هل حان الوقت لتسليم الراية للجيل الجديد؟!
-
من فوّض عبدي؟!
-
البارزانيين أخطر من الآبوجيين على تركيا!
-
ديار ديرسمي وعلم كردستان
-
الكرد وحكاية الجدار والمسمار
-
كلنا يعني كلنا!
-
هوية عفرين وبيان ما سميّ ب العشائر العربية
-
هل هي عمالة أم لعنة الجغرافيا؟
-
دفاعاً عن عبدي، دفاعاً عن القضية
-
شو حكايتكم مع المرجعية الكردية يا أحزابنا؟!
-
الكردي الذليل والمقاربات السياسية.
-
الدولة الكردية ضرورة تاريخية هوياتية
-
لماذا عادت الآبوجية لعفرين؟
-
بوست عن وحدة الموقف الكردي والرد على بعض التعليقات
-
دعونا لا نساعد أعدائنا على قتل أكباشنا!
-
قراءة أولية حول الاتفاق الأخير بين قسد والحكومة الانتقالية
-
نظرة السلطة الانتقالية للوجود الكردي في روژآڤا (سوريا)
-
السردية العربية عن -هجرة الكرد- إلى سوريا!
-
علينا أن نوافق على الاتفاقية
المزيد.....
-
لهيب الصيف يحوّل مخيمات النازحين في قطاع غزة إلى جحيم
-
منظمة -هند رجب- تقدم شكوى جنائية في هولندا ضد إسرائيلي بتهم
...
-
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: التذرع بأمر
...
-
بقائي: الإدارة الأميركية تُقوّض القواعد الأساسية للقانون الد
...
-
بقائي: السياسة التي تُجيز تدمير الجسور ومحطات الطاقة غير قان
...
-
العراق يسترد 11 مليون دولار وسبائك ذهبية في حملة لمكافحة الف
...
-
آليات الاحتلال تطلق نيرانها باتجاه خيام النازحين في مواصي مد
...
-
رويترز: لماذا لا يستطيع زهران ممداني اعتقال نتنياهو في نيويو
...
-
هل يستطيع زهران ممداني اعتقال نتنياهو إذا زار نيويورك؟
-
قوات الاحتلال تشن حملة مداهمات اعتقالات خلال اقتحام مدينة ق
...
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|