أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد حسين النجم - الفاو : مدينتي















المزيد.....

الفاو : مدينتي


محمد حسين النجم
استاذ جامعي / باحث اكاديمي

(Mohammed H. Alnajim)


الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 15:25
المحور: سيرة ذاتية
    


مدينتي لم تك طائفية , ولكنها تعرف جميع من فيها من طوائف واديان , ومعرفتها هذه كانت وظيفية الى حد ما . كل صابئي في مدينتي كان يعمل بالذهب , ولكن هل هناك من لا يعمل فيه ؟ ربما هناك , الا ان مدينتي لا تعرفه , فهي تعرفه من وظيفته ولا علاقة لها بامر غيره , ومن لا يمارس الصياغة يصعب ان تعرفه , لماذا ؟ مدينتي لا تبحث عن خلفيات سكانها الا بقدر ما يرتبط بالوظيفة , وعرفت مدينتي بان ( سيروب ) مسيحيا ليس لشئ الا لان وظيفته لا تنسجم مع وظيفة اقرانه , ففي مدينتي هناك الكثير من المسيحيين والمسيحيات , الكثير منهن اوربيات تزوجن من عراقيين درسوا في الخارج , لم يكن الزوج مسيحيا بالضرورة فالكثير من المسلمين تزوجوا تلك الاوربيات واستقدموهن معهم , وارتباطا بهذا كان المسيحي في مدينتي يعد من الطبقة الوسطى , ليس في مدينتي الا القلة مما يمكن ان تطلق عليهم طبقة ثرية . ولهذا فان ( سيروب ) كان استثناء , واستثنائيته احد اسباب معرفة دينه , فمن الصعب ان يكون مسيحيا ويعمل ماسحا للاحذية في مدينتي , وهكذا من استثنائية وظيفته عرفت مدينتي دينه مثلما عرفت دين ( سلمان ابو العرك/ العرق ) لان المسلم لا يسمح له ان يبيع ( العرق ) , وهكذا عرفنا كذلك ان مله ناصر كان على المذهب السني , لماذا ؟ لان مسجده قرب المقبرة , في مدينتي يدفن الشيعة موتاهم في النجف , والسني يدفن موتاه هنا قرب جامع ( مله ناصر ) للتبرك به . مدينتي لم تعرف الطائفية التي سمح العمر بان يمتد لنعرف اسوء اشكالها . في مدينتي , مثلما هو الحال في كل مدننا , التنوع محترم ولا يشكل استثناء , فكلنا نعرف بعضنا ونحترمه , واذ اذكر موقفا يجسد هذا ضمن الكثير الذي لا اذكره , اذكر سنة 1969 . كلنا نعرف ان بلدنا في هذه السنة شهد اكبر موجة من الجدل والاختلاف بعد ان اعلنت ( ناسا ) الامريكية انها نجحت بانزال رائد فضاء على سطح القمر . والدي رجل دين , يمتلك نظرة عقلانية للامور . احدى الليالي , بعد هذا الاعلان , كان في ضيافتنا مجموعة من اهل مدينتنا . من كانوا ؟ بعضهم سني وبعض شيعي واخرون مسيحي وصابئي . تصور هذا الجمع المترافق وهو يقدم على رجل دين ليفهم منه حقيقة ما جرا . وكعادته , مثلما هي عادة جميع اهلنا في مدينتي , رحب بهم وعانقهم وسئل عن احوالهم وادى خدمة ضيافتهم . كان معتادا ان يجد هذا الجمع , الا انه في تلك الليلة كان مختلفا , فهم بجميع مشاربهم جاؤوا ليسئلوا رجل دين مسلم يختلف عن مذهب بعض المسلمين الذين استضافهم مثلما يختلف عن دين البعض الاخر عن مسالة مهمة عندهم : هل حقا صعد رجال الفضاء على القمر ؟ بل ان بعض المسلمين بينهم رفع اية من سورة الرحمن ليدعم اعتراضه على خبر صعودهم ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ۚ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 34 ) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ( 35 ) ) كان الخبر قاسيا على من اعتقد بان ذلك يعني نجاح التحدي الى الاله , فليس هناك شواظ من نار ونحاس يردع هؤلاء . واذا كان المسلم بينهم غمرته البهجة حين اجابه والدي : نعم , هذا التهديد لمن ينفذ من اقطار السموات والارض , اما القمر فليس الا ضاحية من ضواحي الارض لا يدخل في هذا التحدي , فان المسيحيين والصابئة منهم غمرتهم البهجة لانهم وجدوا رجل دين لا يعارض انجازا علميا مادام في حدود العقل , لقد ابهجتهم عبارة القمر ضاحية من ضواحي الارض , وانه قطعة منها انفصلت وظلت تدور على امها . كان عناقهم تلك الليلة مختلفا , فقد ثبت ما كانوا يعتقدونه اهتزازا بدينهم .هكذا كانت مدينتي , لا يأنف صابئها او مسيحيها او سنيها وشيعيها ان يتبادلوا ما يعرفون تظللهم السعادة والمحبة . في مدينتي لم نكن نعرف الا العناوين البارزة لاسباب وظيفية , فلا نعرف المذاهب السنية تفصيلا ولا المذاهب الشيعية مثلما لم نعرف الطوائف المسيحية او الصابئية بشكل مفصل ايضا , فلولا الدواعي الوظيفية ربما لم نعرف انتمائاتهم .
في صباي جئت الى الكاظمية مع اهلي , وكالعادة فزوار المدينة يحرصون على شراء الذهب منها , فهم على اختلاف مذاهبهم يفدسون المدينة والضريح فيها , واذ ان الراسخ في عقلي وظيفيا ان الصابئة اختصاصهم الذهب ومنهم صاغته , واذ ان عددهم في مدينتي لم يكن كبيرا , فقد فاجئني عدد الصاغة في الكاظمية فسالت امي : هنا الكثير من الصابئة اكثر مما لدينا في مدينتي !!!! حينها فقط عرفت بان صياغة الذهب لا علاقة لها بدين او مذهب من يعمل فيه .
كان عادل صديقي , صابئي جمعتنا الدراسة معا , كنا رفقة متنوعة الاديان والمذاهب ومن بينهم عادل . فرقتنا الايام بعد ان تخرجنا من الاعدادية وبعد ان توزعنا للدراسة في محافظات اخرى , ثم جاءت الحرب وابادت مدينتنا وشردت اهلنا في اصقاع الوطن . تم مسح مدينتنا عن الوجود , ثم , بعد الحرب , وزع ولي الامر تراثها لمريديه واتباعه , وهكذا صار التلاقي صعبا ونحن نعيش السنوات الثمانية من الحرب . في يوم من الايام كنت اتجول في المدينة التي استقر رحلي بها واذا بي التقي صديقي عادل . يا الله كم طال الفراق بيننا . حظنا بعضنا , وامطرنا بعضنا بالقبلات , ثم تحدثنا عن ما صار عليه حالنا واين استقر مقامنا . كان عادل مهندسا مسؤولا عن مسبح جامعي اولمبي , وهو ليس بعيد عن سكني , مثلما لم يكن سكنه بعيدا , وما هي الا برهة واذا بعادل يقول لي كل جمعة اتصل بي , وكان الوقت شتاء , ساحمي لكم المسبح واعطيك المفتاح تسبح انت والعائلة وحين تنتهون تقفلون المسبح وتتركون المفتاح في المكان المخصص . نظرت الى عادل , تذكرت ايام رفقتنا القديمة , شعرت في تلك اللحظة كاننا لم نفترق طيلة هذه المدة , وكأن فراقنا ليس الا ذاك الفراق حين كنا يذهب كل الى بيته ينام ليلتقي صباحا بصاحبه . فليس غريبا ان يخبرني زملائي , حين كنت طالبا في الدراسات العليا , ان صديقا لي اسمه رعد جاء ليسئل عني وسيعود في ساعة محددة . وما اجمل اللقاء ذاك بصديقي رعد ( السني ) من افراد مجموعتنا القديمة تلك وهو يسمع صدفة بوجودي هنا فجاء يجدد الوصل الذي قطعته سنون الغياب , وهكذا بات القدر يعيد رأب صدعنا , ويجمع بعض شملنا , وليته لم يفعل !!!!! ان يفرحك القدر بلم بعضكم ثم تاتي الحرب ليضيع كل شئ , من عادوا اكلتهم الحرب , ولم افكر بان ابحث عن الاخرين , فالصدمات في نهاية العمر قاتلة .



#محمد_حسين_النجم (هاشتاغ)       Mohammed_H._Alnajim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محاولة تذكر(*)
- قراءة في كتاب ( اعترافات الغزالي )
- شلونك انت ؟ قصيدة تنزف وجعا
- لماذا لم يكن كامو وجوديا ؟
- البدء الفلسفي وحكم القطيع
- مكانة اللغة والاسطورة في نمط الثقافة الإنسانية
- ايروس او دافع الحب في محاورة ( المأدبة ) لافلاطون
- قراءة في كتاب علي حرب ( ثورات القوة الناعمة في العالم العربي ...
- وقفة مع الفلم الاسباني ( الحفرة )
- خبز العباس
- العشق ........والتاريخ


المزيد.....




- مصدر لـCNN: إسرائيل تعتقد أن إيران نقلت يورانيوم عالي التخصي ...
- الجيش اللبناني: القوات الإسرائيلية أطلقت النار على مقربة من ...
- تصعيد متواصل بين واشنطن وطهران.. والجيش اللبناني يبدأ الانتش ...
- امتداد حريق غابات في جنوب شرق فرنسا ورجال الإطفاء يكافحون ال ...
- -لم ألتقِ مجتبى خامنئي-.. عراقجي يكشف كواليس إدارة الحرب وال ...
- وقف النار في القطاع كذبة تكتب بدماء الغزيين.. 12 قتيلا منذ ف ...
- بريطانيا: آندي بيرنهام يكشف تشكيلته الحكومية ويستبعد الوزراء ...
- القواعد الأمريكية تتعرض لهجمات إيرانية: -الأردن أصبح هدفا مف ...
- مقابر الإلكترونيات الذكية.. الكارثة المنسية خلف الترقية السن ...
- بين المأساة الشخصية والمناورة السياسية.. كيف يصوغ خليل الحية ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد حسين النجم - الفاو : مدينتي